٥ - أنهم يتشكلون في صور البشر:
قال تعالى عن مريم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
والذين جاءوا إلى إبراهيم ﵇ وبشروه بإسحاق وذهبوا إلى قوم لوط، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤] وكان جبريل ﵇ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي ويكلمه ويحادثه.
وأما أعمالهم فكثيرة:
فمنهم:
١ - الموكل بسؤال الناس في قبورهم:
كما ورد في الحديث السابق، وهما ملكان وصفاتهم أسودان أزرقان.
٢ - ومنهم حملة العرش وهم ثمانية:
قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: من الآية ١٧].
٢ - ومنهم الموكل بالوحي إلى الرسل وهو جبريل ﵇ -:
قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
٤ - ومنهم الموكل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل:
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
٥ - ومنهم الموكلون بقبض الأرواح وهو ملك الموت ومعه أعوانه:
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: من الآية ١١].
٦ - ومنهم الموكل بالمطر والنبات وهو ميكائيل ﵇ -.
وغير ذلك من الأعمال.
الوجه الثالث: القبر يفسح للمؤمن مد بصره .
وكما قلنا إن حياة القبر حياة غيبية لا نعرف كيفيتها، ولذلك إيماننا بها عن طريق الخبر وليس عن طريق الحس.
стр. 1542
فليس من العجيب أن يفسح القبر للمؤمن مد بصره جزاء إيمانه في الدنيا.
وليس ببعيد على الله تعالى أن يفسحه له مد بصره دون أن نشعر نحن به من فوقه.
وهناك الرؤى والأحلام التي تأتي الإنسان في منامه، فيسافر بلادًا لا يعرفها، ويقفز من فوق أبراج عالية، ويفعل ما هو خارق للعادة حال يقظته، ومع ذلك لا ينكر أحد ذلك، فمن الذي فعل به ذلك؟ أليس هو الله ﵎؟ القادر على كل شيء.
* * *
стр. 1543
٣ - شبهة: عذاب القبر بسبب البول .
نص الشبهة:
أكثر عذاب القبر من البول
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكثر عذاب القبر من البول.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الأحاديث الواردة في ذلك .
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الأحاديث الواردة في ذلك.
وردت أحاديث في هذا الشأن منها:
١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَال: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ، ثُمَّ قَال: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، قَال: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَال: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. (١)
٢ - الحديث الذي ذكره: (أَكْثَرُ عَذَاب الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ). (٢)
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث
نؤمن بما جاءت به هذه الأحاديث، وقد دخل في عقل صاحب الشبهة عموم كلمة البول وإجمالها من غير تفصيل.
فالمقصود بالبول كما جاء مفسرًا في الأحاديث الأُخر: هو عدم الاحتراز من البول أن يقع على جسده وثوبه.
стр. 1544
والاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه.
وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية ويؤيده ما أخرجه بن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أكثر عذاب القبر من البول أي بسبب ترك التحرز منه. (١)
وهكذا نرى أن الإسلام يدعو إلى التنزه من النجاسات والطهارة منها. وهذا ما لم يوجد في شعائر النصارى؛ لذلك يتهكمون من المسلمين! ! . (٢)
قال الذهبي: عدم التنزه من البول وهو شعار النصارى. قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]. (٣)
* * *
стр. 1545
٤ - شبهة: عذاب القبر تسمعه البهائم
نص الشبهة:
قالوا: يعذبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم.
عن عائشة قالت: دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما ولم أُنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز جمهود المدينة دخلتا عليَّ فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فقال: صدقتا إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم. قالت: في رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر.
وللجواب عن ذلك نقول:
الوجه الأول: عقيدة أهل السنة في عذاب القبر .
الوجه الثاني: الأدلة على إثبات عذاب القبر .
الوجه الثالث: هل العذاب على الروح والبدن؟ أم على البدن فقط؟ أم على الروح فقط؟
الوجه الرابع: غير الجن والإنس يسمعون عذاب القبر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: عقيدة أهل السنة في عذاب القبر
يعتقد أهل السنة والجماعة أن القبر هو البداية للحياة الآخرة، وهو الذي يعرف فيها الإنسان مصيره، إما إلى جنة وإما إلى نار.
وأن الحياة البرزخية (حياة القبر) هي غيب نعلم معناه ووصفه لكن لا نعلم كيفيته، فلأجل ذلك يؤمن أهل السنة بما ورد ولا يسعون إلى معرفة الكيفية.
