← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول ﷺ لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم. وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين، فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وهذا من مساكين أهل الكتاب (١). ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين. وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة -أبي لؤلؤة المجوسي- فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده، وهو على فراش الموت فيقول: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدِهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم (٢). وابن عمر يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي، قال ابن عمر: إن النبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٣). وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية فشيعها أصحاب رسول الله ﷺ وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى، ولا يرون في ذلك حرجًا؛ بل

стр. 1752

ذهب بعضهم كعكرمة، وابن سيرين، والزهري إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها. وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: أنه سُئِل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم (١). وذكر القاضي عياض في "ترتيب المدارك" قال: حدث الدارقطني: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق، دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر (٢). وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم، وحرماتهم كحرمات المسنمين. ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم، فذكر من ذلك الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم في الجوار- مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا تطيعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم ...... إلخ (٣).

стр. 1753

وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم وأهمها: ١ - اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية. ومن الأمثلة العملية ما ذكرناه من قبل، وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن جنازة مرت على النبي ﷺ فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفسًا؟ ! " (١). بلى، ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف! وما أروع التفسير والتعليل! ٢ - ليس المسلم مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج: ٦٨ - ٦٩). وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: ﴿فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]. وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد. ٣ - إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم على كافر. قال تعالى:

стр. 1754

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨). وقال ﷺ : "دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا- ليس دونها حجاب" (١). كثيرًا ما توضع شرائع حسنة، وأحكام عادلة، ومبادئ قيمة، ولكنها تظل حبرًا على ورق، فلا توضع موضع التنفيذ، ولا يبالي بها الذين في أيديهم سلطة الأمر والنهي والإبرام والنقض. ولكن ميزة المبادئ والأحكام الإسلامية أنها مبادئ ربانية الأصول دينية الصبغة، ولهذا وجدت من القبول والاستجابة ما لم تجده أي شريعة أخرى أو قانون مما يضع البشر بعضهم لبعض. وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلامية في مختلف عصورها، وشتى أقدارها بأروع مظاهر التسامح الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم في معظم بقاع الأرض فلا يجدونه. شبهات حول معاملة غير المسلمين الشبهة الأولى: الجزية: يثير المبشرون والمستشرقون قضية الجزية التي غُلِّفَت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام. والجواب عن هذه الشبهة أن الجزية كما تقدم بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين وهما فريضة الجهاد وفريضة الزكاة. وتتجلى مظاهر التسامح في فرض الجزية على أهل الذمة فيما يلي: ١ - كون الإسلام قد ارتضى من أهل الذمة الجزية ولم يقاتلهم رغم أنهم كفار، هذا في حد ذاته مظهر من مظاهر التسامح والسلام.

стр. 1755

٢ - إذا نظرنا إلى حكمة تشريع الجزية نجد فيها مظهرًا من مظاهر التسامح والسلام؛ لأن الجزية في الواقع ونفس الأمر ليست سوى ضريبة دفاع على حد تعبيرنا المعاصر؛ لأنها مقابل مادي نظير ما يتمتع به أهل الذمة من حماية في ديار الإسلام، وهذه الحماية لا تقدر بمال. ٣ - وإذا كانت الجزية ضريبة دفاع فأي غضاضة في أن يدفع أهل الذمة هذه الضريبة؟ مع العلم بأن التشريعات الوضعية قد ألزمت المواطنين كلهم مسلمين وغير مسلمين بدفع الضرائب المختلفة كالضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة، والضريبة على الأرباح التجارية والصناعية والضريبة على المرتبات، والضريبة على أرباح المهن غير التجارية، والضريبة العامة على الدخل ..... إلخ ٤ - حرم الإسلام تكليف أهل الذمة ما لا قدرة لهم عليه، كما حرم ضربهم أو تعذيبهم أو حبسهم على أداء الجزية (١). وهذه شهادات منصفة من باحثين غربيين تتحدث عن الجزية وها هي بعض نصوصها: ١ - إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئًا ضئيلًا من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية (٢). ٢ - إن هذه الإتاوات المفروضة كانت سببًا لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك (٣). ٣ - تكلمت لورافيشيا فاغليري عن المعاهدات التي وقعها المسلمون مع الذميين، وقالت عن هذه الاتفاقيات: منحت تلك الشعوب حرية الاحتفاظ بأديانها القديمة،

стр. 1756

وتقاليدها القديمة شرط أن يدفع الذين لا يرضون الإسلام دينًا ضريبة عادلة إلى الحكومة تعرف بالجزية لقد كانت هذه الضريبة أخف من الضرائب التي كان المسلمون ملزمين بدفعها إلى حكوماتهم نفسها، ومقابل ذلك منح أولئك الرعايا المعروفون بأهل الذمة حماية لا تختلف في شيء عن تلك التي تمتعت بها الجماعة الإسلامية نفسها، ولما كانت أعمال الرسول والخلفاء الراشدين قد أصبحت فيما بعد قانونًا يتبعه المسلمون فليس من الغلو أن تصرَّ على أن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الديني؛ بل تجاوز ذلك ليجعل التسامح جزءًا من شريعته الدينية (١). ٤ - وقالت فاغليري أيضًا: ادفعوا جزية يسيرة تسبغ عليكم حماية كاملة، أو اتخذوا الإسلام دينًا وادخلوا في ملتنا فتتمتعوا بالحقوق نفسها التي نتمتع بها نحن (٢). ٥ - ويقول لوبون: جزية زهيدة تقل عما كانت تدفعه إلى سادتها السابقين من ضرائب (٣). قال شيخ المؤرخين المعاصرين توينبي: من الميسور أن نسقط الدعوى التي شاعت بين جوانب العالم المسيحي غلوًّا في تجسيم أثر الإكراه في الدعوة الإسلامية؛ إذ لم يكن التخيير ببلاد الروم والفرس بين الإسلام والسيف، وإنما كان تخييرًا بين الإسلام والجزية، وهي الخطة التي استحقت الثناء لاستنارتها حين اتبعت بعد ذلك في البلاد الإنجليزية على عهد الملكة إليزابيث، فكيف يعتبر مبدأ الإسلام أو الجزية في الشرق منكرًا وقسوة وعارًا، بينما ينظر إلى مبدأ المسيحية أو الجزية في الغرب في إنجلترا بالذات على أنه خطة حكيمة تستحق الثناء؟ أليس هذا تحاملًا؟ ! ! يقول المؤرخ سير توماس أرنولد (٤): ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين -كما يريدنا بعض الباحثين على الظن- لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن

стр. 1757

قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة، وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. ولما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم. (١) الشبهة الثانية: ملابس أهل الذمة ومن هذه الشبهات التي ضخمها المستشرقون ما يتعلق بملابس أهل الذمة، وما روي أن عمر بن الخطاب ﵁: اشترط عليهم ألا يتشبهوا بالمسلمين في ثيابهم وسروجهم ونعالهم، وأن يضعوا في أوساطهم أو على أكتافهم شارات معينة تميزهم عن المسلمين وينسب ذلك إلى عمر بن العزيز أيضًا. الجواب عن هذه الشبهة: يقول الدكتور الخربوطلي (٢): ونحن نرى أنه لو افترضنا جدلًا حقيقة هذه الأوامر الصادرة عن الخليفتين، فقد كان هذا لا غبار عليه، فهو نوع من التحديد للملابس في نطاق الحياة الاجتماعية، للتمييز بين أصحاب الأديان المختلفة، وخاصة أننا في وقت مبكر من التاريخ ليس فيه بطاقات تثبت الشخصية، وما تحمله عادة من تحديد الجنسية والدين والعمر وغير ذلك. فقد كانت الملابس المتميزة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات دين كل من يرتديها، وكان للعرب المسلمين ملابسهم كما للنصارى أو اليهود أو المجوس ملابسهم أيضًا، وإذا كان المستشرقون قد اعتبروا أن تحديد شكل ولون الثياب هو من مظاهر الاضطهاد، فنحن نقول لهم: إن الاضطهاد في هذه الصورة يكون قد لحق بالمسلمين، وأهل الذمة على السواء، وإذا كان الخلفاء ينصحون العرب والمسلمين بألا يتشبهوا بغيرهم، فمن المنطقي أن يأمروا غير

