← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ب - في السنة: ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها، فهو صاحب الخلق العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ هو المتمم لمكارم الأخلاق. فها هي جملة مختصرة من توجيهاته وأحاديثه في الدعوة إلى الرفق والبعد عن العنف، وأن من حرم الرفق حرم الخير. ١ - قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (١). وسبب ورود هذا الحديث يدل على عظم خلق النبي ﷺ ، كما يدل على خبث نفوس اليهود وسوء طويتهم وفساد أخلاقهم وآدابهم، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، فقلت - أي عائشة - بل عليكم السّام واللعنة، فقال ﷺ : "يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم. ٢ - ومن الأحاديث في هذا الباب عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره". (٢) ٣ - وعن عائشة ﵂ أيضًا عن النبي ﷺ قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" (٣). ٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من الخير" (٤).

стр. 1682

٥ - ومن التربية النبوية الفريدة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث راوية الإسلام أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي الْمَسْجِدِ فتنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَال لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ : دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلَا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ؟ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ (١). وكان النبي ﷺ يحب التخفيف والتيسير على الناس. قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث السابق: وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيما إن كان يحتاج إلى استئلافه، وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه. ٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبِي ﷺ ، قال: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (٢). ٧ - وعن عائشة ﵁ قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان ثَمَّ إثم كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط إلَّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى (٣). المبحث الثالث: سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين إن سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين دليل على زيف هذه الشبهة؛ فقد بعث الله تعالى نبيه ﷺ رحمة للعالمين، وهو ﷺ مثال للكمال البشري في حياته كلها، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم، مسلمين وغير مسلمين، قال جابر بن عبد الله ﵁: كان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا (٤)، قال النووي: "أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفًا ميسرًا في الخلق." (٥).

стр. 1683

وعن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثْمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها" (١). بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي ﷺ ، وهي يسر في كل شيء، وذود عن حرمات الله لا عن عرض الدنيا أو أهواء النفوس. وتعدد صور السماحة في هدي النبي ﷺ مع غير المسلمين وشواهد ذلك من سيرته لا تحصر ونذكر منها ما يلي: ١ - رحمته ﷺ بالخلق عامة وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، فكان ﷺ الرحمة المهداة إلى الخلق كلهم، وحث على العطف على الناس ورحمتهم فقد قال ﷺ : "لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ" (٢)، وكلمة الناس هنا تشمل كل أحد من الناس، دون اعتبار لجنسهم أو دينهم وجاءت النصوص في باب الرحمة مطلقة، وقد ساق البخاري في باب رحمة الناس والبهائم حديث النبي ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (٣)، فدين الإسلام دين السماحة والرحمة، يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان. ٢ - تجاوزه عن مخالفيه ممن ناصبوا له العداء فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم، فكان موقفه ممن كانوا حربًا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء (٤). ٣ - دعاؤه ﷺ لمخالفيه من غير المسلمين فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا:

стр. 1684

يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا. فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَال "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ". (١). ودعا ﷺ لأم أبي هريرة قبل إسلامها فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة له قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء قال: فاغتسلت، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح .. الحديث (٢). وجاء الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ادع الله على ثقيف فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد ثقيفًا"، قالوا يا رسول الله ادع عليهم فقال: "اللهم اهد ثقيفًا"، فعادوا فأسلموا فوجدوا من صالحي الناس إسلامًا ووجد منهم أئمة وقادة (٣). ومن صور الدعاء ما كان من اليهود حيث كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله فلم يحرمهم من الدعوة بالهداية والصلاح، فكان يقول: "يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بالكم" (٤). ٤ - وكان ﷺ يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين (٥).

стр. 1685

وقد قرر الفقهاء قبول الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب قال في المغني: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس صاحب مصر" (١). ٥ - وكان من سماحة النبي ﷺ أن يخاطب مخالفيه باللين من القول تأليفًا لهم، كما تظهر سماحة النبي ﷺ مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وأبلغ عبارة. ٦ - وكان ﷺ يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقالى: انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله ﷺ فناداهم فقال: "يا معشر يهود أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم ... الحديث (٢). وعاد ﷺ يهوديًّا، كما في البخاري عن أنس ﵁: أَنَّ غُلَامًا لِيَهُودَ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَال أَسْلِمْ فَأَسْلَمَ (٣). ٧ - وكان ﷺ يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فعن عائشة ﵂ قالت: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ (٤). ٨ - وكان ﷺ يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "صِلي أمك" (٥). وفي المدينة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأولى وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين، وكان ﷺ غاية في الحلم معهم، والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله ﷺ ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم فلهم الضمان النبوي،

стр. 1686

فقد ضمن ﷺ لمن عاش بين ظهراني المسلمين بعهد وبقي على عهده أن يحظى بمحاجة النبي ﷺ لمن ظلمه فقال ﷺ : إلا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة. وشدد الوعيد على من هتك حرمة دمائهم فقال ﷺ : مَنْ قتلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجْنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا (١). ٩ - وقد أوصى ﷺ بالقبط خيرًا وثبت عنه أنه قال: إذا افتتحتم مصرا فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما (٢). وفي صحيح مسلم: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا (٣). قال النووي: وفي رواية: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، وفيها: فإن لهم ذمة ورحمًا ... " قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به، وأما الذمة فهي الحرمة والحق وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم وأما الصهر فلكون مارية أم إبراهيم منهم" (٤). ١٠ - عندما قتل أحد الصحابة في أحد أحياء اليهود في خيبر فقد رضي وقبل ﷺ يمين اليهود إذ أقسموا أنهم لم يقتلوه ولم يعلموا قاتله فقد أخرج البخاري بسنده عن بُشير بن يسار زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَال لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا وَقَالوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالوا: مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا فَقَال: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَال لهمْ: تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالوا:

стр. 1687

مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَال: فَيَحْلِفُونَ قَالوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاه مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ (١). قال القرطبي في المفهم: فعل ﷺ ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة على سبيل التأليف، ولاسيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق. وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ جميع الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صور الأخذ به (٢). قال النووي عند شرحه لهذا الحديث: وفي هذا دليل لصحة يمين الكافر والفاسق واليهودي (٣). ١١ - ولو تتبعنا المعاهدات التي صدرت عن النبي ﷺ لوجدنا فيها ضروبًا من التسامح والموادعة والمساواة، ومن هذه المعاهدات" إعلان دستور المدينة الذي اشتمل على سبع وأربعين فقرة منها ما يخص موادعة اليهود كما يأتي: بند ٢٤ من المعاهدة - إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. بند ٣١ من المعاهدة - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه وأهل بيته. بند ٣٧ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. بند ٤٥ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصلحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

стр. 1688

بند ٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. بند ٤٧ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أوآثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ ) (١). قال ابن زنجويه: وقوله: "إن اليهود يُنِفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" فهو النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين لهذا الشرط الذي شرط عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم. وقوله: "إن يهود بني عوف أمة من المؤمنين" إنما أراد نصرهم المؤمنين، ومعاونتهم إياهم على عدوهم، بالنفقة التي شرطها عليهم، فأما الدّين فليسوا منه بشيء، ألا تراه قد بين ذلك فقال: لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم، وقوله "لا يوتغ إلا نفسه" يقول: لا يهلك غيرها (٢). وقد قام بتحليل هذه المعاهدة د. أكرم بن ضياء العمري، وأنقل ما ذكره بخصوص اليهود فقال: قد تناولت البنود من ٢٥ إلى ٣٥ تحديد العلاقة مع المتهودين من الأوس والخزرج، وقد نسبتهم البنود إلى عشائرهم من العربية، وأقرت حلفهم مع المسلمين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين" وقد وردت العبارة في كتاب الأموال "أمة من المؤمنين" مما جعل أبا عبيد يقول: "فإنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التي شرطها عليهم، فأما الدين فليسوا منه في شيء، ألا تراه قد بين ذلك فقال لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم" (٣) أما

