← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾، وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر، وإذا مر بآية دعاء واستغفار دعا واستغفر، ... ، قال حذيفة: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل. (١) التاسع: تحسين القراءة وترتيلها: بترديد الصوت بلا تمطيط مفرط يغير النظم لقوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٢)، واستمع ﷺ مرة إلى أبي موسى الأشعري ﵁ فقال: لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير داود. (٣) ومن الآداب الباطنة: الاْول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بخلقه حيث أوصل إليهم معاني كلامه بكل يسر وسهولة. الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه، عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشيَ عليه ويقول: هو كلام ربي هو كلام ربي. الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس، .... ، قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إليّ من القرآن حتى أحدث به نفسي؟ . الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب؛ قال علي ﵁: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها، وعن أبي ذر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي قوله ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٤). الحق الثالث: العمل به وتطبيق أحكامه: فلقد أنزل الله الكتاب بالحق والميزان ليقوم الناس بالقسط ... وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ... وفرض على المسلمين ما فيه

стр. 177

من أحكام، قال ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٥ - حقوق آل البيت ﵈: اختلف أهل العلم في تعريف من هم آل البيت وأصح ما قيل في ذلك قولان الأول: من تحرم عليهم الصدقة وهو منصوص الشافعي وأحمد وجمهور أصحابهما. والقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة (١). لآل البيت عند أهل السنة والجماعة حقوق وواجبات: ١ - منها: حق الموالاة والمحبة، فتجب محبتهم لإيمانهم، وتجب محبتهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، حيث قال النبي ﷺ : "أذكركم الله في أهل بيتي" (٢)، ولقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾ [الشورى: ٢٣]. وهذه الآية لها معنيان: أحدهما السابق، والآخر: أن تحبوني لقرابتي فيكم، فإنه لا يخلو بطن في قريش إلا وله صلة قرابة به ﷺ . ٢ - ومنها: حق الدفاع عنهم، وتبرئة ساحتهم مما ينسب إليهم كذبًا وزورًا، والدفاع عنهم لا يعني مجرد الرد على من يسبهم، بل يشمل ذلك، ويشمل الرد على من غلا فيهم، وأنزلهم فوق منزلتهم، فإن ذلك يؤذيهم. ٣ - ومنها: مشروعية الصلاة عليهم، وذلك في عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وعند الصلاة على النبي ﷺ فقد جاء في هذا عدة نصوص، كما جاء في الحديث لما سئل النبي عن كيفية الصلاة عليه في الصلاة؟ قال: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميا مجيد، والسلام كما قد علمتم) (٣).

стр. 178

فالصلاة على آله من تمام الصلاة عليه وتوابعها؛ لأن ذلك مما تقرُّ به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعلوًا. ٤ - ومن حقوق آل البيت عند أهل السنة، حقهم من الخُمس، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١] وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، لكنّ أهل السنة - بخلاف الشيعة - يقولون: إنهم يعطون من خمس الغنائم، وليس من خمس الأموال، فليس في الإرث خمس، وكذا في المسكن والسيارة وغيرها، لأن الله يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فقال: مِنْ شَيْءٍ ولم يقل: من أموالكم. ففي الخمس سهم خاص بذي القربى، وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح. قال ابن تيمية: "فآل بيت النبي لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله" (١). ٥ - ومنها: اليقين الجازم بأن نسب رسول الله وذريته هو أشرف أنساب العرب قاطبة، فإن النبي ﷺ يقول: "إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). ٦ - ومن هذه الحقوق: تحريم الزكاة والصدقة عليهم؛ وذلك لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ؛ فقد قال رسول الله: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل

стр. 179

لمحمد ولا لآل محمد" (١). قال ابن تيمية: "وأما تحريم الصدقة فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلًا لتطهيرهم، ودفعًا للتهمة عنه، كما لم يورث، فلا يأخذ ورثته درهمًا ولا دينارًا" (٢). ٦ - حق العلماء: إن مكانة العلماء في الإسلام مكانة عالية وغالية، فلقد رفع الإسلام شأنهم، وأعلى قدرهم، وصان حقهم، نطقت بذلك آيات القرآن والأحاديث والآثار. فمن الآيات: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ومن الأحاديث: ١ - عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٣) ٢ - وعن أبي الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : "فَضْلَ الْعَالمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". (٤) ومن الآثار: سئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قال: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين. وقال يحيى بن معاذ الرازي: العلماء أرحم بأمة محمد ﷺ من آبائهم وأمهاتهم قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهو يحفظونهم من نار الآخرة. (٥)

стр. 180

وعليه فحقوق العلماء علينا كثيرة نذكر منها الآتي: الحق الأول: أن نحفظ مكانتهم، ونتأدب معهم: فالتأدب مع العلماء من تعظيم العلماء تعظيم لشعائر الله وقد قال : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والشعيرة: هي كل ما أشعر الله بتعظيمه من أعلام الدين وتوقير حملته وحماته فهذا من توقير الله ، وقد قال ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قال سعيد بن جبير: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته". (١) وهذه جملة من الآداب التي ينبغي أن نتحلى بها مع العلماء: ليكن شيخك محلَّ إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الآداب مع شيخك فيجلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبا الإكثار من السؤال، لاسيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل. ولا تناده باسمه مجردًا، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخي أو شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من اضطرار، وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به، وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالمًا؟ ). (٢) وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "إن من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال ولا تعنته في الجواب وأن لا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا نفشين له سرًّا ولا

