وكما جاء في أعمال الرسل: (وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ الله عَلَيْهِ لإِبْرَاهِيمَ، كَانَ يَنْمُو الشَّعْبُ وَيَكْثر فِي مِصْرَ). (أعمال الرسل ٧/ ١٧)
٣ - المخلوق يقسم .
كما جاء في سفر العدد: (إِذَا نَذَرَ رَجُلٌ نَذْرًا لِلرَّبِّ، أَوْ أَقْسَمَ قَسَمًا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِلَازِمٍ، فَلَا يَنْقُضْ كَلَامَهُ حَسَبَ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ يَفْعَلُ) (سفر العدد ٣٠/ ٢).
وكما جاء أيضًا: (كُلُّ نَذْرٍ وَكُلُّ قَسَمِ الْتِزَامٍ لإِذْلَالِ النَّفْسِ، زَوْجُهَا يُثْبِتُهُ وَزَوْجُهَا يَفْسَخُهُ) (سفر العدد ٣٠/ ١٣).
وفي الواقع والحس أن المخلوق يقسم. فهل الله مخلوق وتعتبر هذه صفات نقص؟ ! !
٤ - الرب يحلف .
كما جاء في سفر الخروج: (وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا حَلَفَ لَكَ وَلآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ إِيَّاهَا) (خروج ١٣/ ١١).
وكما جاء في سفر التثنية: (وَإِنْ وَسَّعَ الرَّبُّ إِلهُكَ تُخُومَكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي قَال إِنَّهُ يُعْطِي لآبَائِكَ) (تثنية ١٩/ ٨).
وكما جاء في أعمال الرسل: (فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ الله حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الجْسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ) (أعمال الرسل ٢/ ٣٠).
٥ - المخلوق يحلف .
كما ورد في التكوين: (فَوَضَعَ الْعَبْدُ يَدَهُ تَحْتَ فَخْذِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَاهُ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى هذَا الأَمْرِ) (تكوين ٢٤/ ٩).
وكما ورد في اللاويين: (وَلَا تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ. أَنَا الرَّبُّ) (لاويين ١٩/ ١٢).
وكما جاء في متى: (وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَال لَهُ: "أَسْتَحْلِفُكَ بِالله الحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحَ ابْنُ الله؟ ) (متى ٢٦/ ٦٣).
٦ - المخلوق يحلف بغير الله عندهم .
كما جاء في متى: (وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيه) (متى ٢٣/ ٢١).
стр. 1507
وجاء أيضًا فيه: (وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ الله وَبِالجْالِسِ عَلَيْهِ) (متى ٢٣/ ٢٢).
جاء فيه أيضًا: (وَمَنْ حَلَفَ بِالمُذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِم) (متى ١٨/ ٢٣)
فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالمُذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ (متى ٢٣/ ٢٠)
٧ - ونجد في كتبهم النهي عن الحلف بالسماء والرأس .
كما جاء في متى: (وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لَا بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ الله) (متى ٥/ ٣٤).
وجاء أيضًا فيه: (وَلَا تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ) (متى ٥/ ٣٦).
ففي إنجيل واحد نجد التناقض بين الحلف والنهي عن الحلف.! !
* * *
стр. 1508
٥ - شبهة أن الله يدعو إلى الفجور
نص الشبهة:
يقولون: إن الله يدعو إلى الفجور وفهموا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: في بيان معنى الآية وتفسير العلماء لها .
الوجه الثاني: ماذا قالوا عن الله في كتابهم؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: في بيان معنى الآية وتفسير العلماء لها.
الله ﵎ خلق الخير والشر، فكل فجور هو شر، وكل تقوى هي خير، فبين للإنسان طريق الخير وطريق الشر. وطلب منه فعل الخير والسير في طريقه، ورتب على ذلك الجَنَّة ثوابًا لمن امتثل أمر الله تعالى.
ونهاه عن الشر والسير في طريقه، ورتب على من عصاه نارًا وقودها الناس والحجارة.
وجعل له حرية الاختيار حتى لا يظلمه. فإن دخل النار دخلها بعدل الله تعالى فيه.
وإن دخل الجَنَّة جراء فعله للخير؛ دخلها برحمة الله تعالى؛ لأن الذي خلقه هو الله والذي رزقه العقل والطعام والشراب ووفقه للحق هو الله تعالى، فلو عبده آلاف السنين ما استطاع أن يوفي نعم الله تعالى عليه. ولو حاسبه الله على ذلك لأهلكه. فمن هنا كانت رحمة الله تعالى بخلقه، وأنها وسعت كل شيء.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
стр. 1509
نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
قال ابن جرير: وقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ يقول تعالى ذكره: فبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير، أو شرّ أو طاعة، أو معصية. (١)
ذكر من قال ذلك:
عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ يقول: بَيَّنَ الخيرَ والشرَّ. (٢)
عن مجاهد ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: عَرَّفَها. (٣)
عن قتادة ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: فبَيَّن لها فجورها وتقواها. (٤)
عن الضحاك بن مزاحم ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: الطاعةَ والمعصيةَ. (٥)
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنَّ الله جعل فيها ذلك.
