← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

المطلب الأول: عقيدة التمييز العنصري عند اليهود . إن من المفارقات العجيبة أن يندد اليهود: "بالعنصرية النازية" مع أنهم أعنف دعاة الاستعلاء والتمييز العنصري عبر قرون الدهر. إن اليهود يعدون أنفسهم من جنس مميز على سائر أجناس بني البشر الذين يطلق عليهم اليهود (الجويم) أو الأمميين. فهم يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أصحاب مميزات جنسية وعقلية وحضارية لم تتوافر لسائر بني البشر. ويستند اليهود في هذه العقيدة إلى نصوصٍ في توراتهم المحرفة وتلمودهم الموضوع (١). المطلب الثاني: عقيدة أرض الميعاد عند اليهود تعد هذه العقيدة من أهم عقائد اليهود التي يؤمنون بها، ويبنون سياساتهم وعلاقاتهم عليها، ومعناها عندهم: أن الله قد وعد بني إسرائيل أن يملكهم أرضًا، لكي يقيموا عليها دولة لهم تجمعهم من التشرد والشتات. وقد اختلفوا فيما بينهم حول تحديد حدود هذه الأرض الموعودة، فمنهم من قال: إنها أرض كنعان فقط، يعني أرض فلسطين، ومنهم من قال: بأنها من النيل إلى الفرات، والمستغرب أن كلتا الطائفتين لديها نصوص من كتابهم المحرف تؤيد ما ذهبت إليه (٢). المطلب الثالث: أثر عقائد اليهود على الإرهاب العالمي . إن الإرهاب الحقيقي واستخدام العنف بطريقة غير مشروعة يمتد بجذوره إلى العقيدة اليهودية المحرفة، والتي تمثلها إسرائيل وتطبقها في واقعنا اليوم، وإن دراسة التاريخ المعاصر للصهيونية، يظهر بجلاء أن الكيان الصهيوني قد تبنى الإرهاب على مستوى الأفراد والدول على حدٍ سواء، وإرهابهم الحالي يشهد به القاصي والداني، وقد أُلفت في

стр. 1787

ذلك كتب عديدة، وهناك مواقع في الشبكة العالمية "الإنترنت" خصصت لذلك (١). لكننا في هذا البحث معنيون ببيان الجذور التي تربي وتغذي الإرهاب وهي جذور عقائدية. إن في عدم معرفة اليهود لله تعالى حقًّا، وبما يجب له من صفات الكمال والجلال أثرًا كبيرًا على سلوكهم وعدوانهم، فمن كان بالله أعرف كان لله أخوف، وكتبهم مليئة بالاستهزاء والانتقاص من حق الله تعالى، ومن اعتدى على الله من باب أولى كان له أن يعتدي على خلقه. وكذلك نجد وصفهم لرسل الله تعالى وأنبيائه ﵈ بما يستحيي المرء من ذكره يعد احتقارًا وعدوانًا عليهم، ومن اعتدى على أنبياء الله تعالى فلن يتردد أو يتأخر في العدوان على غيرهم من البشر. كما أن عدم الإيمان باليوم الآخر يجعل منهم عبيدًا للمادة وللتراب ولكل ما هو أرضي، وفي اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار وتميزهم العنصري يجعلهم يسوِّغون كل عمل إرهابي في حق غيرهم؛ لأنهم هم الأسياد وما عداهم خدم لهم -في ظنهم-. واعتقادهم بأرض الميعاد يجعلهم يستبيحون احتلال أراضي المسلمين وطردهم وقتلهم لإخراجهم منها، وقد تسببت هذه العقيدة في حروب دامية وصراعات طويلة بينهم وبين المسلمين، وقد بين لنا المولى في القرآن الكريم فساد عقيدتهم، وحذرنا منهم في أكمل بيان وأجلى حقيقة (٢). وإن الباحث ليعجب أشد العجب حين يعلم أن توراة بني إسرائيل الحالية تعد سجلًا دقيقًا ومفصلًا لشرورهم وآثامهم، وصمم آذانهم عن الاستجابة لله، ومخالفتهم لشريعته، وخيانتهم لعهده، بل كفرانهم به، وعبادتهم الأصنام والأوثان من دونه، وقتل أنبيائهم في

