← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فُقَرَاءُ المهَاجِرِينَ". قَال الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَال: "زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ "قَال: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَال: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الجنَّةِ الَّذِى كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا". قَال: فَما شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَال: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا". قَال صَدَقْتَ. قَال: وَجِئْتُ أَسْألكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَال: "يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ"؟ . قَال: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَال: جِئْتُ أَسْألكَ عَنِ الْوَلَدِ. قَال: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ المرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ المرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنثَا بِإِذْنِ الله". قَال الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ "لَقَدْ سَألنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَألنِي عَنْهُ وَمَا لِي عِلْم بِشَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى أتانِيَ الله بِهِ" (١). وعن أنس أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ ﷺ المدِينَةَ، فَأتَاهُ يَسْألهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَال: إِنِّى سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجنَّةِ؟ وَمَا بَال الْوَلَدِ يَنْزعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَال: "أَخْبَرَنى بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا". قَال ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الملَائِكَةِ. قَال "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَار تَحْشُرُهُمْ مِنَ المشْرِقِ إِلَى المغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ". قَال: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأنَكَ رَسُولُ الله. قَال يَا رَسُولَ الله: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ ". قَالوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ؟ ". قَالوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذَلِكَ. فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الله فَقَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. قَالوا: شَرُّنَا

стр. 1577

وَابْنُ شَرِّنَا. وَتَنَقَصُوهُ. قَال: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ الله (١). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال النَّبِيُّ ﷺ "تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتكَفَّؤُهَا الجْبَّارُ بِيَده، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ، نُزُلًا لأَهْلِ الجنَّةِ". فَأتى رَجُل مِنَ الْيَهُودِ فَقَال: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال: "بَلَى". قَال: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَظَرَ النَّبِي ﷺ إِلَيْنَا، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَال: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَال: إِدَامُهُمْ بَالامٌ وَنُونٌ. قَالوا: وَمَا هَذَا؟ قَال: ثَوْر وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ ألفًا. (٢) ريح الجنة ومن مسيرة كم يُنشق عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ ورضي الله عنهما عَنِ النَّبِي ﷺ قَال: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجْنَةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا". (٣) أشجار الجنة وبساتينها وظلالها قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٣]. والمخضود الذي قد خضد شوكه أي نزع وقطع فلا شوك فيه. وأما الطلح فأكثر المفسرين قالوا: إنه شجرة الموز. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ ". (٤)

стр. 1578

وعن أبي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِنَّ في الجَنَّةِ لَشَجَرَة يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجوَادَ المضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا". (١) أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها . قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥]. وأنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها، كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قَال: "إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَألتُمُ الله فَاسْألوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ" (٢). وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "وَرُفِعَتْ لِى سِدْرَةُ المنتهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَال هَجَرٍ، وَوَرَقُهَا كَأنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ، في أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَألتُ جِبْرِيلَ فَقَال: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِى الجنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ" (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "بَيْنَمَا أَنا أَسِيرُ في الجَنَّةِ إِذَا أنا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المجَوَّفِ. قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَال: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِى أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ" (٤). طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه .

стр. 1579

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣]. قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٢، ٢٣]. قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]. وعَنْ جَابِرٍ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ". قَالوا: فَمَا بَال الطَّعَامِ؟ قَال: "جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ". (١) السابقون من هذه الأمة إلى الجنة وصفتهم . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجنّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الألوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المسْكُ، وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ الله بُكْرَةً وَعَشِيًّا". (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجنّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إِضَاءَة، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ

стр. 1580

الأَلوَّةُ الأَنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ، وَأَزْوَاجُهُمُ الحورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا في السَّمَاءِ". (١) الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة . عن عبد الله بن عمرو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فُقَرَاءَ المهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا". (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الجنّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمائَةِ عَامٍ". (٣) قال ابن القيم: والذي في الصحيح أن سبقهم لهم بأربعين خريفًا فإما أن يكون هو المحفوظ، وإما أن يكون كلاهما محفوظًا وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة، كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب أحوالهم والله أعلم. ولكن ههنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا، وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم. والغني إذا حوسب على غناه فوجد قد شكر الله تعالى فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فالمزية مزيتان: مزية سبق ومزية رفعة، وقد يجتمعان وينفردان فيحصل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر ويحصل لآخر السبق دون الرفعة

стр. 1581

ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه. (١) قال الألباني: المحفوظ أن هذه المدة: أربعين خريفًا إنما قالها ﷺ في فقراء المهاجرين، وأما فقراء المسلمين -عامة- فيدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة. (٢) أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ -. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا. فَقَال "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا. فَقَال: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجنَّةِ". فَكَبَّرْنَا. فَقَال: "مَا أَنْتُمْ في النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ". (٣) وعن عبد الله بن مسعود قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في قُبَّةٍ فَقَال: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُوُنوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَال: "تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُوُنوا ثُلُثَ أَهْلِ الجنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَال: "أَترْضَوْنَ أَنْ تَكُوُنوا شَطْرَ أَهْلِ الجنَّةِ؟ ". قُلْنَا نَعَمْ. قَال "والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إني لأَرْجُو أَنْ تَكُوُنوا نِصْفَ أَهْلِ الجنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجنّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْس مُسْلِمَة، وَمَا أنتُمْ في أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ". (٤) وعن بريدة بن الحصيب قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ وَمائَةُ صَفٍّ ثَمانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ". (٥) فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب .

стр. 1582

وعن ابن عَبَّاسٍ قَال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِى سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا، أُمَّتِى هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأفقِ. فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأفقَ، ثُمَّ قِيلَ لِى: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا في آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأفقَ قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ ألفا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأفاضَ الْقَوْمُ وَقَالوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِالله، وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلدُوا في الإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلدْنَا في الجاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَال: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَال عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَن: أَمِنْهُمْ أنا يَا رَسُولَ الله، قَال "نَعَمْ". فَقَامَ آخَرُ فَقَال: أَمِنْهُمْ أنا قَال: "سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ". (١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِى الجنّةَ سَبْعُونَ ألفًا بِغَير حِسَاب". فَقَال رَجُل: يَا رَسُولَ الله ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَال: "اللهمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَال يَا رَسُولَ الله: ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَال: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ". (٢) وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "وَعَدَنِى رَبِّى أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتي سَبْعِينَ ألفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابِ، مَعَ كُلِّ ألفٍ سَبْعُونَ ألفًا وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّى ". (٣) النساء في الجنة أكثر من الرجال وكذلك هم في النار عَنْ مُحَمَّدٍ قَال: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَال في الجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُل الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِى تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ

стр. 1583

سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا في الجنَّةِ أَعْزَبُ". (١) فقد اخْتَصَمَ الرِّجَال وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ في الجنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَألوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَال: قَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فذكره. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فِي أَضْحًى-أَوْ فِطْرٍ - إِلَى المصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّى أُرِيتكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ". فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ". قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَال "أَليْسَ شَهَادَةُ المرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ". قُلْنَ: بَلَى. قَال: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصمْ". قُلْنَ: بَلَى. قَال: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينهَا". (٢) وبما جاء عَنْ أَبِي التّيَّاحِ قَال: كَانَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الله امْرَأتانِ فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالتِ الأُخْرَى: جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلانةَ؟ فَقَال: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِى الجنَّةِ النِّسَاءُ". (٣) قال ابن حجر: ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر: اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء، ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة. (٤)

стр. 1584

وقال ابن القيم: قيل: هذا يدل على أنهن إنما كن في الجنة أكثر بالحور العين التي خلقن في الجنة وأقل ساكنيها نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل الجنة وأكثر أهل النار. (١) نساء أهل الجنة وأصنافهن وحسنهن وأوصافهن قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾ [الدخان: ٥٤])، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ [الوا قعة: ٣٥ - ٣٨]. عن أنس بْنِ مَالِكٍ عَنِ النبيِّ ﷺ "لَرَوْحَةٌ في سَبِيلِ الله أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلمَلأتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". (٢) وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنَ الحورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ". (٣) سوق الجنة وما أعد الله تعالى فيه لأهلها عَنْ أَنس بْنِ مَالِك ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال "إِنَّ في الجَنَّةِ لَسُوقا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فتهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فتحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لهمْ أَهْلُوهُمْ: وَالله لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا. فَيقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَالله لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا". (٤)

стр. 1585

في رؤيتهم ربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر قال ابن القيم: هذا الباب أشرف أبواب الكتاب (١)، وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدعة والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون. (٢) قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (القيامة: ٢٢، ٢٣) قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦] فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، كذلك فسرها رسول الله الذي أنزل عليه القرآن فالصحابة من بعده. عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النبي ﷺ قَال: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجنَّةِ الجَنَّةَ قَال: يَقُولُ الله ﵎: تُرِيدُونَ شيئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تبيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجنةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَال: فَيَكْشِفُ الحجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شيئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ".

стр. 1586

ثُمَّ تَلَا هَذه الآيةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. (١) وفي حديث أبي هريرة أن نَاسًا قَالوا لِرَسُولِ الله ﷺ : يَا رَسُولَ الله، هَلْ نرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤيةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ". قَالوا: لَا يَا رَسُولَ الله، قَال: "هَلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ ". قَالوا: لَا يَا رَسُولَ الله. قَال "فَإِنَّكُمْ ترَوْنَهُ كَذَلِكَ .. فذكر حديث الشفاعة الطويل. (٢) أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد . هذا مما يعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر به قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨]. وفي حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ وَلَا يَبْأَسْ، وَيُخَلَّدْ وَلَا يَمُوتْ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ". (٣) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يُؤْتَى بِالمُوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الجنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظرونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الموْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِى يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا المُوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ في غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). وإليك ذكر الشبهات والرد عليها.

стр. 1587

١ - هل للمسلمين جنة واحدة أم جنات ؟ . الرد من وجوه: الوجه الأول: تعريف الجنة . الوجه الثاني: الفرق بين جنة وجنات. الوجه الثالث: الجنات والجنة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: تعريف الجنة. ١ - في اللغة: من الستر والتغطية . جن الشيء يجنه جنا ستره، وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك، وسمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه، وجن الليل وجنونه وجنانه: شدة ظلمته وادلهمامه وقيل: اختلاط ظلامه؛ لأن ذلك كله ساتر، والجُنة: الوقاية، والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة، قال زهير: كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقًا والجنة: حديقة ذات الشجر والنخل، جمعها: جنان وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها وقال أبو علي في التذكرة: لا تكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة، وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع. (١) ٢ - أما حقيقتها فهي: دار النعيم في الدار الآخرة، أعدها الله ﵎ لعباده المتقين. من الاجتنان: وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها. قال: وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنه جنا إذا ستره فكأنها سترة واحدة لشدة التفافها وإظلالها. (٢)

стр. 1588

الوجه الثاني: الفرق بين جنة وجنات . وقد جاء في القرآن ذكر الجنة مفردة ومجموعة، فإذا كانت مفردة فالمراد الجنس. (١) المقصود بجنة مفردة: هي الجنة التي خلقها الله تعالى لعباده المتقين. والمقصود بجنات: هي عدد النعيم في الجنة كلٌّ على حسب إيمانه وعمله، وهذا من عدل الله تعالى ورحمته بعباده. وتثنية جنتين باعتبار أن ما على يمين السائر كجنة، وما على يساره كجنة. وقيل: كان لكل رجل في مسكنه، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله فكانوا يتفؤون ظلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارها من نخيل وأعناب وغيرها، فيكون معنى التركيب على التوزيع، أي: لكل مسكن جنتان، كقولهم: ركب القوم دوابهم، وهذا مناسب لقوله ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ دون أن يقول في بلادهم، أو ديارهم، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ويستثمرونها مثل غوطة دمشق، وهذا يناسب قوله بعد ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]؛ لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان، إلا أن تجعله على التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد. (٢) الوجه الثالث: الجنات والجنة في الكتاب المقدس . ورد في كتبهم كلمة جنة والجنة مفردة ٣٠ مرة. مثال: في سفر (التكوين ٢/ ١٠: ٩): وَأنبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الحْيَاةِ فِي وَسَطِ الجنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ١٠ وَكَانَ نَهْرٌ يَخرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الجَنَّةَ، وَمنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ. وكلمة جنة كما جاء في سفر (حزقيال ٣١/ ٩: ٨): الأَرْزُ فِي جَنَّةِ الله لَمْ يَفُقْهُ، السَّرْوُ لَمْ

стр. 1589

يُشْبِهْ أَغْصَانَهُ، وَالدُّلْبُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ فُرُوعِهِ. كُلُّ الأَشْجَارِ فِي جَنَّةِ الله لَمْ تُشْبِهْهُ فِي حُسْنِهِ. ٩ جَعَلْتُهُ جَمِيلًا بِكَثْرَةِ قُضْبَانِهِ، حَتَّى حَسَدَتْهُ كُلُّ أَشْجَارِ عَدْنٍ الَّتِي فِي جَنَّةِ الله. وكلمة جنات وردت بالتعريف والتنكير ٨ مرات. مثال على ذلك كما ورد في (أشعياء ٦٦/ ١٧): الَّذِينَ يُقَدِّسُونَ ويُطَهِّرُونَ أنفُسَهُمْ فِي الجنَّاتِ فهل في ذكر الجنات والجنة غضاضة أو سوء؟ . * * *