стр. 181

تغتابن عنده أحدًا ولا تطلبن عثرته وإن زل قبلت معذرته وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله وإن كان له حاجه سبقت القوم إلى خدمته". (١) ولقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في تحقيق هذا الحق والأدب، منها قول الشافعي ﵁: "كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك ﵀ صفحًا رقيقًا هيبة له لئلا يسمع وقعها". وقبل ذلك ما كان يفعله الصحابة ﵁ مع بعضهم البعض. الحق الثاني: كف ألسنتنا عن الوقوع فيهم: الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثم قال الطحاوي في عقيدته: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر - لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل). قال ابن المبارك: (من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته). وقال أبو سنان الأسدي: إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟ ! .، وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب. (٢) وقال ابن عساكر: اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته: أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. وهم مفسدون في الأرض، وقد قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ [يونس: ٨١]. وهم عرضة لحرب الله تعالى،

стр. 182

القائل في الحديث القدسي: "من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب" (١). وذكر المفسرون في قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة ٦٥: ٦٦]. فعن ابن عمر ﵄ أن رجلًا من المنافقين قال في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عن اللقاء يعني رسول الله ﷺ والمؤمنين! فقال واحد من الصحابة: كذبت ولأنت منافق. ثم ذهب ليخبر رسول الله ﷺ فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وكان قد ركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق، وكان يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولا يلتفت إليه وما يزيده عليه. (٢) ٧ - حق الحاكم إن الله قد جعل للحاكم حقوق واجبة تجاه الرعية من هذه الحقوق: وجوب طاعته في المعروف: قال الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وأولي الأمر الذين أمرنا بطاعتهم هم الأمراء والولاة وقيل هم العلماء أي أهل العلم والفقه إذ يشترط للأمير أن يكون على علم أو يستعين بالعلماء. (٣) وقال ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني". (٤) وقال ﷺ : "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثره

стр. 183

عليك ولو استعمل عليكم عبد حبشيًّا يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا". (١) وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم، لذا أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية لقوله ﷺ "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثره عليك" معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، وقوله ﷺ "وأثره عليكم" الأثرة بفتح الهمزة والثاء ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء وبكسر الهمزة وإسكان الثاء ثلاث لغات وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلكم حقكم مما عندهم، قال أبو ذر (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف) (٢) يعني مقطوعها والمراد: أخس العبيد أي أسمع وأطيع للأمير وإن كان دنيء النسب حتى لو كان عبدًا أسود مقطوع الأطراف فطاعته واجبه. وتجوز إمارة العبد إذا ولاه بعض الأئمة أو إذا تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار بل شرطها الحرية. (٣) وقال ﷺ "أنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم". (٤) وعن سعيد بن حضير أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال: "إنكم سترون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". (٥)

стр. 184

ومن الحقوق الواجبة على الراعي أن يعلم المقصود من الولاية: إن المقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول "إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقيموا بينكم دينكم" فلما تغيرت الرعية من وجه والرعاة من وجه تناقضت الأمور، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله، فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه وهكذا قال الله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه ثم قال : ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. (١) ومتى اهتم الولاة بإصلاح دين الناس صلح للطائفتين دينهم ودنياهم وإلا اضطربت الأمور عليهم وملاك ذلك كله حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله والتوكل عليه فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإن هاتين الكلمتين قد قيل إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء وقد روي أن النبي ﷺ كان مرة في بعض مغازيه فقال: "يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين" فجعلت الرءوس تندر عن كواهلها، وقد ذكر ذلك في غير موضع

стр. 185

من كتابه كقوله "فاعبده وتوكل عليه" وقوله تعالى ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ وكان النبي ﷺ إذا ذبح أضحيته يقول "اللهم منك ولك". وأعظم عون لولي الأمر خاصية ولغيره عامة ، ثلاثة أمور: أحدهما: الإخلاص لله والتوكل عليه بالدعاء وغيره وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. الثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. الثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب ولهذا جمع الله بين الصلاة والصبر في كتابه في آيات منها ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ (هود: ١١٤ - ١١٥). فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة. ومن حق الحاكم على رعيته: إكرامه وتعظيمه وتقديره: قال ﷺ : "إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط". (١) وعن زياد بن كسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة ومن أهان سلطان الله في الدنيا أهانه الله يوم القيامة". (٢) فمن أكرم سلطان الله أي بالطاعة له فيما أمر الله تعالى فيه بطاعته والإضافة في سلطان الله أضافه تشريف كبيت الله وناقة الله ومن أهان سلطان الله في الأرض أهانه من أهان من