стр. 1788

أطوار تاريخهم، فما من سفر من أسفارهم إلا يزخر بعبارات السخط والغضب التي صبها الله على بني إسرائيل صبًّا في كل عهودهم منذ أن أخرجهم الله من مصر، إلى أن أهلكهم بظلمهم، وقضى بخراب بلادهم، وتقطيعهم في الأرض (١). ويهود اليوم هم الخلف السيئ لمن سلف، إننا نجد هؤلاء الخلف ينطلقون من تراث السلف، فوراء كل جريمة يرتكبونها نبوأة مزعومة تسوِّغها لهم. يقول هرتزل: " ... إن هدف الحركة الصهيونية هو تنفيذ النص الوارد في الكتاب المقدس بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين" (٢). ويقول بن غوريون: "قد لا تكون فلسطين لنا من طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حق لنا على أساس ديني، فهي الأرض التي وعدنا الله، وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل" (٣). ولعل أشد ما دونته نبوءاتهم المحرفة تحريضًا لليهود على التوسع العدواني الظالم هو: "كل مكان تطؤهُ أخامص أرجلكم لكم أعطيته" يشوع ١: ٣. فهم مرتبطون عقديًّا بكل أرض سكنوا فيها، من أرض الآباء والأجداد مثل كل فلسطين، وسورية .. العراق، ومصر. ولقد قال بن غوريون في تسويغ عدوان (١٩٥٦ م): "إنه يوطد أمن إسرائيل، ويحميها من العدو، ويحرر أرض الأجداد من الغاصبين". ولما اعترض أحد الوزراء على احتلال الجولان، وعلَّل اعتراضه بعدم وجود روابط توراتية، رد عليه "إيجال آلون" قائلًا: "إن الجولان قطعة من إسرائيل القديمة لا تقل أهمية عن الخليل ونابلس"، وهبَّ زعماء يهود يؤكدون أن استيلاءهم على الأراضي المحتلة ما

стр. 1789

هو إلا تحقيق لنبوءات العهد القديم. وقال "مناحيم بيجن" في (٢٨/ ٥/ ١٩٦٨): "إن الأراضي العربية المحتلة هي أراضٍ إسرائيلية حررتها إسرائيل من الحكم الأجنبي غير الشرعي" (١). حتى السور العنصري المقيت الذي اقترح بناءه إسحاق رابين -حمامة السلام المفترسة- وشرع بيريز في تنفيذه عام ١٩٩٦ م، وهو مثار الجدل حاليًّا في حكومة شارون الذي سيحول المناطق الفلسطينية الحالية إلى معتقل كبير للفلسطينيين، استخرجوا له أسطورة من كتاب القابلاه في شرح التوراة، تنص على أن القدس هي "الملكوت الذي سيحكم العالم، وستحيط بها المرتفعات، حتى لا تصل إليها قوى الظلام، وستعلو جدرانها؛ حتى يعود التوازن إلى العالم" (٢). إذن وراء كل مجزرة ومذبحة وجريمة يهودية نبوأة توراتية مزيفة، أو محرفة، وليس على الآخرين سوى أن يرضخوا لإرادة الشعب المختار؛ لأنها -وببساطة- إرادة الله في زعمهم. وإنَّ العقيدة اليهودية المحرفة لم تكن مسطرة في كتبهم القديمة فحسب؛ بل كانت حيةً في مناهجهم التي يربون عليها أطفالهم، وبالفعل أثمرت هذه المناهج، وفرخت ما نراه من إرهاب عبر شاشات التلفزة على مرأى ومسمع العالم كله، ليشهد العالم على إرهابهم وعدوانهم المتأصِّل في نفوسهم التي ربيت على مناهج البغي والعدوان، وسأعرض نموذجًا على هذا وهو رسالة دكتوراة بعنوان "الاتجاهات الأيديولوجية في أدب الأطفال العبري" للدكتورة سناء عبد اللطيف، حيث تتبعت المؤلفة مناهجهم بالعبرية في دراسة موضوعية، وسأنقل شيئًا من خاتمتها حيث قالت: "يسعى المؤلفون إلى تلقين الأطفال مبادئ الأيديولوجية الصهيونية بشكل يظهر فيه بوضوح انحياز أدب الأطفال العبري للنسق القيمي للحركة الصهيونية، ومتسقًا اتساقًا شديدًا مع أهدافها حتى إنه يمكن القول: إن أدب الأطفال العبري يُعدّ سمفونية دعاوية

