← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فأهل الجنة: طعامهم أفضل طعام فهو صحي ١٠٠%. ولنتساءل: لماذا يخرج الإنسان الفضلات إلا إذا كانت هذه الفضلات ناتجة عن بعض السموم الذي يطردها الجسم، أو زيادة الجسم لا يقبلها؟ أما طعام أهل الجنة فإن الجسم في الجنة مهيأ بأن يمتص كل محتويات الطعام، فليس به سموم كما في طعامنا اليوم. الوجه التاسع: شراب الجنة يقوم بتحويل الطعام إلى سائل يسهل امتصاصه . فهناك شراب في الجنة يهضم سائر الأشربة والأطعمة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقًا يفوح منه ريح كريح المسك. فالشراب ليس مثل شراب الدنيا يزيد في حجم المعدة، أو يسبب مشكلة في الجهاز الهضمي بسبب كثرة الشرب مع كثرة الأكل. قال الرازي: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ الطهور فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهرًا، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات: أحدها: أنه لا يكون نجسًا كخمر الدنيا. وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة، وما داسته الأقدام الدنسة. وثالثها: أنها لا تؤول إلى النجاسة؛ لأنها ترشح عرقًا من أبدانهم له ريح كريح المسك. القول الثاني: في الطهور أنه المطهر، وعلى هذا التفسير أيضًا في الآية احتمالان: أحدهما: قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من قذر وأذى. وثانيهما: قال أبو قلابة: يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرًا، لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة، والأشياء المؤذية.

стр. 1612

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور، والزنجبيل، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا: بل هذا نوع آخر، ويدل عليه وجوه: أحدها: دفع التكرار، وثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه، فقال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره، وثالثها: ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون، فيطهر ذلك بطونهم، ويفيض عرقًا من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقًا يفوح منه ريح كريح المسك، وكل ذلك يدل على المغايرة (١). الوجه الثاني عشر [*]: عرق أهل النار هو الذي له رائحة كريهة (بغض النظر هل يخرجون فضلاتهم أم لا ؟ ) عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار". (٢) الوجه الخامس عشر: المسيح يشرب الخمر في ملكوت الله . أضف إلى ذلك ما ورد على لسان المسيح ﵇ أنه بشرب الخمر في ملكوت الله أي في الجنة كما في سفر مرقس (١٤: ٢٥): الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا أَشْرَبُ بَعْدُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ الله. وفي إنجيل لوقا (٢٢: ٣٠) قول المسيح لتلاميذه: وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا، ٣٠ لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِى، وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ

стр. 1613

إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. الوجه السادس عشر: العرق المدمم في الكتاب المقدس . ففي المعارف الكتابية للكتاب المقدس: نقرأ هذه العبارة فيما ذكره لوقا البشير عن الرب وصلاته في بستان جثسيماني: "وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ." (لوقا ٢٢: ٤٤). وقد ثار جدل عما إذا كان لوقا يقصد بهذه العبارة أن العرق اصطبغ بالدم، أو أن قطرات العرق كانت كبيرة وتنساب غزيرة كقطرات الدم. والأرجح أنه يقصد المعنى الأول. وهناك ظاهرة علمية معروفة باسم "العرق المدمم" ولكنها نادرة، وهي تحدث كما يصفها "د. لي بيك" في أحوال خاصة جدًّا، من شدة الوهن الجسماني المصحوب بجهاد نفسي عنيف، على أثر انفعال عميق أو خوف شديد. فعندما يقع إنسان تحت ضغط نفسي شديد، فإن العمليات الكيميائية في الجسم تجري بأسرع من معدلاتها الطبيعية، فينتج المزيد من فائض الحرارة الذي يُفقد عن طريق العرق. ويمر العرق كسائل في الغدد العرقية منتقلا إليها من مجرى تيار الدم، وهكذا تبدأ الأوعية الدموية الملاصقة للجلد والمحيطة بالغدد العرقية، في الانتفاخ بصورة ملحوظة. وفي حالة ظاهرة "العرق المدمم" يزداد هذا الانتفاخ جدًّا وترق جدران الشعيرات الدموية، فيخترق الدم جدران الشعيرات إلى الغدد العرقية، فيسيل العرق ممتزجًا بالدم. ولم يكن قطعًا الخوف الشديد هو السبب في حالة الرب يسوع المسيح، وهكذا يعطينا هذا التفسير لمحة عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها المسيح في جهاده في الصلاة في بستان جثسيماني. (١) * * *

стр. 1614

٧ - شبهة: ادعاؤهم أن في الجنة لواط . نص الشبهة: ادعى هؤلاء بالفهم الخاطئ لما ذكره الله في كتابه من وصف الحور العين بصفات حسنة، وبما ذكره عن طبيعة أعمالهم بطوافهم على أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩]. فقالوا: بأن ذلك مما يبين أنهم كانوا يمارسون اللواط ومما يؤكد ذلك -بزعمهم- التركيز في وصفهم على حسن المنظر والهيئة. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخرة؛ لأنه شيءٌ خبيث . الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي. الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة. الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم. الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها. الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله . وإليك التفصيل الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخره، لأنه شيءٌ خبيث. ١ - إن الفطرة السوية تكره الشرك واللواط.

