ومقيس هذا هو الذي قال فيه النبي ﷺ : "لا أؤمنه في حل ولا في حرم" (١)، وقتل متعلقًا بأستار الكعبة يوم الفتح. فالقاتل الذي هو كمقيس بن صبابة المستحل للقتل، المرتد عن الإسلام لا إشكال في خلوده في النار، وعلى هذا فالآية مختصة بما يماثل سبب نزولها بدليل النصوص المصرحة بأن جميع المؤمنين لا يخلد أحد منهم في النار.
الوجه الثاني: أن المعنى فجزاؤه إن جوزي مع إمكان ألا يجازى إذا تاب، أو كان له عمل صالح يرجح بعمله السيئ. . . وهذا قول أبي هريرة ﵁ وأبي مجلز وأبي صالح وجماعة من السلف.
الوجه الثالث: أن الآية للتغليظ في الزجر، ذكر هذا الوجه الخطيب والآلوسي في تفسيريهما وعزاه الآلوسي لبعض المحققين، واستدلا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾، على القول بأن معناه: ومن لم يحج، وبقوله ﷺ الثابت في الصحيحين للمقداد حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن يقول الكلمة التي قال"، وهذا الوجه من قبيل كفر دون كفر، وخلود دون خلود، فالظاهر أن المراد به عند القائل به أن معنى الخلود المكث الطويل، والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل، ومنه وقوله لبيد:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صمًا خوالد ما يبين كلامها.
إلا أن الصحيح في معنى الآية الوجه الثاني والأولى، وعلى التغليظ في الزجر حمل بعض العلماء كلام ابن عباس أن هذه الآية ناسخة لكل ما سواها، والعلم عند الله تعالى.
قال الشنقيطي: الذي يظهر أن القاتل عمدًا مؤمن عاص له توبة كما عليه جمهور علماء الأمة وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية، وادعاء تخصيصها بالكفار لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يخرج من النار من
стр. 1647
كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وليس أخو المؤمن إلا المؤمن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا. ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس (١)، لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل؛ لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم. (٢)
* * *
стр. 1648
١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف
стр. 1649
١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف
ما زال أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا يرددون شبهتهم العارية عن الدليل بأن الإسلام دين إرهابي، وأنه انتشر بالسيف دون غيره، وفرض نفسه على الشعوب بالقهر والغلبة.
لذا كان الرد على هذه الشبهة من خلال ما يلي:
المقدمة، وفيها:
تعريف الإرهاب. أنواع الإرهاب. ما يحمد من الإرهاب وما يذم. مفاهيم خاطئة حول الإرهاب.
الفصل الأول: أسباب انتشار الإسلام
المبحث الأول: انتشار الإسلام لم يكن بالقهر والغلبة.
المبحث الثاني: منهج الإسلام في دعوة الآخرين بِالحكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحسنة.
المبحث الثالث: سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين.
المبحث الرابع: صور من سماحة الصحابة والتابعين مع غير المسلمين.
المبحث الخامس: المفهوم الإسلامي في العلاقات بين الأمم.
المبحث السادس: شهادات منصفة من غير المسلمين على سماحة الإسلام.
المبحث السابع: الإسلام يدعو إلى احترام العهود والمواثيق.
الفصل الثاني: رد شبهة انتشار الإسلام بالسيف.
الرد عليها من وجوه:
الوجه الأول: السلام خصوصية إسلامية.
الوجه الثاني: إن من يقرأ سيرة النبي ﷺ يتضح له بجلاء كذب هذه الشبهة وبيان زيفها.
الوجه الثالث: نبذ الإسلام للعنف واستخدامه الحوار.
الوجه الرابع: إن من يقرأ مفهوم الجهاد في الإسلام ويعرف غاياته وأهدافه يتضح له بجلاء زيف هذه الشبهة.
الوجه الخامس: موقف الإسلام من أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية.
الوجه السادس: معاملة المستأمن في الدولة الإسلامية.
الفصل الثالث: نقد المشككين في الإسلام من وجوه:
стр. 1650
الوجه الأول: الفتح الإسلامي والاستعمار الغربي.
الوجه الثاني: رمتني بدائها وانسلَّت (كيف انتشرت المسيحية وغيرها من الديانات؟ ).
الوجه الثالث: وضوح العنف والعدوان في بعض الديانات غير الإسلامية.
الوجه الرابع: شهادات غير المسلمين على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف.
الوجه الخامس: علاقة الدول الإسلامية بالدول المحاربة.
الوجه السادس: لم يذكر السيف في القرآن صراحة، وذكر في الكتاب المقدس حوالي ٣٩٠ مرة.
وإليك التفصيل
المقدمة
فإن الدين الإسلامي هو آخر الأديان السماوية، فبه ختم الله الأديان وبه نسخ ما قبله ورضيه للعالمين بعد كماله.
وقد أثبت الدين الإسلامي نجاحه في الحياة على مر العصور مع تغير الزمان والمكان، فلم تنعم البشرية بالعدل والمساواة والحرية والإخاء كما كانت في ظله.
إن هذه الحقيقة واقعة وليست من نسج الخيال، ولكن كثيرا من الناس يغفل عنها أو يتغافل عنها إما جهلا وإما حسدًا.
لذا توجهت الأنظار في هذا العصر إلى الإسلام لتبث فيه سمومها، فتلبس الحق بالباطل أو تكتم الحق، فحالهم كحال من يريدون أن يطفئوا نور الشمس بأفواههم.
فانطلقت جحافل الأجهزة السياسية والإعلامية والفكرية في الغرب نحو المسلمين وحدهم بتهمة الإرهاب من دون كل البشر، والإسلام من دون كل الملل والنحل، ليس هذا فحسب وإنما وُجد من يحاول تأصيل التهمة، بجعل عقيدة الإسلام وشريعته مصدرًا للإرهاب، لكي يثبتوا أن الإسلام يربي كائنات بشرية إرهابية، وأن المسلم الحق هو مشروع إرهابي جاهز للقتل، وبهذا يتحقق ترهيب الناس من الإسلام وإبعادهم عنه.
стр. 1651
إن الغرب يكيل بمكيالين، فحين تُرتكب جريمة نفذها يهودي أو نصراني أو أي ديانةٍ أخرى لا يقال: نفذها يهودي أو نصراني، أما حين يكون المنفذ مسلمًا فوصف الإرهاب قرينًا له فيقال: "إرهابي مسلم".
لقد وضعوا الإسلام في قفص الاتهام، وحكموا عليه من غير شهود ولا بينة، وحقًا إن العين لتدمع وإن القلب لينفطر غيظًا وحزنًا حين يرى هذا الظلم العالمي والإرهاب العدواني على الإسلام (١).
أصبح مصطلح الإرهاب يحتل حيزًا كبيرًا في القاموس السياسي المعاصر، وأصبحت له هالة رهيبة، بل لقد أصبح هذا المصطلح نفسه من أخطر وسائل الإرهاب، فتهمة الإرهاب صارت تشكل مسوغًا لا نقاش فيه للانقضاض على الشعوب والحركات والأفراد، وحتى على بعض الحكومات بقصد إذلالها والتنكيل بها أو ربما تصفيتها والقضاء عليها، وفي أحيان كثيرة نجد أن مجرد التلويح بتهمة الإرهاب يشكل تهديدًا صريحًا للجهة المراد ضربها، ومقدمة للانقضاض عليها إلا أن ترضخ وتستسلم أمام هذا النوع من الإرهاب.
لذا أصبح من الضروري العمل على توضيح هذا الأمر والسعي إلى رفع ما يكتنفه من تلبيس وتضليل، وما يصاحبه من استغلال وتهويل فهذا واجب كل الشرفاء والنزهاء من الباحثين والمفكرين والعلماء (٢).
تعريف الإرهاب لغةً
تشتق كلمة "إرهاب" من الفعل المزيد (أرهب)، ويقال أرهب فلانًا: أي خوَّفه وفزَّعه، وهو نفس المعنى الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهّبَ). أما الفعل المجرد من
стр. 1652
نفس المادة وهو (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَةً ورَهْبًا ورَهَبًا فيعني خاف، فيقال: رَهِبَ الشيء رهبًا ورهبة أي خافه. أما الفعل المزيد بالتاء وهو (ترَهَّبَ) فيعني انقطع للعبادة في صومعته، ويشتق منه الراهب والراهبة والرهبنة والرهبانية ... إلخ، وكذلك يستعمل الفعل ترهب بمعنى توعد إذا كان متعديا فيقال: ترهب فلانًا: أي توعده. وكذلك تستعمل اللغة العربية صيغة استفعل من نفس المادة فتقول (استرهب) فلانًا أي رَهَّبَه.
ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح "الإرهاب" بهذه الصيغة، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من نفس المادة اللغوية، بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع، والبعض الآخر يدل على الرهبنة والتعبد، حيث وردت مشتقات المادة (رهب) سبع مرات في مواضع مختلفة في الذكر الحكيم لتدل على معنى الخوف والفزع كالتالي: (يَرْهَبُون): ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾. (الأعراف: ١٥٤).
(فارْهبُون): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].
﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: ٥١)
(تُرهِبُونَ): ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
(اسَتْرهَبُوهُم): ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
(رَهْبَةً): ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (الحشر: ١٣).
(رَهَبًا): ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
بينما وردت مشتقات نفس المادة (رهب) خمس مرات في مواضع مختلفة لتدل على الرهبنة والتعبد كالتالي:
ورد لفظ (الرهبان) في سورة (التوبة: ٣٤)، كما ورد لفظ (رهبانًا) في (المائدة: ٨٢)، ولفظ (رهبانهم) في "التوبة: ٣١) وأخيرا (رهبانية) في (الحديد: ٢٧).
стр. 1653
بينما لم ترد مشتقات مادة (رهب) كثيرًا في الحديث النبوي ولعل أشهر ما ورد هو لفظ (رهبة) في حديث الدعاء: "رغبة ورهبة إليك". (١) ويلاحظ أيضًا أن القرآن والحديث قد اشتملا على بعض الكلمات التي تتضمن الإرهاب والعنف، بمعنى استخدام القوة أو التهديد لتحقيق أهداف معينة، ومن هذه المفاهيم: العقاب والقتل والبغي والعدوان والجهاد ... إلخ.
وقال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (٢) مادة (رهب): الراء والهاء والباء أصلان أحدهما يدل على الخوف، والآخر على دقة وخفة.
فالأول الرَّهبة: تقول رهِبت الشيء رُهبًا ورهبة. والترهيب التعبد. ومن الباب الإرهاب وهو قَدْع الإبل من الحوض وذيادُها.
قال ابن منظور: رهب بالكسر يرهب رهبة ورهبًا بالضم ورهبًا بالتحريك أي: خاف، ورهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبة أي: خافه، وترهب غيره إذا توعده، وأرهبه ورهبه واسترهبه أي: أخافه وفزعه، وترهب الرجل إذا صار راهبًا يخشى الله.
وأصل الرهبانية من الرهبة، قال ابن الأثير: وأصلها أي الرهبانية من الرهبة الخوف.
تعريف الإرهاب اصطلاحًا:
وقد عرَّف علماء المسلمين المعاصرين عند اجتماعهم في الدورة السادسة عشر للمجمع الفقهي الإسلامي التي عقدتها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في شهر يناير ٢٠٠٢ م ونشر في رسالة الرابطة إلى الشعب الأمريكي قائلين: "الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغيًّا على الإنسان ودينه، ودمه، وعقله، وماله بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذًّا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس
стр. 1654
أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر. ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر".
تعريف الإرهاب في الثقافة الغربية:
تتكون كلمة "إرهاب" في اللغة الإنجليزية بإضافة اللاحقة، ism إلى الاسم Terror بمعنى فزع ورعب وهول، كما يستعمل منها الفعل Terrorize بمعنى يرهب ويفزع.
ويرجع استخدام مصطلح، Terrorism في الثقافة الغربية تاريخيًّا للدلالة على نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية إبان الجمهورية الجاكوبية في عامي (١٧٩٣ - ١٧٩٤) ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين المناهضين للثورة. وقد نتج عن إرهاب هذه المرحلة التي يطلق عليها Reign of Terror اعتقال ما يزيد عن ٣٠٠ ألف مشتبه وإعدام حوالي ١٧ ألفًا، بالإضافة إلى موت الآلاف في السجون بلا محاكمة.
وإن كان هناك من يرجع بالمصطلح والمفهوم إلى أقدم من هذا التاريخ كثيرًا، حيث يفترض أن الإرهاب حدث ويحدث على مدار التاريخ الإنساني وفى جميع أنحاء العالم، وقد كتب المؤرخ الإغريقي زينوفون Xenophon (٤٣٠ - ٣٤٩ ق. م - في سياق الثقافة الغربية - عن المؤثرات النفسية للحرب والإرهاب على الشعوب.
وقد استخدم حكام رومان من أمثال Tiberius ٣٧ - ١٤ م)، Caligula) ٤١ - ٣٧ م) العنف ومصادرة الممتلكات والإعدام كوسائل لإخضاع المعارضين لحكمهما. ولعل محاكم التفتيش التي قام بها الأسبان ضد الأقليات الدينية (المسلمين أساسًا) أهم محطات الإرهاب الرئيسية في تاريخ الثقافة الغربية.
وقد تبنت بعض الدول الإرهاب وجعلته جزءًا من الخطة السياسية للدولة مثل دولة هتلر النازية في المانيا، وحكم ستالين في الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث تمت ممارسة إرهاب الدولة تحت غطاء أيديولوجي لتحقيق مأَرب سياسية واقتصادية وثقافية.
стр. 1655
واعتبرت منظمات وجماعات مثل جماعة "بادر ماينهوف" الالمانية، ومنظمة "الألوية الحمراء" الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني، والجيش الجمهوري الأيرلندي، والدرب المضيء البيروية، ومنظمة "إيتا" الباسكية، ومنظمات فلسطينية في مقدمتها فتح .. اعتُبرت من أشهر المنظمات الإرهابية في تاريخ القرن الدثرين من منظور غربي. ويضاف إليها في السنوات الأخيرة العديد من المنظمات الإسلامية، على رأسها بالطبع تنظيم القاعدة.
تعريف الإرهاب في اصطلاح السياسيين .
والإرهاب في اصطلاح السياسيين والإعلاميين يقصد به أعمال العنف التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات أو الدول والحكومات بشكل مبيت ضد خصومهم السياسيين.
معنى الإرهاب عند الأمم المتحدة، ليس هناك تعريف محدد متفق عليه حول معنى الإرهاب؛ بل إن مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في نيويورك في سبتمبر ٢٠٠٥ لم يحاول التوصل لمعنى محدد لهذا المصطلح برغم طلب بعض الأعضاء ذلك. لكن هناك تعريف عام معمول به في الأمم المتحدة وهو أن الإرهاب:
"أعمال العنف الخطيرة التي تصدر من فرد أو جماعة بقصد تهديد الأشخاص أو التسبب في إصابتهم أو موتهم، وسواء كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين ويوجه ضد الأشخاص أو المنظمات أو المواقع السكنية أو الحكومية أو الدبلوماسية أو وسائل النقل والمواصلات وضد أفراد الجمهور العام دون تمييز أو الممتلكات أو تدمير وسائل النقل والمواصلات بهدف إفساد علاقات الود والصداقة بين الدول أو بين مواطني الدول المختلفة أو ابتزاز أو تنازلات معينة من الدول في أي صورة كانت. لذلك فإن التآمر على ارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك في الارتكاب أو التحريض على ارتكاب الجرائم يشكل جريمة من جرائم الإرهاب الدولي".
تعريف الإرهاب عند الأمريكان
بينما عرف الغربيون الإرهاب بتعاريف مختلفة؛ منها ما ورد في التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في أكتوبر سنة ٢٠٠١ م أن الإرهاب يعني: "العنف المتعمد ذا
стр. 1656
الدوافع السياسية، والذي يرتكب ضد غير المقاتلين وعادة بغية التأثير في الجمهور، حيث إن غير المقاتلين هم المدنيون، إلى جانب العسكريين غير المسلحين، أو الذين هم في غير مهماتهم وقت تعرضهم للحادثة الإرهابية أو في الأوقات التي لا توجد فيها حالة حرب أو عداء ... "، وتعرف وكالة التحقيقات العدلية الأمريكية (FBI) للإرهاب بأنه: استعمال - أو التهديد باستعمال - غير مشروع للعنف ضد أشخاص أو ممتلكات لتخويف أو إجبار حكومة أو المدنيين كلهم أو بعضهم لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية. وفي قاموس أكسفورد نجد كلمة إرهاب (Terrorism) تعني سياسة، أو أسلوبًا يعد لإرهاب وإفزاع المناوئين أو المعارضين لحكومة ما. فالإرهابي (Terrorist) هو الشخص الذين يحاول أن يدعم آراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع.