стр. 1758

العرب وغير المسلمين أن لا يتشبهوا بالعرب المسلمين. الشبهة الثالثة: ختم رقاب أهل الذمة . ومن هذه الشبهات مسألة ختم رقاب أهل الذمة وشبهتهم هذه تقوم على تصوير الأمر كما يلي: ١ - إن هذا الختم أمر دائم ومستمر. ٢ - إن المسلمين هم مبتكرو هذا النظام. ٣ - إنه يحمل صورة الإذلال والاضطهاد لأهل الذمة. الجواب عن هذه الشبهة: والحقيقة أن هذه الأمور الثلاثة غير صحيحة، كما بين ذلك المنصفون من مؤرخي المستشرقين أنفسهم الذين درسوا قضية أهل الذمة درسًا فاحصًا. ومن أبرز هؤلاء المستشرق ترتون صاحب كتاب "أهل الذمة في الإسلام". أما الأمر الأول: فقد ذكر اليعقوبي المؤرخ أن ختم الرقاب كان وقت جباية جزية رؤوسهم ثم تكسر الخواتيم (١). وقال أبو يوسف: ينبغي أن تختم رقابهم في وقت جباية جزية رؤوسهم حتى يفرغ من عرضهم ثم تكسر الخواتيم (٢). وأما الأمر الثاني: فيقول ترتون: من الحق ألا نحمل العرب وزر هذا العيب إذ لم يكونوا فيه إلا مقلدين لما اتبعه البيزنطيون قبلهم (٣). وأما الأمر الثالث: فيذكر الدكتور علي حسن الخربوطلي في كتابه "الإسلام وأهل الذمة" (٤): أن السياسة التي سار عليها المسلمون في ختم الرقاب وقت تأدية الجزية، جريًا على ما كان متبعًا عند الرومان البيزنطيين. ليست صورة لاضطهاد أو إذلال، ولكنها-كما

стр. 1759

يقول الدكتور بحق- وسيلة لمعرفة وتمييز من أدى الضريبة ومن لم يؤدها، وخاصة أن الطباعة لم تكن قد ظهرت بعد، وكان من العسير تدوين إيصالات واضحة ثابتة، تثبت تأدية الجزية ولا يمكن تزييفها، وما زالت بعض الدول الأفريقية والآسيوية في القرن العشرين تتبع هذه السياسة في الانتخابات، فيقومون بختم أيدي الناخبين بنوع من الأختام لا تزول إلا بعد يومين أو أكثر حتى لا يعطي صوته أكثر من مرة. الشبهة الرابعة: قالوا: إن التاريخ يثبت أن هناك فترات من التوتر الديني والطائفي بين المسلمين وغير المسلمين. الجواب: إن تاريخ التسامح الإسلامي مع أهل الأديان الأخرى تاريخ ناصع البياض، وقد رأينا كيف عاش هؤلاء في غاية من الأمان، والحرية، والكرامة باعتراف المؤرخين المنصفين من الغربيين أنفسهم، ولكن قومًا لبسوا مسوح العلم يريدون أن يقولوا في هذا التاريخ ما لم يقله، ويحملوه ما لم يحمله عنوة وافتعالًا، يصطادون في الماء العكر. وفي سبيل هذه الغاية الشريرة جهدوا جهدهم أن يشوهوا تاريخ التسامح الإسلامي الذي لم تعرف له الإنسانية نظيرًا. متذرعين بحوادث جزئية قام بها بعض العوام أو الرعاع في بعض البلاد، وبعض الأزمان نتيجة لظروف وأسباب خاصة تحدث في كل بلاد الدنيا إلى يومنا هذا. وفي شهادة لمؤرخ نصراني معاصر هو الدكتور جاك تاجر (١٣٣٦ - ١٣٧١ هـ) (١٩١٨ - ١٩٥٢ م) يقول: إن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين بعد أن ضمن لهم العرب عند دخولهم مصر الحرية الدينية، وخففوا عنهم الضرائب، ولقد ساعدت الشريعة الإسلامية الأقباط على دخولهم الإسلام وإدماجهم في المجموعة الإسلامية بفضل إعفائهم من الضرائب، أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية فقد يسر لهم العرب سبل كسب المعيشة، إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة (١)، وهذه السماحة الإسلامية التي

стр. 1760

تحدثت عنها هذه الشهادات النصرانية الشرقية، والتي أكدت وتؤكد أن هذه السماحة لم تقف فقط عند الدين وإنما امتدت لتترك جهاز الدولة أيضًا لأهل البلاد قد شهد بحقيقتها المستشرق الألماني الحجة آدم متز (١٨٦٩ - ١٩١٧ م) عندما قال: لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام (١)، وحتى فترات التوتر الديني والطائفي التي شهدها التاريخ الإسلامي بين المسلمين وغير المسلمين التي ما كان متصورًا لهذا التاريخ الطويل أن يخلو منها، فإن سماحة الإسلام قد ظلت بريئة منها وذلك بشهادة المؤرخين الثقات من غير المسلمين، والذي يقول واحد منهم وهو المؤرخ الاجتماعي اللبناني جورج قرم عن أسباب هذا التوتر الطائفي الذي كان عابرًا كسحب الصيف في سماء ذلك التاريخ الطويل يقول هذا المؤرخ النصراني عن أسباب هذا التوتر: إنها محصورة في ثلاثة أسباب: ١ - المزاج الشخصي المختل لحكام اضطهدوا الأغلبية المسلمة مع الأقليات غير المسلمة. ٢ - الظلم والاستعلاء الذي مارسته الزعامات النصرانية واليهودية التي قبضت على جهاز الدولة المالي والإداري؛ فاضطهدت جمهور المسلمين الفقراء: الأمر الذي ولد ردود أفعال لم تقف عند الذين ظلموا منهم خاصة. ٣ - استجابة قطاعات من أبناء الأقليات لغوايات الغزاة الغربيين الأمر الذي ولد ردود أفعال عنيفة عقب الغزوات الغربية، طالت قطاعات من أبناء هذه الأقليات. لقد حصر جورج قرم التوتر الطائفي الذي مر بتاريخ السماحة الإسلامية في هذه الأسباب الثلاثة فقال: إن فترات التوتر والاضطهاد لغير المسلمين في الحضارة الإسلامية كانت قصيرة يحكمها ثلاثة عوامل: العامل الأول: هو مزاج الخلفاء الشخصي فأخطر اضطهادين تعرض لهما الذميون وقعا في عهد المتوكل العباسي (٢٠٦ - ٢٤٧ هـ) (٨٢١ - ٨٦١ م) الخليفة الميال بطبعه إلى

стр. 1761

التعصب والقسوة، وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (٣٧٥ - ٤١١ هـ) (٩٨٥ - ١٠٢١ م) الذي غالى في التصرف معهم بشدة. العامل الثاني: هو تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسواد المسلمين والظلم الذي يمارسه بعض الذميين المعتلين لمناصب إدارية عالية، فلا يعسر أن ندرك صلتهما المباشرة بالاضطهادات التي وقعت في عدد من الأمصار. أما العامل الثالث: فهو مرتبط بفترات التدخل الأجنبي في البلاد الإسلامية، وقيام الحكام الأجانب بإغراء واستدارج الأقليات الدينية غير المسلمة إلى التعاون معهم ضد الأغلبية المسلمة. إن الحكام الأجانب بمن فيهم الإنجليز لم يحجموا عن استخدام الأقلية القبطية في أغلب الأحيان ليحكموا الشعب ويستنزفوه بالضرائب، وهذه ظاهرة نلاحظها في سوريا أيضًا حيث أظهرت أبحاث جب بولياك (١٨٩٥ - ١٩٧١ م) كيف أن هيمنة أبناء الأقليات في المجال الاقتصادي أدت إلى إثارة قلاقل دينية خطيرة بين النصارى والمسلمين في دمشق سنة ١٨٦٠ م، وبين الموارنة والدروز في جبال لبنان سنة ١٨٤٠ م، وسنة ١٨٦٠ م، ونهايات الحملات الصليبية قد أعقبتها في أماكن عديدة أعمال ثأر وانتقام ضد الأقليات المسيحية ولا سيما الأرمن التي تعاونت مع الغازي. بل إنه كثيرًا ما كان موقف أبناء الأقليات أنفسهم من الحكم الإسلامي -حتى عندما كان يعاملهم بأكبر قدر من التسامح- سببًا في نشوب قلاقل طائفية، فعلاوة على غلو الموظفين الذميين في الابتزاز، وفي مراعاتهم وتحيزهم إلى حد الصفاقة أحيانًا لأبناء دينهم ما كان يندر أن تصدر منهم استفزازات طائفية بكل معنى الكلمة (١). تلك هي السماحة الإسلامية كما تجلت في القرآن الكريم، وفي البيان النبوي للبلاغ القرآني وكما تجسدت في المواثيق الدستورية، وفي الحياة العملية، والواقع المعيش للدولة