стр. 1615

فاللواط يعارض الأخلاق السوية؛ فالأخلاق في الأصل هي فطرية، وما دور الأديان فيها إلا التهذيب والتنمية، والعمل على تفعيلها وتقويتها، كي تكون مستقرة مستمرة. ٢ - هذا الشذوذ لا يليق بقدسية الله. ٣ - اللواط يعد من الأمراض النفسية، فكل ما فيه انحرافٌ في السلوك يؤثر بطريقة مباشرة في تغيير الحالة النفسية المعتدلة، فإدمان المخدرات -بغض النظر عن أنه مضر بالصحة- إلا أنه يؤثر في السلوك النفسي، لذلك قد يحتاج من يمارس اللواط إلى طبيبٍ نفسيٍّ ليساعده للخروج من الانحراف النفسي الذي مر به، ليصبح إنسانًا سويًّا. ٤ - لا يقارن الخمر باللواط، فخمر الآخرة يختلف تمامًا عن خمر الدنيا، فليس لمعترض أن يقول: بأن الخمر عند المسلمين محرمة في الدنيا محللة في الآخرة فكذلك اللواط، فنقول له: هذا قياس مع الفارق كما هو موضح في قواعد القياس. ٥ - كره المستقذرات في الدنيا وامتناع تحققها في جنة الآخرة، كأكل القاذورات والنجاسات، فاللواط أقذر من ذلك في الإسلام، فكيف يليق بالجنة أن يوجد بها شيء مستقذر؟ الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي . قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ [الواقعة: ١٧]، وهم في ذلك تصوروا أن معنى هذه الآية هي معاشرة الولدان، وهذا لا يقوله عاقل يفهم الكلام العربي، لأنهم لو ذكروا كل الآيات لاستقام المعنى. قال تعالى في سورة الواقعة ذاكرًا ما أعده لعباده الموحدين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ

стр. 1616

(٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ١٠ - ٤٠]. فقد وضح المعنى أن الولدان المخلدين ليسوا للمعاشرة الجنسية كما يقولون؛ وإنما هم خدم لأهل الجنة يحملون لهم الأسقية التي خلقها الله تعالى لهم. وفي سورة الإنسان نفس المعنى، قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ١٥ - ٢٢]. فقد وضح المعنى أن الولدان يطوفون على أهل الجنة يحملون الأكواب والأباريق لسقي أهل الجنة. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدانٌ من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى

стр. 1617

عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه. (١) (٢) فسياق الآيات تدل على أنهم يطوفون بالأكواب فهذا هو عملهم، ولم يجمع القرآن بين الحور العين والولدان في آية واحدة، فلو كان حدث ذلك لأمكن لصاحب الشبهة أن يتقول على القرآن بأنه ما جمع بينهما إلا من أجل الإغراء الجنسي بأن الحور العين هي لمن يحب التلذذ بالنساء، والولدان المخلدين لمن يحب التلذذ باللواط. الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة . (٣) إن الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة لا تضاهيها جريمة، لأنها تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل ما يخالف الفطرة هو يخالف الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة، ولنقرأ هذه الآيات: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٢٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ

стр. 1618

قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٨]. هذا قول الله تعالى، فمن أين أتوا بهذه الأقوال الباطلة؟ ! وقال الذهبي في كتاب الكبائر: وأجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. أي: مجاوزون من الحلال إلى الحرام. (١) وعن جَابِر قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ". (٢) الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ. . .﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم . وبهذا نرد على من يقول بأن الله يغري من يريد الدخول للجنة بالولدان ذوي الملابس الحريرية وما ذاك إلا بسبب الفهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. فنقول: الأبرار الذين تستطرد الآيات في وصف نعيمهم بدءًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ إلى أن قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ لاحظ التقرير بأن هذا المذكور هو جزاء لهؤلاء الأبرار. ويتضح المعنى أكثر حينما نعود إلى الآيات القرآنية التي تناولت نفس الموضوع لنرى لمن يكون هذا اللباس؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ

стр. 1619

سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ [الكهف ٣٠: ٣١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣]. وفي سورة الإنسان نفسها قال عن الأبرار: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢]. الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها . ولنسأل سؤالًا: هل كان العرب وقت نزول القرآن مشتهرين باللواط؟ لقد فات هؤلاء المفترين أن يدعموا كلامهم ببيان حال العرب وقت نزول القرآن، وهل كانت هذه الفعلة منتشرة بينهم، وأنهم كانوا يستحلونها ويميلون إليها. قال نمير بن عبد الله الشعناني عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يفعل هذا بذكر. (١) قال ابن كثير: والمقصود أن مفسدة "اللواط" من أعظم المفاسد وكانت لا تعرف بين العرب قديمًا كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم، فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله قَصَّ علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا (٢).