وباستعراض هذا التعريف الأمريكي يتبين أن القاسم المشترك فيها هو استخدام العنف والقوة والغدر حيث إن الجميع يتفق على أن الإرهاب هو الاستعمال المطلق للعنف والقوة تجاه المدنيين أو الأهداف المدنية، أو العسكريين، أو الأهداف العسكرية في غير حال الحرب المعلنة بين طرفين بهدف بث الرعب بدون إنذار سابق.
أنواع الإرهاب
للإرهاب صور وأنواع متعددة ومن هذه الأنواع ما يلي:
١ - إرهاب الأفراد:
ويتبدى في السطو المسلح، وقطع الطريق وأعمال الثأر والانتقام للشرف، والاختطاف من أجل الفدية أو التهديد به والابتزاز، وما إلى ذلك من الأعمال التي تقوم بها أفراد معينون منحرفون، سواء كانوا منضوين تحت مظلة عصابات صغيرة أو كبيرة أو أفراد.
٢ - الإرهاب المؤسسي:
ويتمثل في غيبة القوانين والأنظمة التي تقوم بحماية العاملين من العقاب غير المبرر.
كالفصل التعسفي، أو النقل إلى مكان بعيد، أو الحرمان من الترقية، أو الزيادة السنوية أو حقوق نهاية الخدمة، من تقاعد ومكافأة، فيتحول الموظفون العاملون إلى عبيد، وتسود سطوة
стр. 1657
صاحب المؤسسة أو مديرها، سواء كان على صواب أو خطأ. ولا يكون للعاملين فيها رأى، وإنما يكونون أدوات تنفيذية جسدية فقط، ويصير التزلف والنفاق وسائل مشروعة؛ بل مستحبة، ويحل الخوف والقلق على المصير ويعيش العاملون في رعب مستمر وتوتر دائم.
٢ - إرهاب الجماعات المنظمة:
كما هو الحال في جماعات المافيا، فلا تدخل أعمال الجريمة المنظمة التي تقوم بها (المافيا) ضمن دائرة الأفراد؟ لأن (المافيا) تعمل وفق تخطيط مبرمج هادف، ويقوم على تسييرها مجموعات من المتطرفين فكريًّا تدعمهم مؤسسات رأسمالية وعسكرية وقانونية واقتصادية، وينتشر خطرها ليشمل مناحي الحياة كافة، ولهذا عدت المافيا دولة داخل الدولة، وبسبب قوة تأثيرها، واستغلالها للعالم السري (تحت الأرض) مجالا لتنفيذ مخططاتها، مستعملة المخدرات بأنواعها والجنس، والإغراء والتهديد والقتل وكل الوسائل المرزولة سبيلًا للوصول إلى غايتها الهادفة إلى السيطرة والتحكم.
إن أعمال المافيا كلها تدخل في دائرة الإرهاب والعنف؛ لأنَّها تعد الإنسان سلعة، وكما لا قيمة له مطلقًا إلا بقدر الفائدة المادية التي تجني من ورائه.
ولهذا كان ضمن أعمالها "الإرهابية" اختطاف أشخاص بغية استعمال أعضائهم طبيًّا حيث يجري اقتلاع أعين المخطوفين أو أكبادهم، أو كلاهم، كي يستفيد منها ثرى هنا أو هناك، مما يفقد المواطن إحساسه الكامل بالأمن، ويجعله دائم القلق على مصيره ومصير أبنائه إضافة إلى الخطف واستعمال المخدرات من أجل الوصول إلى الهدف.
ومن هذا النوع بعض الجماعات التي تتخذ أغراضًا دينية أو سياسية لتبرير أعمالها الإرهابية، ولا يدخل ضمن ذلك بالطبع الجماعات التي تقاتل للحصول على حق مشروع لشعوبها.
٤ - الإرهاب الدولي:
وهو أفدح أنواع الإرهاب وأعمه خطرًا؛ لأنه يشمل الكون بأسره شعوبًا وحكومات، ويتمثل هذا الإرهاب في محاولة فرض الذات على الآخرين بالإكراه أو الإغراء، وكان من نتيجة هذه الفلسفة بروز قطبين متناحرين بعد الحرب العالمية، أدى سباق التسلح بينهما إلى
стр. 1658
قيام ما سمى بالحرب الباردة، التي عاشها العالم مرعوبًا من الأسلحة الذرية والبكتيرية وسواها عشرات السنين، والتي نشبت خلالها عشرات الحروب الساخنة وبخاصة في قارات العالم الثالث: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، دفع الناس خلالها ملايين القتلى والجرحى والمشوهين والمعاقين، وجرى تدمير اقتصاديات تلك البلدان لعقود طويلة قادمة، وما فيتنام، وغانا، وغينيا، والصومال، ولاوس، وكوريا، والأرجنتين إلا أمثلة قليلة لما جرى من محاولات السيطرة على العالم واقتسامه بين الغرب الرأسمالي والشرقي الشيوعي أو الاشتراكي.
أما الأعمال الإرهابية التي يمكن إدراجها تحت مظلة العنف الدولي فيمكن إجمالها في الآتي:
أ- المؤامرات الانقلابية: بقصد تغيير أنظمة الحكم غير الموالية، حيث تلجأ بعض الدول إلى نشر عملائها وجواسيسها وبثهم في مؤسسات الدولة للإطاحة بنظام الحكم فيها عبر سلسلة من الدعايات المغرضة الهادفة إلى خلق بلبة في الرأي العام وتهيئته لقبول التغيير القادم، وما حدث في الأرجنتين من قتل للمواشي وإتلاف لمزروعات الفلاحين يعد مثالًا من هذه المؤامرات والدسائس التي تبتغي قلب الحكم ووضع نظام بديل ينفذ سياسة الدولة الكبرى.
ويدخل ضمن هذه الوسائل الضاغطة على الحكومات ما تجريه الدول الكبرى من مناورات عسكرية واسعة وتحريك للأساطيل والقطع البحرية الكبيرة أو المناورات المشتركة مع الدول الحليفة، حيث تجرى هذه الأعمال قريبًا من حدود الدولة المقصودة.
كما يندرج تحتها خلق أجسام ومؤسسات عسكرية غرضها إرهاب الآخرين مثل إنشاء وحدات التدخل السريع، وهي تحمل اسمًا دالا على طبيعة عملها وهو التدخل في شئون الآخرين، رغم أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على عدم التدخل في هذه الشئون ولكنه المنطق الإرهابي المسنود بنظرية البقاء للأصلح، بمعنى الأقوى.
ب - الإرهاب الاقتصادي:
стр. 1659
ويتمثل هذا النوع من الإرهاب في فرض الحصار الاقتصادي على بلد ما بغية إجباره على الإذعان للدولة القوية وقبول شروطها أو إملاءاتها، أو اللعب بميزان المدفوعات أو دفع الحكومات لطلب قرض مالي مشروط يجبر الموقعين على مثل هذه القروض على اتخاذ مواقف سياسية تتماشى ومصالح رأس المالي (١) حتى تتكرس التبعية الاقتصادية والمالية للبلد الموقع، ويصبح رهينة للدول المانحة، ومع الزمن تتحول المرافق الحيوية الموجودة في البلد ملكًا خالصًا لتلك الدولة الغريبة عن طريق الأسهم كما كانت عليه حال قناة السويس قبل التأميم، وكثير من الشركات البترولية والمعدنية والغذائية والكسائية في العالم، حيث إن الشركات (صاحبة الامتيازات) تستولى على خيرات البلاد تحت طائلة التطوير أو الاستثمار، وهي في الحقيقة تمارس أقصى أنواع النهب، الذي لا يترك خلفه سوى التبعية والتخلف، ويجر إلى إلحاق البلد اقتصاديًّا بالدولة المانحة، لتصير سوقًا استهلاكيًّا لمنتجاتها، ومصدرًا للحصول على الخامات والأيدي العاملة الرخيصة.
ج - الإرهاب الفكري:
ويتمثل الإرهاب الفكري في مصادرة حريات الآخرين في قول آرائهم أو التعبير عنها، سواء من خلال الإعلام، صحافة وإذاعة وتلفازًا أو منعهم من نشر كتبهم وأبحاثهم، أو مشاركاتهم في المؤتمرات والندوات أو تأسيس الأحز اب أو الجمعيات، وكل ما له شأن من قريب أو بعيد بموضوعات الفكر أو الثقافة.