ذكر من قال ذلك:
قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: جعل فيها فجورَها وتقواها. (٦)
الوجه الثاني: الرب يضلل الناس في كتبهم المقدسة
стр. 1510
إذا كانوا يفهمون خطأ بأن الله يدعو للفجور، فهم يزعمون أن الرب يضلل الناس. كما جاء في أشعيا: (لمَاذَا أَضْلَلْتَنَا يَا رَبُّ عَنْ طُرُقِكَ، قَسَّيْتَ قُلُوبَنَا عَنْ مَخَافَتِكَ؟ ارْجعْ مِنْ أَجْلِ عَبِيدِكَ، أَسْبَاطِ مِيرَاثِكَ) (اشعياء ٦٣/ ١٧)
وكما جاء في حزقيال: (فَإِذَا ضَلَّ النَّبِيُّ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا، فَأَنَا الرَّبُّ قَدْ أَضْلَلْتُ ذلِكَ النَّبِيَّ، وَسَأَمُدُّ يَدِي عَلَيْهِ وَأُبِيدُهُ مِنْ وَسْطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ) (حزقيال ١٤/ ٩)
* * *
стр. 1511
٦ - شبهة أن الله يميل إلى النساء .
نص الشبهة:
وقد استدل هؤلاء - بالفهم الخاطئ - لقول الله تعالى ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧]
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية .
الوجه الثاني: الله ﵎ منزه عن الزوجة والولد.
الوجه الثالث: ماذا في كتبهم عن الله؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية.
هذه الآية جاءت ردًّا على النصارى الذين ادعوا أن الله له زوجة، وأن له ابنًا، وأن الله تعالى لو شاء أن يتخذ زوجة وولدًا فهو القادر على كل شيء ، ولذلك جاء سياق الآياتِ ردًّا على المشركين فقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ١٧ - ٢٩].
стр. 1512
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: لو أردنا أن نتخذ زوجة وولدًا لاتخذنا ذلك من عندنا، ولكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله ولا ينبغي؛ لأنه لا ينبغي أن يكون لله ولد ولا صاحبة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. (١)
وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: بالعدل والقسط، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا، ولا بعثًا، ولا حسابًا.
وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن.
وقال إبراهيم النَّخعِي: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ من الحور العين.
وقال عَكرمة والسدي: المراد باللهو هاهنا: الولد.
وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر: ٤]، فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقًا، لا سيما عما يقولون من الإفك والباطل، من اتخاذ عيسى، أو العزير، أو الملائكة ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء: ٤٣].
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال قتادة، والسدي، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مِقْسَم، أي: ما كنا فاعلين.
стр. 1513
وقال مجاهد: كل شيء في القرآن "إن" فهو إنكار.
وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ أي: نبين الحق فيدحض الباطل؛ ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب مضمحل ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي: أيها القائلون: لله ولد، ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ أي: تقولون وتفترون. (١)
الوجه الثاني: الله ﵎ منزه عن الزوجة والولد .
أولًا: من القرآن:
قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن: ٣]
وقال تعالى: " ﴿قَالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨] وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٣].
قال ابن كثير: يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى، من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا.
стр. 1514
هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ ولم يقل: أنَّا الله، ولا ابن الله. بل قال: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ (مريم: ٣٥ - ٣٦). وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجَنَّة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨، ١١٦). (١)
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء: ١٧١].
قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
قال ابن كثير: (﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولد إنما يكون متولدا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
стр. 1515
(٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؛ وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (١)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ﵇، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد.
ثانيًا: من السنة .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا في زَمَنِ رَسُول الله ﷺ قَالوا يَا رَسُولَ الله هَلْ نرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَال رَسُولُ الله ﷺ "نَعَمْ" .... وهو حديث الرؤية وفيه قَال " .... إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله
стр. 1516
مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَال لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ الله. فَيُقَال: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ! فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَال لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ الله. فَيُقَال لهمْ: كَذَبْتُمْ. مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ ..... " (١).
الوجه الثالث: ماذا في كتبهم عن الله ؟
١ - ادعوا أن الله له ولد وهو المسيح .
فجاء في إنجيل متى: (فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي) (متى ١٦: ١٦).
وجاء في إنجيل مرقص: (ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله) (مرقص ١٥: ٣٩)
وجاء في إنجيل لوقا: (فأجاب الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله) (لوقا ١: ٣٥).
وجاء في إنجيل يوحنا: (الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد) (يوحنا ٣: ١٨).
وكما جاء في أعمال الرسل: (فقال فيلبس: إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز فأجاب وقال أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله) (أعمال الرسل ٨: ٣٧) والولد لا يكون إلا من زوجة فمن أمه؟
٢ - آدم ابن الله .