стр. 1762

الإسلامية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، وعبر تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية، وكما شهدت بها المصادر التي كتبها المؤرخون الثقات من النصارى الشرقيين والغربيين القدماء منهم والمحدثين والمعاصرين الذين تعمدنا الاعتماد على شهاداتهم -هم وحدهم- دون شهادة المؤرخين المسلمين، وذلك عملًا بمنهاج ﴿(وشهد شاهد من أهلها﴾ على هذه السماحة الإسلامية التي تفرد بها الإسلام، والتي لا نظير لها خارج إطار الإسلام. الشبهة الخامسة: يستشهد بعض الغربيين بحوادث العنف التي تقع من بعض المسلمين على عدم سماحة الإسلام، وأنه دين مبني على العنف والإرهاب. والجواب عن هذه الشبهة: في الوقت الحاضر تعيش طوائف عديدة من النصارى في بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب العربي وهي شاهد على سماحة الإسلام وهذا جعل المستشرق الإنجليزي توماس آرنولد (١) يقول: إن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح. يقول د/ مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق في محاضرة ألقاها في جامعة الأزهر، مصر بتاريخ ١٠ مايو (آيار) ١٩٩٨، قال فيها: لم يكن الرسول الكريم سياسيًا حصيفًا فحسب، وإنما كان قدوة في السماحة في قمة درجاتها، والاعتدال في أرقى صوره حتى في تعامله مع ألد أعدائه. ويقول: ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا المقام هل يلتزم المسلمون بتعاليم الإسلام الداعية إلى التسامح والاعتدال؟ والإجابة بالإيجاب. لماذا؟ لأن الملايين من المسلمين، أو فلنقل الغالبية العظمى من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها

стр. 1763

ملتزمون بتعاليم الدين الحنيف التي تدعوهم إلى التسامح والاعتدال، ولكن كما في أي مجتمع، أو في أى تجمع، أو في أي دين، هناك من هم خارجون عن الإجماع، وهناك من هم استثناء من القاعدة العامة. ولماذا نذهب بعيدًا، أليس من بين المسيحيين من هم أكثر تطرفًا وعنفًا من المسلمين والذين يسمونهم بالمتعصبين أو المتطرفين؟ لقد رأينا مثل هؤلاء المسيحيين في البوسنة والهرسك يقتلون الرجال، والنساء، والأطفال، ويغتصبون ويعذبون إخوانهم في الوطن لمجرد أنهم مسلمون، ولوعدنا إلى وقائع التاريخ في العصر الوسيط لرأينا محاكم التفتيش الأسبانية التي ظلت تمارس عملها لمدة ثلاثمائة عام في تعذيب المسلمين، وملاحقتهم، وطردهم من الأندلس؛ بل وصل الحال بها إلى أنها كانت تحقق حتى مع من ارتدوا منهم إلى المسيحية للتأكد من أن ردتهم قد جاءت عن اقتناع، وليس من أجل الهروب من الملاحقة، والاضطهاد، والتعذيب، والإحراق. وفي أيرلندا كيف كان عدم التسامح قائمًا حتى بين المسيحيين من طائفتي البروتستانت والكاثوليك؟ وكيف أدى عدم التسامح هذا إلى حرب ضروس بين الطائفتين ظلت مشتعلة لفترة طويلة من الزمن، كما رأينا كيف أدى تعصب الميليشيات المسيحية المسلحة في لبنان إلى اندلاع نيران الحرب الطائفية هناك، والتي أتت على الأخضر واليابس في هذا البلد الجميل الذي كان درة البلدان. أمّا اليهود وأما الصهيونية فحدث ولا حرج عن جرائمهم البشعة. إننا نرى التطرف وعدم التسامح في إسرائيل من بنيامين نتنياهو إلى شارون وجميع قادتهم من جهة، وقادة الأحزاب الدينية المسرفة في التطرف وفي الإرهاب، والذين نسوا ما تعرضوا له من اضطهاد في أوروبا، ويقومون اليوم بممارسة ظلم أنكى، واضطهاد أشد ضد العرب من مسلمين ومسيحيين، وإجبار هؤلاء العرب على العيش في أحياء منعزلة فقيرة ومعدمة كالتي فرضها عليهم هتلر في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

стр. 1764

وفي الهند نرى التطرف من جانب الهندوس ضد المسلمين، وفي بلدان آسيوية أخرى نرى تطرفًا بوذيًّا ضد أصحاب الأديان الأخرى. خلاصة القول؛ هو أن لا أحد يستطيع الادعاء أن التسامح والاعتدال حكر عليه من دون غيره، ففي كل مجتمع سوف يكون هناك نوع من الزيغ والضلال، وسوف تكون هناك قلة شاذة أو خارجة عما هو مألوف ومتفق عليه! . الوجه السادس: معاملة المستأمن في دولة الإسلام . تعريف المستأمن: قال ابن منظور: "استأمن إليه: دخل في أمانه، وقد أمنه وآمنه، والمأمن: موضع الآمن، والأمن: المستجير ليأمن على نفسه" (١)، وقال الجوهري: "الأمان والأمانة بمعنى، وآمنت غيري من الأمن والأمان" (٢). فالأمان يعتمد على ركنين أساسيين، هما المؤمن والمستأمن، فالمستأمن: هو من طلب الأمان لنفسه ليدخل بلاد المسلمين مدة معلومة. والمؤَمِّن: هو الذي يعطي الأمان، والأصل في هذا أنه الإمام أو نائبه؛ لأنه ينظر إلى ما فيه مصلحة المسلمين، ويجوز أن يكون المؤمن من أفراد الرعية من المسلمين المكلفين ذكورًا كانوا أو إناثًا، والحر والعبد في ذلك سواء، هذا ما عليه جمهور أهل العلم، وخالف أبو حنيفة في أمان العبد، فإنه لا ينعقد عنده إلا أن يكون مأذونًا له في القتال. أما صيغ الأمان فغير مقيدة بصيغة معينة، وليس له لفظ خاص به؛ بل يكفي في ذلك أي لفظ يؤدي المقصود، سواء كان صريحًا كآجرتك وأمنتك أو لا بأس عليك أو لا فزع أو لا خوف ونحوه، أو كناية بنية كقوله: كن كيف شئت، أو أنت على ما تحب، ويصح أيضًا بالمكاتبة والمراسلة ونحو ذلك (٣).

стр. 1765

قال ابن قدامة: "إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان، وادعى أنه رسول قبل منه، ولم يجز التعرض له؛ لقول النبي ﷺ لرسولي مسيلمة "لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما" (١). ولأن العادة جارية بذلك، وإن ادعى أنه تاجر، وقد جرت العادة بدخول تجارهم إلينا، لم يعرض له إن كان معه ما يبيعه؛ لأنهم دخلوا يعتقدون الأمان، أشبه ما لو دخلوا بإشارة مسلم، قال أحمد: "إذا ركب القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو ويريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم، ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع، ولم يسأل عن شيء" (٢). الأدلة على مشروعية الأمان من الكتاب والسنة الأصل في الأمان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾. قال الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه وإن استأمنك -يا محمد- من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحد ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزل الله عليه، (فأَجِرْهُ) يقول: فأمنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وتتلوه عليه: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يقول ثم رده بعد سماعه كلام الله إن هو أبى أن يسلم، ولم يتعظ بما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن إلى: (مَأمَنَهُ) يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين" (٣). وقال ابن كثير: "يقول -تعالى- لنبيه ﷺ عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم (اسْتَجَارَكَ) أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله، أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين

стр. 1766

تقيم به عليه حجة الله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده" (١). والدليل عليه من السنة ما رواه علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل" (٢). ورُوي أيضًا عن أم هانئ ﵁ أنها قالت: يا رسول الله، قد أجرت أحمائي وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم، فقال لها رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم" (٣).، وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أبا العاص بن الربيع، فأمضاه ﷺ لها (٤). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه ﷺ أنه قال: "يد المسلمين على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم" (٥). الفرق بين الأمان والذمة والهدنة . لابن القيم- رحمه الله تعالى-كلام نفيس في الفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة وما يترتب عليها من أحكام، حيث يقول: "الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان، وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة، ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح، فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد، وقولهم: هذا في ذمة فلان أصله

стр. 1767

من هذا، أي: في عهده وعقده، أي: فألزمه بالعقد والميثاق، ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواء وجب بعقده أو بغير عقده، وهكذا لفظ الصلح عام في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين، بعضهم مع بعض وصلحهم مع الكفار، ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة، وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه، وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربيًّا كما كان" (١). ففي تقريره- ﵀ عدة فوائد منها: ذكر حقوق أهل الذمة، وأهل الهدنة، والمستأمنين. فجميعهم في طور العهد. ومنها: وجوب الوفاء لهم ما أوفوا. ومنها: جواز دخول التجار والرسل والعمال وأهل الحرف والصناعات ونحوهم. ومنها: أن أحكام الشرع تطبق على المعاهدين إذا كانوا يقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله.