стр. 1590

٢ - شبهة في وصف الجنة . نص الشبهة: ادعوا التناقض بين القرآن والسنة؛ فقالوا: إن القرآن وصف الكثير من الجنة وفي حديث قُدُسِيٍّ رواه أبو هريرة عن النبيِّ محمد قال فيه: قال الله: أعددتُ لعابدي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فاقْرَأوا إن شئتُم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. ويفيد هذا الحديث أن ما أعده الله لعباده الصّالحين لا يمكن وصفه، حيث لم تَرَهُ عيونهم، ولم تسمع عنه آذانهم ولا خطر على قلوبهم. وقالوا: إن هذا الحديث النبوي مأخوذٌ من الإنجيل المقدس، فقد ورد في رسالة كورنثوس الأولى (٢/ ٩) قول الوحي المقدس: "ما لم ترَ عينٌ، ولم تَسْمَعْ أذنٌ، ولم يخطر على بال إنسانٍ: ما أعَدَّهُ الله للَّذين يحبّونَهُ". والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: الجنة من الأمور الغيبية، (فليس السامع كالشاهد) . الوجه الثاني: الرسول يصف لنا بعضًا من نعيم الجنة. الوجه الثالث: لا يوجد تناقض بين القرآن والسنة. الوجه الرابع: قوله (إن الحديث القدسي موافق لما في كتابهم) دلالة على صدق القرآن. وإليك التفصيل الوجه الأول: الجنة من الأمور الغيبية، (فليس السامع كالشاهد). فالجنة من عالم الغيب الذي لم ندركه بحواسنا فلم نسمعها ولم نرها ولم نلمسها ولم نتذوقها، فهي بالنسبة لنا وصف مجهول الكيفية الحقيقية التي نستطيع أن نحكم عليها. ولنضرب مثالًا على ذلك من الدنيا: والأشياء فيها متشابهة. لو سمع منا إنسان عن جزيرة ما مثل جزر مثلث برمودة الذي يحكى عنه مثلث الرعب، هناك أوصاف كثيرة لهذا المثلث، لكن لا يستطيع أحد أن يدرك حقيقته كما هي؛ لأن الذي يفعل ذلك هو الذي شاهد هذه الجزيرة ولم يستطع أحد أن يذهب إليها ويرجع سالما. هذا في أمر الدنيا الذي تتشابه فيه الأشياء فما بالك بأمر الآخرة.

стр. 1591

ومثال آخر: الروح التي في الجسد كل البشر يؤمنون بذلك؛ ولكنهم لا يستطيعون أن يدركوا حقيقة الروح ولا كيفيتها. وهذا من أمر الدنيا؛ فكيف بالآخرة؟ ! ! الوجه الثاني: الرسول يصف لنا بعضًا من نعيم الجنة . وصف النبي ﷺ بعضًا من نعيم الجنة؛ لأنه شاهده ورآه، ولذلك عندما وصفه كان وصفا فوق عقلية الإنسان البشري الدنيوي فمما وصفه النبي ﷺ ١ - الحور العين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لا تباغُضَ بَيْنَهُمْ وَلا تحَاسُدَ، لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الحورِ الْعِينِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ". (١) فعندما يتخيل العقل البشري امرأة يرى مخ عظام ساقها من وراء العظم لا يستطيع أن يدرك هذه الكيفية؟ لأنه لا يوجد كيفية في الواقع الدنيوي مثل هذه الكيفية. وهذا شيء لم تره العيون قبل ذلك ولا خطر في خيال إنسان. ٢ - سدرة المنتهى: في حديث الإسراء فيه: "وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا كَأنَّهُ قِلال هَجَرَ وَوَرَقُهَا كأَنَّهُ آذَان الفيل ..... ". (٢) فهذه شجرة نبق في عظم أوراقها، اسمها مطابق لاسم النبق في الدنيا، ولكن الكيفية تختلف، وهذا شيء لم تره العيون قبل ذلك ولا خطر على قلب إنسان. فهذان مثالان عن ما في الآخرة يدل على أن ما يدور في خلد الإنسان فهو بخلافه.

стр. 1592

الوجه الثالث: لايوجد تناقض بين القرآن والسنة . من خلال ما سبق يتبين أنه لا تناقض، ففي الحديث ما لم تره الأعين وهذا حق: فإن الأعين لم تر الجنة وما فيها، وسوف ترى ما لم تره في الدنيا من النعيم. وأيضًا كل ما خطر على قلب إنسان ودار في خياله من معرفة كيفية هذا النعيم فما أعده الله أعلى وأسمى مما نتصور؛ لأنه ينظر بنظرة أشياء الدنيا، والآخرة أعظم من الدنيا بكثير. فلا يستطيع مهما أوتي من خيال أن يأتي بالصورة الحقيقية لنعيم الجنة. والوصف غير المشاهدة، فوصف الجنة ونعيمها لا يستطيع الإنسان أن يدركها إدراكًا كاملًا. الوجه الرابع: قوله (إن الحديث القدسي موافق لما في كتابهم) دلالة على صدق القرآن . وإذا دل فإنما يدل على صدق النبي ﷺ وأنه جاء بالحق المبين، لأنه بشهادة الأعداء أن النبي ﷺ كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب فكيف عرف بهذا النعيم الذي أعده الله تعالى للمؤمنين في الآخرة؟ ! ! * * *

стр. 1593

٣ - شبهة عن درجات الجنة . نص الشبهة: قالوا: إن للجنة مائة درجة، بحيث تبعد كل درجة عن الأخرى كبعد السماء عن الأرض، وبين الدرجتين مائة عام. فهل نفهم أن المسافة بين السماء والأرض هي مائة عام؟ علمًا أن عبارة مائة عام تدل على زمنٍ وليست على مسافة؟ ثم هل سيقضي المجاهدون من المسلمين الأبدية منعزلين بعضهم عن بعض، بحيث تفصل بينهم المسافات الشاسعة جدًّا؟ وما الحكمة من هذا الفصل؟ . والجواب عن ذلك من وجوه الوجه الأول: ثبوت أحاديث درجات الجنة . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها". فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة -أراه- فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". قال محمد بن فليح عن أبيه، وفوقه عرش الرحمن. (١) الوجه الثاني: أقيسة المسافات متعددة وأن المسافة قيست بشيء من خلق الله تعالى وذلك: ١ - المسافات البعيدة تقاس بالزمن بسرعة الراكب أو الماشي. وهذا هو المشاهد: فيقال: المسافة بين القاهرة وعمان ساعة بالطائرة، وما بين السعودية ومصر ساعتان مثلًا.