وأن العذاب والنعيم في القبر يقع على الروح والجسد معا.
مثال على ذلك: حياة الأنبياء في القبور.
الوجه الثاني: الأدلة على إثبات عذاب القبر.
وردت أدلة كثيرة على عذاب القبر ونعيمه منها:
стр. 1546
قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦].
قال البخاري في صحيحه: بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
قَال أَبُو عَبْد الله: الْهُونُ هُوَ الْهَوَانُ وَالْهَوْنُ الرِّفْقُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبُرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْرِ. (١)
ومن أجمع الأحاديثَ في هذا الباب:
حديث البراء بن عازب وقد جمع طرقه ورواياته الشيخ الألباني ﵀ في كتابه "أحكام الجنائز" فنذكره بطوله وبتخريجه إن شاء الله تعالى.
عن البراء بن عازب قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ (مستقبل القبلة)، وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عوده ينكت في الأرض" (فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا)، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثًا" (ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) (ثلاثًا)، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من
стр. 1547
الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجَنَّة، وحنوط من حنوط الجَنَّة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني (وعدتهم أني) منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـ (يرد إلى الأرض، و) تعاد روحه في جسده" (قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه) (مدبرين).
فيأتيه ملكان (شديدا الانتهار) فـ (ينتهرانه، و) يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، (فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
стр. 1548
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (إبراهيم: من الآية ٢٧)، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجَنَّة، وألبسوه من الجَنَّة، وافتحوا له بابا إلى الجَنَّة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه (وفي رواية: يمثل له) رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، (أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم)، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: (وأنت فبشرك الله بخير) من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح (فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في إطاعة الله، بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا)، ثم يفتح له باب من الجَنَّة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت، الله، أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجَنَّة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، (فيقال له: اسكن)، قال: وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة (غلاظ شداد)، سود الوجوه، معهم المسوح (من النار)، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (الكثير الشعب) من الصوف المبلول، (فتقطع معها العروق والعصب)، (فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم)، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجَنَّة، حتى يلج الجمل في سم الخياط) فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، (ثم يقال:
стр. 1549
أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)، فتطرح روحه (من السماء) طرحًا (حتى تقع في جسده) ثم قرأ (ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)، فتعاد روحه في جسده، (قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه).
ويأتيه ملكان (شديدا الانتهار، فينتهرانه، و) يجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقول له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى)، فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ) فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول) هاه هاه لا أدري (سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت)، (ولا تلوت)، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول (وأنت فبشرك الله بالشر) من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث؟ (فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله، سريعا إلى معصية الله)، (فجزاك الله شرًا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، يمهد من فرش النار). فيقول: رب لا تقم الساعة". (١)
قال ابن القيم: قول السائل: هل عذاب القبر على النفس والبدن؟ أو على النفس دون البدن؟ أو على البدن دون النفس؟ وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟
وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، فقال:
بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟
هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام.
وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث: قول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وإن البدن لا ينعم ولا يعذب.
وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان؛ لكن يقولون لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور؛ لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معًا.
وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة؛ بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة ويثبت معاد الأبدان والأرواح ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على الروح فقط.
الثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.
стр. 1552
الثالث: أنه على البدن فقط وقد يضم إلى ذلك القول الثاني، وهو قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا. فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة.
فالقول الثاني الشاذ: قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب؛ وإنما الروح هي الحياة وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبى بكر وغيره، وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن، وهذا قول باطل وقد خالف أصحابه أبو المعالي الجويني وغيره؛ بل قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة: أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك؛ لكن ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال؛ لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام؛ بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام.
والقول الثالث الشاذ: قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب؛ بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى.
فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة، فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى.
стр. 1553
ونحن نثبت ما ذكرناه فأما أحاديث عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي ﷺ . (١)
الوجه الرابع: غير الجن والإنس يسمعون عذاب القبر
وهذا حق نؤمن به. وقد يقول قائلهم: وكيف يسمعه كل شيء إلا الجن والإنس والأسماع تتشابه؟
ونقول: إن الذي خلق الجن والإنس قادر على أن لا يسمعهم ما لا يسمع غيرهم.