стр. 1790

وإعلامية، وإنه يعمل بانضباط على إيقاع تعاليم الأيديولوجية الصهيونية. إن أدب الأطفال العبري يسعى إلى صهينة الجيل الجديد من اليهود في إسرائيل. ويعمد إلى خلق ما يؤيد كل القضايا التي واجهت الصهيونية سواء كان ذلك: * تسويغ رفض الاندماج في مجتمعات الشتات اليهودي، وذلك بالتركيز على ما يطلقون عليه العداء للسامية وكراهية اليهود. * أو بتسويغ اغتصاب فلسطين من العرب، وذلك بالتركيز على مقولة أرض اليهود التاريخية، والحق الديني والتاريخي لهم في فلسطين. * مضمون الأدب العبري مناسب جدًّا لأهدافه، وهو يتسق اتساقًا مباشرًا مع أهداف الصهيونية ومتمشٍ مع اتجاهاتها العقدية. * يركز الأدب العبري الموجّه للأطفال على وضع المفاهيم الصهيونية في قالب ديني عاطفي يمكنه من جذب اليهود وتأييدهم، وإثارة حماستهم الدينية من خلال تحويل القيم اليهودية إلى مفاهيم سياسية قومية. * يركز الأدب الموجّه للأطفال أيضًا على الدعوة إلى الاهتمام باللغة العبرية من أجل الحفاظ على التراث اليهودي وبعثه وتعميقه بين الأطفال. * يركز أدب الأطفال على تدعيم الإحساس لدى الأطفال بحتمية الحروب من أجل ضمان الوجود البيولوجي الإسرائيلي، فيكثر الأدباء من الحديث عن وضع اليهود في أيام الحروب. * ومن ناحية أخرى، فإن اهتمام الأدباء بوضع اليهود في جوّ محاصر بالأعداء في قصصهم الموجّهة للأطفال يؤكّد في نفوسهم المقولة الصهيونية: "لا خيار إلا القتال" وبذلك يعدّ الأطفال نفسيًا لتقبل فكرة التجنيد الإلزامي حينما يصلون إلى السن الملائمة لذلك، وتهيئتهم لخوض الحروب. وقد سادت الصفحات السلبية معظم كتب الأطفال لتشوه الشخصية العربية، مثل الخيانة والكذب والمبالغة والدهاء والوقاحة والشك والوحشية والجبن وحب المال

стр. 1791

وسرعة الغضب والتملق والنفاق والتظاهر والتباهي والخبث، كما وُصِفَ العربيُّ بأنه قاتل وسارق ومخرّب ومتسلل وقذر وذو ملامح تثير الرعب" (١). ويبقى المحور الكبير أيضًا في مناهجهم، هو التأكيد على حقهم التاريخي المزعوم في فلسطين؛ بل قدسية ترابها حتى إنه كان يقدم هديةً إلى اليهود في الشتات، ليوضع معهم في قبورهم هناك (٢)! يقول د/ عبد السلام الهراس (٣): ولا يُعرف في تاريخ الفتوحات الإسلامية أنها أبادت شعوبا كما فعلت أمم أخرى من أجل إحلال المسلمين مكانهم، أو استعبدت شعوبا كما فعل الآخرون عن طريق الغزو والعدوان، وجلبها المستعمرات الجديدة وبيعها في الأسواق كما تباع الأنعام لاستغلالها أبشع استغلال، وإنما كانت الشعوب تسلم عن طواعية، فمن أبى فإنه يعيش على دينه كما نرى ذلك في كثير من بلاد العرب وغيرها مثل الشام: "سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق ومصر واليهود في المغرب العربي والسودان". أما الهند وبلاد فارس والأندلس وغيرها فإن الفتح الإسلامي اعترف أيضًا بالآخر ولم يرغم أي واحد على الدخول في الإسلام، في حين عندما انتصر ملوك شبه الجزيرة النصارى أطبقوا على إبادة المسلمين وإحراق كتبهم وتراثهم وتحويل مساجدهم إلى كنائس؛ إذ لم يبق في إسبانيا ولو كتاب واحد من ملايين الكتب التي ألفها واقتناها ونسخها علماء الأندلس ووراقوها ونساخوها .. أما الكتب التي هي بمكتبة الإسكوريال فهي مغربية الأصل قرصنها قرصان فرنسي وتسلط عليه الإسبان فجعلوها في دير الإسكوريال وقد أتلف جلها بالحرق وغيره! !