стр. 1689

ابن إسحاق فقد قال: "مع المؤمنين" وهو أجود، ولعل ما في كتاب الأموال مصحّف، وقد كفلت المادة (أو البند) رقم ٢٥ لليهود حريتهم الدينية، كما حددت مسئولية الجرائم وحصرتها في مرتكبها (إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ - أي لا يهلك - إلا نفسه وأهل بيته) فالمجرم ينال عقابه وإن كان من المتعاهدين (لا يحول الكتاب دون ظالم ولا آثم) ... كما أن المعاهدة امتدت بموجب البند رقم ٤٥ لتشمل حلفاء المسلمين وحلفاء اليهود من القبائل الأخرى، إذ شرطت المادة على كل طرف مصالحة حلفاء الطرف الآخر لكن المسلمين استثنوا قريشًا" إلا من حارب في الدين" لأنهم كانوا في حالة حرب معهم (١). ١٢ - (من صور السماحة) - كما نرى تسامحه مع أهل الكتاب من الذين يعادون ويخالفون فيما يفتي، إذ يتكلمون فيه ويبلغه ذلك أخرج مسلم بسنده عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسال أصحاب النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول: كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظَنَنَّا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما (٢). ١٣ - بل نجد سماحته مع لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ في مشط ومشاطة وجف طلع نخل ذكر في بئر روان، وحينما أخبر عائشة بذلك قالت له: أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًّا، فأمر بها فدفنت. المشاطة وما يخرج من الشعر إذا مشط، والمشاط من مشاطة الكتان (٣).

стр. 1690

وهكذا كان تسامحه مع بعض المنافقين فقد تحمل المنافق عبد الله بن أُبي ابن سلول قصة الإفك ومع ذلك فقد عفا عنه ﷺ (١) بل حينما مات عبد الله بن أُبي غطّاه بقميصه واستغفر له حتى نزل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. كما عفا النبي ﷺ عن عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي بينما كان النبي ﷺ يقسم فقال له: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر نضيّه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة، أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس"، قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ ، وأشهد أن عليًّا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ ، قال: فنزلت فيه (٢). إنها غاية السماحة إذ لم ينتصر رسول الله ﷺ لنفسه بل عفا عنه. ١٦ - كما له مواقف أخرى مع المشركين فعن عبد الله بن مغفل المزني، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله، وكأني بغصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ ، فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فأخذ سهيل يده فقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: "اكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة"، فأمسك بيده فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولًا، اكتب في قضيتنا ما

стр. 1691

نعرف، فقال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله"، قال فكتب، فبينما نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ " فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ وإلى قوله ﴿بَصِيرًا﴾ (١). لقد كان بإمكانه أن يأسرهم أو أن يقتلهم ولكن سماحته تأبى ذلك؛ بل قال لهم ولغيرهم من أهل مكة حينما فتحها: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ١٧ - فقد تجلّت روح التسامح عند النبي ﷺ حتى في الحرب فقد قال لهم أيضًا: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن (٢). ١٨ - ومن تسامحه مع المسْركين أيضًا أنه كان لا يمنع صلة المسلمين بأهلهم المشركين فقد أخرج البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ فسألت النبي ﷺ أصلها؟ قال: "نعم" (٣). إن هذا المنهج العملي والقولي في التسامح والارتقاء فوق حظوظ النفس يؤتي أكله كل حين بإذن الله تعالى، فقد أثّر في نفوس الصحابة" ﵃ والتابعين ﵏ ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا نرى صورًا ونماذج من التسامح التي ازدانت بها صفحات التاريخ كالخليفة

стр. 1692

الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في لون آخر من التسامح مع المشركين فقد أخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن دينار قال: "سمعت ابن عمر ﵄ يقول: رأى عمر حلة سيراء (١) تباع، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه والبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفود، قال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له، فأُتِيَ النبي ﷺ منها بحلل فأرسل إلى عمر بحلة فقال: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن لتبعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم (٢). وهذا أنموذج آخر في زمن معاوية ﵁ فإن الكفار لمَّا نقضوا عهدهم امتنع المسلمون من قتالهم وقالوا: وفاء بغدر خيرٌ من غدر بغدر (٣). إنه ذروة التسامح الذي نهجه النبي ﷺ وأمر به. (٤) المبحث الرابع: صور من سماحة الصحابة والتابعين في معاملة غير المسلمين . إن تاريخ الإسلام شاهد على أن المسلمين لم يكرهوا أحدًا في أي فترة من فترات التاريخ على ترك دينه، فالإسلام دين العقل والفطرة ولا يقبل من أحد أن يدخله مكرهًا، تحدى الأولين والآخرين بمعجزته الخالدة، ولم يعرف في تاريخ المسلمين الطويل أنهم ضيقوا على اليهود والنصارى أو غيرهم أو أنهم أجبروا أحدًا من أي طائفة من الطوائف اليهودية أو النصرانية على اعتناق الإسلام (٥). يقول توماس آرنولد: "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه

стр. 1693

استئصال الدين المسيحي" (١). لقد كان عهد الخلفاء الراشدين امتدادًا لعهد النبي ﷺ وشهد صورًا من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين من إعانتهم بالمال أو النفس عند الحاجة، ومن كفالة العاجز منهم عن العمل أو كبير السن، وغير ذلك. وهذا هو ما سار عليه الخلفاء الراشدون ﵃ في صدر الإسلام في معاملتهم لأهل الذمة، وأسوق هنا بعض الشواهد والأمثلة التي تبين سماحة الصحابة ﵃ في معاملة غير المسلمين. ١ - في خلافة أبي بكر ﵁ كتب خالد بن الوليد ﵁ في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق - وكانوا من النصارى -: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من آلافات أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله" (٢). إن الذين يسعون إلى تقرير التكافل الاجتماعي وبيان صوره لن يجدوا أعظم من هذه الصورة في الإسلام مع نحالفيه، فهو يتسامى بمن يعيشون في كنفه ويحوطهم برحمته وإحسانه عندما يحتاجون إلى مواساة، لأي سبب من الأسباب بل يجعلهم عيالا على بيت مال المسلمين ويرضخ له منه أيا كانت ديانتهم. إن التكافل الاجتماعي في الإسلام لا يرضى أن يذل رجل من أهل الذمة وهو يحيا في كنف الإسلام، فيعيش على الصدقة يتكفف الناس ولكن الإسلام يحميه ويكرمه ويوجب على الدولة أن تعوله وتعول عياله (٣). ٢ - وكان أبو بكر ﵁ يوصي الجيوش الإسلامية بقوله: "وستمرون على قوم في الصوامع رهبانًا يزعمون أنهم ترهبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم" (٤).