стр. 1620

الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله . قال أبو زيد الشافعي: وروي أن أطفال المشركين الذين يموتون دون سن البلوغ يكونون خدمًا لأهل الجنة، وهؤلاء الغلمان ليس لهم وظيفة إلا خدمة أهل الجنة، ولكن قائلًا قد يقول: أو ليس كل ما في الجنة قريبًا مني، والقطوف دانية، والأكواب موضوعة، والنمارق مصفوفة، فما فائدة الخدم؟ فنقول: إن من إكرام الله لأهل الجنة أن خلق لهم خدمًا، فأغلب ملوك الدنيا قد لا يحتاجون لهذه الأعداد الكبيرة من الخدم؛ ولكنه مظهر من مظاهر الترف والتكريم للملك، وهكذا حال خدم أهل الجنة. (١). * * *

стр. 1621

٨ - شبهة: الرجال لهم الحور فماذا للنساء ؟ نص الشبهة: يقولون: للرجال في الجنة حور العين فماذا للنساء؟ والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن من طبيعة النساء الحياء ولهذا فإن الله لا يشوقهن للجنة بما يستحيين منه . الوجه الثاني: إنما ذكر الله الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب . الوجه الثالث: حالات المرأة في الدنيا بين الزواج وعدمه. الوجه الرابع: أن الجنة ونعيمها ليست خاصة بالرجال دون النساء. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن من طبيعة النساء الحياء ولهذا فإن الله لا يشوقهن للجنة بما يستحيين منه. فعن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الأنصاري، عن جدته أم سليم قالت: كانت مجاورة أم سلمة زوج النبي ﷺ فكانت تدخل عليها، فدخل النبي ﷺ فقالت أم سليم: يا رسول الله أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم فضحت النساء عند رسول الله ﷺ ! فقالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق، وأنا أن نسأل النبي ﷺ عما أشكل علينا خير من أن نكون منه على عمياء. فقال النبي ﷺ لأم سلمة: "بل أنت تربت يداك! نعم يا أم سليم، عليها الغسل إذا وجدت الماء" فقالت أم سلمة: يا رسول الله وهل للمرأة ماء؟ فقال النبي ﷺ : "فأنى يشبهها ولدها؟ هن شقائق الرجال". (١) فهذا دليل على استحياء النساء حتى أنهن لا يردن معرفة الرجال بأنهن يرغبن فيهم، حتى تجرأت أم سليم فأنكرت عليها أم سلمة، لعلم أم سلمة بحياء النساء بألا تسأل مثل ذلك. الوجه الثاني: إنما ذكر الله الزوجات للأزواج لأن الزوج هو الطالب.

стр. 1622

قال ابن عثيمين: إنما ذكر الله الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة، وسكت عن الأزواج للنساء ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج؛ بل لهن أزواج من بني آدم. (١) فإنَّ شوق المرأة للرجال ليس كشوق الرجال للمرأة -كما هو معلوم- ولهذا فإن الله شوّق الرجال بذكر نساء الجنة مصداقا لقوله ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). (٢) أما المرأة فشوقها إلى الزينة من اللباس والحلي يفوق شوقها إلى الرجال؛ لأنه مما جبلت عليه كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]. الوجه الثالث: حالات المرأة في الدنيا بين الزواج وعدمه المرأة لا تخرج عن هذه الحالات في الدنيا فهي: ١ - إما أن تموت قبل أن تتزوج. ٢ - إما أن تموت بعد طلاقها قبل أن تتزوج من آخر. ٣ - إما أن تكون متزوجة ولكن لا يدخل زوجها معها الجنة. ٤ - إما أن تموت بعد زواجها. ٥ - إما أن يموت زوجها وتبقى بعده بلا زوج حتى تموت. ٦ - إما أن يموت زوجها فتتزوج بعده غيره. هذه حالات المرأة في الدنيا ولكل حالة ما يقابلها في الجنة . ١ - فأما المرأة التي ماتت قبل أن تتزوج فهذه يزوجها الله في الجنة من رجل من أهل الدنيا لقوله ﷺ : "ما في الجنة أعزب". (٣)

стр. 1623

قال ابن عثيمين: إذا لم تتزوج -أي المرأة- في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر بها عينها في الجنة. . فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث ومن جملة النعيم: الزواج. (١) ٢ - ومثلها المرأة التي ماتت وهي مطلقة. ٣ - ومثلها المرأة التي لم يدخل زوجها الجنة. قال ابن عثيمين: فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال. أي فيتزوجها أحدهم. (٢) فإن كان أحد الزوجين من أهل النار فإمّا أن يكون كافرًا، فهذا يُخلَّد فيها، ولا ينفعه كون قرينه من أهل الجنّة، لأنّ الله تعالى قضى على الكافرين أنّهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢]. وقضى تعالى بالتفريق بين الأنبياء وزوجاتهم إن كنّ كافرات يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم: ١٠]، فكان التفريق بين سائر الناس لاختلاف الدين أولى. قال ابن كثير: قال تعالى ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا وَنهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صَدَّقاهما في