ولا يكتفي الإرهاب الفكري بمحاولة تجميد فكر الآخرين من خلال الإجراءات السابقة، بل إنه يكرس كل وسائل الإعلام المتاحة لديه، وكل العقول والأدمغة ووسائل البحث الحديثة: كي يهاجم الأفكار الأخرى واضعًا فيها كل المفاسد، فالمهم أن يهدمها ويهزمها، بأية وسيلة كانت، ومن هنا كان التزوير وتلفيق المعلومات أسلوبًا مباحًا عند
стр. 1660
صانعي هذا النوع من الإرهاب.
ويهدف الإرهاب الفكري الذي تمارسه دولة ما ضد أخرى إلى طمس شخصية الأمة وحضارتها وثقافتها عن طريق ما يسمى بمراكز الأبحاث العلمية، حيث تلجأ هذه المراكز (المأجورة) إلى إخراج أية نتائج تريدها الدولة لسلب الخصم كل ما يفخر به من لغة وتراث، وإنجازات، وتاريخ مشرف، وتحويل كل ذلك إلى عمليات سالبة وبهذا تفقد الأمة شخصيتها وتصبح هامشية بدون جذور (١).
د - إرهاب العزل والمقاطعة والحرمان:
وهو أسلوب قديم عرفته الأمم السابقة ومنه عزل وحصار ومقاطعة الرسول ﷺ والمسلمين الأوائل في شعب بنى هاشم من قبل قريش وأشياعها، وهو أشد من الحصار الاقتصادي؛ لأنه يشمل حركة السفن والمطارات والمواصلات البرية، والتعاملات التجارية بأنواعها والنواحي الطبية والعلاجية، وتعيش الدولة تحت طائلة العقوبات والتهديدات بالاجتياح أو التقسيم أو من استعمالى المرافق الحيوية التابعة لها كالموانئ والمطارات، مما يعطل كل نبضات الحياة في شرايين المجتمع عن العمل فيهلك آلاف، بل مئات الآلاف من الضحايا.
نخلص من هذا الموضوع إلى القولى أن الإرهاب ظاهرة فاشية في العالم كله، وليس حصرًا بشعب دون آخر أو أمة دون أخرى، وأنه يتمثل في الممارسة التي قد تتسبب عن شعور جنس ما بالتفوق، أو عقيدة ما بذلك، لكن دمغ شعب أو جنس بالإرهاب لا يستقيم مع الفهم السليم (٢).
стр. 1661
ما يُحمد من الإرهاب وما يُذم (١)
تتهم العديد من الأوساط الغربية المسلمين بالإرهاب والعنف والتطرف، بل أصبح عند كثير منهم صفة لازمة للإسلام زعمًا منهم أن تعاليم الإسلام تحض على ذلك، وتوجه المسلمين إلى سلوك هذا الطريق، وهذا بعيد تمامًا عن حقائق الإسلام وتعاليمه.
والمتأمل في أقوال علماء المسلمين يجد أن الإرهاب في الشريعة الإسلامية ينقسم إلى نوعين:
الأول: الإرهاب المحمود أو الإرهاب بحق للخير.
الثاني: الإرهاب المذموم أو الإرهاب الظالم المتجاوز للحدود.
الأول: الإرهاب المحمود:
الإرهاب المحمود هو الشرعي لدى الإسلام. وبهذا المعنى المحمود المشروع استعملت الكلمة في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فالمراد بهذه القوة السلاح، كما قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وهو على المنبر، : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، الا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي".
تفسير العلماء:
وقد قام العلماء المفسرون، من القدامى والمحدثين، بتفسير هذه الآية بما يأتي:
قال الطبري: وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا الذين بينكم وبينهم عهد إذا خفتم خيانتهم وغدرهم أيها المؤمنون بالله ورسوله ما استطعتم من قوة تخيفون بذلك عدو الله وعدوكم من المشركين (٢).
قال الجصاص: أمر الله المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال إرهابا للعدو (٣).
стр. 1662
قال الفخر الرازي: اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار.
.. ثم قال: فقال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وذلك لأن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له ومستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم. وذلك الخوف يفيد أمورًا؛ منها: أنَّهم لا يقصدون دخول دار الإسلام عدوانًا، ولا يعينون سائر الكفار للتعدي على دار الإسلام، وربما صار ذلك داعيًا لهم إلى الإيمان (١).
قال الشيخ محمد رشيد رضا: أن يكون القصد الأول من إعداد هذه القوى والمرابطة إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على بلاد الأمة أو مصالحها، أو على أفراد منها، أو متاع لها حتى في غير بلادها لأجل أن تكون آمنة في عقر دارها، مطمئنة على أهلها ومصالحها وأموالها. وهذا ما يسمى في عرف هذا العصر بالسلم المسلح وتدعيه الدول العسكرية فيه زورًا وخداعًا (٢).
من خلال ما سبق من أقوال المفسرين يتبين لنا ما يأتي:
أولًا: أن تكليف إعداد القوة بقدر الاستطاعة واجب على الحكومة الإسلامية خاصة، وعلى الأمة الإسلامية عامة. وذلك لنزول هذه الآية في عهد المدينة المنورة، والأمة كلها واحدة تحت قيادة رسول الله ﷺ . فهي مكلفة للمشاركة في هذا الإعداد؛ كما يقول أبو السعود الحنفي بأن توجيه الخطاب يعني: "وأعدوا" إلى جميع المؤمنين؛ لأن المأمور به من وظائف الجميع. والله أعلم.
стр. 1663
ثانيًا: أنَّ القوة المطلوب إعدادها هي قوة الرمي، وهو كل ما يوجد في كل عصر ومكان من سلاح يرمى به الأعداء في حالة الحرب. فإذا استطاع أن يعد أفضل وأحدث ما يكون في ذلك العصر فبها ونعمت وإلا فاتقوا الله ما استطعتم.
ثالثًا: أن الدلالة اللفظية في الآية تشير إلى أن الغرض الأساس من إعداد القوة هو الإرهاب والتخويف، وليس القتل والقتال. يقول تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، ولا يقول: "تقاتلون به أو تقتلون به عدو الله وعدوكم". وبذلك تبين أن اختيار الله هذه الكلمة (الإرهاب) هو نوع من رحمته تعالى لخلقه، تجنبًا عن القتل أو القتال الذي هو سفك الدماء وهو الغرض الغالب من أي قوة. وحتى مع الأعداء لا يريد أن يعاملهم الإسلام بالقتل والقتال، في بالك مع عامة الناس ولو كانوا غير مسلمين. فإذا اكتفى هؤلاء الأعداء المجرمون أو الكفار بمجرد هذا الإرهاب والتخويف الذي يمنعهم من التعدي والظلم والصد عن سبيل الله فقد تحقق الغرض الأساس من إعداد القوة في الإسلام.
رابعًا: المرهبون به هم أعداء الله: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ لأن طبيعة دعوة الإسلام التي جاء بها الرسل أنَّها تواجه المجرمين المعتدين من أعداء الله طول الطريق، ولاسيما الرسول الخاتم محمد ﷺ . وقد صرح بذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. أي: كما جعلنا لك، يا محمد، أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك؛ جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداء.
خامسًا: إن الإرهاب الشرعي على ضوء هذه الآية الكريمة هو أحد الأساسيات الفطرية للتعامل مع العالم. فأمم العالم جميعًا تعد ما تستطيع من قوة كي تدخل الرهبة في قلوب أعدائها. وهي تستعرض قوتها في المناورات كي يعرف خصومها درجة مناعتها
стр. 1664
فيحترمونها ولا يعادونها. وهذا أمر مشروع وحق معمول لدى الأمم ومسموح لدى القوانين كلها منذ قديم الزمان وحتى الآن. فلا ينكر عليه إلا مجرم. ويعد ذلك من حق كل دولة، وكل سلطان، وكل قوم. فمن حق المسلمين أن يفعلوا ذلك كغيرهم في إعداد القوة المانعة للعدوان الذي قد يقع عليهم. ومع ذلك فإن الشريعة الإسلامية قامت بتحديد مواضع استخدام هذه القوة المعدة للدفاع عن النفس وعن حرمة الدعوة وسلامة الحقوق والأعراض وتحرير الإنسان والأوطان من الضبط والكبت والظلم والطغيان. لذا كان الإرهاب مع أعداء الله وأعداء الفطرة، ويكون الغرض منه الدفاع عن النفس أو تخويفهم من الاعتداء على الإسلام والوقوف أمام سير الدعوة الإسلامية التي تنشر الرحمة للعالم؛ فهو مشروع، وليس ذلك بالإرهاب المحظور. والله أعلم.