стр. 1594

وما بين القاهرة وأمريكا ١٢ ساعة. يقال المسافة بين كوكب كذا وكوكب كذا مائة سنة ضوئية. فليس خلق البشر وهو الراكب المسرع، كخلق الله تعالى؛ لأن ما صنعه البشر قد لا يصلح في زمن من الأزمان. الوجه الثالث: الرد على قولهم . هل سيقضي المجاهدون من المسلمين الأبدية منعزلين بعضهم عن بعض، بحيث تفصل بينهم المسافات الشاسعة جدًّا؟ ونقول له: ١ - ليس في الجنة عزلة وما يتمناه المرء يدركه بمجرد التمني لا يكلف نفسه عناء الطلب وأهل الجنة يتزاورون. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَال هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَال تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٠ - ٥٧]. فأخبر أن أهل الجنة يقبل بعضهم على بعض ويتذاكرون أمر الدنيا، ومن كان له صاحب يسأل عن صاحبه فيريه الله تعالى حاله في الآخرة. ٢ - أن في الجنة سوقًا يذهب إليه الناس يوم الجمعة، فعَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: إِنَّ فِي الجنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالا، فَيقُولُ لهمْ أَهْلُوهُمْ: وَالله لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالا فَيقُولُونَ: وَأنتُمْ وَالله لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا. (١) فأين العزلة التي يتكلمون عنها؟ !

стр. 1595

٣ - أن هذه المسافات الشاسعة عند الله تعالى ليست بشيء؛ فإنه كما قال: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] والدليل على ذلك أن جبريل كان ينزل من فوق سبع سماوات بالخبر إلى رسول الله ﷺ في لمح من البصر. وقد أسري برسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء السابعة ثم ما بعد السماوات في جزء من الليل. الوجه الرابع: الرد على قولهم . ما الحكمة من هذا الفصل؟ بل هي حكمة الله، كما يقول القرآن، الذي يفاضل بين المؤمنين بحسب أعمالهم. ونقول له: ١ - ما الحكمة في الشركات الكبرى أن يفاضل فيها بين الناس؟ فهذا مدير وهذا ساعي، وهذا عامل وهذا موظف وهذا رئيس؟ أليس هذا من العدل؟ كل على حسب عمله؟ هل يجوز أن يعين الساعي مكان المدير العام في الشركة؟ برغم أنهم جميعا في شركة واحدة. والجواب بالبديهي: لا؟ لأنه لم يعمل عملا يؤهله أن يكون في هذه المكانة. فكل على حسب جهده وعمله. ٢ - ولله المثل الأعلى؛ فإذا كان هذا شأن الدنيا والبشر بعضهم مع بعض، فما بالك بشأن الآخرة وحكمهم إلى رب البشر! ! ٣ - فمن العدل أن لا يكونوا جميعا في مكانة واحدة؛ بل كل على حسب عمله يكون في درجته. ٤ - وهذا ما قرره القرآن والسنة. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣].

стр. 1596

وقال أيضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩]. ومن السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِالله وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلدَ فِيهَا، فَقَالوا: يَا رَسُولَ الله أَفَلا نبشِّرُ النَّاسَ؟ ، قَال: إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَألتُمُ الله فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجنَّةِ وَأَعْلَى الجنَةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَن وَمنْهُ تَفَجَّرُ أَنهَارُ الجنَةِ" (١). وعَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَا يُصِيبُ المؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ الله بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً" (٢). وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأ بها" (٣). فهذه المنازل والدرجات على حسب الأعمال؛ أما كيف يلتقون؟ فهذا ما لا ندركه بحسنا نحن في الدنيا. * * *

стр. 1597

٤ - شبهة: فيمن يستحق دخول الجنة . نص الشبهة: هل دخول الجنة بالعمل أم فضل من الله؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأصل أن دخول الجنة فضل من الله، والعمل سبب موصل إليها . الوجه الثاني: الأعمال الصالحة فضل من الله وهي سبب لدخول الجنة ثم الدخول يكون فضلًا من الله. الوجة الثالث: اعتقاد المسلمين في دخول الجنة لا تعلق له بعقيدة الفداء الباطلة عند النصارى. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأصل أن دخول الجنة فضل من الله والعمل سبب موصل إليها. إن الله تعالى قد خلق الإنسان، وجعل له السمع والبصر، وخلق له العقل يميز به بين الحق والباطل، وأعطاه الرزق والقدرة على العبادة، وعلى التفكير في آلاء الله تعالى، فمن صاحب الفضل عليه؟ الله تعالى هو صاحب الفضل أولًا وآخرًا، فلو جازى الله تعالى العبد على عبادته مقابل نعمة من هذه النعم مثل نعمة البصر، فهل يستطيع الإنسان أن يكافئ ربه بهذه النعمة ولو ظل ساجدا العمر كله؟ ! ! بالبديهي: الجواب لا يستطيع. فكيف بسائر النعم الأخرى؟ ! ! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧] إذًا فالعبد يحتاج إلى أعمار فوق عمره حتى يكافئ الله تعالى على نعمه ويبلغ شكره، فلو فرضنا أن عبادته مقابل نعمة البصر، فأين مقابل النعم الأخرى؟ . وفي هذه الحالة ليس له رصيد يدخل به الجنة. فعندما يَعِدُ الله تعالى من آمن وعمل صالحا بدخول الجنة؟ إنما هذا من رحمته وكرمه ومنه. وليس مقابل عمله. وبذلك يكون قد فسر حديث النبي ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت

стр. 1598

يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". (١) فهذا حق؟ لأن من الذي اصطفى الرسل وفضلهم على عباده؟ أليس هو الخالق ؟ من الذي جعلهم رسله، ومنحهم رسالته؟ أليس هو الله. ولا يستطيع الإنسان مهما بلغ من عبادته أن يوفى ربه ولو عشر ما أعطاه. فعندما يدخل النبي ﷺ الجنة؟ إنما يدخل أيضًا برحمة الله تعالى. عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ الله وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَال: أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا، فَلَمّا كَثُرَ لحمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ". (٢) الوجه الثاني: الأعمال الصالحة فضل من الله، وهي سبب لدخول الجنة، ثم الدخول يكون فضلًا من الله . قال البغوي في تفسيره: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبَّه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنّما نالوُها بفضل الله . (٣) وقال الآلوسي في تفسيره: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء للسببية وتُجُوِّز بذلك عن الإعطاء؟ إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجبًا، وإن كان سببًا بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب، وإن كان النسب مثلًا سببًا له، والباء في قوله ﷺ على ما في بعض الكتب: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" وكذا في قوله ﷺ على ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة وجابر "لن ينجو أحد منكم بعمله" للسبب التام فلا تعارض، وجوز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض أي بمقابلة أعمالكم، وقيل:

стр. 1599

تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار لو كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثًا للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: "ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى، ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون، فيقتسم أهل الجنة منازلهم"، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا يدفع الحاجة إلى المجاز. وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية، ولا يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى، لأن اقتضاء الأعمال لذاتها دخول الجنة أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل، وقصارى ما يعقل أن الله تعالى تفضل فرتب عليها دخول الجنة فلولا فضله لم يكن ذلك، وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب ككثير من الأبواب؛ فإنَّ مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء لا تفضل له عليهم في ذلك؟ بل هو بمثابة دين أُدِّيَ إلى صاحبه، سبحانك هذا بهتان عظيم، وتكذيب لغير ما خبر صحيح! . (١) قال الشوكاني: قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وأي: في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة. (٢) الوجه الثالث: اعتقاد المسلمين في دخول الجنة لا تعلق له بعقيدة الفداء الباطلة عند النصارى . إن عقيدة الفداء الباطلة من أفسد عقائد النصارى ويظهر هذا في عدة نقاط: ١ - عقيدة الفداء راجعة إلى توريث الخطيئة التي فعلها أبو البشر آدم لذريته، وليس دخول الجنة في الإسلام كذلك كما وضحنا. ٢ - عقيدة الفداء تثبت تلوث كل الأنبياء بالخطيئة حتى مريم والمسيح، والإسلام برأ