стр. 186

أعزه الله وألبسه خلعة السلطنة أهانه الله. (١) ومن حقه أن لا تخرج عليه الرعية وأن لا ينازعوا الأمر أهله: فعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان. (٢) ففي قوله ﷺ : "وأن لا ننازع الأمر أهله" دليل على حرمة منازعة الأئمة والسلاطين والخروج عليهم إلا أن نرى منهم كفرًا بواحًا، فلا يحل منازعة ولاة الأمور في ولايتهم ولا يعترض عليهم إلا أن نرى منهم منكرًا محققًا نعلمه من قواعد الإسلام فإذا وجد ذلك صح الإنكار عليهم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام فإجماع المسلمين وإن كانوا فسقه ظالمين. (٣) ومن حقه على الرعية: عدم عزله إلا لأمر شرعي: فالإمام صالح للولاية ولا يعزل من ولايته ولا يسعى في عزله لذا أجمع العلماء أنه لا ينعزل السلطان ولو بالفسق، وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. لذا أجمع جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: أنه لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه. (٤) ومن حق الحاكم على رعيته (النصح له): قال ﷺ : "الدين النصيحة" قلنا لمن قالا: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (٥) والنصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، ويقال هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة

стр. 187

كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا أخاطه فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب وقيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة كقوله ﷺ "الحج عرفه" أي عماده ومعظمه عرفه، والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم، ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة وأن لا يغزوا بالثناء الكاذب عليهم وأن يدعي لهم بالصلاح وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات. (١) من الحقوق الواجبة على الولاة أن يقسموا الأموال كما أمر الله ورسوله: فليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ليسوا ملاكا كما قال رسول الله ﷺ : "إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت". (٢) فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره فيضعه حيث أمره الله تعالى، وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا منهم ما لا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم، وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب ﵁ مال عظيم من الخمس فقال: إن قومًا أدوا الأمانة في هذا لأمناء فقال بعض

стр. 188

الحاضرين إنك أديت الأمانة إك الله تعالى فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت رتعوا، وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق ما نفق فيه جلب إليه هكذا قال عمر بن عبد العزيز ﵁: فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب إليه ذلك وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة جلب إليه ذلك، والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله ويضعه في حقه ولا يمنعه من مستحقه وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك. (١) ومن حق الحاكم جواز أخذ ما يكفيه من ييت المال لقيامه بمصالح المسلمين: فعن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا فإذا أعطيت العمالة كرهتها فقلت بلى فقال عمر: ما تريد إلى ذلك قلت إن لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين قال عمر لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالًا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال النبي ﷺ : "خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك". (٢) وقال الله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]، وفي هذه الآية والحديث الدليل الواضح على أن من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الغني وعمال الصدقة وشبههم لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله، وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا، وقال عمر: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم إن استغنيت منه استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف. (٣) وعن عائشة ﵂ قالت: "لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن

стр. 189

حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه" (١). وفي كل هذا دليل على أنه للحاكم الحق في أخذ ما يكفيه وأهله من بيت المال ولكن بالمعروف. (٢) ومن الحقوق الواجبة على الراعي تجاه الرعية: (استعمال الأصلح): إن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة طلبها منه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت، فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل قال النبي ﷺ : "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولي رجال وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله" وفي رواية "من قلد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين". (٣) وروي بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر روى ذلك عنه وقال عمر بن الخطاب ﵁ من تولى من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين "وهذا واجب عليه فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة من أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب، ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمير الحاج، والبرد، والعيون، الذين هم القصاد، وخزان الأموال، وحراس الحصون، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون، والمدائن، ونقباء العساكر الكبار، والصغار، وعرفاء القبائل، والأسواق، ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين، فيجب على كل من ولى شيئا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم

стр. 190

أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب بل ذلك سبب المنع فإن في الصحيحين عن النبي ﷺ "أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه". (١) وقال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها". (٢) فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقه أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهي عنه في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]، فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. (٣) ومن الحقوق الواجبة على الراعي تجاه الرعية (اختيار الأمثل فالأمثل): إذا كان في غير وجود الحاكم من هو صالح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله وإن إختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يكن إلا ذلك فإن الله يقول ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال في

стр. 191

الجهاد ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (١) لكن إن كان منه عجز ولا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب فإن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة كما قال ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]. وقال صاحب مصر ليوسف ﵇: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾، وقال في صفة جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]، والقوة في كل ولاية بحسبها والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حكم على الناس في قوله ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. من حقوق الرعية على الراعي (مشاورتهم): من المعلوم أنه لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإن الله تعالى أمر بها نبيه ﷺ فقال : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ "، وقد قيل: أن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه وليقتدي به من بعده وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك فغيره ﷺ أولى

стр. 192

بالمشورة، وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨]. وإذا استشارهم فإن بين له بعضهم ما يجب إتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع السلمين فعليه اتباع ذلك ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك وإن كان عظيمًا في الدين والدنيا قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وإن كان أمزا قد تنازع فيه المسلمون فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به كما قال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. وأولي الأمر صنفان الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله وإتباع كتاب الله. (١) من الحقوق التي تجب على الرعية (وجوب اتخاذ إمام): فيجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي ﷺ : "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". (٢) وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" (٣) فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن

стр. 193

المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي "أن السلطان ظل الله في الأرض" ويقال: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان"، والتجربة لما ذكر جور الولاة فقال: "أدوا إليهم الذي لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا فما تأمرنا فقال أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (١). وفيهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنكم سترون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله قال: "أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم" (٢) (٣) ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون "لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان"، وقال النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم". (٤) وقال ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". (٥) فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربان. (٦) ٨ - حق الحياة

стр. 194

تعريف الحياة لغة: الحياة والحيوان والحيٌّ مصاهر والحيوان اسم يقع على كل شيءٍ حيٌّ. (١) تحريم قتل الإنسان: قال : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وعن عبد الله قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم" (٢) وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب. (٣) وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". (٤) قتل المؤمن متعمدًا: قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. فهذا تهديد شديد ووعيد أكيد من تعاطي هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله حيث يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًّا. (٥) وعن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق". (٦) غلظ تحريم الانتحار: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب

стр. 195

سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا". (١) تحريم المبارزة لإثبات حق: عن الأحنف بن قيس قال: "ذهبت لأنصر هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه". (٢) تحريم قتل الجنين: في حديث المرأة الغامدية التي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: (آنت؟ ) قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك". (٣) ٩ - حقوق الوالدين من حق الوالدين على الولد أمور لا حصر لها من بينها: قول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٥]. لقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهما وهو البر والشفقة والعطف والتودد وإيثار رضاهما ونهي عن أن يقال لهما أف إذ هو كناية عن الإيذاء بأي نوع كان حتى بأقل أنواعه، ثم أمر بأن يقال لهما القول الكريم أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن لاسيما عند الكبر فإن الكبير يصير كحال الطفل وأرذل ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من

стр. 196

القول بأن لا يكلمهما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع وإظهار ذلك لهما واحتمال ما يصدر منهما ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما وأنه من أجل ذلك حقير ذليل ولا يزال على نحو ذلك إلى أن ينثلج خاطرهما ويبرد قلبهما عليه بالرضا والدعاء ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعوا لهما لأن ما سبق يقتضي دعائهما له كما تقرر فليكافئهما إن فرصت مساواة وإلا فشتان ما بين المرتبتين وكيف توهم المساواة وقد كانا يحملان أذاك وكلك وعظيم المشقة في تربيتك وغاية الإحسان إليك راجيين حياتك مؤملين سعادتك وأنت إن حملت شيئا من أذاهما رجوت موتهما وسئمت من مصاحبتهما ولكون الأم أحمل لذلك وأصبر عليه مع أن عنائها أكثر وشفقتها أعظم بما قاسته من حمل وطلق وولادة ورضاع وسهر ليل وتلطخ بالقذر والنجس وتجنب للنظافة والترفه لذا حض النبي ﷺ على برها ثلاث مرات وعلى بر الأب مرة واحدة كما في الحديث" أن رجلا جاء النبي ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، ثم من؟ قال أمك، ثم من؟ قال أبوك ثم الأقرب فالأقرب". (١) وجاء رجل إلى أبي الدرداء فقال يا أبا الدرداء إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوالدة أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه" (٢). فبرهما يزيد في العمر: قال ﷺ : "لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القضاء إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها". (٣) وبرهما شكر لله ولهما: قال الله : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. فانظر - وفقني الله وإياك -

стр. 197

كيف قرن شكرهما بشكره. برهما أفضل من الجهاد مع النبي ﷺ -: جاء رجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد معه فقال له: "أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد". (١) فانظر كيف فضل بر الوالدين وخدمتهما على الجهاد معه. (٢) فمن حقهما على الأولاد عدم عقوقهم: قال الله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين". (٣) وهذه جملة حقوق للآباء على الأبناء: ١ - إذا احتاج أحدهما إلى الطعام أطعمه. ٢ - إذا احتاج على الكسوة كساه إن قدر عليه. ٣ - إذا احتاج أحدهما إلى الخدمة خدمه. ٤ - إذا دعاه أجابه وحضره. ٥ - إذا أمره أطاعه ما لم يأمر بالمعصية والغيبة. ٦ - أن يتكلم معه باللين ولا يتكلم معه بالكلام الغليظ. ٧ - أن لا يدعوه باسمه. ٨ - أن يمشي خلفه. ٩ - أن يرضي له ما يرضي لنفسه ويكره ما يكره لنفسه. ١٠ - أن يدعوا له بالمغفرة كلما يدعوا لنفسه قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وهكذا عن إبراهيم ﵇ ﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١]، وقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا

стр. 198

رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٤] (١). ومن حقهما أن يستأذنهما عند الخروج ولو إلى الجهاد: وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد هاجرت فقال رسول الله ﷺ : "هل لك أحد باليمن؟ " قال: أبواي "قال أذنا لك؟ " قال: لا "قال فارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما". (٢) وذلك ما لو كان الوالد كافرا فإنه لا يحتاج الولد إلى إذنه في الجهاد ونحوه. (٣) ومن حقهما أن يبر أهليهما بعد موتهما: فعن أبي أسد الساعدي قال: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما". (٤) "والصلاة عليهما" أي الدعاء ومنه صلاة الجنازة والمراد به الترحم. "والاستغفار لهما" أي طلب المغفرة لهما وهو تخصيص بعد تعميم، "وإنفاذ عهدهما" أي إمضاء وصيتهما، "وصلة الرحم" أي إحسان للأقارب التي لا توصل إلا من قبلهما. (٥) فكل هذه حقوق تجب على الأولاد تجاه آبائهم: * أن يستغفر لهما. * وأن يدعوا لهما. * وأن يمضي وصيتهما.

стр. 199

* وأن يصل ما كانوا يصلونه. وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يوما على ذلك الحمار إذا مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان بن فلان قال بلى فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا والعمامة، قال: اشدد بها رأسك، فقال له: بعض أصحابه غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى "وإن أباه كان صديقا لعمر". (١) وفي هذا فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن لبر الأب، وإكرامه لكونه بسببه وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة. (٢) ١٠ - حقوق الزوج من حق الزوج على زوجته: حسن طاعته في المعروف: قال ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت" (٣). وقال ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه" (٤). وعن حصين بن محصن أن عمة له أتت النبي ﷺ فقال لها: "أذات زوج أنت؟ " قالت: نعم، قال: فأين أنت منه؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: "فكيف أنت له

стр. 200

"فإنه جنتك ونارك". (١) وقال ﷺ : "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضي دخلت الجنة" (٢). وقال ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف" (٣). وقال ﷺ : "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (٤). أي: لكثرة حقوقه عليها وعجزها عن القيام بشكرها، وفي هذا غاية المبالغة لوجوب إطاعة المرأة في حق زوجها فإن السجدة لا تحل لغير الله. (٥) ومن حق الزوج أيضًا: قرار زوجته في بيته وعدم خروجها إلا بإذنه: قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ﴿وَقَرْنَ﴾: قرأ الجمهور "وقرن" بكسر القاف وقرأ عاصم ونافع بفتحها فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الوقار: تقول "وقر يقر وقارًا أي سكن والأمر قر وللنساء قرن. والثاني: وهو من القرار تقول قررت بالمكان (بفتح الراء أقر والأصل أقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفًا ونقلوا حركتها إلى القاف واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف" وأما قراءة أهل المدينة وعاصم فعلى لغة العرب قررت في المكان إذا أقمت فيه بكسر الراء أقرا بفتح القاف. ومعنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحه بلزوم

стр. 201

النساء بيوتهن والاعتكاف عن الخروج منها إلا لضرورة (١)، فقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ﴾ يقال قر فلان في منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن به وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج (٢)، ويجوز للزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بد سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما. قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة قال: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها، ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة غير واجبة فلا يجوز ترك الواجب بما ليس بواجب ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما لأن في ذلك قطيعة رحم وحملا لزوجته على مخالفته وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف وليس هذا من المعاشرة بالمعروف. (٣) ومن حق الزوج عدم تبرج زوجته وإيجاب تحجبها: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٣)، وقال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (النور: . ٦). والتبرج: التكشف والظهور للعيون أي لا حائل لها ينزها. قال ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها على الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". إنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن وإنما وصفهن بأنهن عاويات لأن الثوب إذا رق يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام. (٤) وقيل: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ (الأعراف: ٢٦) (٥)،

стр. 202

وهو اللائق بهن في هذه الأزمان وخاصة الشباب فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات فهي كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ظاهرًا وباطنًا حيث تبدي زينتها ولا تبالي بمن ينظر إليها بل ذلك مقصودهن وذلك مشاهد في الوجود منهن فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك ولم يعلم أحد ما هنا لك. (١) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣)، في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنه أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة، كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها. (٢) ومن حق الزوج على زوجته أن تحفظ ماله: قال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". (٣) وقال ﷺ "لا تنفق امرأة شيء من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله والطعام قال: ذاك أفضل أموالنا". (٤) فعامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه. وعن سعد ﵁ قال: "لما بايع الرسول ﷺ النساء، قامت امرأة جليلة فقالت: "يا رسول إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لناس أموالهم قال: "الرطب تأكلنه وتهدينه". (٥) وقال ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه

стр. 203

على زوج في ذات يده" (١) وقوله (وأرعاه على زوج) أي أن النساء من قريش خير نساء لأنهن أحفظ لماله بالأمانة فيه والصيانة له وترك التبذير في الإنفاق في مال الزوج وفي هذا دلالة على وجوب حفظ مال الزوج وحسن التدبير فيه. (٢) وعن عبد الله بن يحيى الأنصاري رجل من ولد كعب بن مالك عن أبيه عن جده أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحلي لها فقالت "أني تصدقت بهذا "فقال لها رسول الله ﷺ "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها فهل استأذنت كعبًا قالت نعم فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك فقال "هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها فقال: نعم فقبله رسول الله ﷺ منها". وقال ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا" (٣) وفي رواية ومن طعام زوجها- وفي رواية "من العبد إذا أنفق من مال مواليه قال الأجر بينكما نصفان". فأعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن وللزوجة والمملوك من إذن المالك فإن لم يكن أذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه. والإذن ضربان: أحدهما الإذن الصريح في النفقة والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطراد العرف فيه وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به، فإن أضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شخص يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أوشك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا

стр. 204

بصريح إذنه. وأما قوله ﷺ : "وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له" فمعناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد أولناه سابقًا أما بالصريح وإما بالعرف ولابد من هذا التأويل؛ لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة وفي رواية فلها نصف أجره ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر فتعين تأويله. واعلم أن هذا كله مفروض من قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف به لم يجز، وهذا معنى قوله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة". فأشار ﷺ إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به من العادة ونبه بالطعام أيضا على ذلك لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال. واعلم أن المراد بنفقه المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف والله أعلم. (١) ومن حقه أن لا تصوم زوجته نفلًا إلا بإذنه: قال ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه". (٢) وفي لفظ "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه". (٣) وقوله ﷺ : "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه" هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا وسببه أن الزوج له الحق الاستمتاع بها في كل الأيام وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي فإن قيل: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها، فالجواب: أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، وقوله ﷺ "وزوجها شاهد" أي: مقيم في البلد إذا كان

стр. 205

مسافرا فلها الصوم لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه. (١) عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطل، يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس"، وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها"، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "فإذا استيقظت فصل". (٢) وفي هذا الحديث من الفقه: أن منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال وأن حقها في نفسها محصور في وقت دون وقت. (٣) ومن حقه أن لا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه: فلا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه قال ﷺ : "ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" (٤)، وفي لفظ "ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه" (٥). وقوله "وهو شاهد": قيد لا مفهوم له بل خرج نحرج الغالب وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته بل يتأكد حينئذ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات أي من غاب عنها زوجها ويحتمل أن يكون له مفهوم وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه وإذا غاب تعذر فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره، ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها أما

стр. 206

مطلق دخول البيت بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها أو إلى دار منفردة عن سكنها فالذي يظهر أنه ملتحق بالأول (١). وقوله ﷺ : "ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه" فيه إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج ونحوه به، فإذا علصت المرأة ونحوها رضاه جاز كما سبق في النفقة (٢)، وحاصله أنه لابد من اعتبار إذنه تفصيلا أو إجمالا. (٣) ومن حقه أن تشكره زوجته على ما يقدمه لها، وأن لا تطالبه بأكثر: قال ﷺ : "لا ينظر الله إلى امرأة لا تعرف حق زوجها ولا شكره وهي لا تستغني عنه". (٤) وقال ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (٥) فمن كان من طبعه وعادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له فمن كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له. وأن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. (٦) وقال ﷺ : "أحق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه". (٧)

стр. 207

وكذلك لا تكلف الزوجة زوجها أكثر من طاقته قال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦). وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: ٧). ومن حق الزوج على زوجته إذا دعاها لحاجته تجيبه على أي حالة كانت إذ كانت طاهرة: قال ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح "وفي رواية" والذي نفسي بيده ما من رجل يدعوا امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخط عليها حتى يرضى عنها" (١)، وقال ﷺ : "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع". (٢) ومن حق الزوج على زوجته أن يأخذ حقه من مالها إذ توفيت: وحق الزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد والربع مع وجوده، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ١٢)، ولهذا أجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد وله مع وجوده الربع. (٣) فالقول الجامع في حق الزوج على زوجته أن تكون قاعدة في قعر بيتها، ولا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام مع جيرانها، لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول تحفظ بعلها في غيبته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، ولا تخونه في نفسه وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها مهتمة بتدبير بيتها

стр. 208

مقبلة على صلاتها وصيامها وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضرا لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها وبعلها، وتكون قانعة من زوجها بما رزق الله وتقدم حقه على حق نفسها وحق سائر أقاربها منظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء مشفقة على أولادها حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج وأن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه، ويجب على المرأة ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى اللعب، والانبساط، وأسباب اللذة في حضور زوجها ولا ينبغي أن تؤذي زوجها بحال، روي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا" (١). ولا تحد عليه أكثر من أربعة أشهر وعشر وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة قالت زينب بنت أبي سلمه دخل على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". (٢) وتلزم مسكن النكاح إلى آخر العدة وليس الانتقال إلى أهلها ولا الخروج إلا لضرورة. وتقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى على رأس من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلى أبي بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني، ولقيني رسول الله ﷺ يوما ومعه أصحابه فقال ﷺ : "أخ أخ" لينيخ ناقته ويحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت

стр. 209

الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله ﷺ أنني قد استحييت فجئت الزبير فحكيت له ما جرى، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه". (١) ١١ - حق المرأة لقد أعطى الإسلام حقوقًا للمرأة على مدار حياتها، ليحفظها، وليبين كرامتها، ومن هذه الحقوق: ١ - حق المرأة كجنين وكطفل: حقوق المرأة وهي في بطن أمها كثيرةٌ، مراعاة لها في وقت لا تملك لنفسها فيه شيئًا؛ فعلى أبيها أن يختار أمًا ذات دين، حتى تقومها وتربيها على منهج الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى من يعيشون حول أمها أن يهيئوا لها الاستقرار النفسي، لأن مرحلة الحمل والولادة شاقة وعسيرة، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (لقمان: ١٤)، وقال ﷺ : "خيركم خيركم للنساء" (٢)، ومن حقها وضع الصوم عن أمها، ووضع الحد حال الحمل، وحال الرضاع، وأن يصلى عليها الجنازة، ويستحسن أن تخرج الزكاة عنها، وإذا استهلت فلها الميراث، ولا بد من الحفاظ على حياتها، ولها أن يهيئ لها أبوان صالحان، وأن يحسن اسمها، وأن تختتن ولها حق الحضانة على أبويها، ولها حق الرضاعة على أمها. وهكذا اعتنى الإسلام بالمرأة، حتى وهي لم تخرج للحياة بعد (٣). ٢ - حق البنت: ولها حقوق منها: ١ - حق التعليم: قال أهل العلم: ويدخل في فضل العلم للأبناء (الأولاد والبنات سويًّا) عموم الأحاديث في فضل ذلك، ولنا أن نتصور الفتاة حين تبني أسرة من زوج وأبناء وهي لا تقرأ ولا تكتب، يعني أنها لن تقرأ القرآن ولا السنة ولا شيئًا مطلقًا من علوم الدين أو الدنيا، والواقع خير شاهد على الفرق بين الأم القارئة المثقفة، وبين غيرها في بناء عقول الأولاد، فهي تعين على المذاكرة، ويشعر الأبناء بالعلاقة القريبة منها،

стр. 210

بخلاف الأخرى التي تشعرهم بغربة تزداد مع الوقت، وقد تصل إلى الاحتقار لعدم قدرتها على المشاركة معهم ولو بالقراءة. والمتأمل في حياة السيدة عائشة يرى عجبًا في علمها واستدراكها على الصحابة وقوة حفظها واستنباطها، فعن عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة -وأنا في حجرها- وكان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتأخوني فيهدون إلي، ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة: يا خالة، هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: أي بنية، فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك، فقالت: فتعطيني. (١) (٢) ٢ - حق الزواج: جعل الله للإنسان من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه في معيشته وطعامه وشرابه وضحكه وتقلبه وتصرفه، فكان بما قدره الله تعالى لهذا الإنسان ودبره له، قضاء الشهوة بالطريقة المثلى الصحيحة، التي تحافظ على استمرار الحياة دون خلل يدمر الأخلاق والعائلة. وتأمل بدء الخلق، وكيف جعل الله ﵎ لأبينا آدم زوجه حواء تؤنسه، فقال ربنا ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)، والنفس الواحدة: هي آدم ﵇، والزوج: حواء، ففي هذا الخلق العجيبب عبرة، فإن أصله واحد، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص، وفيه المنة على الرجال بخلق النساء، وعلى النساء بخلق الرجال. (٣) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١). ٣ - الحق في اختيار الزوج دون إكراه: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا تُنْكَحُ

стр. 211

الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَال: أَنْ تَسْكُتَ" (١). قال ابن القيم: فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر محض، ويكون خبرًا من حكم الشرع، لا خبرًا عن الواقع، وهي طريقة المحققين. فقوله (حتى تستأمر)، أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله تستأمر أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها، بل فيه إشعار باشتراطه. وقوله (ولا تنكح البكر حتى تستأذن) هنا للتفرقة بين الثيب والبكر، فعبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحي أن تفصح (٢). ومما يؤكد أن للمرأة الحق في اختيار زوجها، ما رواه البخاري: عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتمت النبي ﷺ فرد نكاحها (٣). ٤ - العدل: العدل بين الأبناء ذكورًا وإناثًا من إقامة شرع الله في أرضه، وإقامة سنة نبيه ﷺ ، وخاصة العدل للنساء، لأن حقهن عادة مهضوم، ويظلمن غالبًا من قبل الآباء وخاصة في الميراث (٤)، وقد قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء ١١)، وقال تعالى في آخر السورة: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ

стр. 212

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (النساء ١٧٦) فما هضم الله حق المرأة في كتابه، وقال ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١). ٣ - حق المرأة كزوجة، ويتضمن أمورًا: ١ - إعطائها المهر: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤). الصدقات جمع، الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال المازني: يقال صداق المرأة بالكسر ولا يقال بالفتح. وحكي يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج؛ أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم. فهذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه لا خلاف فيه. وأجمع العلماء أيضا: أنه لا حد لكثيره، واختلفوا في قليله؛ فلذلك أبقى النبي ﷺ وجوب المهر كما كان ولم يضبطه بحد إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة والرغبات لها مراتب شتى (٢). وروي أنس بن مالك ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لرسول الله ﷺ : "تزوجت امرأة" فقال: ما أصدقتها؟ " قال: "وزن نواة من ذهب" فقال: بارك الله لك؟ أولم ولو بشاة" (٣). وقال ﷺ : "خير النكاح أيسره"، وفي رواية "خير الصداق أيسره" (٤)، فكانوا لا ينكحون إلا بصداق، لأمور بعثتهم على ذلك وكان فيه مصالح منها: أن النكاح لا تتم فائدته إلا بأن يوطن كل واحد نفسه على المعاونة الدائمة، ويتحقق ذلك من جانب المرأة بزوال أمرها من يدها، ولا جائز أن يشرع زوال أمره أيضًا من يده، وإلا أنسد باب الطلاق، وكان أسيرًا في يدها كما أنها عانية بيده، وكان الأصل أن يكونوا قوامين على النساء، ولا جائز أن يجعل أمرهما إلى القضاة؛ فإن مراجعة القضية إليهم فيها حرج، وهم

стр. 213

لا يعرفون ما يعرف هو من خاصة أمره، فتعين أن يكون بين عينيه خسارة مال، إن أراد فك النظم؛ لئلا يجتريءَ على ذلك إلا عند حاجه لا يجد منها بدًا، فكان هذا نوعا من التوطين، وأيضا فلا يظهر الاهتمام بالنكاح؛ إلا بمال يكون عوض البضع، فإن الناس لما تشاحوا بالأموال شحا لم يتشاحوا به في غيرها، كان الاهتمام لا يتم ببذلها، وبالاهتمام تقر أعين الأولياء، حين يتملك هو فلذة أكبادهم، وبه يتحقق التمييز بين النكاح السفاح، وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: ٢٤) (١). ٢ - الكفاءة: قال ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قالوا يا رسول الله: وإن كان فيه فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات" (٢). وقال النبي ﷺ لبني بياضة: "أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه، وكان حجامًا" (٣). وتزوج بلال بن رباح ﵁ بأخت عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فالذي يقتضيه حكمه ﷺ : اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا؛ فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبًا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية، فجوّز للعبد القن، نكاح الحرة النسيبة الغنية؛ إذا كان عفيفا مسلما، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات (٤). ٣ - حرية المرأة في اختيار الزوج: فلا ينكح الأب وغيره، البكر والثيب إلا برضاهما

стр. 214

لحديث: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت"، وحديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله: إن البكر تستحي، قال: "رضاها صمتها" (١). - البكر البالغة: لا نعلم خلافًا في استحباب استئذانها، فإن النبي ﷺ قد أمر به، ونهي عن النكاح بدونه، وأقل أحواله ذلك الاستحباب، ولأن فيه تطييب قلبها وخروجًا من الخلاف، وقالت عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله: ﷺ "نعم تستأمر"، وقال: "استأمروا النساء في أبضاعهن، فإن البكر تستحي فتسكت فهو إذنها" (٢). - أما الثيب فإذنها الكلام: أما الثيب: فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن إذنها الكلام: للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب، وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض (٣). وقد ثبت أن خنساء بنت خذام زوجها أبوها، وهي كارهة، وكانت ثيبًا؛ فأتت رسول الله ﷺ فردَّ نكاحها (٤). وفي السنن من حديث ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ (٥)، وهذه غير خنساء فهما قضيتان قضي في إحداهما بتخبير الثيب وقضي في الأخرى بتخيير البكر. وموجب هذا الحكم: أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها. وهذا هو قول جمهور السلف، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم

стр. 215

رسول الله ﷺ وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته. (١) ٤ - النفقة: ومن حقوق الزوجة على زوجها: الإنفاق عليها، وأن يوفر لها ما تحتاجه، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، وقال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ (الطلاق: ٧)، والإنفاق كفاية مؤونة الحياة، من طعام ولباس وغير ذلك مما يحتاج إليه. ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة؛ لاختلاف أحوال الناس والأزمان والبلاد. وإنما اختلفوا في التوسع في الإنفاق في مال الموسر، هل يقضى عليه بالتوسعة على من ينفق هو عليه؟ ولا أحسب الخلاف في ذلك إلا اختلافًا في أحوال الناس وعوائدهم، ولا بد من اعتبار حال المنفق عليه ومعتاده، كالزوجة العالية القدر. وفي عجز الزوج عن إنفاق زوجه؛ إذا طلبت الفراق لعدم النفقة خلاف. فمنهم من رأى ذلك موجبًا للتفرقة بينهما بعد أجل؛ رجاء يسر الزوج، وقُدّر بشهرين، وهو قول مالك. ومنهم من لم ير التفريق بين الزوجين بذلك، وهو قول أبي حنيفة، أي وتنفق من بيت مال المسلمين (٢). قال النبي ﷺ : "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة" (٣)، فالإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر عليه على ذلك بحسب قصده. ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقه؛ بل هي أفضل من صدقة التطوع. فالنفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة؛ خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر؛ فعرفهم أنها لهم صدقه؛ حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل؛ إلا بعد أن يكفوهم؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع، وتسمية
следующие страницы →