ومن أمثلة الإرهاب العدواني المحرم في الإسلام:
١ - تخويف أحد ابني آدم لأخيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَال لَأَقْتُلَنَّكَ قَال إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
٢ - المحاربون الذين يفككون أمن الناس بالنهب والسلب والإفساد في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
٣ - محاولة الاعتداء على النفس، كما في قوله ﷺ : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
ثانيًا: الإرهاب المذموم:
لا شك أن كلًّا من العنف والتطرف والظلم مذموم في الإسلام. فهذا الثالوث المذموم هو أهم صفات الإرهاب المذموم. فالإرهاب لا يكون مذمومًا إلا إذا دخل فيه العنف والتطرف والظلم. فالعنف عبارة عن استخدام القوة المادية في غير موضعها، حيث يمكن
стр. 1665
فيه أن تستخدم الحجة أو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أو المجادلة بالتي هي أحسن، وبغير ضابط من خلق أو شرع أو قانون؟ هل يجوز قتلهم أو الاعتداء عليهم أو لا؟
فمن الإرهاب المذموم استخدام العنف مع الأبرياء، أو فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك أو لسياستك، وإن كانت عادلة أو صحيحة في رأيك.
مفاهيم خاطئة حول الإرهاب
لقد أصبحت تهمة الإرهاب سلاحًا خطيرًا يسلط على كثير من الشعوب والجماعات والمنظمات وأحيانًا حتى على الدول والحكومات، وأصبح ترويج هذه التهمة وإلصاقها بجهة من الجهات كافية لإدانتها وتجريمها وشن الحرب عليها بل يمكن القول أن تهم الإرهاب قد أصبحت من أخطر وسائل الإرهاب.
غير أن من أخطر ما في استعمال مصطلح الإرهاب اليوم هو التسوية والخلط المعتمد بين الظالمين والمظلومين، بين المعتدين والمقهورين وقد يتجاوز الأمر مجرد الخلط والتسوية إلى قلب الحقائق بإضفاء صفة المشروعية على الظالم المعتدي وإلصاق تهمة الإرهاب على المظلوم والمعتدى عليه.
إن النظر السليم والحكم الصحيح على الأعمال التي توصف اليوم بالإرهاب لابد فيهما من التمييز والتفريق ووضع كل شيء في موضعه اللائق به، فهذا من البدهيات التي يقتضيها العدل والإنصاف، أما الخلط والتعميم والتسوية بين المختلفات فليس سوى أسلوب من أساليب المغالطة والتضليل والخداع.
لابد في هذا الموضوع من التمييز مثلًا بين الحالات الآتية:
الحالة الأولى: كون الفاعل ظالمًا والمفعول ضده مظلومًا لا ذنب له.
الحالة الثانية: كون الفاعل مظلومًا والمفعول ضده هو ظالمه المصر على ظلمه.
الحالة الثالثة: كونهما معًا معتدين ظالمين.
стр. 1666
الحالة الرابعة: حالة من ترك الوسائل السلمية وسلك من أول الأمر أعمال العنف والإرهاب لنيل حقه أو لم يستنفد كل الفرص السليمة المتاحة له.
الحالة الخامسة: من سلك كل السبل السلمية واستنفد كل فرص المطالبة والإقناع لنيل حقه ورفع الظلم والعدوان عن نفسه، فلم تجده شيئًا ولم يأبه له خصمه، بل أمعن في ظلمه وهضم حقه.
الحالة السادسة: من يلجأ إلى العنف دفاعًا عن النفس أو معاملة بالمثل حيث جاءت البداية من خصمه.
الحالة السابعة: حالة من كان حقه مقررًا ومسلمًا ومعترفًا به.
الحالة الثامنة: من كان حقه مجرد ادعاء ومطلب لم يثبت أحقيته ولم يعترف بمشروعيته.
فهذه الحالات كلها موجودة الآن فيمن يتهمون بالإرهاب ويدانون به ويجرمون وليس فيما عرفته البشرية وآمنت به من تعاليم دينية أو قيم أخلاقية أو قواعد قانونية أو أعراف قضائية ليس فيها ما يسوغ التسوية بين كل هذه الحالات وإدانتها وتجريمها جميعًا واعتبارها شيئًا واحد والحكم عليها بحكم واحد. ولكن الأغلبية الساحقة نعم ساحقة من السياسيين وأتباعهم من الإعلاميين وغييرهم يفعلون هذا تلبيسًا على الشعوب وتضليلًا لها ويفعلونه على سبيل الإرهاب والإذلال لذوى الحقوق المشروعة حتى لا ينهضوا لنيل حقوقهم ورفع الظلم عن أنفسهم، ويفعلونه على سبيل التشويه والتنفير من كل فكرة أو حركة ينشد أصحابها الحق والعدل والكرامة.
وإذا كان المنطق يقتضي أن ندين كل إرهابي ظالم وأن ندين كل مسارع إلى تفجير أعمال العنف والقتل حتى ولو كان ذلك في طلب الحق ما دام لم يستنفد جميع الوسائل السلمية في طلب حقه فإن هذا المنطق نفسه يقتضي تأييد من قام يدافع عن نفسه وعن حقه بعد أن صبر واحتمل، وبعد أن استنفد كل السبل والوسائل السلمية.
стр. 1667
وإذا كنا ندين المبادئ بالعنف والإرهاب، فلا شك أن من يفعل ذلك ردًا ودفاعًا عن النفس يختلف عنه، وحتى حينما ندين من يرد العنف بمثله، فيجب على الأقل أن ندين أكثر البادئ بالعدوان.
وإذا كنا نقف موقف التحفظ أو التردد أو حتى الإدانة تجاه من دافع عن حق مختلف في أحقيته، أو ما زال بحاجة إلى إثبات واعتراف، فليس من العدل في شيء أن نستنكر على من يسعى إلى حق لا غبار عليه، ولا نزاع في مشروعيته، وهكذا.
والأدهى والأمر هو أن يدان المظلوم المعتدى عليه ويسمى إرهابيًّا، ويسكت تمامًا عن ظالمه وعن الظلم الذي الحق به، بل قد يحظى ظالمه بالتأييد والدعم والمساندة (١).
стр. 1668
الفصل الأول: أسباب انتشار الإسلام
يقول الشيخ إبراهيم فاديقا الأمين العام للرابطة الإسلامية كوناكري - غينيا (١):
إن قول بعض المستشرقين إن الإسلام قد انتشر بالسيف، ولم يكن للناس آنذاك بد إلا الاختيار بين الإسلام والقتل، وأن الفتوحات الإسلامية دليل على انتشار هذا الدين الحنيف بالسيف، هذا القول مناف للحقيقة، وفيه عداوة للإسلام، إننا نلاحظ في انتشار الإسلام ما يلي:
أولًا: إن وجود غير المسلمين في الدول الإسلامية من يهود ونصارى وغيرهما بكامل الحرية والعبادات مع أمن الحياة لَدليل على تكذيب ذلك القول.
ثانيًا: إن تاريخ البشرية يقرر بأن كل نظام أنشأه السيف يزول بزوال السيف.
ثالثًا: رغم ما أصاب المسلمين في يومنا هذا من ضعف في الإيمان والجهاد ما زال الإسلام ينتشر ويزدهر يومًا بعد يوم في دول لم يطأ المسلمون الأوائل أراضيها.
ومن هنا فإن القول بأن الإسلام قد انتشر بالسيف قول باطل، والإسلام منذ الفجر الأول دين تسامح وتعايش بين بني البشر، ولم يستخدم السيف إلا عند لزوم الأمر للدفاع عن حرية الاعتقاد والفكر للبشرية جمعاء، فقد كان دعاة الإسلام الأوائل يعرضون الإسلام على الأمم من منطلق قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فكم من دعاة قُتلوا ظلمًا وطغيانًا في سبيل الدعوة في عهد الرسول ﷺ عندما يعلن بعض القبائل إسلامهم فيرسل الرسول معهم من يعلمهم دين الله فيقتلون.
وما الفتوحات إلا نتاج عمل بعض القبائل والملوك لما صادروا حرية الناس في الاعتقاد وقتل بعض الدعاة.