كما جاء في إنجيل لوقا في نسب يسوع ( ... بن أنوش بن شيت بن آدم ابن الله) (لوقا ٣: ٣٨)
* * *
стр. 1517
٧ - شبهة: ادعاؤهم أن الله قوّاد .
نص الشبهة:
واحتجوا على ذلك بقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَاليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وبقول عائشة ﵂ للنبي ﷺ : "إن ربك ليسارع في هواك".
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية وأنها على خلاف هذا الظن الفاسد .
الوجه الثاني: بيان المقصود بقولها ﵂ (إن ربك يسارع في هواك).
الوجه الثالث: ماذا في كتبهم من القبائح!
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية، وأنها على خلاف هذا الظن الفاسد.
قال ابن كثير: هذا أمر من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يخَيّر نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهن عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅ وأرضاهن - الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. (١)
وقال القرطبي: في المسألة الثالثة من الآية: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ "إن" شرط، وجوابه" فتعالين"، فعلق التخيرٍ على شرط.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَتَعَاليْنَ﴾ هو جواب الشرط، وهو فعل جماعة النساء، من قولك تعالى، وهو دعاء إلى الإقبال إليه، يقال: تعال بمعنى أقبل، وضع لمن له جلالة
стр. 1518
ورفعة، ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وأما في هذا الموضع فهو على أصله، فإن الداعي هو رسول الله ﷺ (أمتعكن) ...... ، وقرئ "أمتعكن" بضم العين.
وكذا (وأسرحكن) بضم الحاء على الاستئناف.
والسراح الجميل: هو أن يكون طلاقا للسنة من غير ضرار ولا منع واجب لها.
الخامسة: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي ﷺ أزواجه على قولين:
الأول: أنَّه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء، قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وابن شهاب وربيعة.
الثاني: ومنهن من قال: إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن، ولم يخيرهن في الطلاق، ذكره الحسن وقتادة.
ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال: لم يخير رسول الله ﷺ نساءه إلا بين الدنيا والآخرة.
قلت: القول الأول أصح، لقول عائشة ﵂ لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت: قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا! في رواية: فاخترناه فلم يعده طلاقا ولم يثبت عن رسول الله ﷺ إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق، لذلك قال: (يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك) الحديث.
ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة.
فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة، أو النكاح. والله أعلم. (١)
الوجه الثاني: بيان المقصود بقولها ﵂ (إن ربك يسارع في هواك) .
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاتِي وَهَبْنَ أنفُسَهُنَّ لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ امْرْأَةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ الله تَعَالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ
стр. 1519
مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ. (١)
أولًا: معنى الهوى:
والهَوى - مقصور -: هَوَى النَّفْس، وإِذا أَضفته إِليك قلت هَوايَ.
الهَوى: العِشْق، يكون في مداخل الخير والشر.
وهَوى النفسِ: إِرادتها، والجمع الأَهْواء.
قال اللغويون: الهَوَى: محبةُ الإِنسانِ الشيء وغَلَبَتُه على قلبه؛ قال الله ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ معناه: نَهَاها عن شَهَوَاتِها وما تدعو إِليه من معاصي الله .
وقال الليث: الهَوى - مقصور -: هَوى الضَّمير، تقول: هَوِي، بالكسر، يَهْوى هوىً أَي أَحبّ. (٢)
ثانيًا: معنى الهوى في الحديث:
قول عائشة: مَا أَرَى رَبَّك إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاك.
قال ابن حجر: أَيْ: مَما أَرَى الله إِلَّا مُوجِدًا لِما تُرِيد بِلا تَأْخِير، مُنْزِلًا لِما تُحِبّ وَتَخْتَار. (٣)
وقال: فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْرٍ "إِنِّي لأَرَى رَبَّك يُسَارِعُ لَك فِي هَوَاك" أَيْ فِي رِضَاك. قَال الْقُرْطُبِيّ: هَذَا قَوْل أَبْرَزَهُ الدَّلال وَالْغَيْرَة، وَهُوَ مِنْ نَوْع قَوْلَهَا: مَا أَحْمَدكُمَا وَلا أَحْمَد إِلَّا الله، وَإِلا فَإِضَافَة الْهَوَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لا تُحْمَل عَلَى ظَاهِرهِ، لأَنَّهُ لا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلا يَفْعَل بِالْهَوَى، وَلَوْ قَالتْ إِلَى مَرْضَاتك لَكَانَ أَلْيَق، وَلَكِنَّ الْغَيْرَة يُغْتَفَر لأَجْلِهَا إِطْلاق مِثْل ذَلِكَ (٤).
الوجه الثالث: ماذا في كتابهم من القبائح !
١ - الرب يأمر بالزنى .
كما جاء في هوشع: (أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَال الرَّبُّ لِهُوشَعَ: "اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلَادَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ") (هوشع ١/ ٢)
٨ - شبهة: أنَّ الله يضل الناس .