стр. 1600

الأنبياء من الكبائر. ٣ - عقيدة الفداء فيها أن كل من يفعل خطيئة فقد غفرت له ولو كانت شركًا وكفرًا ولو لم يتب؛ لأن المسيح قد محى هذه الذنوب، وفي الإسلام الشرك لا يغفره الله للعبد إن مات عليه من غير توبة. ٤ - عقيدة الفداء فيها الظلم؛ لأن البشر قد ورثوا خطيئة لا ذنب لهم فيها، وفي الإسلام كل إنسان يحاسب على عمله. ٥ - عقيدة الفداء فيها عجز الله تعالى عن أن يمحو ذنوب البشر إلا بفداء ابنه (كما يزعمون) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! وفي الإسلام الله تعالى على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء. ٦ - عقيدة الفداء قد اختلف فيها النصارى أنفسهم. فمن الذي كان على الصليب؟ أهو الله وقد تجسد، أم هو ابن الله نزل من السماء، أم هو ابن الإنسان. وكتبهم مليئة بالتناقضات في هذا الشأن كما في الرد على هذه العقيدة الفاسدة. أما في الإسلام فإن الله تعالى لا يعاقب عبدًا على فعل غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨]، وهذا منتهى العدل والإحسان. (١) * * *

стр. 1601

٥ - شبهة: عن جنة الفردوس . نص الشبهة: قالوا: اختلف علماء الإسلام في معنى الفردوس وأصل الفردوس، مع العلم أن الكلمة ليست عربية كما قال ابن منظور. بناء على هذا يحق لنا أن نطرح الأسئلة التّالية: هل الفردوس هي الجنّة نفسها؟ أم مكان في الجنّة؟ أم جنّة قائمة بذاتها؟ هل الفردوس سُرّةَ الجنة أم ربوة الجنة أم حديقة في الجنة؟ هل كلمة الفردوس عربية أم روميّة أم فارسية أم حبشية؟ هل تُفَجَّرُ أنهار الجنة من الفردوس؟ أم أن هذه الأنهار تنبع من البحار الموجودة في الجنة؟ ! وعليه: هل يحق للمسلم، أو لغير المسلم، أن يبحث عن معنى الفردوس في مصادر غير إسلامية، ما دام المسلمون مختلفين في تحديد معنى الكلمة، وخصوصًا البحث في الكتاب المقدس؟ ! والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تعريف كلمة الفردوس . الوجه الثاني: الفردوس أعلى درجات الجنان وأعظمها نعيما. الوجه الثالث: ثبت بالدليل المعصوم عندنا أن الأنهار تتفجر من جنة الفردوس. الوجه الرابع: كلمة الفردوس في كتبهم المقدسة. وإليك التفصيل الوجه الأول: تعريف كلمة الفردوس. قال ابن منظور: الفردوس: البستان، قال الفراء: هو عربي، وقال ابن سيده: الفردوس: الوادي الخصيب عند العرب كالبستان، وهو بلسان الروم: البستان، والفردوس: الروضة عند السيرافي، والفردوس: خضرة الأعناب.

стр. 1602

قال الزجاج: وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع ما يكون في البساتين، وكذلك هو عند أهل كل لغة، والفردوس: حديقة في الجنة، والفردوس: أصله رومي عُرِّبَ، وهو البستان كذلك جاء في التفسير، والعرب تسمي الموضع الذي فيه كرم: فردوسًا. وقال أهل اللغة: الفردوس مذكر، وإنما أنث في قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ لأنه عنى به الجنة، وفي الحديث: نسألك الفردوس الأعلى. وأهل الشام يقولون: للبساتين والكروم: الفراديس، وقال الليث: كرم مفردس؛ أي معرش. (١) فمن خلال ما ذكرنا يتبين أن الفردوس كلمة تستعمل في العربية والرومية على حد سواء، وقد ذكرت في القرآن فهي عربية. الوجه الثاني: هل الفردوس هو الجنة نفسها؟ أم مكان في الجنة؟ أم جنة قائمة بذاتها ؟ ! ونقول: الفردوس هو مكان في الجنة، ودرجة من درجاتها، وليس الجنة ذاتها، ولا جنة قائمة بذاتها. وما ذكره هذه المعترض كله حق ولكنه لا يفهمه، فهو أعلى درجة في الجنة باعتبار النعيم، وهو أوسط الجنة باعتباره تحت العرش، وأرفعها باعتبار منزلتها فهي أفضل الجنان؛ ولذلك جاء في حديث أبي هريرة قَال رَسُولُ الله ﷺ : "فَإِذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". (٢) فالفردوس: هو أعلى درجات الجنة، وفي هذا حث للمسلمين على الاجتهاد في العبادة، وأن الله تعالى يجازي كلا بحسب عمله، ولا يظلم ربك أحدًا. وأيضًا: الفردوس هو ربوة الجنة باعتباره أعلاها، فالربوة هي المكان المرتفع، وهي سرة الجنة باعتباره أوسطها كما قدمنا، وسرة الشيء أوسطه، فلا فرق بين هذه الثلاثة، فلا تناقض بينها والله أعلم.

стр. 1603

الوجه الثالث: ثبت بالدليل المعصوم عندنا أن الأنهار تتفجر من جنة الفردوس . ونقول: منه تفجر أنهار الجنة كما ذكرنا من حديث النبي ﷺ ، ولم يرد غير ذلك في كتب السنة ولا في القرآن. أما كون الجنة فيها عدة أنهار، فكلها تفجر من الفردوس. ومنها ما يفجر من سدرة المنتهى كما سنذكره في مكانه، وكلها في الجنة كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وعلى هذا فليس هناك اختلاف بين المسلمين في هذه المعاني كما ادعى الكاتب، وأما كون المسلم يبحث عن المعاني في غير المصادر الإسلامية، فحرية الفكر والبحث والتحري في الإسلام أوسع من غيرها. ولكن البحث يكون بمعرفة ما عند الآخر من المعرفة، فإن كانت توافق ما في الإسلام فهي صحيحة، وإن كانت تخالفه فهي باطلة، ومعرفتها واجب على الكفاية من باب: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. الوجه الرابع: كلمة الفردوس في كتبهم المقدسة . وردت كلمة الفردوس معرفة ثلاث مرات: ففي رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس (٤: ٣): وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الجسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. الله يَعْلَمُ. ٤ أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا، وَلَا يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتكَلَّمَ بِهَا. وفي سفر سيراخ (٢٤/ ٤٢: ٤٠): (٤٠ أنا الحكمة مفيضة الأنهار ٤١ أنا كساقية من النهر وكقناة خرجت إلى الفردوس ٤٢ قلت اسقي جنتي واروي روضتي). وفي إنجيل لوقا (٢٣/ ٤٢: ٤٤): ثُمَّ قَال ليَسُوعَ: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". ٤٣ فَقَال لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ ٤٤ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.