إن قضية انتشار الإسلام بالسيف قضية قديمة أحدثت جدالًا طويلًا عبر التاريخ
стр. 1669
الإسلامي، ولكن الحقيقة التي نؤمن بها كمسلمين هو أن انتشار الإسلام كان كما يأتي:
١ - الصبر وتحمل الأذى: فقد أوذي المسلمون في مكة مع رسول الله ﷺ أذى شديدًا، حتى توجه الرسول ﷺ إلى الطائف، وما كان من أهلها إلا أن قاموا في وجهه ورموه بالحجارة كما جاء في الحديث أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثت أنَّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: "إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا". (١)
٢ - التأني وعدم التسرع: إن الذين جاهدوا في غزوة بدر الكبرى هم الذين كانوا في مكة، فكانوا يطالبون الرسول بالرد بالمثل، إلا أن الرسول ﷺ كان يأمرهم بكف الأيدي حتى أذن لهم بالقتال، والقرآن يصدق ذلك الموقف بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠].
٣ - الحكمة في الدعوة وحسن الجوار مع غير المسلمين دون لجوء إلى السيف: فنرى الرسول ﷺ يقبل في صلح الحديبية من الشروط في المعايشة مع الكفار ما لم يقبله أحد سواه، وكذلك المسلمون عند فتح بيت المقدس، مما يؤكد سمة الإسلام وسبب انتشاره.
стр. 1670
٤ - العفو عند المقدرة: إن في قضية أسرى بدر التي لام القرآن المسلمين عليها، ورد الرسول ﷺ على أهل مكة يوم الفتح لدليلًا على اقتناع الخصوم بسماحة الإسلام.
٥ - المعاملة الحسنة: إن الدول التي دخلها الفاتحون لم يفرضوا الإسلام على أهلها قهرًا، بل خيروهم بعد إعلانهم لمبدئهم الا وهو إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أو الجزية، أو القتال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ (الأنفال: ٦١)، وقال أيضًا: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ (البقرة: ١٩٠).
٦ - قوة الإسلام نفسه: إن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن وشريعته ونصر الرسول والصديق إذ هما في الغار، ونصر جنده يوم الأحزاب وحده.
٧ - اعتراف أعداء الإسلام بقوة ومبادئ الإسلام وصراحته في معالجة الأمور وموقفه الواضح تجاه أمر القتال أو الاستعداد له، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
٨ - معالجة الأمور بالمثل، قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ (البقرة: ١٩٤).
٩ - وفي إفريقيا فيما وراء الصحراء لم يسجل في التاريخ قتال ولا معارك إسلامية استعان بها التابعون في حمل الرسالة إلى إفريقيا، ومع ذلك فنسبة المسلمين في هذه القارة تنوف اليوم على ٦٢%.
стр. 1671
المبحث الأول: (كيف انتشر الإسلام ؟ )
إن الإسلام لم ينتشر بالقهر والغلبة فهناك بلاد كثيرة دخلها الإسلام عن طريق التجار كإندونسيا وحتى البلاد التي تم فتحها لم يجبر المسلمون أحدًا فيها على اعتناق الإسلام.
وقد جاءت هذه الشهادة المنصفة في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" الذي ألفه توماس أرنولد، وبحث فيه تاريخ نشر العقيدة الإسلامية في أقطار الأرض، وإليك بعض الفقرات منه الدالة على ذلك.
١ - بلاد الشام: "تحول البدو المسيحيون إلى الإسلام بالتسامح". دخل الناس في الإسلام عن اقتناع فلماذا؟ لأن الخليفة عمر عيَّن في كل بلد معلمين مهنتهم أن يعلموا الناس القرآن ويفقهوهم في الدين (١).
"إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" (٢).
ودليل آخر أن السكان قد رضوا بالإسلام عن قناعة ورضا، تلك الكتب التي ألفها القديس "يوحنا الدمشقي"، "وقد عاش في عصر الفتوحات، وكلها تدور حول مناقشات بين المسيحية والإسلام، فهذه المناقشات والمجادلات تعطينا فكرة عن عدم الإكراه وفرض الإسلام بالسيف. وكانت صياغة هذه الكتب على شكل حوار: "وإذا سألك العربيُّ"، "إذا قال لك العربيُّ ... فأجبه.". وكذلك كتب تلميذ القديس يوحنا: "الأسقف تيودور أبو قرة" الذي كتب بعض المحاورات بين العقيدتين. واستمرت هذه المناظرات حتى أيام الرشيد الذي كان يحضر هذه المناظرات التي كان فيها "طيماثاوس" و"يوسف مطران مرو". (٣)
فبعد هذا كله، هل دخل الإسلام إلى بلاد الشام عنوة وبالسيف؟
стр. 1672
أم بعد نقاش ومناظرة سادهما جو من التسامح الكامل، انتهى إلى القناعة والإيمان والرضى بالإسلام؟ .
٢ - إفريقيا:
يذكر توماس أرنولد حالة القبط قبل الفتح الإسلامي فيقول: كان القبط في مصر يعذَّب أحدهم ثم يلقى به إلى اليم.
وقد كتب في الباب الرابع من كتابه فصلًا عن انتشار الإسلام بين مسيحي أفريقيا جعل عنوانه "فتح مصر على أيدي العرب، وترحيب القبط بهم لأنقاذهم من الحكم البيزنطي" ومما جاء تحت هذا العنوان: "ويرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب، قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي، لما عرف به من الإدارة الظالمة، ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت".
فماذا قدم الفتح الإسلامي لهم لتغيير حالتهم تلك؟ .
١ - لقد خلَّصهم من الضرائب العالية المرهقة، ولم يأخذ منهم إلا العشر مما كان يأخذه الروم.
٢ - وضمن لهم الحرية الدينية المطلقة، وقد اعترف "أرنولد" بأن الفتح الإسلامي قد جلب للقبط: (حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك) (١).
ومن اعترافه أيضًا قوله: كفل - عمرو بن العاص - الحرية في إقامة الشعائر الدينية، وخلَّصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي أنُّوا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني، ولم يضع عمرو يده على شيء من ممتلكات الكنائس، ولم يرتكب عملًا من أعمال السلب والنهب.
"وليس هنالك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتدادهم عن دينهم القديم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعًا إلى الاضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين" (٢) "بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح". (٣)
стр. 1673
٣ - أسبانيا:
"أما عن حمل الناس على الدخول في الإسلام أو اضطهادهم بأية وسيلة من وسائل الاضطهاد في الأيام الأولى التي أعقبت الفتح العربي الإسلامي، فإننا لا نسمع عن ذلك شيئًا، وفي الحق أن سياسة التسامح الديني التي أظهرها هؤلاء الفاتحون نحو الديانة المسيحية، كان لها أكبر الأثر في تسهيل استيلائهم على هذه البلاد". كما ذكر "دوزي Dozy" تسامح العرب في أسبانيا مظهرًا رحمة الفاتحين، وشر الضرائب التي فرضت والتي كانوا يدفعون أضعافها مضاعفة. (١)
وفي معرض الحديث عن حكم العرب لأسبانية ورد في "المعرفة": "إن حكمهم لأسبانيا اتسم بالحكمة، ولم يكرهوا الناس على الدخول في دينهم، اكتفاء بدفع الجزية، وغدت أسبانيا في عهود حكمهم تنعم بأوفى قسط من الرخاء والرفاهية". (٢)
"وقد بلغ تأثير الإسلام في نفوس معظم الذين تحولوا إليه من مسيحصي أسبانيا مبلغًا كبيرًا، حتى سحرهم بهذه المدنية الباهرة، واستهوى أفئدتهم بشعره وفلسفته وفنه الذي استولى على عقولهم وبهر خيالهم" (٣).
هذا .. ولما خرج العرب المسلمون من أسبانية في ٢ كانون الثاني سنة ١٤٩٢ م "كان الأهالي المساكين لا يزالون يتمسكون بدين آبائهم، مع أنهم أرغموا على إظهار تدينهم بالمسيحية أكثر من قرن" (٤)، ثم خرج هؤلاء إلى الطرف الآخر من البحر، إلى المغرب، فارِّين بدينهم.
فهل دخلت أسبانيا في الإسلام بالإكراه وحد السيف؟
٤ - أوربا الشرقية:
стр. 1674
بعد فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣ م: انطلق العثمانيون في أوربا الشرقية، فهل دخلت مناطق البلقان ويوغسلافيا وألبانيا ... في الإسلام بقوة السيف؟
لنرى ماذا عمل فاتح القسطنطينية بعد سقوطها بيده مباشرة، مكتفين بما جاء في كتاب توماس أرنولد.