نص الشبهة:
وقد احتج هؤلاء - بالفهم الخاطئ - لقول الله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩].
وبقول الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠].
وبقول الله ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وبقول الله ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقال الله ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨].
وبقول الله ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وغيرها من الآياتِ. وبقول الله. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]
وبقول الله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل: ٩٣].
وبقول الله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الشيطان مضل:
قال تعالى ﴿قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ [القصص: ١٥].
والجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: توضيح الآياتِ التي ذكروها وفق ما قال أهل التفسير.
стр. 1522
الوجه الثاني: الآياتِ التي فيها أن الشيطان يضل.
الوجه الثالث: ماذا في كتبهم عن الرب؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: توضيح الآياتِ التي ذكروها وفق ما قال أهل التفسير .
الآية الأولى:
قول الله تعالى ﴿لَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩].
وهي خاصة بالشيطان كما في سياق الآياتِ حيث قال الله قبلها ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النساء: ١١٧، ١١٨].
قال ابن جرير: القول في تأويل قوله: ﴿لَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه: مخبرًا عن قيل الشيطان المريد الذي وصف صفته في هذه الآية: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾، ولأصدّن النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، يقول: لأزيغنَّهم - بما أجعل في نفوسهم من الأماني - عن طاعتك وتوحيدك، إلى طاعتي والشرك بك، ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، يقول: ولآمرن النصيبَ المفروض لي من عبادك، بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد حتى يَنْسُكوا له، ويحرِّموا ويحللوا له، ويشرعوا غيرَ الذي شرعته لهم، فيتبعوني ويخالفونك.
و"البتك"، القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنَّها بَحِيرة.
وإنما أراد بذلك الخبيثُ أنه يدعوهم إلى البحيرة، فيستجيبون له، ويعملون بها طاعةً له.
стр. 1523
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (١)
الآية الثانية:
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الإرادة المقصودة في هذه الآية هي الإرادة الكونية القدرية. وهي التي سبقت في علم الله تعالى أن عبده فلان سوف يسلك طريق الهداية ويسلم لله تعالى فيسر الله تعالى له ذلك.
ومن العباد من أراد الضلال والبعد عن الحق بمحض اختياره فيسر الله تعالى له الطريق الذي سلكه، ولا يظلم ربك أحدًا.
وهذا قد فاض الكتاب به، منها:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٣ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ [مريم: ٧٥، ٧٦].
وقد أثبت الله تعالى للعبد اختيارًا في الضلال والهدى فقال تعالى في سورة الكهف:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩، ٣٠].
стр. 1524
الآية الثالثة: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَال رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥].
قال ابن جرير: وأما قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾، فإنه يقول جل ثناؤه: ما هذه الفعلة التي فعلَها قومي، من عبادتهم ما عبَدُوا دونك، إلا فتنة منك أصَابتهم، ويعني (بالفتنة)، الابتلاء والاختبار، يقول: ابتليتهم بها، ليتبين الذي يضلَّ عن الحق بعبادته إياه، والذي يهتدي بترك عبادته. وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى الله، إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سببٍ منه جل ثناؤه. (١)
فالمقصود بالفتنة هي: الاختبار والامتحان لمن زعم أنه قد استقام على طريق الله تعالى وهو كاذب، فحتى لا ينخدع به الناس تأتي الفتنة لتكشف كذبه.
وأما إضلال الله تعالى له، فإنما هو أمر كوني قدري لما علم الله فيه الضلال والسير فيه سهل له الطريق.
ولذلك قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: من الآية ١١].
وقد قال ابن جرير: وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف. ولا معنى له غير ذلك، يقول: إن الأمرُ إلا أمرُك، وإن الحكمُ إلا لك، في شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضِل لمن هَدَيت، ولا مُعطِي لما
стр. 1525
مَنَعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر. (١)
الآية الرابعة:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل: ٩٣].
فالله له الملك وله الحكم ولا معقب لحكمه ولا شريك له في أمره ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
فإن الإنسان إذا ملك بيتا أو قطعة أرض فهو يرى في نفسه أنه يعمل فيها ما يشاء سواء كان ببيعها أو هبتها أو إهدائها، أو بنيانها أو شيء يريد أن يعمله وهو يعتقد أنه لا شريك له فيها.
فكيف بخالق هذا الكون سبحانه ومالكه ولا شريك له فيه؛ أليس له الأمر كله في تصرفه في ملكه كيف يشاء سبحانه؟ !
ولكنه سبحانه موصوف بالعدل والرحمة، فلا يحاسب عبده إلا بعدله، ولا يدخله في نعيمه إلا برحمته. وهو الحكيم الخبير بشؤون خلقه.