стр. 1694

٣ - وأوصى عمر ﵁ الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم (١). ٤ - ومر عمر بن الخطاب ﵁ بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: في ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه (٢). ٥ - إن السماحة في المعاملة يجب أن تكون فِي ضوء ضوابط الشرع ومقاصده ومثل ذلك يتطلب أن يكون المسلم على بصيرة بهدي النبي ﷺ وسلف الأمة من الصحابة والتابعين في هذا الشأن، فمن صور السماحة في المعاملة ما روي عن عمر ﵁ أنه لما قدم الجابية من أرض الشام استعار ثوبًا من نصراني فلبسه حتى خاطوا قميصه وغسلوه، وتوضأ من جرة نصرانية. وصنع له أهل الكتاب طعامًا فدعوه فقال أين هو؟ قالوا: في الكنيسة فكره دخولها وقال لعلي ﵁: اذهب بالناس فذهب علي ﵁ بالمسلمين فدخلوا فأكلوا وجعل علي ﵁ ينظر إلى الصور وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل (٣). ٦ - ومن السماحة أن يراعى في معاملتهم كل مصلحة وقصد صحيح، فعن عبد الله بن قيس قال: كنت فيمن تلقى عمر بن الخطاب مع أبي عبيدة مقدمه من الشام فبينما عمر يسير إذ لقيه (المقلسون) وهم قوم يلعبون بلعبة لهم بين أيدي الأمراء إذا قدموا عليهم

стр. 1695

بالسيوف والريحان فقال عمر ﵁: مه ردوهم وامنعوهم، فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين هذه سنة المعجم أو كلمة نحوها وإنك إن تمنعهم منها سروا أن في نفسك نقضًا لعهدهم فقال: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة (١). ٧ - وصلى سلمان وأبو الدرداء ﵄ في بيت نصرانية فقال لها أبو الدرداء ﵁: هل في بيتك مكان طاهر فنصلي فيه؟ فقالت: طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما فقال له سلمان ﵁: خذها من غير فقيه (٢). ٨ - وجاء في صفة الصفوة أن عمر بعث عميرًا عاملًا على حمص فمكث حولًا لا يأتيه خبره ولم يبعث له شيئًا لبيت مال المسلمين، فقال عمر لكاتبه: اكتب إلى عمير فوالله ما أراه إلا قد خاننا إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا. فأخذ عمير - لما وصله كتاب عمر - جرابه فوضع فيه زاده وقصعته وعلق إداوته وأخذ عنزته ثم أقبل يمشي من حمص حتى قدم المدينة، فقدم وقد شحب لونه، واغبر وجهه فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله! قال عمر: ما شأنك؟ قال: ما تراني صحيح البدن ظاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرونها؟ قال عمر: وما معك؟ وظن عمر أنه جاءه بمال. قال: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها، وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، ومعي عنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوًّا إن عرض لي، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي. وساله عمر عن سيرته في قومه وعن الفيء فأخبره، فحمد فعله فيهم ثم قال: جددوا لعمير عهدًا. قال عمير: إن ذلك شيء لا أعمله لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت، بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلفت معك. (٣)

стр. 1696

لقد عظم على عمير قوله لرجل من غير المسلمين: أخزاك الله، وهو دعاء، وما ذكر خطأ اقترفه في ولايته على حمص أعظم من هذا، وفي ذلك دليل على أن هذا الدين ما جاء إلا بالرحمة والهداية وإنقاذ البشر من الضلال إلى الهدى ومن ظلمات الكفر إلى نور الطاعة، ولا عجب فمن مدرسة النبوة تخرج هذا الصحابي وغيره، ممن لا يؤذون الناس، بل يغمرونهم بعطفهم ورحمتهم وسماحتهم وإحسانهم، ولذا قال عنه عمر: إنه نسيج وحده، وقال: وددت أن لي رجلًا مثل عمير بن سعد استعين به على أعمال المسلمين (١). إن الدعاء لغير المسلمين وفق ضوابط الشرع من أعظم صور التسامح في الإسلام ومن محاسنه الكبرى التي تنظر إلى الإنسان نظرة تكريم وعناية، وفي الدعاء استمالة ظاهرة لقلب المدعو فكل أحد يتمنى من الناس الدعاء له بالخير، ومن هنا قال ابن عباس رضى الله عنه لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات (٢). ٩ - وعن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو ﵁ وغلامه يسلخ شاة "يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي" فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ قال: سمعت النبي ﷺ يوصي بالجار حتى خشينا أو روينا أنه سيورثه (٣). ١٠ - وفي خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ كتب إلى عدي بن أرطأة: وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه (٤).

стр. 1697

وهذا لون من السماحة في المعاملة والعدل الدي لا يعرف له وجود إلا في الإسلام، لأنه قائم على احترام الإنسانية ومعرفة حقوقها (١). ١١ - وعندما أمر عمر بن عبد العزيز ﵀ مناديه ينادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، قام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلًا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد قم فأردد عليه ضيعته فردها عليه (٢). ١٢ - وفي عهد الرشيد كانت وصية القاضي أبي يوسف له بأن يرفق بأهل الدمة حيث يخاطبه بقوله: "ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم" (٣). بمثل هذه المعاملة ساد المسلمون الأوائل وكانت معاملتهم محط إعجاب مخالفيهم فشهدوا لهم بالسمو في أخلاقهم والتسامح في معاملتهم. (٤) المبحث الخامس: المفهوم الإسلامي في العلاقات بين الأمم . إن الأصل في العلاقة البشرية عند الإسلام، فرديًّا كان أو جماعيًّا أو دوليًّا، علاقة التعارف والتعاون والدعوة والخير، لا علاقة التصادم والاعتداء والإرهاب والشر. فالإسلام يدعو البشرية إلى التعارف والتعاون على البر والتقوى ويرفض التجاهل

стр. 1698

والتعاون على الإثم والعدوان. فقد حدد القرآن أساس العلاقة بين البشرية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، والتعارف الذي هو محور العلاقات بين البشر على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، له مدلول أبعد من مجرد معرفة شخص اسم آخر؛ بل التعارف الذي يؤدي إلى أعلى تبادل المنافع وإيجاد التعاون فيما بينهم. ومن أجل هذا التعارف يتطلب طبيعة العلاقة السلمية الإيجابية. وبذلك كان السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعارف والتعاون وإشاعة الخير بين الناس على مختلف الشعوب والقبائل. فالتعارف الهادف بين الشعوب من أكبر أسباب السلام في المجتمع الإنساني، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فنظرة التعارف تؤدي إلى التعاون بين الأطراف المتعارفة، والإسلام يقيد التعاون المطلوب على أساس البر والتقوى. وهما جماع الخير والسلام للإنسانية في الدارين. أما التعاون على الإثم والعدوان الذي كثيرًا ما وقع بين أهل الدنيا فهو ممنوع في الإسلام؛ إذ هما من جماع الشرور والأضرار التي تفضي إلى الحروب والنزاعات وتؤجج نيران الصراع المدمر لمشروع السلام ولسعادة البشرية. ومما تقدم تبين بوضوح أن الأصل في العلاقات الخارجية للأمة الإسلامية هو السلم، وأن الحرب والاعتداء أمر طارئ يحدث بسبب طارئ من اعتداء الكفار على المسلمين ودينهم. فالسلم مقرر لكل الناس ليس نتيجة الإيمان أو الأمان، وإنما من حيث الأصل وعدم الاعتداء، أما الحرب فإنما شرعت من أجل حماية الدعوة الإسلامية ودفع الضرر عن معتنقيه، وضمان سير الدعوة الإسلامية التي تحمل راية الرحمة والسلام. كما أثبتت تاريخيًّا الحروب التي خاضها رسول الله ﷺ مع الكفار عن طريق الغزوات والسرايا، فإنها لا تخرج عن الأسباب المشروعة لها. وأغلب هذه الحروب تكون في موقف الدفاع برد العدوان الواقع فعلًا. والله أعلم.