стр. 1624

الرسالة، فلم يُجدِ ذلك كله شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا، ولهذا قال تعالى ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لكُفرهما، وقيل للمرأتين ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. (١) ٤ - وأما المرأة التي ماتت بعد زواجها فهي -في الجنة- لزوجها الذي ماتت عنه. فإذا كان الزوجان من أهل الجنّة فإنّ الله تعالى يجمعُ بينهما فيها؛ بل يزيدهُم من فضلِه فيُلحِقُ بهم أبناءهم، ويرفع دَرجات الأدنى منهم فيُلحقه بمن فاقه في الدرجة، بدلالة إخباره تعالى عن حملة العرش من الملائكة أنّهم يقولون في دُعائهم للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٨] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. ٥ - وأما المرأة التي مات عنها زوجها فبقيت بعده لم تتزوج حتى ماتت فهي زوجة له في الجنة. ٦ - أما إن كان للمرأة في الدنيا أكثر من زوجٍ، فإنّ من فارقَها بطلاق حُلّ زواجه بطلاقه، فتعيّن افتراقهما في الآخرة كما افترقا في الدنيا. وأمّا إن مات عنها وهي في عصمته، ثم تزوّجت غيره بعده، فلأهل العلم ثلاثة أقوال في من تكون معه في الجنّة: القول الأول: أنّها مع من كان أحسنَهُم خُلقًا وعشرةً معها في الدنيا. القول الثاني: أنها تُخيَّر فتختار من بينهم من تشاء، ولا أعرف دليلًا لمن قال به. وهذان القولان ذكرهما الإمام القرطبي في كتابه الشهير (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) واختار الثاني منهما الشيخ ابن العثيمين ﵀ وبعض المعاصرين. والقول الثالث: أنها تكون في الجنّة مع آخر زوجٍ لها في الدنيا، أي مع من ماتت وهي في عصمته، أو مات عنها ولم تنكح بعده، ويدلّ على هذا القول حديث أبي الدرداء ﵁ أنّ رسول

стр. 1625

الله ﷺ قال: "أيما امرأة توفي عنها زوجها، فتزوجت بعده، فهي لآخر أزواجها". (١) فلذلك كان القول الثالث أولى الأقوال بالاعتبار، وأرجَحَها. قال ابن عثيمين: وأما إذا كانت متزوجة فإن الله يبدلها خيرًا من زوجها أي خيرًا منه في الصفات في الدنيا؛ لأن التبديل يكون بتبديل الأعيان كما لو بعت شاة ببعير مثلا ويكون بتبديل الأوصاف كما لو قلت بدل الله كفر هذا الرجل بإيمان وكما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، والأرض هي الأرض ولكنها مدت والسماء هي السماء لكنها انشقت. (٢) الوجه الرابع: أن الجنة ونعيمها ليست خاصة بالرجال دون النساء . إنما هي قد ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] من الجنسين كما أخبرنا بذلك تعالى قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤]. عند ذكر الله للمغريات الموجودة في الجنة من أنواع المأكولات والمناظر الجميلة والمساكن والملابس فإنه يعمم ذلك للجنسين (الذكر والأنثى) فالجميع يستمتع بما سبق. ويتبقى: أن الله قد أغرى الرجال وشوقهم للجنة بذكر ما فيها من (الحور العين) و (النساء الجميلات) ولم يرد مثل هذا للنساء. وعلى كل حال فينبغي للمسلم أن يشتغل بسؤال الله تعالى الجنّة ونعيمها على وجه الإجمال، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ومن دخَلها فحق على الله أن يُرضيه. فالجنّة دار النعيم المقيم، ومن دَخَلها فقد استحقَّ من نعيمها ما يُناسب منزلته فيها، وهذا للرجال والنساء كلٌّ بحسبه، لأنّ النِّسَاء شَقَائِقُ الرِّجَالِ كما أخبر بذلك النبيّ ﷺ .

стр. 1626

وقد جمَع الله تعالى في الذكر، والوعد بالأجر والثواب بين الرجال والنساء في آياتٍ تُتلى من كتابه العزيز؛ منها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥]. قال ابن كثير: أي قال لهم مخبرًا أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه؛ بل يوفي كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (أي: جميعكم في ثوابي سواء. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤]. قال ابن كثير: في هذه الآية بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان. اهـ. * * *

стр. 1627

٩ - شبهة النكاح في الجنة، واعتراضهم على ذكر الجماع والنساء في الجنة . نص الشبهة: ادعى هؤلاء أن الجنة ما لاهي إلا مجرد شهوات بالتلذذ بالنساء فيها، وكانت شبهتهم قائمة حول كثرة أزواج أهل الجنة، وقالوا بأن السبب في ذلك هو أن النبي ﷺ قال: لكل رجل من أهل الجنة ذَكَرٌ لَا يَنْثَنِي. وغيرها من الأحاديث. كذلك اهتم القرآن بذكر المسائل الجنسية. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الشهوة الجنسية من اللذات الطبيعية . الوجه الثاني: الجنة دار جزاء ونعيم . الوجه الثالث: الأحاديث التي يستدلون بها وبيان صحيحها من سقيمها. الوجه الرابع: ماذا قال الكتاب المقدس حول الحديث عن الجنس؟ وإليك التفصيل الوجه الأول: الشهوة الجنسية من اللذات الطبيعية. ورغم أن هذا من اللذات التي يستمتع بها الإنسان في الدنيا، وقد حرم الله ﵎ على العبد أن يأتي غير أهله، وحدد له العدد الذي يكون تحت عصمته وهن أربع نساء، والإنسان في هذا يطمح دائمًا إلى المزيد، ولأجل ذلك خلقه الله ﵎ في الآخرة لعباده المؤمنين، وزادهم من الشهوة لزيادة الاستمتاع. الوجه الثاني: الجنة دار جزاء ونعيم. فعلى حسب العمل والتضحية يكون التفاوت بين أهل الجنة في قيمة النعيم الذي يسعد به الإنسان. لذلك قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١]. وقال سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩] وقال أيضًا: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١].