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفية من عنده، فصرتم جميعًا جماعة واحدة، وأهل ملة واحدة لا تختلفون ولا تفتر قون، ولكنه تعالى ذكره خالف بينكم، فجعلكم أهل ملل شتى، بأن وفَّق هؤلاء للإيمان به، والعمل بطاعته، فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء فحَرَمهم توفيقه فكانوا كافرين، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم، ثم ليجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته، والعاصي له بمعصيته. (٢)
стр. 1526
وإذا نظرنا إلى أي حاكم وهو يحكم بالسجن على مجرمين، والإعدام على آخرين وغير ذلك من العقوبات، وأعطى أقواما وقربهم منه؛ لأنهم طائعين له ومنفذين لأوامره، فهل نقول عليه أنه ظالم؛ لأنه فرق بين الناس! ! .
بالبديهي: أنَّ كل إنسان عاقل سوف يقول: إن هذا من العدل.
ولله المثل الأعلى . هو الملك، وهو بيده مقاليد السماوات والأرض. فلا يسوي بين طائع ومجرم كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨].
وهذا ما كان منه سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ [سبأ: ٥].
وقوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الجاثية: ١١].
وغيرها من الآياتِ التي توعد الله تعالى بها المجرمين المنحرفين عن طريق الهدى أمثال اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر.
فهذا العذاب جزاء إجرامهم وكفرهم بالله تعالى الذي خلقهم وعبدوا غيره.
الوجه الثاني: الآيات التي فيه أن الشيطان يُضل .
فإذا كان الله تعالى له الملك وله الأمر وله الخلق سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء، فيضل من يشاء عدلا منه سبحانه؛ لأن العبد اختار الضلال، ويهدي من يشاء رحمة منه سبحانه؛ لأن العبد اختار الهدى فوفقه للهدى.
فإن الشيطان سواء كان من الإنس أو من الجن يضل؛ بمعنى أنه يدعو إلى طريق الضلال، لا أنه يملك الضلال. ولا سلطان له على الخلق.
والدعوة إلى الخير أو الشر شيء جعله الله من اختيار العبد، وعلى ذلك رتب الثواب والعقاب.
стр. 1527
ولذلك يخطب الشيطان يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
أما الشيطان فليس له سلطان على المؤمن بأي حال من الأحوال كما قال الله تعالى له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩].
وليس له سلطان على العاصي أن يجره بالقوة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ [سبأ: ٢١].
وكذلك شياطين الإنس ليس لهم سلطان كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ [الصافات: ٣٠].
الوجه الثالث: ماذا في كتبهم عن الرب ؟
١ - الرب ضلل عباده فيعطيهم فرائض غير صالحة .
كما جاء في حزقيال: (وَأَعْطَيْتُهُمْ أيضًا فَرَائِضَ غَيْرَ صَالِحَةٍ وَأَحْكَامًا لَا يَحْيُونَ بِهَا) (حزقيال ٢٠: ٢٥).
٢ - الرب يأمر بالسُّكْرِ .
كما جاء في نشيد الإنشاد: (الرب يأمر بالسُّكر: (كُلُوا أَيُّهَا الأَصْحَابُ. اشْرَبُوا وَاسْكَرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ.) (نشيد الإنشاد ٥: ١).
٣ - الرب يأمر بالسرقة:
كما في جاء في الخروج: (وَأُعْطِي نِعْمَةً لِهَذَا الشَّعْبِ فِي عُيُونِ المصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لَا تَمْضُونَ فَارِغِينَ. بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتَسْلِبُونَ المصْرِيِّينَ) (خروج ٣: ٢١ - ٢٢).
стр. 1528
وكما جاء كذلك أيضًا في التكوين: (وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى. طَلَبُوا مِنَ المصْرِيِّينَ أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا. وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ المصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا المصْرِيِّينَ.) (تكوين ١٢: ٣٥ - ٣٦).
ونقول لهم:
أليس هذا كله من تضليل الناس؟ ! هل هناك رب يأمر بما هو فاحش؟ ثم يعاقبهم على ذلك عندما يأمرهم؟ ! !
ولكن الله تعالى في عقيدة المسلمين منزه عن كل نقيصة، فهو سبحانه عادل، وحكيم، ورحيم، ولا يأمر عبده إلا بما فيه منفعته في الدنيا والآخرة، ولا ينهاه عن فعل إلا وفي فعله ضرر عليه في الدنيا والآخرة.
* * *
стр. 1529
٩ - شبهة: ما ينزل من السماء .
نص الشبهة:
قالوا: بأن الله له منيٌّ كمنيِّ الرجال وذلك بسبب الفهم الخاطئ للماء الذي ينزل من السماء فينبت به الناس. واحتجوا على ذلك من خلال ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بين النفختين أربعون سنه ثم ينزل الله ماء من السماء كمنيِّ الرجال فينبتون كما ينبت البقل".
والجواب عن ذلك من وجوه.
الوجه الأول: نص الحديث الصحيح .
الوجه الثاني: لفظة كمنيِّ الرجال لا تصح .
الوجه الثالث: على افتراض صحة الحديث.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: نص الحديث الصحيح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَال أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَال: أَبَيْتُ. قَال أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَال: أَبَيْتُ. قَال أَرْبَعُونَ سَنَة؟ قَال: أَبَيْتُ. قَال: ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
وليس في الحديث: كمنيِّ الرجال.