* * *
стр. 1554
٥ - شبهة: عذاب الكافر في القبر
نص الشبهة:
قالوا: عذاب الكافر في القبر تسْعَة وَتسْعُون تنينًا، وكل تنين عبارة عن تسْعَة وَتسْعِينَ حية، وكل حية لها سبعة رؤوس، وأنه حينما يسأل يقول: هاه هاه هاه لا أدري. فكيف يعقل هذا؟ عَنْ أَبي هُرَيْرَة، عَنْ رَسُول الله ﷺ أَنهُ قَال: "أَتدْرُونَ فيمَ أنزلَتْ هَذه الْآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أَتَدْرُونَ مَا المُعيشَة الضَّنْك؟ "قَالوا: الله وَرَسُوله أَعْلَم، قَال: وَعَذَاب الْكَافر في قَبْره، وَالَّذي نَفْسي بيَده أَنهُ لَيُسَلَّط عَلَيْه تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا، أَتدْرُونَ مَا التّنّين: تسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة، لكُلّ حَيَّة سَبْعَة رُءُوس، يَنْفُخُونَ في جسْمه وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدشُونَهُ إلَى يَوْم الْقيَامة.
والجواب عن ذلك نقول:
الوجه الأول: الحديث ضعيف فلا يحتج به .
الوجه الثاني: المستفاد من الحديث.
الوجه الثالث: إثبات عذاب القبر للكافر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الحديث ضعيف فلا يحتج به.
عَنْ أَبي هُرَيْرَة، عَنْ رَسُول الله ﷺ أنَّهُ قَال: "أَتَدْرُونَ فيمَ أنزلَتْ هَذه الْآيَة: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أَتَدْرُونَ مَا المُعيشَة الضَّنْك؟ "قَالوا: الله وَرَسُوله أَعْلَم، قَال: وَعَذَاب الْكَافر في قَبْره، وَالَّذي نَفْسي بيَده أنَّهُ لَيُسَلَّط عَلَيْه تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا، أَتدْرُونَ مَا التّنّين: تسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة، لكُلّ حَيَّة سَبْعَة رُءُوس، يَنْفُخُونَ في جسْمه وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدشُونَهُ إلَى يَوْم الْقيَامة.
الحديث منكر فلا يحتج به: (١)
الوجه الثاني: المستفاد من الحديث:
المستفاد من الحديث أنه لا تؤخذ منه عقيدة ولا يعتبر بما فيه على أنه من عقيدة الإسلام.
ولكن لو صح الحديث لآمنا به كما جاء؛ لأن عقيدتنا قائمة على الخبر الصحيح.
الوجه الثالث: إثبات عذاب القبر للكافر .
أثبت القرآن عذاب القبر للكافر:
قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].
قال ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١)
وكذلك السنة وقد ثبت ذلك في أحاديث صحيحة كثيرة كما في حديث البراء الطويل، وغيره وقد مر ذلك كثيرًا.
والحديث فيه فوائد مهمة: منها:
١ - إعلام النبي ﷺ أمته بما يحدث لهم في قبورهم. وفي هذا رادع عن الباطل وترغيبا للحق والسير فيه.
٢ - أن الروح ترد إلى الميت عند ذهاب آخر قدم من عنده. ولكن على كيفية غير كيفية الدنيا.
٣ - أن الكافر لا يوفق في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة.
وذلك بأن أعرضوا عن الله تعالى في الدنيا، فأعماهم الله وأضلهم عن الإجابة في القبر.
٤ - أن الكافر في القبر يذوق من عذاب الآخرة كما قاله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
٥ - أن المؤمن يبشر بأن يفتح له من الجنة بابا ينعم به إلى يوم القيامة.
стр. 1557
٦ - أن فترة البرزخ إلى يوم القيامة تمر على المؤمن كأنها صلاة ظهر أو صلاة عصر. فيتمنى إقامة الساعة.
أما الكافر فيقول: ﴿قَالوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥٢] ولا يتمنى إقامة الساعة.
٧ - أن القبر يضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه، ولكن بكيفية لا ندركها لأنها غيب. والمؤمن يفسح له قبره سبعون ذراعا وبكيفية لا ندركها.
٨ - أن عذاب القبر ونعيمه علمناه عن طريق الخبر فلا مجال للعقل فيه، ولا مخالفة له للعقل. فالعقل يقبل أشياء أغرب من هذه.
стр. 1558
٩ - شبهات عن الجنة
وفيها:
مقدمة في وصف الجنة من القرآن والسنة
١ - هل للمسلمين جنة واحدة أم جنات؟ .
٢ - شبهة: في وصف الجنة.