"ومن أولى الخطوات التي اتخذها محمد الثاني - الفاتح - بعد سقوط القسطنطينية وإعادة إقرار النظام فيها، أن يضمن ولاء المسيحيين بأن أعلن نفسه حامي الكنيسة الإغريقية. فحرَّم اضطهاد المسيحيين تحريمًا قاطعًا، ومنح البطريق الجديد مرسومًا يضمن له ولأتباعه ولمرؤوسيه من الأساقفة حق التمتع بالامتيازات القديمة، والموارد والهبات التي كانوا يتمتعون بها في العهد السابق، وقد تسلَّم جناديوس، أوَّل بطريق بعد الفتح التركي، من يد السلطان نفسه، عصا الأسقفية التي كانت رمز هذا المنصب، ومعها كيس يحتوي على ألف دوكة ذهيبة" (١).
لم يتدخل الفاتحون في أمور الكنيسة "بعكس السلطة المدنية التي كانت مخولة للدولة البيزنطية" (٢). سمح لهم بالاحتفال بطقوسهم الدينية تبعًا لعاداتهم القومية (٣).
٥ - في بلاد فارس وما وراء النهر:
وحول انتشار الإسلام في بلاد فارس وما وراء النهر، فقد وضح توماس أرنولد ظروف انتشاره في المنطقة، وذلك في مقدمة الباب السابع في كتابه "الدعوة إلى الإسلام"، ولكنه سبق ذلك بوصف لمظالم الدولة الساسانية في شعبها، واستبدادها الذي امتاز بضروب الفوضى والعنت، فصار الشعب يكره ويمقت حكامه، وخاصة عندما تبنت الدولة الديانة الزوادشتية، وسمحت لكهنة هذه الديانة بالسيطرة حتى على بعض الأمور المدنية، وظهر الفتح الإسلامي كمخلص للشعب من حكم الساسانيين وذلك باعتراف "غيتاثي" (٤).
стр. 1675
لذلك لا غرابة أن يعترف أكثر من مستشرق: (أن سكان المدن وخاصة الصناع وأصحاب الحرف وأهل الطبقة العاملة قد رحبوا بالدين الإسلامي، واعتنقه عدد عظيم منهم في حماسة كبيرة) (١).
فهل دخلت بلاد فارس وما وراء النهر في الإسلام بالسيف أم عن اقتناع وإعجاب ومسالمة وأمن ومحبة فأخلصوا لهذا الدين عن صدق ومحبة خارقة جادة؟
ومما هو جدير بالذكر، أن هذه المنطقة قدمت للدين الجديد والحضارة العربية الإسلامية خدمة لا تقدر، فلقد أخلص أبناء هذه المنطقة لدين الفاتحين ولغتهم وأحاديث رسول الله ﷺ ولعلوم الحضارة الجديدة، فهل نقبل أن من يقوم بمثل هذه الخدمة قد دخل مكرهًا في الإسلام؟ لو دخل مكرهًا لاستعمل عقله وفكره وقلمه ودواته لتخريب عقيدة الفاتحين ومحاربتها، ولكنهم كرَّسوا أنفسهم مخلصين لخدمة الحضارة الإسلامية فأفنوا حياتهم وهم في كل لحظة حريصون على أن يخدموا علوم الإسلام في كل مجالاتهم، فبرز من الأسماء الكثير، أسماء تحمل أسماء المدن في هذه المنطقة مثل: الطبري "المؤرخ والمفسر المشهور"، ابن خرداذبة "الجغرافي المعروف". الشهرستاني "صاحب الملل والنحل"، البخاري "المحدِّث الكبير"، وعشرات غيرهم من العلماء في كل الميادين العلمية مثل: أبو علي الحسين بن سينا، أبو بكر الرازي، أبو حنيفة الدينوري، أبو الريحان البيروني، محمد بن موسى الخوارزمي، أبو الوفاء البوزنجاني ...
فهل خدم هؤلاء الحضارة العربية الإسلامية عن إكراه أم عن قناعة وإعجاب، ثم عن تعلق وافتداء؟ .
٦ - المغول والتتر:
стр. 1676
جاءت موجات هؤلاء من الشرق فاندحرت جيوش المسلمين أمام أمواج مدهم الكبير، ولم ينزل من الخطوب والويلات مثل ما نزل من جراء وحشية المغول الذين اكتسحوا كل مدنية وثقافة وداسوها، تاركينها وراءهم صحراء خالية وأطلالا دارسة، "ففي بخارى اتخذ المغول من مساجدها المقدسة اصطبلات لخيولهم (١) ومزَّقوا المصاحف ووطئوها بدوابهم" وكذلك في سمرقند وبلخ وغيرها من مدن آسيا الوسطى التي كانت من قبل فخر الحضارة الإسلامية، ومواطن الأولياء وكعبة العلوم، كما كان ذلك أيضًا مصير بغداد".
وابن الأثير أخذته القشعريرة حين أراد وصف غارات المغول، حيث يقول: "لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه"رجلًا" وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا "ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا" (٢).
وتكفينا هذه الفكرة عن المصيبة التي حلت بالحضارة الإنسانية، وخاصة بإغراق كتب مكتبة "دار الحكمة" التي أسسها هارون الرشيد، وآتت أكلها أيام المأمون في نهر دجلة، فبقي أيامًا يجري ومياهه سوداء من لون الحبر الأسود.
وهكذا إن الحضارة قد تأخرت قرونًا بسبب ضياع علوم هذه المكتبة الإسلامية الفريدة من نوعها.
أمام هذا الانكسار العسكري أمام المغول الذين اكتسحوا العالم من الصين حتى فلسطين، كان لابدّ من إثبات أن الإسلام ليس كغيره من المبادئ التي ظهرت في هذا العالم، فأمام عظمته الذاتية، وبتحرك غريب، لا ندري كيف كان الله يكتب له النصر!
لقد كان لابدّ للإسلام أن ينهض من تحت أنقاض عظمته الأولى، وأطلال مجده التالد، في كل مرّة وبطريقة جديدة. فاستطاع بدعاته أن يغزو قلوب أولئك الفاتحين المتبربرين،
стр. 1677
وقام صراع غريب وتنافس كبير بين الأديان لاجتذاب هؤلاء الوثنيين البرابرة (على حد قول أرنولد)، "تلك المعركة الحامية التي قامت بين البوذية والمسيحية والإسلام، كل ديانة تنافس الأخرى لتكسب قلوب أولئك الفاتحين القساة" (١).
فبالدعاة، وبالدعاة فقط، تراجع القوم، ورجعوا إل بلادهم يحملون الإسلام إلى أبناء جلدتهم، جاؤوا ببربرية وقسوة وحصاد للشعوب بلا رحمة، وآبوا بإنسانية ورحمة ومحبة للعالم أجمع، حوَّلهم الإسلام بدون سيف أو جيش، إلَّا سيف الكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، التي حمل الدعاة لواءها ... ، فخرقوا القلوب بنور توجهاتهم، في أن فتح المغول بلادنا حتى فتح العلماء العاملون قلوبهم، فملكناهم وملكنا أرضنا التي عادت إلينا.
وهكذا ... انتصر وانتشر الإسلام في وجه السيف .. ولم ينتصر أو ينتشر بحده ..
لقد حول الدعاة المسلمون المغول إلى دعاة مسلمين، فعادوا بعد أن صار في جيش "بركة خان" كل فارس وسجادة صلاته معه (٢) أينما حل الأذان قام للصلاة مجيبًا نداء: "حيَّ على الصلاة. حيَّ على الفلاح ..... ".
وتبع هذا النصر نصر آخر، الا وهو دخول الإسلام إلى روسيا ليس بالسيف، ولكن بفضل ما يسميه المؤرخون "القوة المعنوية التي تميز بها المسلمون أنفسهم" (٣) وهذه القوة هي قوة الإيمان، قوة الإيمان بالمبدأ الذي خالط اللحم والعظم والدم. إنها قوة الإسلام الكامنة في ثناياه، قوة البقاء والبقاء للأفضل، ويقول "أرنولد" بصراحة: "بدأ الإسلام يتخلَّص تدريجيًّا من أطلال مجده السالف، ويتخذ مكانه من جديد باعتباره دينًا ذا سيادة" (٤). بدأ هذا الإسلام رغم "نكبة المغول" في عملية مد عنيفة بين التتر في أواسط آسيا وفي روسيا.