الوجه الثاني: لفظة كمنى الرجال لا تصح.
الحديث الذي ذُكر فيه أنه كمنيِّ الرجال من حديث ابن مسعود ولا يصح.
قال أبو الزعراء ذكر الدجال عند ابن مسعود فقال: " ..... فيرسل الله ماء من تحت العرش كمنيِّ الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء، كما ينبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ
стр. 1530
بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩] (١)
الوجه الثالث: على افتراض صحة الحديث .
فنحن نؤمن به كما جاء، والحديث ليس فيه إثبات أن هذا السائل خرج من الله تعالى، وإنما هو خلق من خلق الله تعالى كما خلق مني الرجل في أصلابهم، قادر سبحانه أن يجعل المني كالمطر وهو على شيء قدير.
وليس في الحديث أن هذا السائل يضاف إلى الله تعالى حتى نقول إنه صفة من صفاته أو هو إضافة خلق كما بينا. وقد وصف النبي ﷺ هذا الماء بالطل أو الظل.
عن عبد الله بن عمرو قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّال في أمتي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِى أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا - فَيَبْعَثُ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشام؛ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَال سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكَرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لهمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن الله يمرض ويجوع .
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تعدني، قَال: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمِينَ؟ ! قَال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عبدي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لوجدتني عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تطعمني، قَال: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمِينَ؟ ! قَال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عبدي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلكَ عندي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تسقني، قَال: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمَينَ؟ ! قَال: اسْتَسْقَاكَ عبدي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عندي". (١)
والاعتراض: كيف يمرض الإله ويُسقى ويُستطعم إلى غير ذلك كما هو في الحديث؟ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ هذه طريقة معتادة في الخطاب، ويخبر السيد عن نفسه ويريد بها العبد .
الوجه الثاني: بيان أن نسبة المرض والجوع تعود على العبد، لا على الله .
الوجه الثالث: فهم السلف لهذا الحديث.
الوجه الرابع: إن إضافة المرض والإطعام والاستسقاء لله إنما هي على الترغيب.
الوجه الخامس: بطلان قول من قال بالحلول والاتحاد.
الوجه السادس: قد يُطلق الاتحاد ويُراد به معنًى آخر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أنَّ هذه طريقة معتادة في الخطاب، ويخبر السيد عن نفسه ويريد بها العبد.
قال أبو يعلى: اعلم أن هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي ﷺ في بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك تفسير قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت على أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذلك إلى نفسه إكرامًا لوليه ورفعةً لقدره،
стр. 1533
وهذه طريقة معتادة في الخطاب، يخبر السيد عن نفسه ويريد عبده إكرامًا له وتعظيمًا. (١)
الوجه الثاني: بيان أن نسبة المرض والجوع تعود على العبد، لا على الله -.
قال ابن تيمية: فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقلٍ ولا سمع إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع علي الخالق ، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب؛ فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبين مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع، وأكل، ومرض، وعاده العواد، وأن الله - سبحانه - لم يأكل ولم يُعَدْ. (٢)
الوجه الثالث: فهم السلف لهذا الحديث .
قال ابن عثيمين: السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله - تعالى - في الحديث القدسي: "مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك" بينه الله - تعالى - بنفسه حيث قال: "أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان" وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله، والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد، واستطعامه، واستسقائه - لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره؛ لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً. (٣)
الوجه الرابع: إن إضافة المرض، والإطعام، والاستسقاء لله إنما هي على الترغيب .
وقد أضاف الله - تعالى - مرض عبده واستطعامه واستسقائه إلى نفسه للترغيب والحث كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].
стр. 1534
قال ابن تيمية: وذلك لأن المحب يتفق هو محبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى عما ينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم، ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد ﷺ ، ولهذا قال - تعالى - فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. (١)
قال ابن القيم: فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء: "لوجدت ذلك عندي"، وقوله: في العيادة: "لوجدتني عنده" ولم يقل: لوجدت ذلك عندي إيذانًا بقربه من المريض، وأنه عنده لذله، وخضوعه، وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربه، فأوجب ذلك وجود الله عنده، هذا وهو فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو عند عبده. (٢)
الوجه الخامس: بطلان قول من قال بالحلول والاتحاد .
قال ابن تيمية: وقوله: "لوجدتني عنده ووجدت ذلك عندي" نَفْيٌ للاتِّحَادِ الْعَيْنِيِّ بِنَفْيِ الْبَاطِلِ وَإِثْبَاتٌ لِتَمْيِيزِ الرَّبِّ عَنْ الْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ: (لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ) لَفْظُ ظَرْفٍ؛ وَبِكُلِّ يَثْبُتُ المعْنَى الحقُّ مِنْ الحُلُولِ الْحَقِّ؛ الَّذِي هُوَ بِالْإِيمَانِ لَا بِالذَّاتِ. وَيُفَسَّرُ قَوْلُهُ: (مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي) فَلَوْ كَانَ الرَّبُّ عَيْنَ الْمَرِيضِ وَالجَائِعِ لَكَانَ إذَا عَادَهُ وَإِذَا أَطْعَمَهُ يَكُونُ قَدْ وَجَدَهُ إيَّاهُ وَقَدْ وَجَدَهُ قَدْ أَكَلَهُ.