٣ - شبهة: عن درجات الجنة.
٤ - شبهة: فيمن يستحق دخول الجنة.
٥ - شبهة: عن جنة الفردوس.
٦ - شبهة: عن عرق أهل الجنة.
٧ - شبهة: ادعاؤهم بيع الجنة بالمال.
٨ - شبهة: ادعاؤهم أن في الجنة لواط.
٩ - شبهة: الرجال لهم الحور فماذا للنساء؟
١٠ - شبهة: عن النكاح في الجنة، واعتراضهم على ذكر الجماع والنساء في الجنة.
стр. 1559
مقدمة في وصف الجنة من القرآن والسنة
الجنة دار غرسها الله بيده، وجعلها مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص. لذا رغب الشرع فيها ووصف لنا ما فيها، فإليك ذكر بعض ما جاء فيها.
الترغيب في الجنة ونعيمها .
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ النَّارِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَال لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَالله، يَارَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الجْنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الجنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقَال لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَالله، يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ. (١)
وعَنْ عَبْدِ الله، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : الْجَنَّة أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ. (٢)
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المُنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَة أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله الجْنَّةُ". (٣)
ليس للجنة إلا طريق واحد .
هذا مما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم، وأما طرق الجحيم فأكثر من أن تحصى، ولهذا يوحد سبحانه سبيله ويجمع سبل النار كقوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أي ومن السبيل
стр. 1560
جائر عن القصد وهي سبيل الغي وقال ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحجر: ٤١].
وقال ابن مسعود: خط لنا رسول الله خطا وقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الآية.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] قيل: هي سبل تجمع في سبيل واحد، وهي بمنزلة الجواد والطرق في الطريق الأعظم فهذه هي شعب الإيمان يجمعها الإيمان وهو شعبة، كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها، وهذه السبل هي إجابة داعي الله بتصديق خبره وطاعة أمره وطريق الجنة هي إجابة الداعي إليها ليس إلا.
وعن جابر قال: "جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَائِمٌ فَقَال بَعْضُهُمْ إِنَّهُ نَائِم. وَقَال بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَة وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالوا: إِنَّ لِصاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا. فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِم. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالوا مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِىَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المأدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِىَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ المأدُبَةِ. فَقَالوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا. فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِم. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَة وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِى مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصىَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ عَصىَ الله، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرْق بَيْنَ النَّاسِ" (١).
بيان وجود الجنة وأنها مخلوقة .
قال الطحاوي: والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء
стр. 1561
منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد.
قال ابن أبي العز: قوله: "إن الجنة والنار مخلوقتان" اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة! ! وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا! ! وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة! وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث! لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة! ! فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. (١)
والأدلة على ذلك منها:
قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾.
وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في الصحيحين، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره "ثُمَّ انْطَلق بِي حَتَى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْر المنتهَى وَغَشِيَهَا أَلوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجنةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وإِذَا ترابُهَا المسْكُ ... " (٢)
عَنْ أَنسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ في قَبر، وَتُوُلِّىَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالهِمْ، أَتاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ
قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠].
قال ابن القيم: وتأمل قوله سبحانه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ [ص: ٥٠ - ٥١] كيف تجد تحته معنى بديعا، وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم؛ بل تبقى مفتحة كما هي، وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى إنها عليهم مؤصدة أي مطبقة. (١)
قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وأيضًا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت.
وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. (٢)
وللجنة ثمانية أبواب، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَال: "في الجنةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ". (٣)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ الله نُودِىَ مِنْ أَبْوَابِ الجْنَّةِ يَا عَبْدَ الله، هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجهَادِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الجهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ". فَقَال أَبو بَكْرٍ ﵁ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا
وفي لفظ "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ المصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى".
وفي لفظ "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ المصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجْنَّةِ إِلَى عِضَادَتَىِ الْبَابِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ".
عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَال: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَال: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَال لها فَانْتَقِلُوا بِخَيْر مَا بِحَضْرَتِكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِى فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يدْرِكُ لَهَا قَعْرًا وَوَالله لَتُمْلأَنَّ أَفَعَجِبْتُمْ! وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ ... " (١)
قال ابن القيم: ولما كانت الجنات درجات بعضها فوق بعض كانت أبوابها كذلك وباب الجنة العالية فوق باب الجنة التي تحتها، وكلما علت الجنة اتسعت، فعاليها أوسع مما دونه، وسعة الباب بحسب وسع الجنة، ولعل هذا وجه الاختلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب فإن أبوابها بعضها أعلى من بعض. (٢)
درجات الجنة .