стр. 1699

يقول محمد رشيد رضا: تفضيل السلم على الحرب إذا جنح العدو لها، إيثارًا لها على الحرب التي لا تقصد لذاتها؛ بل هي ضرورة من ضرورات الاجتماع، فتقدر بقدرها، وذلك قوله تعالى عقب الأمر بإعداد كل ما تستطيع الأمة من قوة ومرابطة لإرهاب عدوه وعدوها: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾، ولما كان جنوح العدو للسلم قد يكون خديعة لنا لنكف عن القتال ريثما يستعدون هم له أو لغيره، وكان من المصلحة في هذه الحال أن لا نقبل الصلح منهم ما لم نستفد كل ما يمكننا منه تفوقنا عليهم، لم يعد الشارع احتمال ذلك مانعًا من ترجيح السلم؛ بل قال : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾. وهو برهان على أن الإسلام دين السلام، لكن عن قدرة وعزة، لا عن ضعف وذلة. فالإسلام دين يرفض العنف ويمنع العدوان وينشر السلام، ويوطد معاني العدالة والتسامح وسمو الحوار الهادف والتواصل الإيجابي بين الناس. فهو يضع أفضل الأسس للعلاقات بين الدول وهو العدل ولا يجعل الأساس لهذه العلاقات المصلحة القومية والقوة المادية كما هو السائد في الجاهلية ثم في الحضارة المعاصرة. وقد جرب العالم دوما أن إقامة العلاقات بين الدول على أساس المصلحة القومية والقوة المادية كان سبب الحروب الطاحنة، كما وقع في الحروب العالمية المشهودة بشراستها في القرن الماضي ومطالع هذا القرن، والإسلام بريء منها، ولا عجب؛ فهذا المبدأ لا يختلف عن مبدأ أي قطاع طريق أو عصابة إجرام؛ بل أي تجمع من تجمعات الحيوانات المفترسة في الغابة. وأكبر دليل على أن الإسلام دين السلام أنه لا يشجع الحرب والعن؛ بل يأتي لوقف الحروب الجاهلية الكثيرة وحماية الحقوق الإنسانية خاصة بين الأوس والخزرج فجاء الإسلام وأصلح بينهما صلحًا يوصلها إلى شاطئ العزة والوئام تبين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

стр. 1700

يقول ابن كثير: وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلمّا جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى"، ويقول ﷺ : يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، وإذا لقيتموه فاصبروا". بل قد حرم الإسلام قتل الكافر المعاهد أو الذمي الذي يعيش تحت نفوذ الحكومة الإسلامية، ومن ارتكبه فقد ارتكب جرمًا عظيمًا حتى حرم الله عليه الجَنَّة، حفاظًا على أمن المجتمع. يقول ﷺ : من قتل معاهدًا - وفي اللفظ: من قتل قتيلًا من أهل الذمة - لم يرح رائحة الجَنَّة ... ". وقال ﷺ : من قتل معاهدًا في غير كنهه حرم الله عليه الجَنَّة. ومن هذا المنطلق حدد الإسلام علاقات الأمة الإسلامية بالآخرين، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾. فالإسلام دين الرحمة والشريعة السلام، وهو دين يدعو إلى التعايش السلمي، وإلى صون الحق الإنساني، وحسن العلاقات مع الآخرين من دون ربط لهذا الحق بدين أو اعتقاد أو عرق أو لون ... ، فهم في الوقت نفسه مدعوون إلى الإسلام والسلام. ولا يأتي الإسلام بالحرب إلا للضرورة القصوى وقمع الاعتداء ورد الظلم والانتصار للمظلومين ولضمان انتشار دعوة دين الرحمة والسلام. ويمنع الظلم والعدوان والعنف والطغيان على الخلق جميعًا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. إنه دين الرحمة والعدالة ورسالة الشمول والتوازن التي لا يمكن للعالم أن يشفى من أدوائه إلا بها. على أية حال فإن الإسلام لا يدعو إلى الحرب، ولا يسمح بقيامها إلا إذا كانت في سبيل الله بأحكامها وشروطها وآدابها السامية، ولا يتخذ القرار بهذا الشأن إلا إمام المسلمين العام، لا أي فرد ولا أيّة طائفة. بل لا يجوز أن تؤجج نار الحرب إلَّا عقب مقدّمات من الدعوة الصحيحة إلى الإسلام. وذلك لتحقيق أحد هذه الأغراض السامية وهي:

стр. 1701

١ - رد الظلم والعدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والدين والوطن. ٢ - تأمين حرية الاعتقاد والتدين للمؤمنين الذين يحاول المعتدون من الكفار أن يفتنوهم عن دينهم، ويسدوا أمامهم طريق الحرية في التفكير والاعتناق. ٣ - حماية الدعوة الإسلامية التي تحمل الرحمة والأمن والسلام حتى تبلغ إلى الخلق جميعًا. ٤ - تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التي تتمرد على أمر الله وتأبى حكم العدل والإصلاح. ٥ - إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين والمعتدين. فلابد من أن نفرق بين الإرهاب الممنوع المؤدي إلى الضرر والهلاك وبين الجهاد المشروع المؤدي إلى تحقيق العدل والأمن وقمع أسباب الإرهاب والدمار (١). والإرهاب في المصطلح الغربي المعاصر: لا يفرق بين المحق والمبطل فمقاومة المحتل والرد عليه تسمى إرهابًا عندهم والاستسلام له يسمى سلامًا وتعاونًا؛ بل ولو طال بهم زمان لسموا كل مسلم إرهابيًّا (٢). المبحث السادس: شهادات منصفة من غير المسلمين . شهادة من نصارى الشام: منذ بداية ظهور الإسلام في القرن السابع كتب النصارى في الشام سنة ١٣ هـ أي في القرن السابع الميلادي إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ يقولون: "يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا" (٣).

стр. 1702

واستمر هذا النهج في معاملة غير المسلمين عبر تاريخ الإسلام. شهادة توماس آرنولد: وهو أبرز من أرخ لانتشار الإسلام في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" فإنه يؤكد على حقيقة السماحة الإسلامية فيقول: (إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين قد نعموا بوجه الإجمال في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلًا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة، وإن دوام الطوائف المسيحية في وسط إسلامي يدل على أن الاضطهادات التي قاست منها بين الحين والآخر على أيدي المتزمتين والمتعصبين كانت من صنع الظروف المحلية أكثر مما كانت عاقبة مبادئ التعصب وعدم التسامح) (١). ويضيف: كان المسيحيون يعيشون في مجتمعهم آمنين على حياتهم وممتلكاتهم ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم حرية التفكير الديني. تمتعوا وخاصة في المدن بحالة من الرفاهية والرخاء في الأيام الأولى من الخلافة" (٢). وقال: اجتذبت الدعوة المحمدية إلى أحضانها من الصليبيين عددًا مذكورًا حتى في العهد الأول، أي في القرن الثاني عشر، ولم يقتصر ذلك على عامة النصارى؛ بل إن بعض أمرائهم وقاداتهم انضموا أيضًا إلى المسلمين في ساعات انتصارات المسيحيين، فهل يمكن أن نقول: إن الإسلام انتشر بين الصليبيين بالقوة؟ شهادة يوحنا النقيوسي: وفي أقدم كتب التاريخ النصرانية حديث عن سماحة عمرو بن العاص مع نصارى مصر. وكيف أن تحرير الإسلام لهم من قهر الرومان وهزيمة الاستعمار الروماني بمصر على يد الجيش الإسلامي الفاتح إنما كان انتقامًا إلهيًّا من ظلم الرومان لمصر، واضطهادهم لنصارى مصر. ففي تاريخ "يوحنا النقيوسي" وهو معاصر للفتح وشاهد عليه.

стр. 1703

إن الله الذي يصون الحق لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى يد الإسماعيليين - (العرب المسلمين) - ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدينة في مصر. وكان هرقل حزينًا. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم. مرض هرقل ومات. وكان عمرو بن العاص يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئًا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئًا ما سلبًا أو نهبًا وحافظ على -الكنائس- طوال الأيام (١). إنها شهادة شاهد عيان نصراني على هذه السماحة الإسلامية التي تجسدت على أرض الواقع ومتى؟ قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان! وهي سماحة نابعة من الدين الإسلامي. وليست كحقوق المواطنة التي لم تعرفها المجتمعات العلمانية إلا على أنقاض الدين، وبعد ما استقبل عمرو بن العاص البطريرك القبطي "بنيامين" وأمنه على نفسه، وكنائسه، ورعيته، وحرية عقيدته، بل وطلب منه أن يدعو له: أخذ "بنيامين" في زيارة كنائسه، وفي إعادة افتتاحها، وكان الناس يستقبلونه فرحين مرددين العبارات التي تشهد على أن هذا الفتح الإسلامي إنما هو عقاب إلهي للرومان جزاء الظلم الذي أوقعوه بالنصارى المصريين. وعن هذه الحقيقة من حقائق سماحة التحرير الإسلامي لشعوب الشرق يقول الأسقف "يوحنا النقيوسي" في أقدم تأريخ للفتح الإسلامي لمصر كتبه شاهد عيان: ويدخل الأنبا بنيامين بطريرك المصريين مدينة الإسكندرية بعد هروبه من الروم في العام ١٣ (أي العام الثالث عشر من تاريخ هروبه)، وسار إلى كنائسه، وزارها كلها، وكان الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين على يد البابا كيرس البطريرك المعين من قبل الدولة الرومانية في

стр. 1704

مصر وهلك الروم لهذا السبب وساد المسلمون مصر (١). ولقد عبر الأنبا بنيامين عن الأمان الذي أحلته سماحة الإسلام بمصر على أنقاض القهر والاضطهاد اللذين مارسهما الرومان -النصارى- ضد نصارى مصر! فقال وهو يخطب في دير "مقاريوس": لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون (٢). أما رجل الدين المسيحي -القبطي- ميخائيل السرياني فإنه يقول عن تحرير الفتح الإسلامي للنصرانية المصرية وعن سماحة الإسلام مع نصارى مصر: لم يسمح الإمبراطور الروماني لكنيستنا المونوفيزيقية- (القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح) - بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت، ولهذا قد انتقم الرب منه، لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناء إسماعيل لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية وعشنا في الإسلام (٣). شهادة المستر وينتروب كيهمبال الإنجليزي، فيما صرح به بشأن تعاليم الإسلام ووصفها ما نصه: "ولم ينتشر الإسلام في العالم أجمع هذا الانتشار العجيب من أقصى شواطئ المحيط الهادي، إلى أقصى شواطئ المحيط الأطلانتيكي، في مدة قصيرة، إلا إنه قد امتاز بالمساواة والعدالة. وفي المدة الأخيرة ترى الدين الإسلامي يكتسح بلاد الملايو والصين واليابان والهند وأوروبا، لا بالسيف! ولكن بالعدالة والمساواة، وحرية الفكر ونشر روح الإخاء الحقيقي العملية، ومما يجدر بنا أن نلاحظ أن الإسلام ينتشر الآن في بلاد لم يصلها الحكم

стр. 1705

الإسلامي، ولم تعرف فتوحات الإسلام، ولكن الإسلام كما هو معروف عنه، إنما ينتشر كانتشار النور لا يشد تياره شيء". شهادة السير سي بي راي الإنجليزي في ضمن ما صرح به في وصف الإسلام ما نصه: " ... وإن الإسلام بطريقته المثلى استطاع التقدم من حدود الباسفيكي إلى حدود المحيط الأطلانتيكي، وبعد هذا سار الإسلام بخطوات واسعة في شبه جزيرة ملايو، وليس بسبب وجود السيف ولكن بسبب سياسته الطيبة الحرة". شهادة توماس كارليل: في كتابه (الأبطال وعبادة البطولة) اتخذ فيه محمدًا ﷺ مثلًا لبطولة النبوة، فقال ما معناه: "إن اتهام محمد بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم، إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه، ليقتل به الناس أو يستجيبوا لدعوته، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم فقد آمنوا طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها". شهادة مسيو أوجين يوغ الفرنسي في كتابه "يقظة الإسلام والعرب": "إن الإسلام عدا أنه دين ونهج سياسي حكيم، فإنه زبدة مختارة من البساطة والعدل، وهو كذلك النهج الاشتراكي الذي لا يمكن للعالم أن يتوفق إلى إيجاد نهج مثله من حيث سعة انتشاره، ومطابقته لمقتضيات العالم، وهو كذلك العدو الألد للاستعمار والشيوعية، ويلائم جميع الظروف، ويسير مع جميع المدنيات، وهذا هو السبب (لا غيره) الذي جعله يصادف انتشارًا واسعًا وسريعًا، وأن هذا الانتشار لدليل على أن الإسلام يوافق أمزجة البشر على اختلاف الجنسيات والنزعات والمشارب". شهادة مسيو هنري دي كاسبري: في كتابه "الإسلام تأثرات ومباحث": "وهذه المحاسنة العظيمة من جهة المنتصر (المسلمين) للمقهور هي التي ضعضعت الديانة النصرانية جدًّا، حتى زالت بالمرة من شمال أفريقيا، على أن الإسلام لم يكن له دعاة يقومون بنشره (كما أن للنصرانية دعاة) ولم يكره على الأخذ (بالدين الإسلامي) أحدًا، بالسيف،

стр. 1706

ولا باللسان، بل دخل القلوب عن حب واختيار، وكان هذا من آثار ما أودع في القرآن من صفات التأثير والأخذ بالألباب" (١). تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: لعل من أهم عوامل انتصارات العرب ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم، فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال، تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم وإنسانيتهم في معاملاتهم مع الشعوب المغلوبة. والتاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عددًا ضئيلًا من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب. وكان لمسلكهم هذا أطيب الأثر مما أتاح للحضارة العربية أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف ولا الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إرادتها بالقوة) (٢). ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ هذا ما أمر به القرآن الكريم، وبناء على ذلك فإن العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام. فالمسيحيون والزرادشتيون واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها، سمح لهم جميعًا دون أي عائق يمنعهم، بممارسة شعائر دينهم. وترك لهم المسلمون بيوت عباداتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى. أوَ ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الأسبان واضطهادات اليهود؟ إن السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجوا بأنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية. فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع الميلادي لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف) (٣).

стр. 1707

(إن الإنسانية والتسامح العربي هما اللذان دفعا الشعوب ذات الديانة المختلفة إلى أن تعيش في انسجام مدهش، وأن تبدأ نموها وتوسعها وازدهارها، ولأول مرة يتحرر أصحاب المذاهب المسيحية من اضطهاد كنيسة الدولة فتنتشر مذاهبهم بحرية ويسر، واستطاع العربي بإيمانه العميق أن يكون أبلغ سفير وداعية لديانته، لا بالتبشير وإيفاد البعثات وإنما بخلقه الكريم وسلوكه الحميد. فكسب بذلك لدينه عددًا وفيرًا لم تكن أية دعاوى مهما بلغ شأوها لتستطيع أن تكسب مثله) (١). (إن الأديرة المسيحية في سورية، التي كادت أن تنمحي في عصر الحكم المسيحي وصلت إلى ذروة عظمتها في الدولة الإسلامية، أوليس هذا بغريب؟ ) (٢). أوليس من العجيب أن نتساءل لماذا نفسر كما يحلو لنا، والعرب المسلمون قد فتحوا فعلًا جزءًا من أوربة هو الأندلس، فلم يقضوا على المسيحية التي يزعمون أن شارل مارتل قد حماها، ولم يقضوا على المدينة الغريبة التي لم يكن لها وجود؟ ) (٣). شهادة غوستاف لوبون: فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم (٤). ويتحدث عن صور من معاملة المسلمين لغير المسلمين فيقول: وكان عرب أسبانيا خلال تسامحهم العظيم يتصفون بالفروسية المثالية، فيرحمون الضعفاء، ويرفقون بالمغلوبين، ويقفون عند شروطهم، وما إلى ذلك من الخلال التي اقتبسها الأمم النصرانية بأوربا منهم مؤخرًا. (٥)

стр. 1708

شهادة هنري دي شامبون: مدير مجلة "ريفي بارلمنتير" الفرنسية: لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادنا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولا كابدت المذابح الأهلية التي دفع إليها التعصب الديني المذهبي، لولا ذلك الانتصار الوحشي على المسلمين في بواتييه لظلت أسبانيا تنعم بسماحة الإسلام، ولنجت من وصمة محاكم التفتيش، ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون، ومهما اختلفت المشاعر والآراء حول انتصارنا ذاك فنحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة، مدعوون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمال البشري في الوقت الذي كنا فيه مثال الهمجية (١). شهادة المستشرق دوزي: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام، وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة" (٢). شهادة بارتولد (٣): كانت في بلاد الخلافة الممتدة من رأس سان فنسنت الواقعة جنوبي البرتغال إلى سمرقند مؤسسات مسيحية غنية، قد حافظت على أملاكها غير المنقولة الموقوفة عليها. وكان نصارى بلاد الخلافة يتعاملون مع عالم النصرانية بدون مشقة، ويتمكنون من أن يتلقوا منهم إعانات لمؤسساتهم الدينية، وكان في المؤتمر الديني الذي

стр. 1709

انعقد في القسطنطينية سنة ٦٨٠ - ٦٨١ م مندوب من القدس أيضًا. ثم إن المسيحيين المقيمين ببلاد الخلافة كانوا مرتبطين بعضهم ببعض ارتباطًا وثيقًا) (١). انتشر الدين الإسلامي في القرن الرابع للهجرة في قبائل الترك الرحل وفي بعض مدن التركستان الصينية بواسطة التجارة، وبدون استخدام أي سلاح فكان الأتراك الذين استولوا على البلاد الإسلامية في القرن الرابع الهجري مسلمين) (٢). "إن النصارى كانوا أحسن حالًا تحت حكم المسلمين؛ إذ إن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل" (٣). يقول يعقوب نخلة (١٨٤٧ - ١٩٠٥ م) صاحب كتاب "تاريخ الأمة القبطية": (ولما ثبت قدم العرب في مصر شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهليين، واستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم). وأول شيء فعله من هذا القبيل: استدعاؤه بنيامين البطريرك للحضور، والذي اختفى من أيام هرقل ملك الروم فكتب أمانًا وأرسله إلى جميع الجهات يدعو فيها البطريرك للحضور؛ ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر وذهب لمقابلته؛ ليشكره على هذا الصنيع أكرمه وأظهر له الولاء، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، ورد بنيامين إلى مركزه الأصلي معززًا مكرمًا، وكان بنيامين موصوفًا بالعقل والمعرفة والحكمة حتى سماه بعضهم الحكيم، وقيل: إن عمرًا لما تحقق ذلك منه قربه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات يستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها، وقد حسب الأقباط هذا الالتفات منه عظيمة وفضلًا جزيلًا لعمرو، واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة

стр. 1710

الأهالي، فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كلا منها حاكم قبطي ينظر في قضايا الناس، ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعين نوابًا من القبط، ومنحهم حق التدخل في القضايا المختصة بالأقباط، والحكم فيها بمقتضى شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية. وضرب عمرو بن العاص الخراج على البلاد بطريقة عادلة، وجعله على أقسام في آجال معينة حتى لا يتضايق أهل البلاد، وبالجملة فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان (١). هكذا تعلن هذه الشهادة القبطية التي نشرتها في طبعتها الثانية مؤسسة مارمرقس لدراسة التاريخ أن الفتح الإسلامي والسماحة الإسلامية قد حررا الأرض، والضمير، والإنسان. فأصبحت حكومة مصر لنصارى مصر لأول مرة في تاريخ النصرانية المصرية، كما شملت السماحة الإسلامية العدل في الاقتصاد والاجتماع، وجعلت الحاكمية لشرائع القبط الدينية والأهلية فيما هو خاص بأحوالهم الدينية، التي تركوا فيها وما يدينون. وحتى يحافظ الأقباط على نعمة هذا التحرير وهذه السماحة الإسلامية فلقد هبوا عندما عاد الرومان إلى احتلال الإسكندرية سنة ٢٥ هـ ٦٤٦ م: في عهد الراشد الثالث عثمان بن عفان (٤٧ ق. هـ. ٣٥ هـ ٥٣٧ - ٦٥٦ م)، هبوا إلى القتال مع الجيش المسلم ضد الرومان النصارى، وطلبوا من الخليفة إعادة عمرو بن العاص لقيادة المعركة فعاد إلى مصر واستخلص الإسكندرية ثانية من أيدي الرومان، وبعبارة صاحب كتاب "تاريخ الأمة القبطية": فإن المقوقس والقبط تمسكوا بعهدهم مع المسلمين، ودافعوا عن المدينة (الإسكندرية) ما استطاعوا؛ واجتمعت كلمة القبط والعرب على أن يطلبوا من الخليفة أن

стр. 1711

يأذن لعمرو بن العاص في العودة إلى مصر لمقاتلة الروم لتدربه على الحرب وهيبته في عين العدو، فأجاب الخليفة طلبهم، وكان القبط يحاربون مع العرب، ويقاتلون الروم خوفًا من أن يتمكنوا من البلاد ويأخذونها فيقع الأقباط في يدهم مرة أخرى) (١). الفيلسوف المعروف "وولتر" (٢): في سلسلة ما صرح به في وصف رسول الإسلام، محمد بن عبد الله ﷺ ، ما نصه: "وليس بصحيح ما يدعى من أن الإسلام استولى بالسيف قهرًا، على أكثر من نصف الكرة الأرضية؛ بل كان سبب انتشاره شدة رغبة الناس لاعتناقه، بعد أن أقنع عقولهم. وإن أكبر سلاح استعمله المسلمون لبث الدعوة الإسلامية هو اتصافهم بالشيم العالية، اتباعًا بالنبي محمد ﷺ ". وفي الختام قال وولتر: "وهذا القول النزر (القليل) مني يكفي لتفنيد كل ما ذكره لنا مؤرخونا وخطباؤنا فارتكز به في ضمائرنا كثير من الأوهام الباطلة والأراجيف المتوارثة (بشأن الدين الإسلامي) لأن من الواجب أن يدحض الباطل الحق". المبحث السابع: الإسلام يدعو إلى احترام العهود والمواثيق . الإسلام يدعو إلى احترام العهود والمواثيق إلى أبعد ما يظن كثير من محبي الأمن والسلام ويتجلى ذلك في الأحكام الآتية: ١ - حرم القرآن الكريم على المسلمين محاربة الكفار الذين لم يوافقوا أقوامهم على حرب المسلمين، (وبرهنوا على ميلهم للسلم) وذلك باعتزال قومهم، والذهاب إلى دار الإسلام، أو إلى دار قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء: ٩٠).

стр. 1712

٢ - أوجب القرآن الكريم إجارة المشرك والسماح له بالدخول إلى دار الإسلام إذا استجار بالمسلمين، لعل ذلك يمكنه من سماع كلام الله تعالى فيعرف الحق من الباطل، ثم أوجب على المسلمين أن يضمنوا أمنه وسلامه حتى يصل إلى مأمنه، في حالة بقائه على شركه ما دام مسالمًا ولم يقدم أذى لمسلم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ (التوبة: ٦). ٣ - سوى القرآن الكريم بين دماء المعاهدين الذين يحترمون العهود والمواثيق ودماء المسلمين، ففرض على المؤمن إذا قتل أحدهم على سبيل الخطأ الدية، وهي نفس ما فرض عليه إذا قتل مؤمنًا على وجه الخطأ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (النساء: ٩٢)، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء: ٩٢) وذلك حسب ما قرره الفقهاء من دلالة الآية الكريمة. هذا هو موقف القرآن الكريم من الذين يحترمون العهود والمواثيق. (موقف القرآن الكريم من الذين لا يحترمون العهود بعد إبرامها). أما الذين لا يحترمون العهود بعد إبرامها وإنما يتخذونها ذريعة ووسيلة يحتمون وراءها حينما يشعرون بضعف جانبهم، حتى إذا لاحت لهم الفرصة نقضوها وأشعلوها نار حرب من جديد، أما هؤلاء فقد أباح الله للمسلمين نبذ عهودهم واستئناف حالة الحرب معهم، وحثهم على تأديبهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ (الأنفال ٥٥: ٥٧)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي

стр. 1713

دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (التوبة: ١٢). وهذا هو المبدأ الذي طبق مع الذين نزلت فيهم براءة من الله ورسوله، فقد أعلن الله براءته وبراءة الرسول ﷺ من هؤلاء المشركين، الذين لم يحترموا عهدًا ولم يراعوا ذمة ونبذ إليهم ما كان لهم من ميثاق؛ قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ (التوبة: ١). وأكد السبب في براءته منهم ونبذ عهودهم عندما أعلن الحفاظ على العهد وإتمام مدته مع الذين حافظوا عليه. قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٤). ثم أكد مرة أخرى فقال: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ٢ - من المبادئ العظيمة التي قررها القرآن الكريم. أن الغدر حرام، وأن مفاجأة الامن بالشر لا تصح شرعًا ولا تجوز، وتقريرًا لهذا المبدأ: (أ) فقد حرم على المسلمين أن يستبيحوا لأنفسهم نقض العهد من جانبهم إذا رأوا المصلحة في ذلك- دون أن يعلنوا الجانب الآخر بما اعتزموا عليه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾. (ب) ولم يجعل مجرد نبذ العهد وإعلان الخصم به مبيحًا للقتال العاجل وإنما أوجب إعطاءه مهلة لتغليب الأمر، وتدبير الشأن ويكون آمنًا فيها على نفسه، ونجد تطبيق ذلك مع الذين أعلن الله براءته وبراءة رسوله منهم، حيث يقول تعالى في إعلانهم: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ٥).

стр. 1714

الفصل الثاني: شبهة انتشار الإسلام بالسيف . ما زال أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا يرددون شبهتهم العارية عن الدليل بأن الإسلام دين إرهابي، وأنه انتشر بالسيف، وفرض نفسه على الشعوب بالقهر والغلبة، وهاهي بعض أقوالهم في ذلك: "يتحتم على المسلم أن يعلن العداوة على غير المسلمين حيث وجدهم؛ لأن محاربة غير المسلمين واجب ديني" (١). "من الثابت أن الإسلام لم يكن يصادف نجاحًا إلا عندما كان يهدف إلى الغزو" (٢). ويرجع كل من "مور" و"غيتاني": "ازدياد عدد المؤمنين إلى الانتصارات العسكرية، وإكراه الناس على الدعوة الموجودة في تعاليم الإسلام" (٣). "وأخضع سيف الإسلام شعوب أفريقية وآسية شعبًا بعد شعب" (٤). "إن تاريخ الإسلام كان سلسلة مخيفة من سفك الدماء والحروب والمذابح" (٥). "في القرن السابع للميلاد برز في الشرق عدو جديد، ذلك هو الإسلام الذي أسس على القوة، وقام على أشد أنواع التعصب، لقد وضع محمد السيف في أيدي الذين اتبعوه. وتساهل في أقدس قوانين الأخلاق، ثم سمح لأتباعه بالفجور والسلب، ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع الدائم بالملذَّات" (٦). "وقد أمر محمد أتباعه أن يحملوا العالم كله على الإسلام بالسيف إذا اقتضت الضرورة" (٧).

стр. 1715

"إن هؤلاء العرب قد فرضوا دينهم بالقوة وقالوا للناس: "أسلموا أو موتوا". "بينما أتباع المسيح ربحوا النفوس ببرِّهم وإحسانهم" (١). تفنيد الشبهة والجواب عنها من وجوه: الوجه الأول: السلام خصوصية إسلامية . مفردات السلام كثيرة ومتعددة سواء في القرآن الكريم، أو في الحديث الشريف: ١ - السلام اسم من أسماء الله : وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ (الحشر: ٢٣). فقد أراد الله سبحانه أن يجعل من اسمه عنوانًا لرسالته، ومهمة لأنبيائه ورسله يبشرون بها ويعملون بوحيها. ٢ - الجنة دار السلام: سماها الله بذلك حين قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (يونس: ٢٥)، وهي دار المتقين التي فيها مستراحهم ومستقرهم، والتي تهفوا إليها أرواح المؤمنين كافة. ٣ - السلام دعوة إسلامية: فقد خاطب الله المؤمنين كافة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ (البقرة: ٢٠٨) إذ عد الامتناع عن الدخول في السلم اتباعًا لخطوات الشيطان الذي هو العدو الواضح العداوة للمؤمنين. ٤ - السلام تحية المسلمين الدائمة: ورد عن أبي هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ أنه قال: "لما خلق الله آدم قال: اذهب فسلّم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه

стр. 1716

رحمة الله". (١) فالله تعالى يُعلَّم أبا البشرية كيف تكون التحية وما هي ألفاظها، وكأن السلام تحية الله سبحانه لعباده المؤمنين، وعليهم أن يردوا بما يليق بها. نتعلم من هذا الحديث أن السلام تحية الملائكة أيضًا قبل نزول آدم إلى الأرض، وأنه الأمانة التي حملها معه إلى ذريته، وعليهم أن يتعاملوا بها إلى يوم الدين. ٥ - السلام نهاية كل صلاة: فالمسلم الذي يؤدي خمس فرائض في اليوم بواقع سبع عشرة ركعة ينهي كل صلاة بقوله: السلام عليكم ورحمة الله، مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، أي عشر مرات في الصلاة المكتوبة واثنتي عشرة في صلاة السُنة، مما جعل المسلم العابد في صلاته يستشعر السلام حقيقة في سلوكه ومعاملاته كافة، وهي تربية يحرص الإسلام على غرسها في النفوس؛ لتكون متصالحة مع ذاتها أولًا وسواها من المخلوقات ثانيًا؛ وبهذا كان لفظ السلام جزءًا من عبادة المؤمن في الصلاة، وجزءًا من ترتيله لكتاب الله سبحانه. ٦ - السلام تحية الإسلام الخاصة: لكل أُمة من الأمم تحيتها الخاصة مثل صباح الخير، ومساء الخير، وتصبحون على خير، ونهار سعيد، وليلة سعيدة، إلى ما هنالك من ألفاظ التحية التي تتعامل بها الأمم والشعوب على اختلاف لغاتها، ولكن المسلمين يمتازون عن سواهم من الأمم بتحية الإسلام المعروفة وهي السلام عليكم، يقولها الراكب للماشي، والواقف للجالس، والصغير للكبير، والقادم للماكث، والراحل للمقيم، يقولونها في الأسواق، والبيوت، والمتاجر، والمكاتب، والمصانع، والمعامل، وفي كل موقع من مواقع الحياة. فعن أبي يوسف عبد الله بن سلام قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وَصِلُوا الأرحام، وصَلّوا والناس نيام تدخلوا الجنة

стр. 1717

بسلام" (١)، فقد قدم الرسول ﷺ إفشاء السلام على ما عداه من القضايا مثل: إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وربطه بدخول الجنة. ويكون إفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا سأل الرسول ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف" (٢)، ولهذا ينصح الرسول ﷺ المسلمين بإفشاء السلام إن أرادوا دخول الجنة، فعن أبي هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣)؛ لأن إفشاء السلام هو المقدمة الطبيعية للإيمان والمحبة وهما السبب في دخول الجنة. ٧ - السلام مفتاح الدخول إلى البيوت: قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور: ٦١). ٨ - السلام علامة توقير واحترام: فعن شيبة الحجبي عن عمه، قال: قال ﷺ : "ثلاث يصفين لك ود أخيك: تُسلّم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه". فقد جعل الرسول من إفشاء السلام مدخلًا للوصول إلى مودة الأخ وكسب صداقته. ٩ - السلام تحية الله لعباده يوم القيامة: فالله سبحانه يستقبل عباده المؤمنين الداخلين جنته بالسلام يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٤). ١٠ - السلام على جميع الناس: فعن ابن عباس ﵄ قال: من سلّم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيًّا، ذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: ٨٦).

стр. 1718

ولقد حرص المسلمون على هذه التحية العبادية، وعدُّوها من القربات، فعن الطفيل بن أُبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرّ عبد الله على سقاط، ولا صاحب بيعة، ولا مسكن، ولا أحد إلا سَلّم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ فقال: إنما نغدو إلى السوق من أجل السلام، نسلّم على من لقيناه. رد السلام: إذا كان السلام أمرًا محببًا فإن الجواب عليه واجب يصل إلى مرتبة الفريضة، ويكون رد التحية بأحسن منها عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ (النساء: ٨٦)، فإذا قال لك أحدهم: السلام عليكم. فقل: وعليكم السلام ورحمة الله. فإن قال لك أحدهم: السلام عليكم ورحمه الله. فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبهذا يكون رد التحية بأفضل منه، أما ردها فيكون بالتماثل دون زيادة ولا يجوز اتهام الشخص الذي يلقي السلام بعدم الإيمان، فقد قال تعالى في هذا الصدد: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ (النساء: ٩٤). نصل بهذا إلى القول بأن السلام مفردة رئيسة من مفردات الإسلام، وقاعدة أصيلة من قواعده، سلوكًا وتربية وعبادة، ولهذا وجدنا كثيرًا من المسلمين الذكور يتسمون بعبد السلام، وكثيرًا من النساء يحملن اسم سلام تيمنًا بهذا الشعار الإسلامي الخالد. الإسلام تاريخ سلام في مناهجنا التعليمية كثير من التجني على تاريخنا الإسلامي، وبخاصة كتب التربية الدينية والتاريخ، فقد صممت هذه المناهج في عهد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي لتخدم أهداف الغرب التوسعية وتهمه الباطلة ضد الإسلام والمسلمين، وذلك حين جعلت من

стр. 1719

التاريخ الإسلامي سلسلة ممتدة من الغزوات والمعارك المتتابعة التي لم تهدأ؛ لتصل إلى القول بأن الإسلام قد قام بحد السيف، شأنه شأن غيره من الديانات السابقة. ولدفع هذه التهمة لابد من قراءة تاريخ الإسلام إبتداء من نزول الوحي وحتى وفاة صاحب الرسالة: ١ - بداية الدعوة: كانت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها سلمية قائمة على العقل والحكمة والإقناع، وليس أدل على ذلك من مخاطبة الوحي للرسول بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، فلم تكن الدعوة عُنفيّة؛ بل دعوة حكيمة تستند إلى الفكر والإقناع، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، فالدعوة موصوفة بالحكمة، والموعظة موصوفة بالحسنة، وهكذا كانت طوال ثلاثة عشر عامًا في مكة قبل الهجرة وعشرة بعدها. ٢ - الهجرة: عندما نزل الرسول بالمدينة وقَّع مع أهلها معاهدة سميت صحيفة المدينة، وهي أول وثيقة دستورية تحدد العلاقات بين الناس على أساس متساو، فقد ورد فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أُمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ظلم أو أثم، أن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم، وأن يهود بني عوف أُمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم).

стр. 1720

فقد عدَّت هذه الصحيفة الناس أمة واحدة داخل المدينة بغض النظر عن كل اعتبارات اللغة واللون والدين، وهذه الوثيقة تسبق إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأربعة عشر قرنًا، وتدل على ما للإنسان من كرامة عند هذا الدين الذي أرسله الله رحمة للإنسان وسلامًا. ٣ - صلح الحديبية: أراد الرسول ﷺ أن يحج إلى الكعبة قبل فتح مكة فمنعته قريش، وكان هناك صلح بين الطرفين وردت فيه عبارات عَدَّها بعض المسلمين مذلة، وكان عمر بن الخطاب ضمن المنتقدين لهذا الصلح، فقد نصت إحدى فقراته على أنه من جاء من المسلمين إلى قريش فلا ترده قريش إلى المسلمين، بينما يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلمًا، فقد أقر الرسول المعاهدة واحترمها وعمل بما فيها؛ حقنًا لدماء القرشيين والمسلمين معًا؛ ولأن صون حياة الإنسان مقدمة في الإسلام على ما سواها من الأمور. ٤ - فتح مكة: عندما نقض القرشيون صلح الحديبية قرر الرسول أن يفتحها، ولكن سلمًا بدون قتال، وهكذا كان، فعندما فوجئ القرشيون بالجيش الإسلامي ورأوا ما فعلوه بالمسلمين من قتل وحرق وتعذيب وتجويع ومصادرة أموال ظنوا أنهم هالكون، وبخاصة عندما سمعوا سعد بن عبادة حامل راية الأنصار يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلَّ الله قريشًا. في هذا الموقف الرهيب لم يشأ الرسول أن يتركهم طويلًا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة، فاستقبل وجوههم في تسامح وأناة وقال لهم: "يا معشر قريش، ماذا ترون أني فاعل بكم؟ "فتقدم خصم الإسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فرد النبي قائلًا: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لي ولكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء". وكان الرسول قد قال لسعد عندما سمعه يقول: اليوم يوم الملحمة: "لا يا سعد، بل هو يوم المرحمة، واليوم أعز الله قريشًا". أي بالإسلام، وقد ترتب على هذا العفو إسلام أهل مكة وخروجهم مع الرسول ﷺ لحرب هوازن في غزوة حنين. إن الانتقام ليس من سلوك المسلمين؛ بل العفو، وهذا ما أراد الرسول القائد أن يعلم أصحابه وأمته في حياته ومن بعده حتى يقتدوا به، وهذا ما حصل في فتح القدس أيام عمر
следующие страницы →