وقال: يُفَسَّرُ قَوْلُهُ: (مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي) فَلَوْ كَانَ الرَّبُّ عَيْنَ الْمَرِيضِ وَالجائِعِ لَكَانَ إذَا عَادَهُ وَإِذَا أَطْعَمَهُ يَكُونُ قَدْ وَجَدَهُ إيَّاهُ وَقَدْ وَجَدَهُ قَدْ أَكَلَهُ. (٣)
كما أن الحديث قد فرق وميز بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، وهذا نقض صريح لعقيدة الحلول والاتحاد.
стр. 1535
وقال أيضًا: وأما أن يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى، فهو كفر صريح يقوله أعداء الله النصارى ومن غلا من الرافضة، وجهال المتصوفة، ومن اعتقده فهو كافر، نعم للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حق المعرفة إلا من أدركه وناله، والرب رب، والعبد عبد، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب تعالى به، أو بغيره من المخلوقات واتحاده به. (١)
الوجه السادس: قد يطلق الاتحاد ويُراد به معنًى آخر .
قال ابن تيمية فينبغي أن يعرف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله، وكلام المخلوقين في عامة الطوائف مع ظهور المعنى، ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر، بل أبلغ من ذلك يطلق لفظ الحلول والاتحاد ويراد به معنى صحيح كما يقال: فلان وفلان بينهما اتحاد إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان، ويواليان ويعاديان، فلما اتحد مرادهما ومقصودهما صار يقال: هما متحدان وبينهما اتحاد، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحدت بذات الآخر كاتحاد النار والحديد، والماء واللبن، أو النفس والبدن، وأيضًا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارة وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارة. (٢)
* * *
١ - شبهة: ضغطة القبر .
نص الشبهة:
المسلمون مضغوطون في قبورهم.
عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه.
وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ.
والجواب عن ذلك نقول:
الوجه الأول: صحة الحديث
الحديث الأول: (هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفًا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه). (١)
الحديث الثاني: عن عائشة قال رسول الله ﷺ : "إن للقبر ضغطة، فلو نجا أو سلم أحد منها لنجا سعد بن معاذ". (٢)
الوجه الثاني: في الباب أحاديث أخر، منها ما هو ضعيف مثل:
١ - حديث جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ قَال: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَال: لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ. (٣)
стр. 1538
٢ - حديث ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعدا، قال: إنما يعني السرير، قال: تفسخت أعواده، قال: دخل رسول الله ﷺ قبره فاحتبس، فلما خرج، قيل: يا رسول الله! ما حبسك؟ قال: "ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله أن يكشف عنه". (١)
الوجه الثالث: ضمة القبر حق على كل الناس مسلمهم وكافرهم .
وهذا من اعتقاد المسلمين لما صح فيه عن رسول الله ﷺ الأحاديث.
ومن قال غير ذلك فليأتنا بدليل على نفي ما ذكرناه، وأما العقل فلا مجال لنفيه، فإن العقل لا يدرك إلا المحسوسات في الدنيا، أما القبر فهو عالم آخر وغيب لا يمكن لعقل الاطلاع عليه.
* * *
стр. 1539
٢ - شبهة: صفة منكر ونكير .
نص الشبهة:
منكر ونكير هما ملكان أسودان أزرقان.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه ...... " الحديث
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: نص الحديث والحكم عليه .
الوجه الثاني: الملائكة من خلق الله تعالى.
الوجه الثالث: القبر يفسح للمؤمن مد بصره.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: نص الحديث والحكم عليه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ - أَوْ قَال أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَال لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ، وَالآخَرُ النَّكِيرُ. فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا. ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَال لَهُ نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أهلي فَأُخْبِرُهُمْ. فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الذي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ. حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَال: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِى. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ. فَيُقَال لِلأَرْضِ التئمي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ فَلَا يَزَال فِيهَا مُعَذَّبًا
стр. 1540
حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ". (١)
الوجه الثاني: الملائكة من خلق الله تعالى .
كما خلق الله الجن والإنس خلق الملائكة، وهم خُلقوا من نور كما جاء عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "خُلِقَتْ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ". (٢)
والملائكة لهم صفات خِلْقية وخُلُقية .
فمن صفاتهم الخِلقية:
١ - أنهم ذوو أجنحة: قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
وعن ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِي ﷺ : "رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ". (٣)
٢ - عظم خَلقهم:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْس إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ". (٤)
٣ - أنهم أولو قوة:
قال تعالى واصفًا جبريل ﵇: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٥، ٦] (النجم: ٥: ٦).