стр. 1768

ومنها: أنه لا تطبق أحكام الإسلام على أهل الهدنة إذا كانوا يقيمون في ديارهم. ومنها: جواز إعطاء أهل العهد الرخصة لزيارة أو حاجة تفيد المسلمين. فالمسلمون قد يحتاجون إلى غيرهم في الصناعة والتجارة ونحو ذلك، كالعلوم اللازمة لتقوية الشوكة والدفاع. أو في شؤون الزراعة أو الاقتصاد، فليس هناك حرج في دخول غير المسلمين في دار الإسلام من أجل هذه القاصد بعقد وعهد. قال شيخ الإسلام: "ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية، إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر، وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه، والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين، فهذا على وجهين: أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة، وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصنّاع، والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع فيحتاجون إلى من يشتري الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبرا لحاجة الناس. . ." (١). وقال ابن عثيمين: "أنا أوافق على أنه ليس عندنا أهل ذمة، لأن أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكام الإسلام، ويؤدون الجزية وهذا مفقود من زمان طويل، ولكن لدينا معاهدون ومستأمنون ومعاهدون معاهدة عامة ومعاهدة خاصة فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعمل أو تجارة وسمح له بذلك فهو إما معاهد أو مستأمن لا يجوز الاعتداء عليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة" (٢) فنحن مسلمون مستسلمون لأمر الله محترمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد والأمان، فمن أخل بذلك فقد أساء للإسلام وأظهره للناس بمظهر الإرهاب والغدر والخيانة، ومن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق فهذا هو الذي يرجى خيره وفلاحه".

стр. 1769

فهؤلاء ومن على شاكلتهم مستأمنون لا يجوز قتالهم ولا التعرض لهم أو أذيتهم. الواجب على المسلمين تجاه المستأمنين: جعل الإسلام في شريعته الغراء حقوقًا واجبة للمستأمنين يجب الوفاء بها وأداؤها تجاههم، وأرشد المسلمين إلى كيفية التعامل معهم، كما أوجب عليهم حقوقًا تجاه المسلمين الذين أمنوهم في ديارهم. فمن تلك الحقوق الواجبة على المسلمين تجاههم: ١ - العدل معهم وعدم التعدي عليهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؛ بل ولا يجوز ترويعهم وإخافتهم، ويعاملون بالعدل والقسط . قاد تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال البيضاوي: "لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًّا مما في قلوبكم: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، أي: العدل أقرب للتقوى، صرَّح لهم بالأمر بالعدل، وبيَّن أنَّه بمكانٍ من التقوى بعدما نَهاهم عن الجور، وبيَّن أنَّه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا العدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ " (١). وقال ابن كثير: "ومن هذا قول عبد الله بن رواحة ﵁ لما بعثه النبيّ ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبِّي إيّاه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بِهذا قامت السموات والأرض (٢). وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال: ": "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا وَانْتَقَصَهُ وَكَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا

стр. 1770

بِغَير طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَأنا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَأَشَارَ رَسُولُ الله ﷺ بِإِصْبَعِهِ إِلَى صَدْره: "أَلَا وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحَ الجْنَّةِ، وَإِنْ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرة سَبْعِينَ خَرِيفًا". (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" رواه البخاري. (٢). وصور تطبيق هذه التعاليم والأحكام في تاريخ المسلمين كثيرة ومتنوعة، فقد كان عمر ﵁ يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة والمعاهدين، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: "ما نعلم إلا وفاء" أي: وفاء بمقتضى العقد والعهد الذي بينهم وبين المسلمين (٣). ودخل ذمِّيٌّ من أهل حمص أبيض الرأس واللحية على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله. قال عمر: ما ذاك؟ قال: العبّاس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. وكان عددٌ من رؤوس النّاس، وفيهم العباس بمجلس عمر، فسأله: يا عبّاس ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أبِي أمير المؤمنين، وكتب لي بِها سجلًا. فقال عمر: ما تقول يا ذمّيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم، كتاب الله أحقّ أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته يا عبّاس (٤). قال ابن القيم ﵀: "أحكام المستأمن والحربي مختلفة؛ لأن المستأمن يحرم قتله، وتضمن نفسه ويقطع بسرقة ماله، والحربي بخلافه" (٥).

стр. 1771

وقال ابن باز: "لا يجوز قتل الكافر المستأمن الذي أدخلته الدولة آمنًا، ولا قتل العصاة ولا التعدي عليهم؛ بل يحالون للحكم الشرعي، هذه مسائل يحكمها الحكم الشرعي" (١). ٢ - دعوتهم إلى الإسلام وبيان أحكامه بعلم وحكمة وأسلوب حسن فمن خصائص هذا الدين أنه عالمي الرسالة، ليس مقصورًا على قوم أو بلد أو زمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بِي أحد من هذه الأمّة؛ يهوديّ ولا نصرانِيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلَّا كان من أصحاب النار" (٢). قال النووي: "فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ " (٣). إن من سماحة هذا الدين أنه أذن لغير أهله من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين أن يعيشوا في أرضه مع بقائهم على دينهم وعدم إكراههم على الإسلام، ولم يخل عصر من العصور من وجود غير المسلمين داخل المجتمع المسلم، يعيشون بين المسلمين، وينعمون بالأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا يعني بقاؤهم داخل المجتمع المسلم بأي وجه من الوجوه الرضا بما هم عليه من الكفر بالله، فإن الله -تعالى- لا يرضى لعباده الكفر، وإنما أذن الشارع لهم بالبقاء لحكم عديدة منها: - أن يخالطوا المسلمين ويتأملوا في محاسن الإسلام وشرائعه وينظروا فيها، فيجدوها مؤسسة على ما تحتمله العقول وتقبله، فيدعوهم ذلك إلى الإسلام، ويرغبهم فيه، فيدخلوا فيه، وهذا أحب إلى الله من قتلهم. والمقصود من ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، وعدم اختلاطهم بالمسلمين يفوت هذه المصلحة، وهي معرفتهم بالإسلام.

стр. 1772

قال السبكي ﵀: "وعدم اختلاطهم يبعدهم عن معرفة محاسن الإسلام، ألا ترى من الهجرة إلى زمن الحديبية لم يدخل في الإسلام إلا قليل، ومن الحديبية إلى الفتح دخل فيه نحو عشرة آلاف؛ لاختلاطهم بهم، للهدنة التي حصلت بينهم فهذا هو السبب في مشروعية عقد الذمة (١). ٣ - الإحسان الى المحتاج منهم بالصدقة والصلة: قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: قدمت عليَّ أمي، وهي مشركة في عهد قريشٍ إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت عليَّ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم، صليها" (٢). وأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الآية (٣). وعن ابن عمر ﵄ أنّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : "إنّما يلبس هذه مَن لا خلاق له في الآخرة"، ثم جاءت رسولَ الله منها حللٌ، فأعطى عمر منها حلة. فقال عمر: يا رسول الله ﷺ كسوتنيها، وقد قلتَ في حلة عُطارد ما قلت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنّي لم أكسكها لتلبسها" فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة (٤). قال النووي: "وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز

стр. 1773

الهدية إلى الكفار" (١). والمشركون بمكة كانوا أهل حربٍ. ومن الإحسان: الإحسان إلى الحربِي الأسير، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ قال قتادة: "لقد أمر الله بالأسارى أن يحسن إليهم، وإنهم يومئذ لمشركون" (٢).، وقال الحسن: "كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية" (٣).، وقال الطبريّ: "هو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحقّ" (٤).