стр. 1604

وجاءت بصفة النكرة ثلاثة مرات: ففي رؤيا يوحنا ٢ (٧ مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الحْيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ الله". وفي نحميا ٢: ٨ "وَرِسَالةٌ إِلَى آسَافَ حَارِسِ فِرْدَوْسِ الْملِكِ لِكَيْ يُعْطِيَنِي أَخْشَابًا لِسَقْفِ أَبْوَابِ الْقَصْرِ الَّذِي لِلْبَيْتِ، وَلسُورِ الْمدِينَةِ، وَللْبَيْتِ الَّذِي أَدْخُلُ إِلَيْهِ. فَأَعْطَانِي الْملِكُ حَسَبَ يَدِ إِلهِي الصَّالِحةِ عَلَيّ". وفي نشيد الإنشاد (٤: ١٢ - ١٣): أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْن مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ. غرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمارٍ نفِيسَةٍ، فاغِيَةٍ وَنارِدِينٍ. فإذا نظرنا إلى هذه الكلمة على حسب ورودها عند النصارى لا نجد توحدا في المعني؛ وإنما هي على معاني مختلفة عندهم، ومع ذلك يرموننا نحن بالتعارض في المعني على قول القائل: رمتني بدائها وانسلت! * * *

стр. 1605

٦ - شبهة: عن عرق أهل الجنة . نص الشبهة: عن عمر بن الخطاب قال: "جاء أناس إلى رسول الله، فقالوا: يا محمد، أفي الجنة فاكهة؟ قال: "نعم، فاكهة ونخل ورمان" قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: "نعم، وأضعاف" قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: "لا، ولكنهم يعرقون ويرشحون (يسيل عرقهم) فيذهب ما في بطونهم من أذى". قالوا: فهذا الحديث يدل على قذارة الجنة، فكيف تكون رائحة الجنة من عرقهم ورشحهم هذا؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الحديث المذكور في الشبهة مكذوب على النبي ﷺ . الوجه الثاني: رشح أهل الجنة المسك. الوجه الثالث: العرق في الجنة هو رشح من الجبين. الوجه الرابع: ليس جميع الفضلات التي يخرجها الكائن الحي تكون مضرة كريهة. الوجه الخامس: نعيم الجنة ليس به آلام جسمانية. الوجه السادس: الله ينشئ من يدخل الجنة إنشاءً آخر. الوجه السابع: كما أن مسألة الجماع والنوم في الجنة تختلف عنها في الدنيا؛ فكذلك نقول في مسألة العرق. الوجه الثامن: إذا تذكرنا أن أكل الجنة يختلف عن أكل الدنيا زال الإشكال. الوجه التاسع: شراب الجنة يقوم بتحويل الطعام إلى سائل يسهل امتصاصه. الوجه العاشر: كلما يزيد المؤمن إيمانا؛ فإن عرقه يزيد طيبًا في الدنيا. الوجه الثاني عشر [*]: عرق أهل النار هو الذي له رائحة كريهة. الوجه الخامس عشر [*]: المسيح يشرب الخمر في ملكوت الله. الوجه السادس عشر: العرق المدمم في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل

стр. 1606

الوجه الأول: الحديث المذكور في الشبهة مكذوب على النبي ﷺ -. عن عمر بن الخطاب، قال: "جاء أناس من اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أفي الجنة فاكهة؟ قال: "نعم، فيها فاكهة ونخل ورمان"، قال: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: "نعم، وأضعاف"، قال: أفيقضون الحوائج؟ قال: "لا، ولكنهم يعرقون ويرشحون؛ فيذهب الله بما في بطونهم من أذى". فالحديث موضوع فلا تثبت به عقيدة ولا يعتد به، وضاع ما عول عليه المعترضون من القول في هذه الشبهة. (١) الوجه الثاني: رشح أهل الجنة المسك . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجنّةَ صُورَتهمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمْ المسْكُ، وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الحسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ الله بُكْرَةً وَعَشِيًّا. (٢)

стр. 1607

فليس كما يُدعى أن في الجنة فضلات. وإنما حياة الجنة تختلف عن حياة الدنيا تماما. فليس فيها رائحة يكرهها المؤمن مطلقا. الوجه الثالث: العرق في الجنة هو رشح من الجبين . عن إبراهيم التيمي في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك. (١) فدل ذلك على أنه لا يخرج من الأماكن المنتنة كريهة الرائحة. الوجه الرابع: ليس جميع الفضلات التي يخرجها الكائن المعنى تكون مضرة كريهة . لا يلزم في كل طعام أن يكون له فضلة، ولو سلمنا أنه تكون له فضلة لما لزم أن يكون فضلة مستقذرة؛ بل قد يكون فضلات كثيرة طِيبا يُتطيب به، وشرابا يشرب مثل المسك فإنه بعض دم الحيوان، أو العسل فإنه فضل حيوان معروف، وليس شيء من ذلك مستقذرا؛ بل هو مستطاب مستلذ، ولا يبعد أن تكون فضلات الجنة هكذا؛ بل هو هكذا فعلًا فقد جاءنا على لسان الصادق: أن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يجري من أجسادهم مثل المسك، وهذه أمور لا ينكرها إلا كل غبي جاهل ليس له معقول حاصل فإذا دل العقل على جوازه فينبغي أن يستدل على وقوع ذلك. ومن المعلوم أن آدم ﵇ كان يأكل في الجنة ويشرب وينكح (٢). الوجه الخامس: نعيم الجنة ليس به آلام جسمانية . قال الإمام شهاب الدين القرافي: إن النعيم الجسماني الذي يثبته المسلمون ليس مفسرًا على ما ذكرتموه من التشنيع؛ بل على وفق الكرامة الربانية والسعادة الأبدية، وتقريره: أننا نجد في هذه الدار الملاذ الجسمانية تترتب على أسباب عادية. فالملاذ: إما علوم خاصة حسية كإدراك الحلاوة وأنواع الطعوم الملائمة، وإدراك الأرايح المناسبة لجواهر النفس البشرية، وإدراك الملامسة للأجسام الموافقة لجواهر الطباع،