٤ - أنهم قادرون على الهبوط والصعود من السماء إلى الأرض والعكس:
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤].
стр. 1541
٥ - أنهم يتشكلون في صور البشر:
قال تعالى عن مريم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
والذين جاءوا إلى إبراهيم ﵇ وبشروه بإسحاق وذهبوا إلى قوم لوط، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤] وكان جبريل ﵇ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي ويكلمه ويحادثه.
وأما أعمالهم فكثيرة:
فمنهم:
١ - الموكل بسؤال الناس في قبورهم:
كما ورد في الحديث السابق، وهما ملكان وصفاتهم أسودان أزرقان.
٢ - ومنهم حملة العرش وهم ثمانية:
قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: من الآية ١٧].
٢ - ومنهم الموكل بالوحي إلى الرسل وهو جبريل ﵇ -:
قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
٤ - ومنهم الموكل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل:
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
٥ - ومنهم الموكلون بقبض الأرواح وهو ملك الموت ومعه أعوانه:
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: من الآية ١١].
٦ - ومنهم الموكل بالمطر والنبات وهو ميكائيل ﵇ -.
وغير ذلك من الأعمال.
الوجه الثالث: القبر يفسح للمؤمن مد بصره .
وكما قلنا إن حياة القبر حياة غيبية لا نعرف كيفيتها، ولذلك إيماننا بها عن طريق الخبر وليس عن طريق الحس.
стр. 1542
فليس من العجيب أن يفسح القبر للمؤمن مد بصره جزاء إيمانه في الدنيا.
وليس ببعيد على الله تعالى أن يفسحه له مد بصره دون أن نشعر نحن به من فوقه.
وهناك الرؤى والأحلام التي تأتي الإنسان في منامه، فيسافر بلادًا لا يعرفها، ويقفز من فوق أبراج عالية، ويفعل ما هو خارق للعادة حال يقظته، ومع ذلك لا ينكر أحد ذلك، فمن الذي فعل به ذلك؟ أليس هو الله ﵎؟ القادر على كل شيء.
* * *
стр. 1543
٣ - شبهة: عذاب القبر بسبب البول .
نص الشبهة:
أكثر عذاب القبر من البول
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكثر عذاب القبر من البول.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الأحاديث الواردة في ذلك .
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الأحاديث الواردة في ذلك.
وردت أحاديث في هذا الشأن منها:
١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَال: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ، ثُمَّ قَال: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، قَال: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَال: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. (١)
٢ - الحديث الذي ذكره: (أَكْثَرُ عَذَاب الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ). (٢)
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث
نؤمن بما جاءت به هذه الأحاديث، وقد دخل في عقل صاحب الشبهة عموم كلمة البول وإجمالها من غير تفصيل.
فالمقصود بالبول كما جاء مفسرًا في الأحاديث الأُخر: هو عدم الاحتراز من البول أن يقع على جسده وثوبه.
стр. 1544
والاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه.
وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية ويؤيده ما أخرجه بن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أكثر عذاب القبر من البول أي بسبب ترك التحرز منه. (١)
وهكذا نرى أن الإسلام يدعو إلى التنزه من النجاسات والطهارة منها. وهذا ما لم يوجد في شعائر النصارى؛ لذلك يتهكمون من المسلمين! ! . (٢)
قال الذهبي: عدم التنزه من البول وهو شعار النصارى. قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]. (٣)
* * *
стр. 1545
٤ - شبهة: عذاب القبر تسمعه البهائم
نص الشبهة:
قالوا: يعذبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم.
عن عائشة قالت: دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما ولم أُنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز جمهود المدينة دخلتا عليَّ فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فقال: صدقتا إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم. قالت: في رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر.
وللجواب عن ذلك نقول:
الوجه الأول: عقيدة أهل السنة في عذاب القبر .
الوجه الثاني: الأدلة على إثبات عذاب القبر .
الوجه الثالث: هل العذاب على الروح والبدن؟ أم على البدن فقط؟ أم على الروح فقط؟
الوجه الرابع: غير الجن والإنس يسمعون عذاب القبر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: عقيدة أهل السنة في عذاب القبر
يعتقد أهل السنة والجماعة أن القبر هو البداية للحياة الآخرة، وهو الذي يعرف فيها الإنسان مصيره، إما إلى جنة وإما إلى نار.
وأن الحياة البرزخية (حياة القبر) هي غيب نعلم معناه ووصفه لكن لا نعلم كيفيته، فلأجل ذلك يؤمن أهل السنة بما ورد ولا يسعون إلى معرفة الكيفية.
وأن العذاب والنعيم في القبر يقع على الروح والجسد معا.
مثال على ذلك: حياة الأنبياء في القبور.
الوجه الثاني: الأدلة على إثبات عذاب القبر.
وردت أدلة كثيرة على عذاب القبر ونعيمه منها: