← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

رحمة الله". (١) فالله تعالى يُعلَّم أبا البشرية كيف تكون التحية وما هي ألفاظها، وكأن السلام تحية الله سبحانه لعباده المؤمنين، وعليهم أن يردوا بما يليق بها. نتعلم من هذا الحديث أن السلام تحية الملائكة أيضًا قبل نزول آدم إلى الأرض، وأنه الأمانة التي حملها معه إلى ذريته، وعليهم أن يتعاملوا بها إلى يوم الدين. ٥ - السلام نهاية كل صلاة: فالمسلم الذي يؤدي خمس فرائض في اليوم بواقع سبع عشرة ركعة ينهي كل صلاة بقوله: السلام عليكم ورحمة الله، مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، أي عشر مرات في الصلاة المكتوبة واثنتي عشرة في صلاة السُنة، مما جعل المسلم العابد في صلاته يستشعر السلام حقيقة في سلوكه ومعاملاته كافة، وهي تربية يحرص الإسلام على غرسها في النفوس؛ لتكون متصالحة مع ذاتها أولًا وسواها من المخلوقات ثانيًا؛ وبهذا كان لفظ السلام جزءًا من عبادة المؤمن في الصلاة، وجزءًا من ترتيله لكتاب الله سبحانه. ٦ - السلام تحية الإسلام الخاصة: لكل أُمة من الأمم تحيتها الخاصة مثل صباح الخير، ومساء الخير، وتصبحون على خير، ونهار سعيد، وليلة سعيدة، إلى ما هنالك من ألفاظ التحية التي تتعامل بها الأمم والشعوب على اختلاف لغاتها، ولكن المسلمين يمتازون عن سواهم من الأمم بتحية الإسلام المعروفة وهي السلام عليكم، يقولها الراكب للماشي، والواقف للجالس، والصغير للكبير، والقادم للماكث، والراحل للمقيم، يقولونها في الأسواق، والبيوت، والمتاجر، والمكاتب، والمصانع، والمعامل، وفي كل موقع من مواقع الحياة. فعن أبي يوسف عبد الله بن سلام قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وَصِلُوا الأرحام، وصَلّوا والناس نيام تدخلوا الجنة

стр. 1717

بسلام" (١)، فقد قدم الرسول ﷺ إفشاء السلام على ما عداه من القضايا مثل: إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وربطه بدخول الجنة. ويكون إفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا سأل الرسول ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف" (٢)، ولهذا ينصح الرسول ﷺ المسلمين بإفشاء السلام إن أرادوا دخول الجنة، فعن أبي هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣)؛ لأن إفشاء السلام هو المقدمة الطبيعية للإيمان والمحبة وهما السبب في دخول الجنة. ٧ - السلام مفتاح الدخول إلى البيوت: قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور: ٦١). ٨ - السلام علامة توقير واحترام: فعن شيبة الحجبي عن عمه، قال: قال ﷺ : "ثلاث يصفين لك ود أخيك: تُسلّم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه". فقد جعل الرسول من إفشاء السلام مدخلًا للوصول إلى مودة الأخ وكسب صداقته. ٩ - السلام تحية الله لعباده يوم القيامة: فالله سبحانه يستقبل عباده المؤمنين الداخلين جنته بالسلام يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٤). ١٠ - السلام على جميع الناس: فعن ابن عباس ﵄ قال: من سلّم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيًّا، ذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: ٨٦).

стр. 1718

ولقد حرص المسلمون على هذه التحية العبادية، وعدُّوها من القربات، فعن الطفيل بن أُبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرّ عبد الله على سقاط، ولا صاحب بيعة، ولا مسكن، ولا أحد إلا سَلّم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ فقال: إنما نغدو إلى السوق من أجل السلام، نسلّم على من لقيناه. رد السلام: إذا كان السلام أمرًا محببًا فإن الجواب عليه واجب يصل إلى مرتبة الفريضة، ويكون رد التحية بأحسن منها عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ (النساء: ٨٦)، فإذا قال لك أحدهم: السلام عليكم. فقل: وعليكم السلام ورحمة الله. فإن قال لك أحدهم: السلام عليكم ورحمه الله. فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبهذا يكون رد التحية بأفضل منه، أما ردها فيكون بالتماثل دون زيادة ولا يجوز اتهام الشخص الذي يلقي السلام بعدم الإيمان، فقد قال تعالى في هذا الصدد: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ (النساء: ٩٤). نصل بهذا إلى القول بأن السلام مفردة رئيسة من مفردات الإسلام، وقاعدة أصيلة من قواعده، سلوكًا وتربية وعبادة، ولهذا وجدنا كثيرًا من المسلمين الذكور يتسمون بعبد السلام، وكثيرًا من النساء يحملن اسم سلام تيمنًا بهذا الشعار الإسلامي الخالد. الإسلام تاريخ سلام في مناهجنا التعليمية كثير من التجني على تاريخنا الإسلامي، وبخاصة كتب التربية الدينية والتاريخ، فقد صممت هذه المناهج في عهد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي لتخدم أهداف الغرب التوسعية وتهمه الباطلة ضد الإسلام والمسلمين، وذلك حين جعلت من

стр. 1719

التاريخ الإسلامي سلسلة ممتدة من الغزوات والمعارك المتتابعة التي لم تهدأ؛ لتصل إلى القول بأن الإسلام قد قام بحد السيف، شأنه شأن غيره من الديانات السابقة. ولدفع هذه التهمة لابد من قراءة تاريخ الإسلام إبتداء من نزول الوحي وحتى وفاة صاحب الرسالة: ١ - بداية الدعوة: كانت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها سلمية قائمة على العقل والحكمة والإقناع، وليس أدل على ذلك من مخاطبة الوحي للرسول بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، فلم تكن الدعوة عُنفيّة؛ بل دعوة حكيمة تستند إلى الفكر والإقناع، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، فالدعوة موصوفة بالحكمة، والموعظة موصوفة بالحسنة، وهكذا كانت طوال ثلاثة عشر عامًا في مكة قبل الهجرة وعشرة بعدها. ٢ - الهجرة: عندما نزل الرسول بالمدينة وقَّع مع أهلها معاهدة سميت صحيفة المدينة، وهي أول وثيقة دستورية تحدد العلاقات بين الناس على أساس متساو، فقد ورد فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أُمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ظلم أو أثم، أن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم، وأن يهود بني عوف أُمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم).

стр. 1720

فقد عدَّت هذه الصحيفة الناس أمة واحدة داخل المدينة بغض النظر عن كل اعتبارات اللغة واللون والدين، وهذه الوثيقة تسبق إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأربعة عشر قرنًا، وتدل على ما للإنسان من كرامة عند هذا الدين الذي أرسله الله رحمة للإنسان وسلامًا. ٣ - صلح الحديبية: أراد الرسول ﷺ أن يحج إلى الكعبة قبل فتح مكة فمنعته قريش، وكان هناك صلح بين الطرفين وردت فيه عبارات عَدَّها بعض المسلمين مذلة، وكان عمر بن الخطاب ضمن المنتقدين لهذا الصلح، فقد نصت إحدى فقراته على أنه من جاء من المسلمين إلى قريش فلا ترده قريش إلى المسلمين، بينما يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلمًا، فقد أقر الرسول المعاهدة واحترمها وعمل بما فيها؛ حقنًا لدماء القرشيين والمسلمين معًا؛ ولأن صون حياة الإنسان مقدمة في الإسلام على ما سواها من الأمور. ٤ - فتح مكة: عندما نقض القرشيون صلح الحديبية قرر الرسول أن يفتحها، ولكن سلمًا بدون قتال، وهكذا كان، فعندما فوجئ القرشيون بالجيش الإسلامي ورأوا ما فعلوه بالمسلمين من قتل وحرق وتعذيب وتجويع ومصادرة أموال ظنوا أنهم هالكون، وبخاصة عندما سمعوا سعد بن عبادة حامل راية الأنصار يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلَّ الله قريشًا. في هذا الموقف الرهيب لم يشأ الرسول أن يتركهم طويلًا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة، فاستقبل وجوههم في تسامح وأناة وقال لهم: "يا معشر قريش، ماذا ترون أني فاعل بكم؟ "فتقدم خصم الإسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فرد النبي قائلًا: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لي ولكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء". وكان الرسول قد قال لسعد عندما سمعه يقول: اليوم يوم الملحمة: "لا يا سعد، بل هو يوم المرحمة، واليوم أعز الله قريشًا". أي بالإسلام، وقد ترتب على هذا العفو إسلام أهل مكة وخروجهم مع الرسول ﷺ لحرب هوازن في غزوة حنين. إن الانتقام ليس من سلوك المسلمين؛ بل العفو، وهذا ما أراد الرسول القائد أن يعلم أصحابه وأمته في حياته ومن بعده حتى يقتدوا به، وهذا ما حصل في فتح القدس أيام عمر

стр. 1721

بن الخطاب حين دخلها سلمًا ووقَّع مع أهلها ما عُرف بالعُهدة العمرية التي ما زالت بنودها محترمة حتى يومنا هذا بين المسلمين والمسيحيين من مختلف الطوائف. ٥ - فتح سمرقند: في ولاية عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند، ورفعوا إليه أن قائده قتيبة بن مسلم الباهلي قد دخل مدينتهم وأسكن المسلمين فيها بغير حق -أي بغتة دون إنذار- فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصّب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فنصّب لهم القاضي جميع بن حاضر الباجي يحكم بينهم، فحكم القاضي المسلم بإخراج المسلمين من سمرقند. وإن المرء ليتساءل: هل يمكن لجيش أن يغادر مدينة قد احتلها بقرار من القاضي، وهل حدث هذا في التاريخ؟ والجواب موثق عندنا، في تاريخنا، ليدل على أن هذا الدين يبتغي سلام الناس جميعًا، ولا يحب العدوان والمعتدين، ولعل هذه الحادثة هي الوحيدة التي حدثت في تاريخ البشرية كله. ٦ - فتح القدس الصلاحي: حين احتل الفرنجة القدس أعملوا في أهلها السيف، قتلوا ما يزيد على سبعين ألف شخص، وحين استعادها صلاح الدين من أيديهم لم يشأ أن يعاملهم بالمثل، ورفض أن يذبحهم مثلما فعلوا، بل اكتفى بفدية لمن قدر على دفعها، وعامل الضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال معاملة كريمة: أعطى الأمان لمن بقى منهم في القدس، وكانوا يزيدون على ألف شخص، وسمح للباقين أن يخرجوا بأموالهم وجواهرهم دون أن يلحق بهم أذى، وحماهم طوال طريقهم من أي عدوان عليهم حتى من قطاع الطرق. فالإسلام لا يعرف لغة الدم، ولا لغة الانتقام، وما صلاح الدين الأيوبي وعمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب سوى تلامذة مقلدين يسيرون على هدي رسولنا الكريم محمد ﷺ في هذا الطريق. الإسلام وسلام الزمان . اقتطع الإسلام ثلث الدهر ليجعل منه وقت سلام يأمن فيه الناس على أموالهم وأنفسهم، فكانت الأشهر الحرم الأربعة من كل عام وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، قال

стр. 1722

تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة: ٣٦). الإسلام وسلام المكان . كما منع الإسلام القتال في أشهر معينة من الزمن (السنة) فقد عين مكانين لا يجوز القتال فيهما، ولا يجوز حمل السلاح لثأر أو سواه، ولا يقطع فيهما شجر ولا يروع صيد، وهذان المكانان هما: مكة المكرمة والمدينة، بدائرة يصل قطرها إلى ثمانية وعشرين ميلًا، إذ اعتبر الإسلام الحرم المكي والحرم المدني مكانين للعبادة مخُصَّصين لها لا يجوز فيهما قتال أو إحداث شرّ مهما كان نوعه، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : "إني حرّمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة"، فكان أحدنا يجد الطير في يده فيفكه ويرسله. هذا هو الإسلام يعتني بالإنسان؛ فيوفر له المكان الآمن الذي يحرّم فيه القتال، ويوفر له الزمان الآمن الذي لا يجوز فيه قتال، فأين نجد سلامًا إن لم نجده في دين الله (١). الوجه الثاني: إن من يقرأ سيرة النبي ﷺ يتضح له بجلاء كذب هذه الشبهة وبيان زيفها . فقد بدأ الرسول العربي الكريم ﷺ دعوته في مكة بأن عرض الإسلام على بعض أصحابه الثقات: فأسلم الصدِّيق وعثمان وابن العوام وسعد وابن عوف وغيرهم .. كما عرض نفسه في موسم الحج على القبائل داعيًا إلى دين الله ﷻ . فاستجاب قوم من الأوس والخزرج. وبقي النبي ﷺ يدعو في مكة محتملًا الأذى والألم والاضطهاد والظلم من قريش، وهاجر إلى المدينة دون أن يريق قطرة دم، وبعد قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة حارب النبي ﷺ الفئات التالية: ١ - قريش "سكان مكة المكرمة". ٢ - اليهود "في المدينة المنورة وفي خيبر".

стр. 1723

٣ - الروم والغساسنة العرب الخاضعين لهم. فلماذا حارب النبي ﷺ والمسلمون هؤلاء؟ ١ - قريش: مكث النبي ﷺ بمكة "مسقط رأسه" ثلاث عشرة سنة. يدعو الناس بالحجة والموعظة الحسنة، وقد أذاقته قريش هو والمؤمنين عامة كل صنوف الأذى. وصبَّر الله نبيه ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: ٣٥)، وذكر الله قصة "أصحاب الأخدود" الذين تحملوا النار في سبيل الله -كما ورد في سورة البروج وهي مكية- وذكر له قصص الأنبياء في "الأنبياء" ومنها قصة "ذي النون" "يونس ﵇". ومغزاها أن اصبر في قومك ولا تكن كذي النون الذي لم يصبر و ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ (الأنبياء: ٨٧) فصبَّر الله النبي ﷺ ، وصبَّر النبي ﷺ صحابته. ثم هاجر النبي بعد أن أذن الله له فصودرت أمواله وأموال المسلمين فظلم وظلم أصحابه، وفي المدينة أعلن على قريش مقابل ما سبق حربًا اقتصادية يرغمها بها على الاعتراف بحقوقه في مكة وحقه في نشر الدعوة، فخرج يريد قافلة أبي سفيان ولكنها تمكنت من الإفلات، ولكن قريشًا خرجت إلى رسول الله ﷺ بقضِّها وقضيضها، بكامل قوتها حتى عبيدها خرجوا معها، فأذن الله لنبيه بالقتال بالآيات التالية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠). ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ (البقر ة ١٩٠: ١٩٣).

стр. 1724

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٧٥). فنرى أن القتال لم يشرع إلا "دفاعًا عن النفس" وما إلى ذلك من العرض والمال، وما يذكر بالفخر والكرامة لرسول الله- وكل سيرته عزة وفخر وكرامة ﷺ - أنه في بدر ما أراد قتالًا أو سفك دماء، إنه أراد حربًا اقتصادية ليعوض عما ذهب وصودر في مكة، وفي أحد أراد البقاء في المدينة والمحاصرة لدفع قريش بأقل خسائر، وفي الخندق -غزوة الأحزاب- اتخذ ﷺ موقف المدافع وفرَّق قريشًا بإنشاب خلاف بينهم كي لا تزهق أرواح من الطرفين، وعندما أراد فتح مكة (١) أغلق وقطع الطرق الذاهبة إلى مكة كي يعود إلى بلده التي أخرج منها، وليفهم قريشًا التي تطاولت على نقض صلح الحديبية ولم تف بعهدها. استخفافًا وحقدًا عندما رأت القبائل العربية تدخل في دين الله بالإقناع والموعظة الحسنة؛ ليفهمها أن دعايتها عن محمد أنه: كاهن، أو شاعر، أو مجنون، قد تكشفت أمام العرب، ورأى العرب في محمد رسول الله ﷺ عاقلًا حكيمًا .... دعوته حق ورسالته صدق. أراد النبي ﷺ دخول مكة دون أن تزهق أرواح أو تراق دماء. وبالفعل فإنه لما وصل إلى قرب مكة جاءه أبو سفيان، فقال النبي ﷺ للعباس: "اذهب فاحبس أبا سفيان عند خطم (٢) الجبل بمضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله" (٣). وهنا أراد النبي ﷺ أن يذهب أبو سفيان بعد هذا وفي نفسه خوف من قوة النبي ﷺ ليقنع قريشًا بعدم جدوى المقاومة، وقال النبي ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو

стр. 1725

آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" (١)، وبالفعل فقد وصل أبو سفيان مكة فقال: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به .. (٢) وعهد النبي إلى أمرائه عند دخول مكة "أن لا يقتلوا أحدًا إلا من قاتلهم" (٣). فالنبي ﷺ كان حريصًا على عدم سفك الدماء. ٢ - حروب النبي ﷺ ضد اليهود: النبي ﷺ مُحِقٌّ كل الحق في إجلاء اليهود من بني قينقاع بعد بدر؛ لمؤامرتهم وتطاولهم وغرورهم، فمن أقوالهم: "يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة" ويقول ابن الأثير: "فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه". والنبيُّ ﷺ محق كل الحق في إجلاء يهود بني النضير بعد أحد؛ لأنهم تآمروا مع قريش ضد المسلمين. والنبيُّ ﷺ محق كل الحق في حكمه ببني قريظة بعد الخندق، لنكثهم عهودهم معه، وهو في أشد ساعات الحرج، بعد أن ساعدوا قريشًا وحرضوها ضد رسول الله ﷺ . ٣ - حروب النبي ﷺ ضد الغساسنة وأسيادهم الروم: وذلك في معركتي: "مؤتة سنة ٨ هـ، وتبوك سنة ٩ هـ". مؤتة: أرسل النبي ﷺ في السنة الثامنة للهجرة رسولًا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الغساسنة يدعوه إلى الإسلام، فقتل الحارث رسول رسول الله: شجاع بن وهب الأسدي (وليس هكذا تعامل الرُّسل والوفود، ففي هذا انتهاك للعرف الدولي، وأن الرسل لا تقتل مهما عملت، ومهما تكلمت). وقال: "من ينزع مني ملكي أنا سائر إليه" (٤). مع أن النبي ﷺ ما أراد منه ملكه؛ بل أراد هدايته وإسلامه فحسب.

стр. 1726

ولما سبق، سيَّر الرسول ﷺ جيشًا من ثلاثة آلاف مجاهد بقيادة مولاه زيد بن حارثة لتأديب من قتل ممثل الإسلام والنبوة. فلقى زيد جموع الغساسنة ومعهم الروم عند مؤتة، ولا تهمنا حوادث المعركة؛ بل يهمنا أن النبي ﷺ ما رفع سيفًا بوجه الغساسنة وأسيادهم الروم إلا بعد قتل رسوله إليهم، واستعداد الحارث للسير إلى المدينة المنورة لحرب الإسلام في عاصمة الإسلام، فكانت سرية مؤتة عملًا دفاعيًا. تبوك: بلغ الرسول ﷺ أن الروم تجمعوا على حدود فلسطين لقتال المسلمين ومعهم بعض القبائل العربية المتنصِّرة، فدعا المسلمين للخروج إليهم قبل أن يغزوهم في عقر دارهم. وبالفعل فقد وصل ﷺ تبوك وأقام فيها أيامًا، فصالحه أهلها بعد انسحاب الجيش الرومي باتجاه الشمال، وصالح أمير دومة الجندل وأيلة وعاد دون سفك دماء. وهكذا فإن مسير النبي ﷺ إلى تبوك كان لأسباب مشروعة جلية. وصفوة القول لقد خاض النبي ﷺ حروبًا عادلة بعد أن وضع السلم أساسًا لسياسته والحرب للدفاع، وكان الحفاظ على الأرواح أمله، وكان تأديب الظالم المغرور بأقل دماء هدفه، وكان التسامح منطبعًا في ذاته وهو غايته. فالنبي ﷺ القدوة الحسنة والأسوة لمن بعده في الجهاد. الوجه الثالث: نبذ الإسلام العنف واستخدامه الحوار وفي مجال الدعوة إلى الله نجد أن الإسلام ينبذ العنف لأن الدعوة الإسلامية تستهدف البدء بتغيير النفس، وإعادة صياغة الإنسان قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرعد: ١١). وتغيير ما بأنفسهم وما بداخلهم لا يتأتى بالإكراه أو العنف؛ لأن العنف يؤدي إلى النفاق، فإذا استعملت العنف في الدعوة أكرهت الآخرين، فأنت تكسب بذلك منافقًا لا

стр. 1727

مؤمنًا، لأنك تكسب الظاهر، أما الداخل أو الباطن فلا يظهر، ومن هنا كانت وما زالت الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار والجدال بالتي هي أحسن سبيل الدعوة. فالذين يلجئون إلى العنف في الدعوة اليوم، أو في فرض آرائهم هؤلاء مخالفون تمام المخالفة لمناهج الإسلام في الدعوة، هذا المنهاج الذي هو منهاج القرآن. إذن النقطة الأساسية في بداية الدعوة الإسلامية هي تغيير ما في النفس، وهذا لا يتأتى بالإكراه أو العنف، فالعنف عادة يكون رد فعل لعنف آخر أو رد فعل لقيود عنيفة تمارس على حريات الإنسان، فيرفضها رفضًا عنيفًا. إن استخدام القوة لا يجوز إلا دفاعًا عن النفس وحماية للأرض والعرض والحفاظ على حرمات الله ومقدساتنا، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: ٢٩)، وقال : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: ١٢٦)، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١٩٤). فلا بد أن نكون رحماء فيما بيننا؛ لنحقق المنهج الإسلامي في الوسطية والبعد عن الإفراط والتفريط. فالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن هي من أبرز وسائل الدعوة إلى الله، وهي علامة على وسطية الأمة واعتدالها في التعامل مع وجهات النظر؛ بل مع المخالف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، وقد كان رسول الله ﷺ يحاور الناس ويبحث عمن يقبل دعوته، واستخدم رسولنا ﷺ الوسائل المتعددة لتبليغ الرسالة ومنها الحوار. وقد سمى الله صلح الحديبية الذي عارضه أغلب الصحابة وعدوه ضيمًا سماه فتحًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (الفتح: ١)؛ وذلك لما ترتب عليه من ثمرات

стр. 1728

وفتوح كان من أعظمها الحوار بين المسلمين والمشركين، وعرض المسلمين لدينهم الأمر الذي كان ممنوعًا وغير مقبول قبل هذا الصلح فدخل الناس بعده في دين الله أفواجًا. فالواجب على المسلمين الاعتدال في الدعوة إلى الله فلا غلظة ولا شدة؛ بل قول لين وموعظة حسنة ورفق بالمدعوين، وإرشاد بالحسنى للضالين عن الصراط المستقيم، وستر على المسلمين، ومجادلة وحوار مع الجميع بالتي هي أحسن. وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (يوسف: ١٠٨)، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (النحل: ١٢٥)، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب. وقال الرسول المصطفى ﷺ : "إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ" (١) إن وسطية هذا الدين وسماحته لو ظهرت للناس على حقيقتها، لوجد التائهون فيه ضالتهم المنشودة وسعادتهم وغبطتهم، ولتحقق لهم النصر العظيم والفوز المبين، ولو أعطى المسلمون بسلوكهم المنهج الوسط لكان للإسلام شأن أعظم وأرض أرحب. ولهذا فإن الواجب تعميق مفهوم الوسطية بالتوعية والإرشاد والقدوة، ومقارعة الحجة بالحكمة والموعظة الحسنة، ينهض بذلك العلماء وأهل الهدى، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة من الآية: ١١)، وقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩). على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في

стр. 1729

دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن. إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه. وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيرًا ما يهدي القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ. وبالجدل بالتي هي أحسن بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح. حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس الهدف هو الغلبة في الجدل، ولكن بالإقناع وإظهار الحق (١). الوجه الرابع: إن من يقرأ مفهوم الجهاد في الإسلام ويعرف غاياته وأهدافه يتضح له بجلاء زيف هذه الشبهة . لم يفرض الله الجهاد لإكراه الناس على الإسلام. فالإكراه لا يؤسس عقيدة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦). لذلك فإن الإسلام لا يقهر، ولا يجبر امرءًا على دين يرفضه. وعلى هذا فالحرية مكفولة في أحكام ودستور الإسلام. ولو صح قول بعضهم: إن الإسلام سل سيفًا وفرض نفسه على الناس جبرًا لما وجدنا شيئا اسمه: "الجزية" أو "ذميون" فالجزية لغير المسلمين الذين لم يرضوا دخول الإسلام، ولم يجبرهم الإسلام على اعتناقه، إنهم في حرية تامة، عقائدهم ومعابدهم محترمة يطبقون أحكام دينهم فيما بينهم.

стр. 1730

فالحجة وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤). ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١ - ٢٢). ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ (ق: ٤٥). وقد صرحت الآيات في القرآن الكريم أن الله تعالى لم يرد من خلقه أن يكونوا مؤمنين عن طريق القهر؛ بل عن طريق النظر، إذ لو أراد سبحانه إيمانا قهريًّا لطبعهم عليه كما طبع الملائكة، لكنه ترك البشر وما يختارون، واكتفى بأن أخذ عليهم مواثيق الفطرة وأشهدهم بها على أنفسهم، وأرسل إليهم رسلًا تذكرهم وتدعوهم إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمَّا كان من سننه سبحانه في بني الإنسان أن تختلف عقولهم وأفكارهم، وتتفاوت أنظارهم في الآيات الدالة على الإيمان فيؤمن بعض ويكفر آخرون، جاءت نصوص الإسلام داعية إلى الإيمان بالله عن طريق النظر والاختيار قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: ٩٨: ١٠١). وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩). وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ (الأنعام: ٣٥). بل وأفادت الآيات كذلك أن تلك هي طبيعة الدعوات السماوية قاطبة التي جاءت بها رسل الله أجمعين.

стр. 1731

فجاء على لسان نوح ﵇: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: ٢٨) وفي دعوة إبراهيم لأبيه "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه". وفي دعوة موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٤) وفي دعوة نبينا ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١، ٢٢). بل إن الوقائع التاريخية لتؤكد كذلك خلو الدعوة الإسلامية من الإكراه، وإلا فأين الإكراه الذي فرض على المسلمين في مكة قبول الدين؟ إن النبي ﷺ نفسه كان مضطهدًا، ومن حوله من أتباع كانوا يعذبون ويضطهدون، وحالة كهذه لا يعقل أن يكون معها إرغام على الإسلام؛ بل قد تكون مانعة من الدخول في الإسلام أو إظهاره على الأقل (١). وعبر تاريخ دولة الإسلام كان يعيش في داخلها غير المسلمين في مراحل قوتها وضعفها، فلم يجبروا على ترك معتقداتهم أو يكرهوا على الدخول في الإسلام، والقاعدة العظمى في الإسلام أن لا إكراه في الدين، ولذا فقد عاش الذميون وغيرهم في كنف دولة الإسلام دون أن يتعرض أحد لعقائدهم ودياناتهم (٢). إن الإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه، أو مصادرة حقوقهم، أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم، أو المساس الجائر لأموالهم وأعراضهم ودمائهم، وتاريخ الإسلام في هذا المجال أنصع تاريخ على وجه الأرض (٣). ومن المقرر عند الفقهاء أنه لو أكره أحد على الإسلام فإنه لا يصح إسلامه. قال في المغني: "وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له

стр. 1732

حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا" (١). ولذلك فإنه إذا عاد إلى دينه بعد زوال الإكراه لم يحكم بردته، ولا يجوز قتله ولا إكراهه على الإسلام، ونقل ابن قدامة إجماع أهل العلم على أن الذمي إذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن، لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه (٢). ومن سماحة الإسلام في المعاملة أن شرع العدل مع المخالف، وجعل ذلك دليلا على التقوى التي رتب عليها أعظم الجزاء قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨). ولذا فإن من يتأمل أحكام الإسلام وتاريخ المسلمين يجد أنه لا يمكن أن يقوم مجتمع تحترم فيه الحقوق والواجبات كما في دولة الإسلام، وفي أوج عزة دولة الإسلام وقوتها كان يوجد من غير المسلمين العلماء والأدباء والأطباء والنابغون في مختلف الفنون والأعمال، وهل يمكن أن يكون لهؤلاء ظهور ونبوغ في أعمالهم لولا سماحة الإسلام ونبذه للتعصب الديني؟ إن المعاهد في بلد الإسلام لا يعيش على هامش المجتمع؛ بل يشارك ويخالط أفراد المجتمع، وقد يسند إليه بعض الأعمال التي هي من صميم عمل أهل الإسلام، فقد جوز الخرقي أن يكون الكافر من العاملين على الزكاة، وذكر في المغني أنها إحدى الروايتين عن الإمام أحمد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (التوبة: ٦٠). وهذا لفظ عام يدخل فيه أي عامل على أي صفة كانت، ولأن ما يأخذ على العمالة أجرة لعمله فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات (٣).

стр. 1733

بل صرح الإمام الماوردي بجواز أن يتولى الذمي وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض (١). لقد أطلق الإسلام على غير المسلمين الذين لهم ذمة أهل الذمة وعاملهم بها وهي تعني: العهد والأمان والضمان، والحرمة والحق (٢) وهو عهد منسوب إلى الله وإلى الرسول ﷺ قال ابن الأثير: "وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم" (٣). إن قوة هذا الدين وسلامة قواعده وتنوع أساليبه أوجدت مجالًا خصبًا للحوار والحرية والإبداع في المجتمع المسلم (٤). وإن من يأخذون ببعض النصوص من الكتاب أو السنة ويريدون تطبيقها في معاملة غير المسلمين يخطئون في فهم منهج الإسلام وطبيعته، فالواجب أن تؤخذ نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة كاملة، وتقرر معاملة المسلم مع غيره في ضوئها وعلى هديها، وفي القرآن العظيم آيات لا تحصر في الأمر بالبر والصلة والإحسان والعدل والقسط والوفاء بالعهد، والنصوص في ذلك مطلقة تستوعب كل أحد؛ بل إن نصوص الإحسان تشمل حتى الحيوان وفي الحديث عنه ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (٥)، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (البقرة: ١٩٥)، وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣)، وفي ظل هذا المفهوم العام للإحسان كان هدي النبي ﷺ في معاملة غير المسلمين (٦).

стр. 1734

الوجه الخامس: موقف الإسلام من أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية . جرى العرف الإسلامي على تسمية المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي باسم أهل الذمة، أو الذميين (١). والذمة كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم بناء على عقد الذمة، فهذه الذمة تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا الجنسية السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم. فالذمي على هذا الأساس من أهل دار الإسلام، كما يعبر الفقهاء (٢) أو من حاملي الجنسية الإسلامية كما يعبر المعاصرون (٣). وعقد الذمة عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم، وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية ورعايتها بشرط بذلهم الجزية، والتزامهم أحكام القانون الإسلامي في غير الشئون الدينية، وبهذا يصيرون من أهل دار الإسلام، فهذا العقد ينشئ حقوقًا متبادلة لكل من الطرفين المسلمين وأهل ذمتهم بإزاء ما عليه من واجبات. حقوق أهل الذمة: القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام أن لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين إلا في أمور محددة مستثناة، كما أن عليهم ما على المسلمين من واجبات إلا ما استثنى.

стр. 1735

حق الحماية: فأول هذه الحقوق هو حق تمتعهم بحماية الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وهذه الحماية تشمل حمايتهم من كل عدوان خارجي، ومن كل ظلم داخلي حتى ينعموا بالأمان والاستقرار. (أ) الحماية من الاعتداء الخارجي: أما الحماية من الاعتداء الخارجي فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين بما له من سلطة شرعية، وما لديه من قوة عسكرية أن يوفر لهم هذه الحماية قال في "مطالب أولي النهى" من كتب الحنابلة: يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب؛ بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد، وعلل ذلك بأنهم: (جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين) (١). وينقل الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع": إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة (٢). وحكى في ذلك إجماع الأمة. وعلق على ذلك القرافي بقوله: فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم (٣). (ب) الحماية من الظلم الداخلي: وأما الحماية من الظلم الداخلي فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم؛ بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا، أو يؤخر لهم العقاب مضاعفًا في الآخرة.

стр. 1736

وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم، وتقبيحه، وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة. يقول الرسول ﷺ : "من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة" (١). وفي عهد النبي ﷺ لأهل نجران أنه: "لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر" (٢). ولهذا كله اشتدت عناية المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين بدفع الظلم عن أهل الذمة، وكف الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قبلهم. كان عمر ﵁ يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: (ما نعلم إلا وفاء) (٣)، أي: بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين، وهذا يقتضي أن كلا من الطرفين وفَّى بما عليه. وعلي بن أبي طالب ﵁ يقول: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا (٤). وفقهاء المسلمين من كافة المذاهب الاجتهادية صرحوا وأكدوا بأن على المسلمين دفع الظلم عن أهل الذمة، والمحافظة عليهم؛ لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة قد التزموا دفع الظلم عنهم، وهم صاروا به من أهل دار الإسلام؛ بل صرح بعضهم بأن ظلم الذمي أشد من ظلم المسلم إثمًا (٥).

стр. 1737

حماية الدماء والأبدان: وحق الحماية المقرر لأهل الذمة يتضمن حماية دمائهم، وأنفسهم، وأبدانهم، كما يتضمن حماية أموالهم وأعراضهم. فدماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع. يقول الرسول ﷺ : "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (١). ولهذا أجمع فقهاء الإسلام على أن قتل الذمي كبيرة من كبائر المحرمات لهذا الوعيد في الحديث. حماية الأموال: ومثل حماية الأنفس، والأبدان حماية الأموال، وهذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب وفي جميع الأقطار ومختلف العصور. روى أبو يوسف في "الخراج" (٢) ما جاء به في عهد النبي ﷺ ، لأهل نجران: "ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله ﷺ ، على أموالهم، وملتهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ... ". وفي عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح أن: امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار جهم وأكل أموالهم إلا بحلها. فمن سرق مال ذمي قُطعِت يده، ومن غَصبه عزر، وأعيد المال إلى صاحبه، ومن استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه، فإن مطله وهو غني حبسه الحاكم حتى يؤدي ما عليه. حماية الأعراض: ويحمي الإسلام عرض الذمي وكرامته كما يحمي المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يسبه، أو يتهمه بالباطل، أو يشنع عليه بالكذب، أو يغتابه، ويذكره بما يكره في نفسه أو نسبه، أو خلقه، أو خَلْقِه أو غير ذلك مما يتعلق به. يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق": إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا - حمايتنا -، وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله ﷺ ؛ ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيع

стр. 1738

ذمة الله، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام (١). وفي "الدر المختار" من كتب الحنفية: يجب كف الأذى عن الذمي وتحرم غيبته كالمسلم. ويعلق العلامة ابن عابدين على ذلك بقوله: لأنه بعقد الذمة وجب له مالنا؛ فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته؛ بل قالوا إن ظلم الذمي أشد (٢). التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر: وأكثر من ذلك أن الإسلام ضمن لغير المسلمين في ظل دولته كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه؛ لأنهم رعية للدولة المسلمة، وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله ﷺ : "كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته" (٣). وهذا ما مضت به سنة الراشدين ومن بعدهم. ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله (٤)، وكان هذا في عهد أبي بكر الصديق، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصديق ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يعد إجماعًا. ورأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًّا يسأل الناس، فسأله عن ذلك فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًا ثم نخذله عند الهرم (٥).

стр. 1739

حرية التدين: ويحمي الإسلام فيما يحميه من حقوق أهل الذمة حق الحرية. وأول هذه الحريات: حرية الاعتقاد والتعبد، فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يجبر على تركه إلى غيره، ولا يضغط عليه أي ضغط ليتحول منه إلى الإسلام. وأساس هذا الحق قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وقوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩). قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه. وسبب نزول الآية -كما ذكر المفسرون - يبين لنا جانبًا من إعجاز هذا الدين، فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة - قليلة النسل - فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقال آباؤهم: لاندع أبناءنا. يعنون: لا ندعهم يعتنقون اليهودية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١). وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم، ورعى حرمة شعائرهم؛ بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٣٩ - ٤٠). وقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي ﷺ إلى أهل نجران أن لهم جوار الله، وذمة رسوله على أموالهم وملتهم وبيعهم.

стр. 1740

وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء - القدس - نص على حريتهم الدينية وحرمة معابدهم وشعائرهم: هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتها، لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود كما رواه الطبري (١). يقول العلامة الفرنسي غوستاف لوبون: (رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، والعبارات الآتية التي اقتطفها من كتب الكثيرين منهم تثبت أن رأينا في هذه المسألة ليس خاصًّا بنا. قال روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم، وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية) (٢). حرية العمل والكسب: لغير المسلمين حرية العمل والكسب، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين. فقد قرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع، والتجارات، وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين، ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا، فإنه محرم عليهم كالمسلمين، وقد روي أن

стр. 1741

النبي ﷺ ، كتب إلى مجوس هجر: "إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله". كما يمنع أهل الذمة من بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين، وفتح الخانات فيها لشرب الخمر، وتسهيل تداولها، أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الشهرة والظهور، ولو كان ذلك لاستمتاعهم الخاص سدًّا لذريعة الفساد، وإغلاقًا لباب الفتنة. وفيما عدا هذه الأمور المحدودة، يتمتع الذميون بتمام حريتهم في مباشرة التجارات، والصناعات، والحرف المختلفة. وهذا ما جرى عليه الأمر، ونطق به تاريخ المسلمين في شتى الأزمان، وكادت بعض المهن تكون مقصورة عليهم كالصيرفة والصيدلة وغيرها، واستمر ذلك إلى وقت قريب في كثير من بلاد الإسلام، وقد جمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة معفاة من الزكاة، ومن كل ضريبة إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح كما سيأتي، وهي مقدار جد زهيد. قال آدم ميتز: ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة، وتجارًا، وأصحاب ضياع، وأطباء؛ بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلًا يهودًا، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى، وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده) (١). ضمان العقيدة: أما الشريعة الإسلامية فهي شريعة الله وقانون السماء، الذي لا تبديل لكلماته، ولا جور في أحكامه، ولا يتم الإيمان إلا بطاعته، والرضا به. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦). ولهذا يحرص كل مسلم يتمسك بدينه على تنفيذ أحكام هذه الشريعة ووصاياها؛ ليرضي ربه

стр. 1742

وينال ثوابه، لا يمنعه من ذلك عواطف القرابة والمودة، ولا مشاعر العداوة والشنآن. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨). واجبات أهل الذمة تلك هي حقوق المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهذه هي ضمانات الوفاء بتلك الحقوق، فما هي الواجبات التي فرضها عليهم الإسلام في مقابل التمتع بتلك الحقوق، فمن المقرر أن كل حق يقابله واجب؟ والواجب أن هؤلاء المواطنين أهل الذمة تنحصر واجباتهم في أمور معدودة هي: ١ - أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية، وهذه هي واجباتهم المالية. ٢ - التزام أحكام القانون الإسلامي في المعاملات المدنية ونحوها. ٣ - احترام شعائر المسلمين ومشاعرهم. الجزية والخراج: أما الجزية فهي ضريبة سنوية على الرؤوس، تتمثل في مقدار زهيد من المال يفرض على الرجال البالغين القادرين على حسب ثرواتهم، أما الفقراء فمعفون منها إعفاء تامًّا. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: ٧)، وليس للجزية حد معين، وإنما ترجع إلى تقدير الإمام الذي عليه أن يراعي طاقات الدافعين ولا يرهقهم، كما عليه أن يرعى المصلحة العامة للأمة. وقد جعل عمر الجزية على الموسرين ثانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسطين في اليسار أربعة وعشرين، وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين اثنى عشر درهمًا، وبهذا سبق الفكر الضريبي الحديث في تقرير مبدأ تفاوت الضريبة بتفاوت القدرة على الدفع، ولا تعارض بين صنيع عمر وقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارًا" (١) لأن الفقر كان في أهل اليمن أغلب، فراعى النبي ﷺ حالتهم.

стр. 1743

والأصل في وجوب الجزية من القرآن قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. ومعنى الصَّغار هنا التسليم، وإلقاء السلاح، والخضوع لحكم الدولة الإسلامية، ومن السنة أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، كذلك أخذ الخلفاء الراشدون الجزية من أهل الكتاب ومن في حكمهم في سائر البلاد المفتوحة، واستقر العمل عليه فصار إجماعًا. وأما الخراج فهو ضريبة مالية تفرض على رقبة الأرض إذا بقيت في أيديهم، ويرجع تقديره إلى الإمام أيضًا، فله أن يقاسمهم بنسبة معينة مما يخرج من الأرض كالثلث والربع مثلًا، وله أن يفرض عليهم مقدارًا محددًا، مكيلًا أو موزونًا بحسب ما تطيقه الأرض كما صنع عمر في سواد العراق، وقد يقوم ذلك بالنقود. والفرق بين الجزية والخراج أن الأولى تسقط بالإسلام، دون الخراج. فالذمي إذا أسلم لا يعفيه إسلامه من أداء الخراج؛ بل يظل عليه أيضًا، ويزيد على الذمي الباقي على ديانته الأصلية أنه يدفع العشر - أو نصفه - عن غلة الأرض بجوار دفع الخراج عن رقبتها، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة، فالخراج هو بمثابة ضريبة الأملاك العقارية اليوم، والعشر بمثابة ضريبة الاستغلال الزراعي. ومن الناس من ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية فيحسبون الإسلام متعسفًا في فرضه الجزية على غير المسلمين. ولو أنهم أنصفوا وتأملوا حقيقة الأمر لعلموا أن الإسلام كان منصفًا كل الإنصاف في إيجابه هذه الجزية الزهيدة. فقد أوجب الإسلام على أبنائه الخدمة العسكرية باعتبارها فرض كفاية، أو فرض عين، وناط بهم واجب الدفاع عن الدولة، وأعفي من ذلك غير المسلمين، وإن كانوا يعيشون في ظل دولته.

стр. 1744

ذلك أن الدولة الإسلامية دولة عقائدية - أو بتعبير المعاصرين أيديولوجية - أي: أنها دولة تقوم على مبدأ وفكرة، ومثل هذه الدولة لا يقاتل دفاعًا عنها إلا الذين يؤمنون بصحة مبدئها وسلامة فكرتها، وليس من المعقول أن يؤخذ شخص ليضع رأسه على كفه، ويسفك دمه من أجل فكرة يعتقد ببطلانها، وفي سبيل دين لا يؤمن به، والغالب أن دين المخالفين ذاته لا يسمح لهم بالدفاع عن دين آخر والقتال من أجله. ولهذا قصر الإسلام واجب الجهاد على المسلمين؛ لأنه يعد فريضة دينية مقدسة، وعبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه حتى إن ثواب المجاهد ليفضل ثواب العابد القانت الذي يصوم النهار ويقوم الليل. ولكن الإسلام فرض على هؤلاء المواطنين من غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدفاع، والحماية للوطن عن طريق ما عرف في المصطلح الإسلامي باسم الجزية. فالجزية - فضلًا عن كونها علامة خضوع للحكم الإسلامي - هي في الحقيقة بدل مالي عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين. ولهذا فرضها الإسلام على كل قادر على حمل السلاح من الرجال، فلا تجب على امرأة، ولا صبي؛ لأنهما ليسا من أهل القتال، وقد قال عمر: لا تضربوها على النساء والصبيان، ولهذا قال الفقهاء: لو أن امرأة بذلت الجزية ليسمح لها بدخول دار الإسلام تمكن من دخولها مجانًا، ويرد عليها ما أعطته؛ لأنه أخذ بغير حق، وإن أعطتها تبرعًا مع علمها بأن لا جزية عليها قبلت منها، وتعتبر هبة من الهبات. ومثل المرأة والصبي الشيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، والمعتوه، وكل من ليس من أهل السلاح.

стр. 1745

ومن سماحة المسلمين أنهم قرروا أن لا جزية على الراهب المنقطع للعبادة في صومعته؛ لأنه ليس من أهل القتال (١). يقول المؤرخ الغربي آدم ميتز: (كان أهل الذمة - بحكم ما يتمتعون به من تسامح المسلمين معهم، ومن حمايتهم لهم - يدفعون الجزية كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون، وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار) (٢). على أن هناك علة أخرى لإيجاب الجزية على أهل الذمة، وهي العلة التي تبرر فرض الضرائب من أي حكومة في أي عصر على رعاياها، وهي إشراكهم في نفقات المرافق العامة التي يتمتع الجميع بثمراتها ووجوه نشاطها، كالقضاء والشرطة، وما تقوم به الدولة من إصلاح الطرق وإقامة الجسور، وما يلزمها من كفالة المعيشة الملائمة لكل فرد يستظل بظلها مسلمًا كان أو غير مسلم. والمسلمون يسهمون في ذلك بما يدفعونه من زكاة عن نقودهم، وتجاراتهم، وأنعامهم، وزروعهم، وثمارهم، فضلًا عن صدقة الفطر وغيرها، فلا عجب أن يطلب من غير المسلمين المساهمة بهذا القدر الزهيد وهو الجزية. ومن ثم وجدنا كتب الفقه المالكي تضع أحكام الجزية لأهل الذمة في صلب أحكام الزكاة للمسلمين (٣). إن الجزية بدل عن الحماية العسكرية التي تقوم بها الدولة الإسلامية لأهل ذمته في المرتبة الأولى، فإذا لم تستطع الدولة أن تقوم بهذه الحماية لم يعد لها حق في هذه الجزية أو هذه الضريبة.

стр. 1746

وهذا ما صنعه أبو عبيدة حين أبلغه نوابه عن مدن الشام بتجمع جحافل الروم، فكتب إليهم أن يردوا الجزية عمن أخذوها منه، وأمرهم أن يعلنوهم بهذا البلاغ: إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه قد بلغنا ما جُمِعَ لنا من الجموع، وإنكم اشترطم علينا أن نمنعكم، أي نحميكم إنَّا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشروط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. رواه أبو يوسف في "الخراج". وجاء في كثير من العقود التي كتبها قواد المسلمين كخالد وغيره لأهل الذمة مثل هذا النص: إن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم. كما روى ذلك الطبري في تاريخه. وتسقط الجزية أيضًا باشتراك أهل الذمة مع المسلمين في القتال والدفاع عن دار الإسلام ضد أعداء الإسلام، وقد نص على ذلك صراحة في بعض العهود والمواثيق التي أُبرمت بين المسلمين، وأهل الذمة في عهد عمر ﵁ (١). أما طريقة جمع الجزية وموعدها فيقول صاحب كتاب "الإسلام وأهل الذمة" (٢) أخذًا عن أوثق المصادر: كانت الجزية تجمع مرة واحدة كل سنة بالشهور الهلالية (٣)، وكان يسمح بدفع الجزية نقدًا أو عينًا، لكن لا يسمح بتقديم الميتة، أو الخنزير، أو الخمر بدلًا من الجزية. وأمر عمر بن الخطاب بالتخفيف عن أهل الذمة فقال: من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه؛ فإنا لا نريدهم لعام أو لعامين (٤)، وكانت الدولة الإسلامية كثيرًا ما تؤخر موعد تأدية الجزية حتى تنضج المحصولات الزراعية، فيستطيع أهل الذمة تأديتها

стр. 1747

دون أن يرهقهم ذلك، فقال أبو عبيد (١): وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم. واتبعت الدولة الاسلامية الرفق والرحمة في جمع الجزية، فقد قدم أحد عمال عمر بن الخطاب عليه بأموال الجزية فوجدها عمر كثيرة فقال لعامله: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ فقال: لا، والله ما أخذنا إلا عفوًا صفوًا، فقال عمر: بلا سوط، ولا نوط؟ فقال: نعم، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني (٢). والواجب الثاني على أهل الذمة: أن يلتزموا أحكام الإسلام التي تطبق على المسلمين؛ لأنهم بمقتضى الذمة أصبحوا يحملون جنسية الدولة الإسلامية فعليهم أن يتقيدوا بقوانينها التي لا تمس عقائدهم وحريتهم الدينية. فليس عليهم أي تكليف من التكاليف التعبدية للمسلمين، أو التي لها صبغة تعبدية أو دينية مثل الزكاة التي هي ضريبة وعبادة في الوقت نفسه، ومثل الجهاد الذي هو خدمة عسكرية وفريضة إسلامية. ومن أجل ذلك فرض الإسلام عليهم الجزية بدلًا من الجهاد والزكاة -كما عرفنا- رعاية لشعورهم الديني أن يفرض عليهم ما هو من عبادات الإسلام. وليس عليهم في أحوالهم الشخصية والاجتماعية أن يتنازلوا عما أحله له دينهم، وإن كان قد حرمه الإسلام، كما في الزواج، والطلاق، وأكل الخنزير، وشرب الخمر. فالإسلام يقرهم على ما يعتقدون حله، ولا يتعرض لهم في ذلك بإبطال ولا عتاب. فالمجوسي الذي يتزوج إحدى محارمه، واليهودي الذي يتزوج بنت أخيه، والنصراني الذي يأكل الخنزير، ويشرب الخمر، لا يتدخل الإسلام في شئونهم هذه ما داموا يعتقدون حلها، فقد أمر المسلمون أن يتركوهم وما يدينون، فإذا رضوا بالاحتكام إلى شرع المسلمين في هذه الأمور حكمنا فيهم بحكم الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا

стр. 1748

تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: ٤٩). مراعاة شعور المسلمين: والواجب الثالث عليهم: أن يحترموا شعور المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيهم، وأن يراعوا هيبة الدولة الإسلامية التي تظلهم بحمايتها ورعايتها. فلا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام ورسوله وكتابه جهرة، ولا أن يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها، ما لم يكن ذلك جزءًا من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصارى. ولا يجوز لهم أن يتظاهروا بشرب الخمر وأكل الخنزير، ونحو ذلك مما يحرم في دين الإسلام، كما لا يجوز لهم أن يبيعوها لأفراد المسلمين، لما في ذلك من إفساد المجتمع الإسلامي. وعليهم ألا يظهروا الأكل والشرب في نهار رمضان، مراعاة لعواطف المسلمين. وكل ما يراه الإسلام منكرًا في حق أبنائه، وهو مباح في دينهم، فعليهم -إن فعلوه- ألا يعلنوا به، ولا يظهروا في صورة المتحدي لجمهور المسلمين حتى تعيش عناصر المجتمع كلها في سلام ووئام. إن التسامح الديني والفكري له درجات ومراتب. فالدرجة الدنيا من التسامح أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك، أو مذهبك، بحيث إذا أبى حكمت عليه بالموت، أو العذاب، أو المصادرة، أو النفي، أو غير ذلك من ألوان العقوبات والاضطهاد. فتدع له حرية الاعتقاد، ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية التي تفرضها عليه عقيدته، والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه. والدرجة الوسطى من التسامح أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته، فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم؛ لأنه لا يفعله إلا وهو

стр. 1749

يشعر بمخالفة دينه (١). وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنسية يوم الأحد فلا يجوز أن يمنع من ذلك في هذا اليوم. والدرجة التي تعلو هذه في التسامح: ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم، وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك. وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح. فقد التزموا كل ما يعتقده غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم، وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك مراعاة لشريعة الدولة، ودينها، ولا يُتهموا بكثير من التعصب أو قليل ذلك؛ لأن الشيء الذي يحله دين من الأديان ليس فرضًا على أتباعه أن يفعلوه؛ فإذا كان دين المجوسي يبيح له الزواج من أمه أو أخته فيمكنه أن يتزوج من غيرهما ولا حرج وإذا كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير؛ فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير وفي لحوم البقر، والغنم، والطير متسع له. ومثل ذلك الخمر، فإذا كان الإنجيل قد جاء بإباحتها فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر. فلو أن الإسلام قال للذميين دعوا زواج المحارم، وشرب الخمر، وأكل الخنازير مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين، لم يكن عليهم في ذلك أي حرج ديني؛ لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكرًا، ولا أخلوا بواجب مقدس. ومع هذا لم يقل الإسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون.

стр. 1750

على أن هناك شيئًا آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات. ذلك هو روح التسامح التي تبدو في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يُغني فيها قانون ولا قضاء. وهذه الروح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي. تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥). وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (الممتحنة: ٨). وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨)، ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين. وفي قول القرآن يجيب عن شبهة المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم، وجيرانهم من المشركين المصرين: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢). هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه. وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: "نعم صلي أمك" (١).

стр. 1751

وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول ﷺ لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم. وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين، فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وهذا من مساكين أهل الكتاب (١). ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين. وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة -أبي لؤلؤة المجوسي- فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده، وهو على فراش الموت فيقول: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدِهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم (٢). وابن عمر يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي، قال ابن عمر: إن النبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٣). وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية فشيعها أصحاب رسول الله ﷺ وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى، ولا يرون في ذلك حرجًا؛ بل

стр. 1752

ذهب بعضهم كعكرمة، وابن سيرين، والزهري إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها. وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: أنه سُئِل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم (١). وذكر القاضي عياض في "ترتيب المدارك" قال: حدث الدارقطني: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق، دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر (٢). وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم، وحرماتهم كحرمات المسنمين. ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم، فذكر من ذلك الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم في الجوار- مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا تطيعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم ...... إلخ (٣).

стр. 1753

وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم وأهمها: ١ - اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية. ومن الأمثلة العملية ما ذكرناه من قبل، وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن جنازة مرت على النبي ﷺ فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفسًا؟ ! " (١). بلى، ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف! وما أروع التفسير والتعليل! ٢ - ليس المسلم مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج: ٦٨ - ٦٩). وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: ﴿فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]. وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد. ٣ - إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم على كافر. قال تعالى:

стр. 1754

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨). وقال ﷺ : "دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا- ليس دونها حجاب" (١). كثيرًا ما توضع شرائع حسنة، وأحكام عادلة، ومبادئ قيمة، ولكنها تظل حبرًا على ورق، فلا توضع موضع التنفيذ، ولا يبالي بها الذين في أيديهم سلطة الأمر والنهي والإبرام والنقض. ولكن ميزة المبادئ والأحكام الإسلامية أنها مبادئ ربانية الأصول دينية الصبغة، ولهذا وجدت من القبول والاستجابة ما لم تجده أي شريعة أخرى أو قانون مما يضع البشر بعضهم لبعض. وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلامية في مختلف عصورها، وشتى أقدارها بأروع مظاهر التسامح الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم في معظم بقاع الأرض فلا يجدونه. شبهات حول معاملة غير المسلمين الشبهة الأولى: الجزية: يثير المبشرون والمستشرقون قضية الجزية التي غُلِّفَت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام. والجواب عن هذه الشبهة أن الجزية كما تقدم بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين وهما فريضة الجهاد وفريضة الزكاة. وتتجلى مظاهر التسامح في فرض الجزية على أهل الذمة فيما يلي: ١ - كون الإسلام قد ارتضى من أهل الذمة الجزية ولم يقاتلهم رغم أنهم كفار، هذا في حد ذاته مظهر من مظاهر التسامح والسلام.

стр. 1755

٢ - إذا نظرنا إلى حكمة تشريع الجزية نجد فيها مظهرًا من مظاهر التسامح والسلام؛ لأن الجزية في الواقع ونفس الأمر ليست سوى ضريبة دفاع على حد تعبيرنا المعاصر؛ لأنها مقابل مادي نظير ما يتمتع به أهل الذمة من حماية في ديار الإسلام، وهذه الحماية لا تقدر بمال. ٣ - وإذا كانت الجزية ضريبة دفاع فأي غضاضة في أن يدفع أهل الذمة هذه الضريبة؟ مع العلم بأن التشريعات الوضعية قد ألزمت المواطنين كلهم مسلمين وغير مسلمين بدفع الضرائب المختلفة كالضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة، والضريبة على الأرباح التجارية والصناعية والضريبة على المرتبات، والضريبة على أرباح المهن غير التجارية، والضريبة العامة على الدخل ..... إلخ ٤ - حرم الإسلام تكليف أهل الذمة ما لا قدرة لهم عليه، كما حرم ضربهم أو تعذيبهم أو حبسهم على أداء الجزية (١). وهذه شهادات منصفة من باحثين غربيين تتحدث عن الجزية وها هي بعض نصوصها: ١ - إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئًا ضئيلًا من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية (٢). ٢ - إن هذه الإتاوات المفروضة كانت سببًا لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك (٣). ٣ - تكلمت لورافيشيا فاغليري عن المعاهدات التي وقعها المسلمون مع الذميين، وقالت عن هذه الاتفاقيات: منحت تلك الشعوب حرية الاحتفاظ بأديانها القديمة،
следующие страницы →