стр. 1608

وإدراك المبصرات من الألوان والأضواء وتفاصيل أنواع الحس والجمال وغيرها من المبصرات السارة للنفس، وكذلك القول في بقية الحواس. وإما إدراك الأحوال النفسية كاستشعار النفس حصول الشراب والغذاء عند حاجتها للاغتذاء والإرواء، ونحو ذلك، فهذه هي الملاذ الجسمانية ولذلك حد الفضلاء اللذة بقولهم: "هي إدراك الملائم"، فجمعوا الجميع في هذا الحد الشامل. وأما أسبابها العادية فهي المباشرة لأنواع المآكل والمشارب والمناكح ونحو ذلك، ثم هذه المباشرة تقترن بها في العادات حاجات للمتناولات وقاذورات تقترن بالمباشرات، فالمسلمون يدعون من هذه الأقسام الثلاثة الأولين فقط دون الثالث، فيثبتون اللذات وأسبابها مجردة عن القاذورات وأنواع الحاجات، فيقولون: الأكل والشرب والنكاح في الجنة من غير ألم جوع ولا عطش ولا بصاق ولا مخاط، ولا دمع ولا بول ولا غائط، ولا ريح منتن ولا حيض ولا مني ولا رطوبات مستقذرة، ولا إبداء عورة منقصة، ولا زوال أبهة معتبرة، ولا شيء مما يعاب بنوع من النقيصة؛ بل يجد المؤمن غاية ما يكون من لذة الأكل بمباشرة أنفس المآكل من غير بصاق ولا تلويث، ولا ألم جوع سابق ولا شيء لاحق، وكذلك يحصل أعظم ما يكون من لذة الشرب عند مباشرة أشرف المشروبات، من غير عطش ولا حاجة سابقة ولا تلويث لاحق ولا شيء يعاب، وكذلك يحصل الجماع بمباشرة أجمل الموطوآت من الحوريات والآدميات، التي كل واحدة منهن لو ظهرت لأهل الأرض لهاموا أجمعين بجمالها وتحيرت عقولهم بكمالها، وبديع حسنها وفائق محاسنها، ورائق تركيبها في جملتها وتفصيلها، مكسوة من الحلي ما أقله خير من ملك الدنيا وما فيها، قد نشأت من السعادة الأبدية، وهيئت للكرامة الإلهية، وأبدعت بمتسع شمول القدرة الربانية، ومع ذلك فقد تناسب خلقها وخلقها وطبعت على الميل من غير نفار، وعلى المحبة من غير ازورار، قد وصلت في محبة المؤمن وتعظيمه والأدب معه وإظهار المسرة به، والتشرف بقربه إلى أفضل الغايات، وتجاوزت في الحسن والإحسان إلى أقصى

стр. 1609

النهايات، وللحسن والإحسان معنى ورونق إذا أمكن الإنسان الجمع بينهما. فنظرة إليها خير من جميع ممالك الأرض، وزورة منها وإليها تنسي مؤلمات يوم العرض، فيحصل من لذة جماع هذه ما هو لائق بهذا الطور العجيب والرونق الغريب، من غير إنزال فضلات، ولا رطوبات مستقذرات، منزه عن جميع النداءات، بل كل حالة منها في غاية الرتب العليات، وكل جزء من أجزاء حسنها في غاية الشرف والجلالة فلا عورة لها ولا للمؤمن، ولا سوءة فيها ولا فيه، لأن العورة إنما تبدت في هذه الدار، لكونها مخرج النجاسات والشعر والنتن والرطوبات، فإذا ذهبت هذه المعيبات المنقصات ذهبت بذهابها العورات، وبقيت الحال شريفة علية، لا ينسب إليها خصلة دنية، وإذا كان هذا هو الذي يعتقده المسلمون من الجمع بين النعيم الروحاني المتعلق بالأرواح من إدراك معنى جلال الله تعالى وجماله وتفاصيل صفاته وآلائه المتجددة على ممر الأبد والنعيم الجسماني الذي تقدم تحقيقه؛ كان هو اللائق بالكرم الإلهي والإحسان الرباني، فإن الاقتصار على النعيم الروحاني تقصير من قائله في سعة النعمة وتمام الكرامة، وأن ما يقوله المسلمون يجزم العقل الشريف بأن مثله لا تعرى عنه دار أريدت لغاية الإكرام، وأن يكون على غاية التمام، بل لو فرض عدم هذه الملاذ البديعة منها لقال العقل الوافر لو كان فيها هذه الملاذ لكانت أتم وأكمل، وهي أولى بقول الشاعر: ليس فيها ما يقال له كملت لو أن ذا كملا فظهر إصابة المسلمين للصواب ببيان الحق واندفع السؤال. (١) الوجه السادس: الله ينشئ من يدخل الجنة إنشاءً آخر . وذلك لإعدادهم لرؤية الله، فالجسد في الدنيا لا يتحمل رؤية الله، فعندما طلب موسى من ربه أن يراه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. . .﴾. ففي قصور الجنة ينظرون إلى الرحمن ﵎ ويُمَتِّعون أنظارهم. ويلتقون بصفوة البشر سيدنا محمد ﷺ ، في نعيم لا يوصف لا هم ولا كدر؛ لا عرق ولا أذى ولا قذر ولا

стр. 1610

حيض ولا نفاس ولا نصب ولا تعب ولا نوم لكي لا ينقطع النعيم بنوم؛ ولا عبادة تنشأ إلا لمن أراد أن يتلذذ بها فهي دار جزاء لا دار عمل. الوجه السابع: كما أن مسألة الجماع والنوم في الجنة تختلف عنها في الدنيا؛ فكذلك نقول في مسألة العرق . إنَّ شَرَابَ الجَنَّةِ وَكَذَا أَكْلُهَا إنَّمَا هُوَ تَلَذُّذٌ صِرْفٌ وَشَهْوَةٌ لَا عَنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَلَا نَوْمَ فِيهَا، وَلَا بَوْلَ وَلَا غَائِطَ وَإِنَّمَا رَشْحُهُمْ المسْكُ. (١) عن أبي الدرداء قال: ليس في الجنة مني ولا منية، إنما يدحمونهن دحمًا. (٢) عن طاوس قال: أهل الجنة ينكحون النساء ولا يلدن، ليس فيها مني ولا منية. (٣) كما قال ﷺ لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون. (٤) الوجه الثامن: إذا تذكرنا أن أكل الجنة يختلف عن أكل الدنيا زال الإشكال . فطعام الجنة يختلف عن طعام الدنيا. وكما قال ابن عباس ﵄: أنه ليس بين أشياء الجنة وأشياء الدنيا إلا الأسماء، أما الكيفيات فتختلف. طعام أهل الجنة، وطعام أهل الدنيا: فطعام أهل الجنة ليس به هرمونات تسبب لهم فشل كلوي، ولا سرطان، ولا تلبك معوي: فانظر إلى جودة طعامهم (ألين من الزبد، وأحلى من العسل). فالطب يقرر أنه كلما طاب الطعام وكان ذا جودة صحيًا، فإن العمليات الهضمية تسير في أحسن أحوالها؛ بل إن نوعية ما يأكله الإنسان يؤثر في لون ورائحة بوله وغائطه: (فلقد أكل الصحابة ورق الشجر حتى إن غائطهم كالبعر).