الجنة درجات بعضها فوق بعض، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
قال ابن تيمية: والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم قال ﵎ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ
стр. 1566
وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ (الإسراء: ١٨ - ٢١).
فبين الله أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظورًا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا، وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا، وقد بين تفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] (١)
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦].
قال ابن القيم: وتأمل قوله كيف أوقع التفضيل أولًا بدرجة ثم أوقعه ثانيًا بدرجات.
فقيل: الأول بين القاعد المعذور والمجاهد. والثاني بين القاعد بلا عذر والمجاهد. (٢)
стр. 1567
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِالله وَبِرَسُولِهِ وَأقامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ جَاهَدَ في سَبِيلِ الله، أَوْ جَلَسَ في أَرْضِهِ الَّتِى وُلدَ فِيهَا".فَقَالوا: يَا رَسُولَ الله أفلَا نبشِّرُ النَّاسَ؟ . قَال: "إِنَّ في الجنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَألتُمُ الله فَاسْألوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجْنَّةِ وَأَعْلَى الجنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجْنَّةِ". (١)
وبيّن رسول الله ﷺ أن أهل الجنة متفاضلون فيها.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ أَهْلَ الجنَّةِ يَتَرَاءَيُونَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَيُونَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المُشْرِقِ أَوِ المُغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ". قَالوا يَا رَسُولَ الله: تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَال "بَلَى وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِالله وَصَدَّقُوا المرْسَلِينَ". (٢)
أعلى درجات الجنة .
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ المؤَذِّنَ فَقُوُلوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجنَةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سَأَل لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ". (٣)
стр. 1568
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهمَّ رَبَّ هَذه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (١)
عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "الْوَسِيلَةُ دَرَجَةٌ عِنْدَ الله لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ فَسَلُوا الله أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ". (٢)
عدد الجنات .
الجنة: اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدًّا. جنتان من ذهب وجنتان من فضة.
عن أنس بن مالك أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهْىَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتتِ النَّبِيّ ﷺ فَقَالتْ: يَا نَبِيَّ الله، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ في الجنَّةِ، صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ في الْبُكَاءِ. قَال "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ في الجْنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". (٣)
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "جَنَتّانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَتّانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِه في جَنَّةِ عَدْنٍ". (٤)
стр. 1569
وقد قال تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فذكرهما ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فهذه أربعٌ، وقد اختلف في قوله "ومن دونهما" هل المراد به أنهما فوقهما أو تحتهما، على قولين:
فقالت طائفة: من دونهما أي: أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما.
وقالت طائفة: بل معنى من دونهما: تحتهما، قالوا: وهذا المنقول في لغة العرب، إذا قالوا: هذا دون هذا أي: دونه في المنزلة، كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك، وفي الصحاح: دون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية ثم قال: ويقال: هذا دون هذا أي أقرب منه، والسياق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين من عشرة أوجه.
أحدها: قوله ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] وفيه قولان: أحدهما: أنه جمع فنن وهو الغصن، والثاني: أنه جمع فن وهو الصنف أي ذواتا أصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما.
الثاني: قوله ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ [الرحمن: ٥٠] وفي الأخريين ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ (الرحمن: ٦٦) والنضاخة هي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة فإنها تتضمن الفوران والجريان.
الثالث: أنه قال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢] وفي الأخريين ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨] ولا ريب أن وصف الأوليين أكمل.
الرابع: أنه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (الرحمن: ٥٤) وهذا تنبيه على فضل الظهائر وخطرها وفي الأخريين قال ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦] وفسر الرفرف بالمحابس والبسط وفسر بالفرش وفسر بالمحابس فوقها وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوليين.
стр. 1570
الخامس: أنه قال ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ [الرحمن: ٥٤] أي قريب وسهل يتناولونه كيف شاؤوا ولم يذكر ذلك في الأخريين.
السادس: أنه قال ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (الرحمن: ٥٦) أي قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرون غيرهم لرضاهن بهم، ومحبتهن لهم وذلك يتضمن قصر أطراف أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن، وقال في الأخريين ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (الرحمن: ٧٢) ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممن قصرت بغيرها.
السابع: أنه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه ولم يذكر ذلك في التي بعدها.