стр. 1678
ودليل قوة الإسلام المتجددة التي تعتمد على القناعة والفكر: أن "نشطت الدعوة إلى الإسلام بيد تتار القرم بعد أن صدر مرسوم حرية الدين في سنة ١٩٠٥" (١).
والآن نتساءل مع من يرى أن الإسلام انتشر بالسيف، كيف وصل الإسلام إلى: جنوب الهند وسيلان وجزر لكديف ومالاديف (٢) في المحيط الهندي، وإلى التيبت وإلى سواحل الصين وإلى الفلبين وجزر أندونسيا وشبه جزيرة الملايو؟ كيف انتشر الإسلام في أواسط أفريقيا في السنغال ونيجريا والصومال وتنزانيا ومدغشقر وزنجبار ... كيف وصل الإسلام إلى هناك؟ أبالسيف؟ وما وصلت إلى هناك جيوش تحمل سيوفًا؟ .
إنه وصل بواسطة تجار اتقد الإيمان في قلوبهم، فكانوا مع تجارتهم دعاة إلى الإسلام، دعاة بالكلمة الطيبة وبالعمل الذي هو دعوة ناطقة، فالصدق والأمانة والوفاء والمحبة .. كلها دعوات بطريقة عملية إلى دين الإسلام.
المبحث الثاني: منهاج الإسلام في دعوة الآخرين بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
رسم القرآن الكريم منهج الإسلام في الدعوة إلى الله (٣) بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
والدعوة بالحكمة تعني: الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان.
الموعظة الحسنة تعني: الخطاب الذي يستميل العواطف ويؤثر في القلوب رغبًا ورهبًا.
والجدال بالتي هي أحسن يعني: الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق، وأرق الأساليب التي تقربهم ولا تبعدهم.
стр. 1679
ولنا عبر كثيرة في أنبياء الله في دعوة قومهم كما جاء ذلك في قصصهم في القرآن الكريم، فكانوا يبدؤون خطابهم ودعوتهم مع قومهم بـ (يا قوم) إشعارًا منهم بأنهم آحاد وأفراد منهم، مع رقة الأسلوب ولين الجانب.
فانظر مثلًا دعوة نوح لقومه في سورة الشعراء وغيرها: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩)﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٩].
وفي سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وفي سورة نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَال يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.
وقال تعالى عن هود ﵇ ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥].
وعن صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وعن شعيب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وانظر خطاب أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم ﵇ لأبيه في دعوته إلى توحيد الله تعالى والابتعاد عن عبادة الأوثان، فإنه في قمة الرقة والرأفة واللين والرحمة.
يقول الله - تعالى - على لسانه ﵇ سورة مريم: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٥].
стр. 1680
وعندما ردّه أبوه ردًا سيئًا بقوله: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ قال له ﵇: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧]. وهذه أيضًا من صفات المؤمنين، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره: فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ كما قال - تعالى - في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: ٦٣)، وقال - تعالى - عنهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ (القصص: ٥٥).
ومعنى قول إبراهيم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة (١).
ونموذج آخر من رسل الله ﵈ هو نبي الله موسى ﵇ مع الطاغية فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: ٢٤). وقال: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨)، حيث أمره هو وأخاه هارون بتليين القول لفرعون: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٢ - ٤٤]، ولذا وجدنا موسى ﵇ حين ذهب إلى فرعون الطاغية قال له: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ [النازعات: ١٨، ١٩].
ويذكر في هذا المقام قصة الرجل الذي دخل على المأمون الخليفة العباسي ﵀، فأغلظ له القول في الدعوة والموعظة، فقال له المأمون وكان على علم وفقه: يا هذا، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، بعث نبي الله موسى وهارون ﵉ وهما خير منك إلى فرعون وهو شر منى، وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ فخصمه وحجه فأفحمه! ! !
стр. 1681
ب - في السنة:
ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها، فهو صاحب الخلق العظيم:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ هو المتمم لمكارم الأخلاق.
فها هي جملة مختصرة من توجيهاته وأحاديثه في الدعوة إلى الرفق والبعد عن العنف، وأن من حرم الرفق حرم الخير.
١ - قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (١).
وسبب ورود هذا الحديث يدل على عظم خلق النبي ﷺ ، كما يدل على خبث نفوس اليهود وسوء طويتهم وفساد أخلاقهم وآدابهم، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، فقلت - أي عائشة - بل عليكم السّام واللعنة، فقال ﷺ : "يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم.
٢ - ومن الأحاديث في هذا الباب عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره". (٢)
٣ - وعن عائشة ﵂ أيضًا عن النبي ﷺ قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" (٣).
٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من الخير" (٤).
стр. 1682
٥ - ومن التربية النبوية الفريدة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث راوية الإسلام أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي الْمَسْجِدِ فتنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَال لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ : دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلَا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ؟ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ (١).
وكان النبي ﷺ يحب التخفيف والتيسير على الناس.
قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث السابق: وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيما إن كان يحتاج إلى استئلافه، وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه.
٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبِي ﷺ ، قال: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (٢).
٧ - وعن عائشة ﵁ قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان ثَمَّ إثم كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط إلَّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى (٣).
المبحث الثالث: سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين
إن سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين دليل على زيف هذه الشبهة؛ فقد بعث الله تعالى نبيه ﷺ رحمة للعالمين، وهو ﷺ مثال للكمال البشري في حياته كلها، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم، مسلمين وغير مسلمين، قال جابر بن عبد الله ﵁: كان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا (٤)، قال النووي: "أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفًا ميسرًا في الخلق." (٥).
стр. 1683
وعن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثْمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها" (١).
بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي ﷺ ، وهي يسر في كل شيء، وذود عن حرمات الله لا عن عرض الدنيا أو أهواء النفوس.
وتعدد صور السماحة في هدي النبي ﷺ مع غير المسلمين وشواهد ذلك من سيرته لا تحصر ونذكر منها ما يلي:
١ - رحمته ﷺ بالخلق عامة وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، فكان ﷺ الرحمة المهداة إلى الخلق كلهم، وحث على العطف على الناس ورحمتهم فقد قال ﷺ : "لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ" (٢)، وكلمة الناس هنا تشمل كل أحد من الناس، دون اعتبار لجنسهم أو دينهم وجاءت النصوص في باب الرحمة مطلقة، وقد ساق البخاري في باب رحمة الناس والبهائم حديث النبي ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (٣)، فدين الإسلام دين السماحة والرحمة، يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان.
٢ - تجاوزه عن مخالفيه ممن ناصبوا له العداء فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم، فكان موقفه ممن كانوا حربًا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء (٤).
٣ - دعاؤه ﷺ لمخالفيه من غير المسلمين فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا:
стр. 1684
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا. فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَال "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ". (١).
ودعا ﷺ لأم أبي هريرة قبل إسلامها فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة له قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء قال: فاغتسلت، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح .. الحديث (٢).
وجاء الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ادع الله على ثقيف فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد ثقيفًا"، قالوا يا رسول الله ادع عليهم فقال: "اللهم اهد ثقيفًا"، فعادوا فأسلموا فوجدوا من صالحي الناس إسلامًا ووجد منهم أئمة وقادة (٣).
ومن صور الدعاء ما كان من اليهود حيث كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله فلم يحرمهم من الدعوة بالهداية والصلاح، فكان يقول: "يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بالكم" (٤).
٤ - وكان ﷺ يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين (٥).
стр. 1685
وقد قرر الفقهاء قبول الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب قال في المغني: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس صاحب مصر" (١).
٥ - وكان من سماحة النبي ﷺ أن يخاطب مخالفيه باللين من القول تأليفًا لهم، كما تظهر سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وأبلغ عبارة.
٦ - وكان ﷺ يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقالى: انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله ﷺ فناداهم فقال: "يا معشر يهود أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم ... الحديث (٢). وعاد ﷺ يهوديًّا، كما في البخاري عن أنس ﵁: أَنَّ غُلَامًا لِيَهُودَ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَال أَسْلِمْ فَأَسْلَمَ (٣).
٧ - وكان ﷺ يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فعن عائشة ﵂ قالت: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ (٤).
٨ - وكان ﷺ يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "صِلي أمك" (٥).
وفي المدينة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأولى وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين، وكان ﷺ غاية في الحلم معهم، والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله ﷺ ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم فلهم الضمان النبوي،