стр. 1611

فأهل الجنة: طعامهم أفضل طعام فهو صحي ١٠٠%. ولنتساءل: لماذا يخرج الإنسان الفضلات إلا إذا كانت هذه الفضلات ناتجة عن بعض السموم الذي يطردها الجسم، أو زيادة الجسم لا يقبلها؟ أما طعام أهل الجنة فإن الجسم في الجنة مهيأ بأن يمتص كل محتويات الطعام، فليس به سموم كما في طعامنا اليوم. الوجه التاسع: شراب الجنة يقوم بتحويل الطعام إلى سائل يسهل امتصاصه . فهناك شراب في الجنة يهضم سائر الأشربة والأطعمة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقًا يفوح منه ريح كريح المسك. فالشراب ليس مثل شراب الدنيا يزيد في حجم المعدة، أو يسبب مشكلة في الجهاز الهضمي بسبب كثرة الشرب مع كثرة الأكل. قال الرازي: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ الطهور فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهرًا، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات: أحدها: أنه لا يكون نجسًا كخمر الدنيا. وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة، وما داسته الأقدام الدنسة. وثالثها: أنها لا تؤول إلى النجاسة؛ لأنها ترشح عرقًا من أبدانهم له ريح كريح المسك. القول الثاني: في الطهور أنه المطهر، وعلى هذا التفسير أيضًا في الآية احتمالان: أحدهما: قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من قذر وأذى. وثانيهما: قال أبو قلابة: يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرًا، لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة، والأشياء المؤذية.

стр. 1612

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور، والزنجبيل، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا: بل هذا نوع آخر، ويدل عليه وجوه: أحدها: دفع التكرار، وثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه، فقال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره، وثالثها: ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون، فيطهر ذلك بطونهم، ويفيض عرقًا من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقًا يفوح منه ريح كريح المسك، وكل ذلك يدل على المغايرة (١). الوجه الثاني عشر [*]: عرق أهل النار هو الذي له رائحة كريهة (بغض النظر هل يخرجون فضلاتهم أم لا ؟ ) عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار". (٢) الوجه الخامس عشر: المسيح يشرب الخمر في ملكوت الله . أضف إلى ذلك ما ورد على لسان المسيح ﵇ أنه بشرب الخمر في ملكوت الله أي في الجنة كما في سفر مرقس (١٤: ٢٥): الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا أَشْرَبُ بَعْدُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ الله. وفي إنجيل لوقا (٢٢: ٣٠) قول المسيح لتلاميذه: وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا، ٣٠ لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِى، وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ

стр. 1613

إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. الوجه السادس عشر: العرق المدمم في الكتاب المقدس . ففي المعارف الكتابية للكتاب المقدس: نقرأ هذه العبارة فيما ذكره لوقا البشير عن الرب وصلاته في بستان جثسيماني: "وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ." (لوقا ٢٢: ٤٤). وقد ثار جدل عما إذا كان لوقا يقصد بهذه العبارة أن العرق اصطبغ بالدم، أو أن قطرات العرق كانت كبيرة وتنساب غزيرة كقطرات الدم. والأرجح أنه يقصد المعنى الأول. وهناك ظاهرة علمية معروفة باسم "العرق المدمم" ولكنها نادرة، وهي تحدث كما يصفها "د. لي بيك" في أحوال خاصة جدًّا، من شدة الوهن الجسماني المصحوب بجهاد نفسي عنيف، على أثر انفعال عميق أو خوف شديد. فعندما يقع إنسان تحت ضغط نفسي شديد، فإن العمليات الكيميائية في الجسم تجري بأسرع من معدلاتها الطبيعية، فينتج المزيد من فائض الحرارة الذي يُفقد عن طريق العرق. ويمر العرق كسائل في الغدد العرقية منتقلا إليها من مجرى تيار الدم، وهكذا تبدأ الأوعية الدموية الملاصقة للجلد والمحيطة بالغدد العرقية، في الانتفاخ بصورة ملحوظة. وفي حالة ظاهرة "العرق المدمم" يزداد هذا الانتفاخ جدًّا وترق جدران الشعيرات الدموية، فيخترق الدم جدران الشعيرات إلى الغدد العرقية، فيسيل العرق ممتزجًا بالدم. ولم يكن قطعًا الخوف الشديد هو السبب في حالة الرب يسوع المسيح، وهكذا يعطينا هذا التفسير لمحة عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها المسيح في جهاده في الصلاة في بستان جثسيماني. (١) * * *

стр. 1614

٧ - شبهة: ادعاؤهم أن في الجنة لواط . نص الشبهة: ادعى هؤلاء بالفهم الخاطئ لما ذكره الله في كتابه من وصف الحور العين بصفات حسنة، وبما ذكره عن طبيعة أعمالهم بطوافهم على أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩]. فقالوا: بأن ذلك مما يبين أنهم كانوا يمارسون اللواط ومما يؤكد ذلك -بزعمهم- التركيز في وصفهم على حسن المنظر والهيئة. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخرة؛ لأنه شيءٌ خبيث . الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي. الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة. الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم. الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها. الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله . وإليك التفصيل الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخره، لأنه شيءٌ خبيث. ١ - إن الفطرة السوية تكره الشرك واللواط.

стр. 1615

فاللواط يعارض الأخلاق السوية؛ فالأخلاق في الأصل هي فطرية، وما دور الأديان فيها إلا التهذيب والتنمية، والعمل على تفعيلها وتقويتها، كي تكون مستقرة مستمرة. ٢ - هذا الشذوذ لا يليق بقدسية الله. ٣ - اللواط يعد من الأمراض النفسية، فكل ما فيه انحرافٌ في السلوك يؤثر بطريقة مباشرة في تغيير الحالة النفسية المعتدلة، فإدمان المخدرات -بغض النظر عن أنه مضر بالصحة- إلا أنه يؤثر في السلوك النفسي، لذلك قد يحتاج من يمارس اللواط إلى طبيبٍ نفسيٍّ ليساعده للخروج من الانحراف النفسي الذي مر به، ليصبح إنسانًا سويًّا. ٤ - لا يقارن الخمر باللواط، فخمر الآخرة يختلف تمامًا عن خمر الدنيا، فليس لمعترض أن يقول: بأن الخمر عند المسلمين محرمة في الدنيا محللة في الآخرة فكذلك اللواط، فنقول له: هذا قياس مع الفارق كما هو موضح في قواعد القياس. ٥ - كره المستقذرات في الدنيا وامتناع تحققها في جنة الآخرة، كأكل القاذورات والنجاسات، فاللواط أقذر من ذلك في الإسلام، فكيف يليق بالجنة أن يوجد بها شيء مستقذر؟ الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي . قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ [الواقعة: ١٧]، وهم في ذلك تصوروا أن معنى هذه الآية هي معاشرة الولدان، وهذا لا يقوله عاقل يفهم الكلام العربي، لأنهم لو ذكروا كل الآيات لاستقام المعنى. قال تعالى في سورة الواقعة ذاكرًا ما أعده لعباده الموحدين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
следующие страницы →