الثامن: أنه قال في الجنتين الأوليين ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] وهذا يقتضي أن أصحابهما من أهل الإحسان المطلق الكامل فكان جزاؤهم بإحسان كامل.
التاسع: أنه بدأ بوصف الجنتين الأوليين وجعلهما جزءًا لمن خاف مقامه، وهذا يدل على أنهما أعلى جزاء الخائف لمقامه فرتب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبب على سببه، ولما كان الخائفون على نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثم ذكر جنتي أصحاب اليمين.
العاشر: أنه قال ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] والسياق يدل على أنه نقيض فوق كما قال الجوهري. (١)
أبواب الجنة وخزنتها واسم مقدمهم ورئيسهم .
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا
стр. 1571
وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]
والخزنة جمع خازن ومثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه. عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "آتِى بَابَ الجْنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ". (١)
قال ابن القيم: قد سمى الله كبير هذه الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا، وسمى خازن النار مالكا وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه. (٢)
أول من يقرع باب الجنة .
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أنا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تبعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجنَّةِ". (٣)
وقد تقدم في حديث أنس السابق وفيه قوله ﷺ : "فَيقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ".
أول الأمم دخولًا الجنة .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا الله لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحقِّ". (٤)
فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض، وأسبقهم إلى أعلي مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنة؛ فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ ،
стр. 1572
ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته. (١)
تربة الجنة وطينتها وحصبائها وبنائها .
عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث: أن رسول الله ﷺ قال: فذكر حديث المعراج وفيه "ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجنّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المسْكُ". (٢)
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ لِابْنِ صَائِدٍ" مَا تُرْبَةُ الجْنَّةِ. قَال دَرْمَكَة بَيْضاءُ مِسْك يَا أَبا الْقَاسِمِ. قَال "صَدَقْتَ". (٣)
قَال الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَنَّهَا فِي الْبَيَاض دَرْمَكَة، وَفي الطِّيب مِسْك، وَالدَّرْمَك هُوَ الدَّقِيق الحْوَارِيّ الْخَالِص الْبَيَاض. (٤)
وفي حديث أبي هريرة قال: قُلْنَا: الجنّة مَا بِنَاؤُهَا؟ قَال ﷺ : "لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِنَة مِنْ ذَهَبٍ، وَملَاطُهَا المسْكُ الأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ وَلَا يَبْأَسْ، وَيُخَلَّدْ وَلَا يَمُوتْ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ". (٥)
قال ابن القيم: فهذه ثلاث صفات في تربتها ولا تعارض بينها.
فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران.
ويحتمل معنيين آخرين.
أحدهما: أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين ترابا ويدل على هذا قوله في اللفظ الآخر ملاطها المسك.
стр. 1573
والملاط: الطين ويدل عليه أن في حديث العلاء بن زياد: ترابها الزعفران وطينها المسك، فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيبا فانضم أحدهما إلى الآخر حدث لهما طيب آخر فصار مسكًا.
المعنى الثاني: أن يكون زعفرانا باعتبار اللون، مسكا باعتبار الرائحة، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران والرائحة رائحة المسك، وكذلك تشبيهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد: "أرض الجنة من فضة، وترابها مسك" فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك. (١)
غرف الجنة وقصورها وخيمها .
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾ [الزمر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الصف: ١٢].
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إِنَّ فِي الجنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ المؤْمِنُونَ. وَجَنتانِ مِنْ فِضةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنتانِ مِنْ كَذَا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ". (٢)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: آتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله! هَذه خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبها وَمنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَب. (٣)
معرفة منازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة وإن لم يروها قبل ذلك .
الأَلوَّةُ الأَنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ، وَأَزْوَاجُهُمُ الحورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا في السَّمَاءِ". (١)
الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة .
عن عبد الله بن عمرو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فُقَرَاءَ المهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا". (٢)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الجنّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمائَةِ عَامٍ". (٣)
قال ابن القيم: والذي في الصحيح أن سبقهم لهم بأربعين خريفًا فإما أن يكون هو المحفوظ، وإما أن يكون كلاهما محفوظًا وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة، كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب أحوالهم والله أعلم.
ولكن ههنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا، وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم. والغني إذا حوسب على غناه فوجد قد شكر الله تعالى فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فالمزية مزيتان: مزية سبق ومزية رفعة، وقد يجتمعان وينفردان فيحصل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر ويحصل لآخر السبق دون الرفعة