стр. 1774

الفصل الثالث: نقد المشككين . الوجه الأول: الفتح الاسلامي والاستعمار الغربي . الاستعمار سيطرة فرد على فرد، أو جماعة على جماعة، أو دولة على دولة بغية الاستغلال. وبعد الكشوف الجغرافية في العصر الحديث عرف العالم تنافسًا استعماريًّا محمومًا، انحسر عن أنواع من الاستعمار أهمها: ١ - الاستعمار الاستيطاني: وهو أن تقوم دولة بإبادة السكان الأصليين أو إجلائهم لتملأ البلاد بأبنائها. كما حدث في أمريكا عند إبادة الهنود الحمر، وفي أسترالية عند إبادة السكان الاستراليين الأصليين، وفي فلسطين عندما أجلي السكان الأصليون عنها وشردوا. ٢ - الاستعمار العسكري: وهو سيطرة أجنبية بجيوش مقيمة تتصرف بشؤون البلاد تصرفًا مطلقًا، وتستغلها أبشع استغلال، كما حدث في الهند أيام الاستعمار البريطاني لها. ٣ - الحماية: السيطرة على الشؤون الخارجية والأمن والدفاع والاقتصاد ... مع بقاء مظهر من مظاهر الحكم المحلي. ٤ - الانتداب: ابتكرته عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى (حسب المادة ٢٢ من ميثاقها)، وهو صيغة متقدمة للاستعمار، وضع لتأهيل البلاد للاستقلال فإذا به استغلال تام لمقدرات البلاد. وتطور الاستعمار إلى نوع جديد منه، هو الاستعمار الحديث، وهو استعمار اقتصادي يسيطر على مصادر ثروة البلاد، مع السماح للبلاد المستعمرة اقتصاديًّا بالتمثيل خارجيًّا، وبإنشاء جيش، وبالانضمام للأمم المتحدة. ومن صور الاستعمار التي حدثت في العالم: "إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية": ١ - استيراد وشراء الزنوج من أفريقية؛ بل اختطافهم بأعداد هائلة (٢٠ مليونًا) وترحيلهم إلى أمريكا وأوربا للعمل في الأعمال القاسية: كالمناجم. ٢ - إبادة السكان الأصليين في بعض المناطق: كأمريكا وأستراليا، أو تشريدهم كما فعل اليهود في فلسطين.

стр. 1775

٣ - سيطرة العنصرية والتفريق العنصري في: أمريكا وروديسيا وجنوب أفريقية، أو التمييز الديني كما في فلسطين المحتلة. ٤ - تطاحن الدول المستعمرة فيما بينها طمعًا على خيرات الأمم، كما حدث بين أسبانيا والبرتغال، والإنكليز والفرنسيين، والإنكليز والبرتغاليين، والإنكليز والهولنديين ... ٥ - ابتزاز خيرات الشعوب وخاصة المواد الأولية، وإقامة صرح الصناعة في أوروبا وأمريكا بفضل خيرات المستعمرات. ٦ - تطور الاستعمار ووصوله إلى "الإمبريالية" التي هي استعمار اقتصادي يتجلى في الاحتكارات، وتوظيف رؤوس الأموال، والضغط الاقتصادي. ٧ - إفقار البلاد الزراعية وإبقاؤها زراعية وربطها بقروض مشروطة وبأحلاف وقواعد. أما آثار ونتائج الاستعمار فهي: ١ - التجزئة واغتصاب الأراضي. ٢ - التخلف الاقتصادي في البلاد المستعمرة. ٣ - إبقاء البلدان المستعمرة معتمدة على وسائل الإنتاج البدائية، الزراعة فقط. ٤ - التدخل في العلاقات، وإقامة الحواجز الاقتصادية كالاحتكارات والمضاربة. ٥ - انخفاض مستوى المعيشة في البلاد المستعمرة، والرفاهية في البلاد المستعمرة. ٦ - تأخر الصحة وعجز الخدمات الصحية في البلاد المستعمرة. ٧ - انتشار الجهل والأمية وقصور التعليم في البلاد المستعمرة. ٨ - افتقار البلاد المستعمرة إلى الفنيين والاقتصاديين والعلماء لإعاقة النمو الاقتصادي. ٩ - انتشار الرقيق في أوربا وأمريكا. فهل نستطيع استنادًا لتعريف الاستعمار العلمي ونتائج وآثار هذا الاستعمار أن نسمي الفتح الإسلامي استعمارًا؟

стр. 1776

يمكن القول بكل تأكيد -بعد النظر إلى نتائج الاستعمار التي مرت معنا- إن الإسلام لم يكن استعمارًا لما يلي: ١ - الإسلام جاء فحرر الرقيق. ٢ - لم يعرف الإسلام إبادة الشعوب، فوصية الصدِّيق شاهد يمكن الرجوع إليها في آداب الجهاد. ٣ - السيطرة العنصرية والتمييز العنصري، حدد الإسلام موقفه منهما بقول رسول الله ﷺ "لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى". فلقد رفع الإسلام بلالًا -وهو عبد أسود- فوق الكعبة ليقول: الله أكبر. ٤ - أما ابتزاز خيرات الشعوب، فنرى أن الإسلام خلَّص سكان البلاد المفتوحة من الضرائب الباهظة التي كانت مفروضة من قبل الفرس أو الروم، ولنعلم أن الجزية مبلغ لا يُذكر مقابل الخدمات التي يستفيد منها الذمي، ويدفع المسلم أضعاف ما يدفع الذمي. ٥ - عمَّ الرفاه البلاد التي فتحت؛ لاستتباب الأمن فيها، كما حدث في وادي النيل وسواد العراق. وأصبح الفاتح المسلم أحب إلى الشعوب من الحاكم السابق؛ لأنهم رأوا عمليًا خير وفائدة الإسلام. كما عمت نهضة علمية وطبية وكثرت "البيمارستانات" والترجمات وإحياء الكتب القديمة على يد المسلمين ويد سكان البلاد المفتوحة معًا، فقد كان العلم للجميع، حتى أن أمهر العلماء في كل الميادين كانوا من سكان البلاد المفتوحة مثل: ابن سينا الذي ولد في "أفشنة" قرب بخارى، وأبي بكر الرازي المولود في "الري" والإمام البخاري المنسوب إلى "بخارى"، وأبي ريحان البيروني في "خوارزم". ومحمد بن موسى الخوارزمي المولود في "خوارزم" وأبي الوفاء البوزنجاني المولود في فارس، وكلهم علماء خلَّدهم التاريخ في ميادين العلوم بأنواعها. تساءل د. لوبون: لو انتصر العرب في بواتيه، فماذا كان يصيب أوروبا؟ ويجيب: "كان يصيب أوربا النصرانية المتبربرة، مثل ما أصاب أسبانية من الحضارة الزاهرة تحت راية

стр. 1777

النبي العربي، وكان لا يحدث في أوربا التي تكون قد هذبت ما حدث فيها من الكبائر كالحروب الدينية، وملحمة سان بارتيمي ومظالم محاكم التفتيش، وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضرَّجت أوربا بالدماء عدة قرون" (١). فهل نشر الإسلام مع الإيمان بالله علمًا أم جهلًا؟ نورًا أم ظلامًا؟ الاستعمار جهل، والإسلام علم، فكيف يجتمعان؟ الاستعمار خراب، والإسلام إعمار وبناء فكيف يلتقيان؟ كان النشيد الذي ردده الجيش الإيطالي الذي غزا ليبيا سنة ١٩١١ م: "يا أماه أتمي صلاتك، ولا تبكي؛ بل أضحكي وتأملي، ألا تعلمين أن إيطالية تدعوني، وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا؛ لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، ولأحارب الديانة الإسلامية، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن، وإن لم أرجع فلا تبك على ولدك، وإن سألك أخي عن عدم حزنك عليَّ فأجيبيه إنه مات في محاربة الإسلام". ١ - سحق الأمة الملعونة: المسلم لا يسحق حتى حكام الشعوب عند الفتح، بل أراد هداية، هنا في النشيد سحق، والإسلام حياة للشعوب التي فتحت بلادها. ٢ - "محو القرآن والاسلام"، بينما نجد في القرآن ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] فالإسلام دعوة، والاستعمار سحق ومحو، ولن يلتقيا. وهذه شهادة منصفة من مبشر في أفريقية ذكرها في كتابه "الإسلام في أفريقية الشرقية" وصاحب الكتاب هو المبشر "ليندن هاديس" فقد قرر المؤلف بعد النظر إلى الفارق الكبير بين أثر العرب وأثر الأوربيين في إفريقية الشمالية، أن البرتغاليين قضوا فيها نحو مائتي سنة لم يتركوا بعدها أثرًا من اثار الحضارة النافعة، ولم يعقبوا بعدهم غير ذكرى الخراب الذي حل على أيديهم بالمعاهد والمعابد الإسلامية، ولم يزالوا حيثما نزلوا يخربون وينهبون.

стр. 1778

أما العرب الذين انتقلوا إلى السواحل، فإنهم نقلوا إليها الكتابة والعمارة وأدوات الحضارة، وطبعوها بطابعهم في كثير من أحوال المعيشة. وليس ما حدث من الدمار إنما حلّ في إفريقية فحسب؛ بل لننظر في مناظر مؤسفة أخرى. فماذا فعل رعاة البقر بشعب أمريكا الأصلي- الهنود الحمر؟ الجواب: إبادة كاملة. وماذا فعلت فرنسا في الجزائر مثلًا؟ الجواب: مليون شهيد، وقبلها اتباع سياسة الأرض المحروقة على يد "بوجو". وماذا عملت إنجلترا في أستراليا؟ الجواب: إبادة واستعمار استيطاني، وفي أفريقية تمييز عنصري. ماذا عملت أسبانية والبرتغال في سكان أمريكا الجنوبية؟ الجواب: إنتهاء حضارة الإنكا والمايا والأزتيك، وإبادة كاملة، وسفن أسبوعية في قوافل مستمرة لنقل الذهب والفضة إلى أسبانية والبرتغال. ماذا عملت هولندا في أندونيسيا؟ الجواب: امتصاص خيرات وإرهاق الشعب وإذلاله حتى إذا أراد الجندي الهولندي أن يعلو جواده أشار إلى أندونيسيٍّ فيركع أمام الهولندي بإزاء جواده، فيدوس الهولندي بحذائه العسكري على ظهر الأندونيسي ليعلو جواده. ماذا عملت أمريكا المتحضرة في فيتنام؟ الجواب: ملايين القنابل على الشعب الآمن. ناهيك عن الجهل والتأخر والسيطرة الاقتصادية على الشعوب. الوجه الثاني: رمتني بدائها وانسلّت (كيف انتشرت المسيحية وغيرها من الديانات ؟ ). مثل عربي يطلق على الشخص الذي يكون به الداء ثم يرمى به غيره. فإننا لو نظرنا إلى أصحاب الديانات الذين يتهمون الإسلام بأنه انتشر بالسيف والإرهاب نجد هذه الفرية ملتصقة بهم قديمًا وحديثا فهم اتهمونا بها لدفعها عن أنفسهم

стр. 1779

فوقعوا في "الإسقاط" كما يقول علم النفس، والإسقاط من وسائل الدفاع الأولية ألا وهو اتهام الآخرين بما فينا، كالكاذب يتهم الناس بالكذب ليظهر نفسه صادقًا. فمن يستقريء التاريخ في كيفية انتشار الأديان يجد ما يلي: ١ - فرض "امنحتب" -فرعون مصر- على شعبه عبادة إله الشمس "آتون". وأغلق معابد الآلهة الأخرى، وحطم تماثيلها، ومحا صورها، وطمس أسماءها، وكل مخالف تعرض للاضطهاد والعذاب (١). ٢ - كانت البوذية: لا شأن لها قبل "آزوكا" الذي اعتنقها واهتم بنشرها خارج مملكته حتى وصل سيلان وبورما، فآزوكا تبناها وأخذ بنشرها حتى شملت جنوب شرق آسيا (٢). ٣ - وكذلك المزدكية: لم يكن لها اعتبار قبل "قباذ" فهذا الملك الفارسي تبنى هذه العقيدة وحاول فرضها جبرًا على شعبه كله، وحتى المناذرة العرب التابعين له في العراق (٣). وبزوال سلطان قباذ ضعف شأن المزدكية. ٤ - وأما الزرادشتية: فلم تنشر قبل دارا كسرى الفرس، الذي نشرها حربًا بعد قرن من وفاة زرادشت، حتى وصل بها أثينا عاصمة اليونانيين القدماء. ٥ - الكونفوشيوسية: ما انتشرت تعاليمها إلا لاستخدام صاحبها لمركزه رئيسًا للوزراء في مقاطعة "لو" الصينية. ٦ - وأخيرًا المسيحية: فإنها لم تكن لتنتشر لولا سلطة قسطنطين الذي أراد أن يكون سيدها فاستغل الخلافات الداخلية للكنيسة، وأصدر مرسوم ميلانو عام ٣١٣ م، الذي اعترف بموجبه بالمسيحية، وأهال عليها أعطياته.

стр. 1780

وأما شارلمان فقد كان متحمسًا للمسيحية، يؤمن أن من واجبه تحويل جيرانه إلى المسيحية، ولم يؤمن بالحجة وضرب الأمثال طرقًا للهداية؛ بل كان يفضل طريق القوة (١)، فقد ظل يحارب السكسونيين ثلاثًا وثلاثين سنة، كلها عنف ووحشية، حتى أخضعهم وحوَّلهم قسرًا إلى الديانة المسيحية، كما تطلب ثماني رحلات حسومًا متتابعة، حتى هدم الأفاريين، الذي قيل عن أسلاب كنوزهم المكدسة أنها رفعت شارلمان من عالي الغنى والثروة إلى شاهق الفيض والوفرة (٢). وفي مصدر آخر: فرض شارلمان على السكسونيين الوثنيين النصرانية بالسيف، ولما ضعف السكسونيون بعد معارك كثيرة وحروب عديدة، اعتنقوا المسيحية آخر الأمر وخضعوا لحكم الفرنجة، وكان فرض هذا الدين على السكسونيين على يد القديس ليودجر Liudger، وويليهاد Willehad. أـ ويقول الدكتور غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب ": "ولقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية، ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر التي كانت مسرحًا للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن، وكان أهل مصر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية، وأنهكها استبداد الحكام تحقد أشد الحقد على سادتها الروم، وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين" (٣). ب - وفي الدانمارك: نشر الملك "كنوت Cnut " المسيحية في ممتلكاته بالقوة والإرهاب، "ومن ثم أخضع الأمم المغلوبة على أمرها للقانون المسيحي بعد أن اشتبك مع الممالك

стр. 1781

المتبربرة في حروب طاحنة مدفوعًا بما كان يضطرم في نفسه من الشوق إلى نشر العقيدة" (١). ج- وفي روسيا: نشرت الدعوة المسيحية على يد جماعة اسمها ، (تمعن أيها القارئ الجليل في اسمها)، إن اسمها: "إخوان السيف" (٢). وفي مصدر آخر: "أما كيف كان دخول المسيحية روسيا، فيبدو أولًا أنه تم على يد فلاديمير دوق كييف (٩٨٥ - ١٠١٥ م) وهو سليل رورك، ويضرب به المثل في الوحشية والشهوانية، إذ جاء إلى الدوقية فوق جثة آخر إخوته، واقتنى من النسوة ثلاثة آلاف وخمسمائة (٣). على أن هذا وذاك كله لم يمنع من تسجيله قديسًا في عداد القديسين بالكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية؛ لأنه الرجل الذي جعل من كييف مدينة مسيحية، وجعل من الروسيين شعبًا على دين المسيح، "زعيم بغفران ذنوبه". وقد أمر فلاديمير بتعميد أهل دوقية روسيا كلهم مرة واحدة في مياه نهر "الدنيبر" (٤). د-فرض فرسان: Ordo Fratrum Militiae Christ المسيحية على شعوب ليفونيا فرضًا" (٥). ويقول توماس أرنولد عن هذه المنطقة: وربما حل الاضطهاد والتغيير الإجباري محل الدعوة الهادئة إلى "كلمة الله" (٦).

стр. 1782

هـ- في "النرويج": قام الملك (أولاف ترايجفيسون) بذبح هؤلاء الذين أبوا الدخول في المسيحية، أو بتقطيع أيديهم وأرجلهم أو بنفيهم وتشريدهم، وبهذه الوسائل نشر المسيحية في "فيكن" القسم الجنوبي من النرويج بأسرها (١). و- جاء في "كتاب صلاح الدين الأيوبي" قصة الصراع بين الشرقي والغرب خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر لقدري قلعجي ما يلي: "سمل باسيليوس الثاني ناشر النصرانية في روسيا أعين (١٥ ألف) من أسرى البلغار إلا مائة وخمسين منهم، أبقى لكل واحد منهم عينًا واحدة ليقودوا إخوانهم في عودتهم لبلادهم". ز- بعد أن استعرض الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور الاضطهاد الذي رافق انتشار المسيحية في عهد شارلمان ومذابحه للساكسون والنورمانديين، وما ارتكبه القرسان التيتون وفرسان منطقة السيف من وحشية وقسوة بالغة في محاولتهم نشر المسيحية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر بين البروسيين واللتوانيين وغيرهم من الشعوب السلافية، بعد هذا كله أتى إلى ما صنعه المبشرون الجوزيت في القرن السابع عشر من عنف لنشر المسيحية في الهند (٢) التي لاقت منهم الأهوال. ح- لم تكن الكشوف الجغرافية التي قامت بها أوربا خالصة للحضارة والمدنية ، فمثلًا: "لقد أراد ليفنغستون أن يستكشف طرقًا في أفريقيا للمبشرين لا للمدينة" (٣) ولما مات في أفريقيا، دفن زملاؤه قلبه تحت الشجرة التي مات تحتها، أما الجسد فهو مدفون في دير وستمنستر بلندن. لقد ارتكب المبشرون الذين رافقوا رحلات الكشوف الجغرافية أبشع الأعمال التي لا تليق بالإنسان وإن "فاسكودي غاما" مكتشف طريق الهند كان مبشرًا.

стр. 1783

ماذا عمل المكتشفون المسيحيون بشعب أمريكا الأصلي "الهنود الحمر"؟ كان الجواب ببساطة إنه حملة إبادة. وهكذا كان نصيب حضارة "الأنتيل" وحضارة "الماياس" في جنوب المكسيك وحضارة الآزتيك في وسطها، وحضارة الآنكا في بيرو (١). وهذا مثال حيٌّ على ما رافق الكشوفات الجغرافية: نشرت جريدة الحياة البيروتية صورة لما رافق استكشاف جزيرة "هايتي" على يد الأسبان كانت العلمية تحتها ما يلي: "وانشغل ضباطه وخلفاؤه أول الأمر -خلفاء المستكشف قائد الحملة- باستكشاف جزيرة هايتي (اسبانيولا) واحتلالها، وكانت ما تزال في داخلها أرض شاسعة مجهولة، وقد تولى هذه المهمة كل من ديبغو فلاسكيز، وبانفيلو دونارفيز، فأبديا من ضروب الوحشية ما لم يسبق له مثيل، متفننين في تعذيب سكان الجزيرة بقطع أناملهم وفقء عيونهم، وصب الزيت المغلي، والرصاص المذاب في جراحهم، أو بإحراقهم أحياء على مرأى من الأسرى. .. ليعترفوا بمخابئ الذهب، أو ليهتدوا إلى الدين (٢). وقد حاول أحد الرهبان إقناع الزعيم "هانيهاي" باعتناق الدين ... وكان مربوطًا إلى المحرقة، فقال له: إنه إذا تعمد يذهب إلى الجنة ... فسأله الزعيم الهندي: "وهل في الجنة أسبانيون؟ "فأجابه الراهب: "طبعًا، ما داموا يعبدون الإله الحق! " فما كان من الهندي إلا أن قال: إذن، أنا لا أريد أن أذهب إلى مكان أصادف فيه أبناء هذه الأمة المتوحشة! (٣). ليس هذا بمعلوم لنا فقط، فقد نشرت ١٩٧٢ CUBA internacional joulio تحت عنوان LAHISTORLY الصفحة: ٦، صورة لمبشر بيده صليب وزعيم إلى سارية وقد غطى حتى منتصفه بحزم الحطب والقش لحرقه، أما المبشر فرافع الصليب في وجهه يدعوه

стр. 1784

إلى المسيحية قبل موته. ط- الحروب الصليبية: التي حملت الصليب شعارًا فظائعها لا تعد، وانتهاكها للمفهوم البشري كان في كل أرض مروا بها، حتى في بلاد أبناء دينهم (١). من فظائعهم: "وعندما احتمى بعض أهالي قيسارية بجامع المدينة لاحقهم الصليبيون وذبحوهم داخل الجامع عن آخرهم، دون أن يفرقوا بين الرجال والنساء والأطفال حتى تحول الجامع إلى بركة كبيرة من دماء قتلى المسلمين" (٢). مذبحة بيت المقدس عام ١٠٩٩ م كانت لطخة عار في تاريخ الحملة الصليبية الأولى، باعتراف المؤرخين الأوربيين (٣). أحرق بلدوين جامع الفرما ومساجدها (٤). ويقول لوبون: "في مسجد عمر وحده في القدس ذبح عشرة آلاف مسلم" (٥). يذكر ابن العديم عن إحدى الحملات الصليبية: أن الصليبيين أتوا في تلك الغزوة مساوئ كثيرة: "فنبشوا قبور موتى المسلمين، وأخذوا توابيتهم إلى الخيم، وجعلوها أوعية لطعامهم، وسلبوا الأكفان، وعمدوا إلى من كان من الموتى لم تنقطع أوصاله فربطوا في أرجلهم الحبال وسحبوهم مقابل المسلمين، وجعلوا يقولون: هذا نبيكم محمد، وآخر يقول: هذا عليكم، وأخذوا مصحفًا من المشاهد بظاهر حلب، وقالوا: يا مسلم أبصر كتابكم" (٦). ارتكب قواد الحملات (وخاصة لويس السابع وزوجته اليانور وريموند دي بواتيه)

стр. 1785

فضائح جنسية مشينة (١). هذا ... فضلًا على أن المؤرخين الأوربيين وصفوا الحملات كلها بكلمتين فقط: (بربرية همجية) (٢). وكيف لا تكون كذلك وهي صفحة سوداء في تاريخ أوربا كلها. ألم يضع الرهبان على الصخرة المشرفة زجاجات الخمر؟ ألم يضرب الناقوس داخل المسجد الأقصى بعد إبطال الأذان به (٣)؟ أهكذا تحترم العقائد والمعابد؟ فأين هذا من وصية الصديق ﵁ إلى جيش أسامة بن زيد التي أكد فيها بأنه على المسلمين أن يدعوا الرهبان ممن فرغوا أنفسهم في الصوامع وما فرغوا أنفسهم له؟ (٤). بعد استعراض "محاكم التفتيش" في أسبانيا وأعمالها المخجلة المزرية، قال د. لوبون: "الراهب بليدا أبدى ارتياحه لقتل مئة ألف مهاجر من قافلة واحدة مؤلفة من مئة وأربعين ألف مهاجر مسلم، حينما كانت متجهة إلى أفريقية" (٥). وبعد أن ذكر لوبون في "حضارة العرب" خسارة ثلاثة ملايين مسلم بين ذبح وحرق وتهجير في أسبانيا قال: "ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين -الأسبان- من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين" (٦). الوجه الثالث: وضوح العنف والعدوان في بعض الديانات غير الإسلامية . ويتضح لنا من هذه الدراسة أن عقيدة الإسلام ليست عقيدة عدوانية بخلاف العقائد الأخرى، فمثلًا الناظر في عقائد اليهود يتضح له بجلاء أثر هذه العقيدة في سلوكهم العدواني الإرهابي وهذا ما يتضح لنا في هذه المطالب الآتية:

стр. 1786

المطلب الأول: عقيدة التمييز العنصري عند اليهود . إن من المفارقات العجيبة أن يندد اليهود: "بالعنصرية النازية" مع أنهم أعنف دعاة الاستعلاء والتمييز العنصري عبر قرون الدهر. إن اليهود يعدون أنفسهم من جنس مميز على سائر أجناس بني البشر الذين يطلق عليهم اليهود (الجويم) أو الأمميين. فهم يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أصحاب مميزات جنسية وعقلية وحضارية لم تتوافر لسائر بني البشر. ويستند اليهود في هذه العقيدة إلى نصوصٍ في توراتهم المحرفة وتلمودهم الموضوع (١). المطلب الثاني: عقيدة أرض الميعاد عند اليهود تعد هذه العقيدة من أهم عقائد اليهود التي يؤمنون بها، ويبنون سياساتهم وعلاقاتهم عليها، ومعناها عندهم: أن الله قد وعد بني إسرائيل أن يملكهم أرضًا، لكي يقيموا عليها دولة لهم تجمعهم من التشرد والشتات. وقد اختلفوا فيما بينهم حول تحديد حدود هذه الأرض الموعودة، فمنهم من قال: إنها أرض كنعان فقط، يعني أرض فلسطين، ومنهم من قال: بأنها من النيل إلى الفرات، والمستغرب أن كلتا الطائفتين لديها نصوص من كتابهم المحرف تؤيد ما ذهبت إليه (٢). المطلب الثالث: أثر عقائد اليهود على الإرهاب العالمي . إن الإرهاب الحقيقي واستخدام العنف بطريقة غير مشروعة يمتد بجذوره إلى العقيدة اليهودية المحرفة، والتي تمثلها إسرائيل وتطبقها في واقعنا اليوم، وإن دراسة التاريخ المعاصر للصهيونية، يظهر بجلاء أن الكيان الصهيوني قد تبنى الإرهاب على مستوى الأفراد والدول على حدٍ سواء، وإرهابهم الحالي يشهد به القاصي والداني، وقد أُلفت في

стр. 1787

ذلك كتب عديدة، وهناك مواقع في الشبكة العالمية "الإنترنت" خصصت لذلك (١). لكننا في هذا البحث معنيون ببيان الجذور التي تربي وتغذي الإرهاب وهي جذور عقائدية. إن في عدم معرفة اليهود لله تعالى حقًّا، وبما يجب له من صفات الكمال والجلال أثرًا كبيرًا على سلوكهم وعدوانهم، فمن كان بالله أعرف كان لله أخوف، وكتبهم مليئة بالاستهزاء والانتقاص من حق الله تعالى، ومن اعتدى على الله من باب أولى كان له أن يعتدي على خلقه. وكذلك نجد وصفهم لرسل الله تعالى وأنبيائه ﵈ بما يستحيي المرء من ذكره يعد احتقارًا وعدوانًا عليهم، ومن اعتدى على أنبياء الله تعالى فلن يتردد أو يتأخر في العدوان على غيرهم من البشر. كما أن عدم الإيمان باليوم الآخر يجعل منهم عبيدًا للمادة وللتراب ولكل ما هو أرضي، وفي اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار وتميزهم العنصري يجعلهم يسوِّغون كل عمل إرهابي في حق غيرهم؛ لأنهم هم الأسياد وما عداهم خدم لهم -في ظنهم-. واعتقادهم بأرض الميعاد يجعلهم يستبيحون احتلال أراضي المسلمين وطردهم وقتلهم لإخراجهم منها، وقد تسببت هذه العقيدة في حروب دامية وصراعات طويلة بينهم وبين المسلمين، وقد بين لنا المولى في القرآن الكريم فساد عقيدتهم، وحذرنا منهم في أكمل بيان وأجلى حقيقة (٢). وإن الباحث ليعجب أشد العجب حين يعلم أن توراة بني إسرائيل الحالية تعد سجلًا دقيقًا ومفصلًا لشرورهم وآثامهم، وصمم آذانهم عن الاستجابة لله، ومخالفتهم لشريعته، وخيانتهم لعهده، بل كفرانهم به، وعبادتهم الأصنام والأوثان من دونه، وقتل أنبيائهم في

стр. 1788

أطوار تاريخهم، فما من سفر من أسفارهم إلا يزخر بعبارات السخط والغضب التي صبها الله على بني إسرائيل صبًّا في كل عهودهم منذ أن أخرجهم الله من مصر، إلى أن أهلكهم بظلمهم، وقضى بخراب بلادهم، وتقطيعهم في الأرض (١). ويهود اليوم هم الخلف السيئ لمن سلف، إننا نجد هؤلاء الخلف ينطلقون من تراث السلف، فوراء كل جريمة يرتكبونها نبوأة مزعومة تسوِّغها لهم. يقول هرتزل: " ... إن هدف الحركة الصهيونية هو تنفيذ النص الوارد في الكتاب المقدس بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين" (٢). ويقول بن غوريون: "قد لا تكون فلسطين لنا من طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حق لنا على أساس ديني، فهي الأرض التي وعدنا الله، وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل" (٣). ولعل أشد ما دونته نبوءاتهم المحرفة تحريضًا لليهود على التوسع العدواني الظالم هو: "كل مكان تطؤهُ أخامص أرجلكم لكم أعطيته" يشوع ١: ٣. فهم مرتبطون عقديًّا بكل أرض سكنوا فيها، من أرض الآباء والأجداد مثل كل فلسطين، وسورية .. العراق، ومصر. ولقد قال بن غوريون في تسويغ عدوان (١٩٥٦ م): "إنه يوطد أمن إسرائيل، ويحميها من العدو، ويحرر أرض الأجداد من الغاصبين". ولما اعترض أحد الوزراء على احتلال الجولان، وعلَّل اعتراضه بعدم وجود روابط توراتية، رد عليه "إيجال آلون" قائلًا: "إن الجولان قطعة من إسرائيل القديمة لا تقل أهمية عن الخليل ونابلس"، وهبَّ زعماء يهود يؤكدون أن استيلاءهم على الأراضي المحتلة ما

стр. 1789

هو إلا تحقيق لنبوءات العهد القديم. وقال "مناحيم بيجن" في (٢٨/ ٥/ ١٩٦٨): "إن الأراضي العربية المحتلة هي أراضٍ إسرائيلية حررتها إسرائيل من الحكم الأجنبي غير الشرعي" (١). حتى السور العنصري المقيت الذي اقترح بناءه إسحاق رابين -حمامة السلام المفترسة- وشرع بيريز في تنفيذه عام ١٩٩٦ م، وهو مثار الجدل حاليًّا في حكومة شارون الذي سيحول المناطق الفلسطينية الحالية إلى معتقل كبير للفلسطينيين، استخرجوا له أسطورة من كتاب القابلاه في شرح التوراة، تنص على أن القدس هي "الملكوت الذي سيحكم العالم، وستحيط بها المرتفعات، حتى لا تصل إليها قوى الظلام، وستعلو جدرانها؛ حتى يعود التوازن إلى العالم" (٢). إذن وراء كل مجزرة ومذبحة وجريمة يهودية نبوأة توراتية مزيفة، أو محرفة، وليس على الآخرين سوى أن يرضخوا لإرادة الشعب المختار؛ لأنها -وببساطة- إرادة الله في زعمهم. وإنَّ العقيدة اليهودية المحرفة لم تكن مسطرة في كتبهم القديمة فحسب؛ بل كانت حيةً في مناهجهم التي يربون عليها أطفالهم، وبالفعل أثمرت هذه المناهج، وفرخت ما نراه من إرهاب عبر شاشات التلفزة على مرأى ومسمع العالم كله، ليشهد العالم على إرهابهم وعدوانهم المتأصِّل في نفوسهم التي ربيت على مناهج البغي والعدوان، وسأعرض نموذجًا على هذا وهو رسالة دكتوراة بعنوان "الاتجاهات الأيديولوجية في أدب الأطفال العبري" للدكتورة سناء عبد اللطيف، حيث تتبعت المؤلفة مناهجهم بالعبرية في دراسة موضوعية، وسأنقل شيئًا من خاتمتها حيث قالت: "يسعى المؤلفون إلى تلقين الأطفال مبادئ الأيديولوجية الصهيونية بشكل يظهر فيه بوضوح انحياز أدب الأطفال العبري للنسق القيمي للحركة الصهيونية، ومتسقًا اتساقًا شديدًا مع أهدافها حتى إنه يمكن القول: إن أدب الأطفال العبري يُعدّ سمفونية دعاوية

стр. 1790

وإعلامية، وإنه يعمل بانضباط على إيقاع تعاليم الأيديولوجية الصهيونية. إن أدب الأطفال العبري يسعى إلى صهينة الجيل الجديد من اليهود في إسرائيل. ويعمد إلى خلق ما يؤيد كل القضايا التي واجهت الصهيونية سواء كان ذلك: * تسويغ رفض الاندماج في مجتمعات الشتات اليهودي، وذلك بالتركيز على ما يطلقون عليه العداء للسامية وكراهية اليهود. * أو بتسويغ اغتصاب فلسطين من العرب، وذلك بالتركيز على مقولة أرض اليهود التاريخية، والحق الديني والتاريخي لهم في فلسطين. * مضمون الأدب العبري مناسب جدًّا لأهدافه، وهو يتسق اتساقًا مباشرًا مع أهداف الصهيونية ومتمشٍ مع اتجاهاتها العقدية. * يركز الأدب العبري الموجّه للأطفال على وضع المفاهيم الصهيونية في قالب ديني عاطفي يمكنه من جذب اليهود وتأييدهم، وإثارة حماستهم الدينية من خلال تحويل القيم اليهودية إلى مفاهيم سياسية قومية. * يركز الأدب الموجّه للأطفال أيضًا على الدعوة إلى الاهتمام باللغة العبرية من أجل الحفاظ على التراث اليهودي وبعثه وتعميقه بين الأطفال. * يركز أدب الأطفال على تدعيم الإحساس لدى الأطفال بحتمية الحروب من أجل ضمان الوجود البيولوجي الإسرائيلي، فيكثر الأدباء من الحديث عن وضع اليهود في أيام الحروب. * ومن ناحية أخرى، فإن اهتمام الأدباء بوضع اليهود في جوّ محاصر بالأعداء في قصصهم الموجّهة للأطفال يؤكّد في نفوسهم المقولة الصهيونية: "لا خيار إلا القتال" وبذلك يعدّ الأطفال نفسيًا لتقبل فكرة التجنيد الإلزامي حينما يصلون إلى السن الملائمة لذلك، وتهيئتهم لخوض الحروب. وقد سادت الصفحات السلبية معظم كتب الأطفال لتشوه الشخصية العربية، مثل الخيانة والكذب والمبالغة والدهاء والوقاحة والشك والوحشية والجبن وحب المال
следующие страницы →