стр. 1628

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَحَاسُدَ، لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ". (١) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ الله وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ قِبَلَ الجنَّةِ وَمَثَّل لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ فَقَال: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِي ظِلِّهَا. . . وَسَاقَ الْحَدِيثَ وفيه. . وَيُذَكِّرُهُ الله سَلْ كَذَا وَكَذَا فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَال الله: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَال: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الحُورِ الْعِينِ فَتَقُولانِ: الْحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ، قَال: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ" (٢). وعن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الحورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ". (٣) قال ابن القيم بعد أن ذكر جملة من الأحاديث تبين أن للرجل أكثر من زوجة في الجنة: والأحاديث الصحيحة إنما فيها أن لكل منهم زوجتين وليس في الصحيح زيادة على ذلك، فإن كانت هذه الأحاديث -يعني التي ذكرها- محفوظة فإما أن يراد بها ما لكل واحد من السراري زيادة على الزوجتين، ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القلة

стр. 1629

والكثرة كالخدم والولدان، وإما أن يراد أنه يعطي قوة من يجامع هذا العدد ويكون هذا هو المحفوظ، فرواه بعض هؤلاء بالمعنى فقال له كذا وكذا زوجة. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع" قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوة مائة" هذا حديث صحيح. فلعل من رواه يفضي إلى مائة عذراء رواه بالمعنى، أو يكون تفاوتهم في عدد النساء بحسب تفاوتهم في الدرجات والله اعلم. ولا ريب أن للمؤمن في الجنة أكثر من اثنتين، لما في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر، عن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ في الجنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا". (١) اهـ (٢) وقال ابن حجر بعد أن ذكر جملة من الأحاديث تبين أن للرجل أكثر من زوجة في الجنة: والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان. (٣) هذا وقد قال الله تعالى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وعن سهل بن سعد قال: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الجنّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَال ﷺ فِي آخِرِ حَدِيثهِ: فِيهَا مَا لَا عَيْن رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذه الْآيَةَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾. (٤)

стр. 1630

فالجنة دار جزاء وليست دار عمل وتعب ونصب. فما المانع من أن ينعم العبد بأكثر من زوجة في الجنة. الوجه الثالث: الأحاديث التي يستدلون بها وبيان صحيحها من سقيمها . لقد اعتمدوا في شبهتهم على بعض الأحاديث منه ما هو صحيح، ومنها ما لا يصح، وبيانها كالتالي: الحديث الأول: عن دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده دحمًا دحمًا، (١) فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا". (٢) الحديث الثاني: وعن أبي أمامة قال: سئل رسول الله ﷺ هل يتناكح أهل الجنة؛ فقال: "نعم بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما". (٣) الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ الله الجنّةَ

стр. 1631

إِلَّا زَوَّجَهُ الله ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً: ثِنْتَيْنِ مِنْ الحورِ الْعِينِ، وَسَبْعِينَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، مَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَلَهَا قُبُلٌ شَهِيٌّ وَلَهُ ذَكَرٌ لَا يَنْثَنِي". (١) الحديث الرابع: عن أبي أمامة قال: سئل رسول الله ﷺ : هل يجامع أهل الجنة؟ قال: "نعم، دحمًا دحمًا، ولكن لا مني ولا منية". (٢) فهذه الأحاديث التي اعتمدوا عليها ليست فيها شبهة، إذ أن الجنة هي دار نعيم ومتاع وجزاء فما المانع أن يمتعهم الله بالأزواج والملذات التي قد منعوا منها في الدنيا طاعة لله ؟ الوجه الرابع: ماذا قال الكتاب المقدس حول الحديث عن الجنس . جاء في سفر نشيد الإنشاد الإصحاح الأول: ١ نَشِيدُ الأَنْشَادِ الَّذِي لِسُلَيْمَانَ: ٢ لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ. ٣ لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ. اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ، لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى. ٤ اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ. أَدْخَلَنِي الْملِكُ إِلَى حِجَالِهِ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِكَ. نَذْكُرُ حُبَّكَ أَكْثَرَ مِنَ الْخَمْرِ. بِالْحَقِّ يُحِبُّونَكَ. ٥ أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، كَخِيَامِ قِيدَارَ، كَشُقَقِ سُلَيْمَانَ. ٦ لَا تَنْظُرْنَ

стр. 1632

إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ، لأَنَّ الشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي. بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أنْطُرْهُ. ٧ أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ. لِمَاذَا أَنَا أَكُونُ كَمُقَنَّعَةٍ عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ؟ ٨ إِنْ لَمْ تَعْرِفي أَيَّتُهَا الجمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ. ٩ لَقَدْ شَبَّهْتُكِ يَا حَبِيبَتِي بِفَرَسٍ فِي مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ. ١٠ مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلَائِدَ! ١١ نَصْنَعُ لَكِ سَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ مَعَ جُمَانٍ مِنْ فِضَّةٍ. ٢ أمَا دَامَ المُلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ. ١٣ صُرَّةُ المُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ. ١٤ طَاقَةُ فَاغِيَةٍ حَبِيبِي لِي فِي كُرُومِ عَيْنِ جَدْيٍ. ١٥ هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ. عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ. ١٦ هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي وَحُلْوٌ، وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ. ١٧ جَوَائِزُ بَيْتِنَا أَرْزٌ، وَرَوَافِدُنَا سَرْوٌ". وانظر مزيدا على ذلك تحت مبحث تحريف الكتاب عندهم ففيه غنية عن إعادته هنا. * * *

стр. 1633

١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن المسلم يخلد في النار نص الشبهة: يقولون: إن المسلم يخلد في النار بارتكابه كبيرة من الكبائر، وذلك بنص القرآن في قول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾، ونص سنة النبي ﷺ في قوله ﷺ : "مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَده يَتَوَجَّأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ ترَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (١). الرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: اعتقاد أهل السنة والجماعة في المسألة . الوجه الثاني: أقوال المفسرين والعلماء حول الآية. الوجه الثالث: الجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض. وإليك التفصيل الوجه الأول: اعتقاد أهل السنة والجماعة في المسألة. وهو أن من مات على الشرك دخل النار وإن عمل صالحًا جوزي به في الدنيا، ومن مات مؤمنًا دخل الجنة وإن عذب قبل ذلك. وإليك بيان ذلك من كلام العلماء: قال النووي: وأما حكمه ﷺ على من مات يشرك بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخوله الجنة فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك، وأما دخول من مات

стр. 1634

غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة فإن عفي عنه دخل أولًا، وإلا عُذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة. (١) وقال أيضًا: اعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلًا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلًا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه. وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولًا وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذَّبه القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل. هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي. (٢) وفي حديث أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا الله ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". ثَلَاثًا ثُمَّ قَال في الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ" (٣).

стр. 1635

قال النووي: وأما قوله ﷺ : وإن زنى وإن سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود في الجنة. (١) وقال البخاري تعليقًا على الحديث: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب، وندم، وقال: لا إله إلا الله غفر له. (٢) وقال ابن حجر تعليقًا على كلام البخاري: قوله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب أي من الكفر وندم. يريد شرح قوله: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على من وحد ربه، ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث؛ فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة، وأما حقوق العباد فيشترط ردها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول ويثيب الله صاحب الحق بما شاء، وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى. (٣) وقال الإمام أحمد بن حنبل: ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ ، ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له. (٤) قال الطحاوي: وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين. وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ إِنْ شَاءَ

стр. 1636

غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمِنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨، ١١٦)، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِه. وَذَلِكَ بِأَنَّ الله تَعَالى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالوا مِنْ وَلَايَتِه. (١) قال ابن تيمية: ومذهب الصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، وسائر أهل السنة والجماعة أنه ﷺ يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد؛ بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان. (٢) ووافقه تلميذه ابن القيم في مدارجه. (٣) أدلة أهل السنة والجماعة على معتقدهم في مرتكب الكبيرة: ١ - من الكتاب: الله ينادي المسرفين في المعاصى بأن لا يقنطوا من رحمته: قال الله : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه (٤). الله يغفر ما دون الشرك:

стр. 1637

قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. قال الطبري: إن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام. (١) وقال ابن كثير في قوله (لا يغفر أن يشرك به): أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أى: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من عباده. (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إن ربك للذين عصوا الله فجهلوا بركوبهم ما ركبوا من معصية الله، وسَفُهوا بذلك ثم راجعوا طاعة الله والندم عليها، والاستغفار والتوبة منها، من بعد ما سلف منهم ما سلف من ركوب المعصية، وأصلح فعمل بما يحبّ الله ويرضاه (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) يقول: إن ربك يا محمد من بعد توبتهم له ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). كتب الله رب العالمين على نفسه الرحمة: قال الله : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤]. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم برد السلام عليهم، وبَشَّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم؛ ولهذا قال: ﴿كَتَبَ

стр. 1638

رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلا منه وإحسانًا وامتنانًا ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ﴾، ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على ألا يعود وأصلح العمل في المستقبل، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). الله رب العالمين يقبل التوبة عن عباده: قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن كرمه وجوده: أن كل من تاب إليه تاب عليه من أيّ ذنب كان. (٢) فظهر من خلال هذه الآيات السابقة أن مرتكب الكبيرة إذا تاب وأناب ورجع إلي الله وعمل صالحًا يقبل الله رب العالمين منه توبته ورجوعه إليه. ٢ - من السنة: فهذه بعض الأدلة من السنة تبين أن مرتكب الكبيرة غير مخلد في النار. من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة: ١ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الجنَّة". (٣) ٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ ألقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجنّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الله مِنْ أي أَبْوَابِ الجنَّةِ

стр. 1639

الثَّمَانِيَةِ شَاءَ". (١) ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله لَا يَلْقَى الله بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الجْنَّة. (٢) ٤ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ". قَال يَا رَسُولَ الله أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَال: "إِذًا يَتَّكِلُوا" فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأثُّمًا". (٣) ٥ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالله شيئًا دَخَلَ النَّارَ". وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِالله شيئًا دَخَلَ الجنّةَ". (٤) ٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَال بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِىءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الجْنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ. فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الحبَّةِ تَكُونُ في حَمِيلِ السَّيْل". (٥) ٧ - عن أبي هريرة ﵁؛ حديث معرفة الرؤية وفيه قول النبي ﷺ : "حَتَّى إِذَا فَرَغَ الله مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ المُلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِالله شيئًا مِمَّنْ أَرَادَ الله تَعَالى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله. فَيَعْرِفُونَهُمْ في النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ الله عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ

стр. 1640

فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ" (١). ٨ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً". (٢) قبول توبة القاتل وإن كثر قتله: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَال إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَال لَا. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثَمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَال إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَال نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ الله فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلَا بِقَلْبِهِ إِلَى الله. وَقَالتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَال قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِى أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَة". (٣) قال النووي: قوله ﵁: "إن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم قتل تمام المائة، ثم أفتاه العالم بأن له توبة"، هذا مذهب أهل العلم، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته. وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو إن

стр. 1641

كان شرعا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به وهو قول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فالصواب في معناه: أن جزاءه جهنم، وقد يجازي به، وقد يجازي بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدا مستحلا له بغير حق، ولا تأويل، فهو كافر مرتد، يخلد به في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالدا فيها، لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه، فلا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، ولا يخلد في النار، هذا هو الصواب في معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه أي: يستحق أن يجازى بذلك، وقيل: إن المراد من قتل مستحلا، قيل: وردت الآية في رجل بعينه، وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا الدوام، وقيل: معناها هذا جزاؤه إن جازاه، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية، وأما هذا القول فهو شائع على ألسنة كثير من الناس، وهو فاسد؛ لأنه يقتضي أنه إذا عفي عنه خرج عن كونها كانت جزاء، وهي جزاء له، لكن ترك الله مجازاته عفوا عنه وكرما، فالصواب ما قدمناه. والله أعلم. (١) الوجه الثاني: أقوال المفسرين والعلماء حول الآية . قال الرازي: في تفسير الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾: هذه الآية مخصوصة في موضعين:

стр. 1642

أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص؛ فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة. والثاني: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فإنه لا يحصل فيه الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وأيضًا فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد. نُقل عن ابن عباس أنه قال: توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء: إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول. الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة: فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى. الحجة الثالثة: قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم. (١) قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.

стр. 1643

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٧٠]، وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم. (١) وقال أيضًا: قال أبو هريرة ﵁ وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له (٢)، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل. وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان (٣). وأما حديث معاوية ﵁: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" (٤): "عسى" للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفي وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة. (٥) قال السندي في تعليقه علي حديث (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا): وقوله: (إلا الرجل): أي ذنب الرجل وكان المراد

стр. 1644

كل ذنب ترجى مغفرته ابتداء إلا قتل المؤمن فإنه لا يغفر بلا سبق عقوبة وإلا الكفر فإنه لا يغفر أصلًا، ولو حمل على القتل مستحلًا لا يبقى المقابلة بينه وبين الكفر، ثم لا بد من حمله على ما إذا لم يتب وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له كيف، وقد يدخل القاتل والمقتول الجنة معًا كما إذا قتله وهو كافر ثم آمن وقتل؟ ولعل هذا بعد ذكره على وجه التغليظ والله تعالى أعلم. (١) قال أبو حيان الأندلسي: في قول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾: وقيل: هو لفظ يقع كثيرًا للخصوص كقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وليس من حكم من المؤمنين بغير ما أنزل الله بكافر. الآية للوعيد وليست للوعد: قال الفخر الرازي: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فإنه لا يحصل فيه الوعيد. . . وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد. (٢) وقال البغوي: حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يُخلفُ الله وعدَه؟ فقال: لا فقال: أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾؟ فقال له أبو عمرو بن العلاء: من المعجمة أُتِيْتَ يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًا، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفًا وذمًا، وأنشد: وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُه أو وَعَدْتُه ... لمُخْلِفُ إيعادَيِ ومُنْجِزُ مَوْعِدِي. (٣)

стр. 1645

الوجه الثالث: الجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض . قال الشاطبي: لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر؛ بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادىء الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف؛ لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسلِّم من غير اعتراق، فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملي فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين أو ليبق باحثًا إلى الموت ولا عليه من ذلك، فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة فلا بد له من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها، ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ديني كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم. (١) قال العلامة الشنقيطي: وللجمع بين ذلك أوجه: أن قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، أي إذا كان مستحلًا لقتل المؤمن عمدًا؛ لأن مستحل ذلك كافر قاله عكرمة وغيره، ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جبير، وابن جرير عن ابن جريج من أنها نزلت في مقيس بن صبابة فإنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه قتيلًا في بني النجار ولم يعرف قاتله، فأمر له النبي ﷺ بالدية فأعطتها له الأنصار مائة من الإبل، وقد أرسل معه النبي ﷺ رجلًا من قريش من بني فهر فعمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ فقتله وارتد عن الإسلام، وركب جملًا من الدية، وساق معه البقية ولحق بمكة مرتدًا وهو يقول في شعر له: قتلت به فهرًا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري وأضجعت موسدًا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع

стр. 1646

ومقيس هذا هو الذي قال فيه النبي ﷺ : "لا أؤمنه في حل ولا في حرم" (١)، وقتل متعلقًا بأستار الكعبة يوم الفتح. فالقاتل الذي هو كمقيس بن صبابة المستحل للقتل، المرتد عن الإسلام لا إشكال في خلوده في النار، وعلى هذا فالآية مختصة بما يماثل سبب نزولها بدليل النصوص المصرحة بأن جميع المؤمنين لا يخلد أحد منهم في النار. الوجه الثاني: أن المعنى فجزاؤه إن جوزي مع إمكان ألا يجازى إذا تاب، أو كان له عمل صالح يرجح بعمله السيئ. . . وهذا قول أبي هريرة ﵁ وأبي مجلز وأبي صالح وجماعة من السلف. الوجه الثالث: أن الآية للتغليظ في الزجر، ذكر هذا الوجه الخطيب والآلوسي في تفسيريهما وعزاه الآلوسي لبعض المحققين، واستدلا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾، على القول بأن معناه: ومن لم يحج، وبقوله ﷺ الثابت في الصحيحين للمقداد حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن يقول الكلمة التي قال"، وهذا الوجه من قبيل كفر دون كفر، وخلود دون خلود، فالظاهر أن المراد به عند القائل به أن معنى الخلود المكث الطويل، والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل، ومنه وقوله لبيد: فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صمًا خوالد ما يبين كلامها. إلا أن الصحيح في معنى الآية الوجه الثاني والأولى، وعلى التغليظ في الزجر حمل بعض العلماء كلام ابن عباس أن هذه الآية ناسخة لكل ما سواها، والعلم عند الله تعالى. قال الشنقيطي: الذي يظهر أن القاتل عمدًا مؤمن عاص له توبة كما عليه جمهور علماء الأمة وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية، وادعاء تخصيصها بالكفار لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يخرج من النار من

стр. 1647

كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وليس أخو المؤمن إلا المؤمن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا. ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس (١)، لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل؛ لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم. (٢) * * *

стр. 1648

١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف

стр. 1649

١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف ما زال أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا يرددون شبهتهم العارية عن الدليل بأن الإسلام دين إرهابي، وأنه انتشر بالسيف دون غيره، وفرض نفسه على الشعوب بالقهر والغلبة. لذا كان الرد على هذه الشبهة من خلال ما يلي: المقدمة، وفيها: تعريف الإرهاب. أنواع الإرهاب. ما يحمد من الإرهاب وما يذم. مفاهيم خاطئة حول الإرهاب. الفصل الأول: أسباب انتشار الإسلام المبحث الأول: انتشار الإسلام لم يكن بالقهر والغلبة. المبحث الثاني: منهج الإسلام في دعوة الآخرين بِالحكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحسنة. المبحث الثالث: سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين. المبحث الرابع: صور من سماحة الصحابة والتابعين مع غير المسلمين. المبحث الخامس: المفهوم الإسلامي في العلاقات بين الأمم. المبحث السادس: شهادات منصفة من غير المسلمين على سماحة الإسلام. المبحث السابع: الإسلام يدعو إلى احترام العهود والمواثيق. الفصل الثاني: رد شبهة انتشار الإسلام بالسيف. الرد عليها من وجوه: الوجه الأول: السلام خصوصية إسلامية. الوجه الثاني: إن من يقرأ سيرة النبي ﷺ يتضح له بجلاء كذب هذه الشبهة وبيان زيفها. الوجه الثالث: نبذ الإسلام للعنف واستخدامه الحوار. الوجه الرابع: إن من يقرأ مفهوم الجهاد في الإسلام ويعرف غاياته وأهدافه يتضح له بجلاء زيف هذه الشبهة. الوجه الخامس: موقف الإسلام من أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية. الوجه السادس: معاملة المستأمن في الدولة الإسلامية. الفصل الثالث: نقد المشككين في الإسلام من وجوه:

стр. 1650

الوجه الأول: الفتح الإسلامي والاستعمار الغربي. الوجه الثاني: رمتني بدائها وانسلَّت (كيف انتشرت المسيحية وغيرها من الديانات؟ ). الوجه الثالث: وضوح العنف والعدوان في بعض الديانات غير الإسلامية. الوجه الرابع: شهادات غير المسلمين على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف. الوجه الخامس: علاقة الدول الإسلامية بالدول المحاربة. الوجه السادس: لم يذكر السيف في القرآن صراحة، وذكر في الكتاب المقدس حوالي ٣٩٠ مرة. وإليك التفصيل المقدمة فإن الدين الإسلامي هو آخر الأديان السماوية، فبه ختم الله الأديان وبه نسخ ما قبله ورضيه للعالمين بعد كماله. وقد أثبت الدين الإسلامي نجاحه في الحياة على مر العصور مع تغير الزمان والمكان، فلم تنعم البشرية بالعدل والمساواة والحرية والإخاء كما كانت في ظله. إن هذه الحقيقة واقعة وليست من نسج الخيال، ولكن كثيرا من الناس يغفل عنها أو يتغافل عنها إما جهلا وإما حسدًا. لذا توجهت الأنظار في هذا العصر إلى الإسلام لتبث فيه سمومها، فتلبس الحق بالباطل أو تكتم الحق، فحالهم كحال من يريدون أن يطفئوا نور الشمس بأفواههم. فانطلقت جحافل الأجهزة السياسية والإعلامية والفكرية في الغرب نحو المسلمين وحدهم بتهمة الإرهاب من دون كل البشر، والإسلام من دون كل الملل والنحل، ليس هذا فحسب وإنما وُجد من يحاول تأصيل التهمة، بجعل عقيدة الإسلام وشريعته مصدرًا للإرهاب، لكي يثبتوا أن الإسلام يربي كائنات بشرية إرهابية، وأن المسلم الحق هو مشروع إرهابي جاهز للقتل، وبهذا يتحقق ترهيب الناس من الإسلام وإبعادهم عنه.
следующие страницы →