стр. 1792

ولولا الفتح الإسلامي بالأندلس لاستؤصل اليهود الذين كانوا يتعرضون من حين لآخر إلى مصائب وويلات من لدن ملوك شبه الجزيرة قبل الفتح الإسلامي، وقد نالوا في ظل الإسلام من الحقوق والحظوة والمكانة العلمية والاجتماعية والسياسية ما لا ينكره أحد منهم، أما المسلمون فلا يزالون يبادون إلى اليوم، والبوسنة والشيشان مثال على ذلك. المطلب الرابع: هل حضارة الغربيين حضارة مسيحية ؟ يقول د/ القرضاوي (١): ولقد رأينا الغربيين يزعمون أنهم مسيحيون: وأن حضارتهم القائمة اليوم حضارة مسيحية (٢) ويتباهون بأن المسيحية ديانة سلام ومحبة، وأن المسيح لم يرفع سيفًا في وجه أحد؛ بل قال لأتباعه: "من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك لتسير معه ميلًا فسر معه ميلين، ومن أراد أن يأخذ قميصك، فأعطه إزارك" (٣)! ! وبهذا لا يقاوم الشر بالشر، ولا يدفع القوة بالقوة؛ بل دعا المسيح أتباعه إلى أن يحبوا أعداءهم، ويباركوا لاعِنِيهم (٤)! فما نصيب هذه المقولة من الصحة؟ وهل الغربيون مسيحيون حقًّا؟ وهل للمسيحية ووصاياها -كما جاء بها الإنجيل- أثر في حياتهم؟ وهل طبق النصارى أتباع المسيح هذه التعاليم والوصايا في حياتهم وفي علاقاتهم بغيرهم من الأمم وأهل الأديان؟ بل هل طبقوها في علاقاتهم بعضهم ببعض؟ .

стр. 1793

التاريخ الحافل، والواقع الماثل، يقولان: إن النصارى أتباع المسيح -في جملتهم- كانوا أبعد الناس عن هذه الوصايا. ولم يدر منهم أحد خده الأيسر لمن ضربه على خده الأيمن، بل هم ابتدؤوا العالمين بالضرب على كلا الخدين، بلا مسوَّغ ولا سبب إلا العدوان. ولقد قتل المسيحيون طوال التاريخ من أبناء الشعوب المخالفين لهم، ما تشيب من هوله الولدان، بل قتل بعضهم من بعض بالملايين ما لا يزال التاريخ القريب يذكره ولا ينساه. قتل الكاثوليك من البروتستانت في بداية ظهورهم بالملايين، وقتل البروتستانت من الكاثوليك -بعد انتصارهم عليهم- بالملايين (١). وقتل بعضهم من بعض في الحربين العالميتين في القرن العشرين، بالملايين. وكلهم مسيحيون، يؤمنون بالإنجيل، ويدينون بدين المسيح ﵇. حتى قال بعض الباحثين من المسيحيين الأوربيين: لم يصدق المسيح ﵇-في نبوءة من نبوءاته، مثلما صدق في قوله: ما جئت لألقي على الأرض سلامًا بل سيفًا (٢)! وبهذا أثبت التاريخ، وأثبت الواقع كلاهما: أن أتباع دين المحبة والسلام هم أكثر أهل الأديان دموية، وأسرعهم إلى العدوانية، وأشدهم قسوة ووحشية في التعامل مع الآخرين. وهذا ما نراه رأي العين، ونلمسه لمس اليد، في يومنا هذا من القوة العالمية العظمى، القوة المتألهة في العالم، وهي قوة أمريكا التي تتصرف في الأرض، تصرفَ الإله في السماء، فهي لا تُسأل عما تفعل ولا يقف أمام رغبتها شيء، وقد رأينا أثرها العسكري في أفغانستان والعراق. وقد جسدت موقفها الديني والأخلاقي فيما صنعته في سجون

стр. 1794

العراق، وخصوصًا سجن أبي غريب، وقبلها في أسرى جوانتانامو الذين عوملوا معاملة لا يقرها دين ولا أخلاق ولا عرف ولا قانون! كما تجسد موقفها كذلك في مساندتها المطلقة والدائمة للصهيونية ودولتها المدللة (إسرائيل) التي تمدها بالمال والسلاح لتقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم، وتجرف أراضيهم، وتحرق مزارعهم، وتقلع أشجارهم، وتضم أراضيهم إليها بالقوة الطاغية، وتعزلهم وتمزقهم بعضهم عن بعض بواسطة الجدار العازل، وتخرب كل البنى التحتية لمجتمعهم. يقول د/ عبد الصبور مرزوق (١): فإذا جاء من يحاول غمز الإسلام بالإرهاب، أو أنه يقهر الحريات، أو رفضه للآخر، أو عدم قدرته على التعايش السلمي، فإنا نجعل من التاريخ، ومن الواقع حكمًا نثق ثقة كاملة في أن حكمه -كما ذكرنا- سيكون في صالح الإسلام، فالتاريخ شاهد على ما فعله الغرب بالإنسانية في العالم الثالث (أفريقيا وآسيا) العالم الثالث الذي أغلب سكانه هم من المسلمين. ماذا فعلوا هم بهم زمان الاستعمار؟ ! وكيف سرقوا خيرات الأرض، وحرموا أهلها من الإفادة منها، ونقلوها إلى بلادهم يبنون بها مدنيتهم وتقدمهم، تاركين أصحاب الأرض في أفريقيا وآسيا في ظلام الفقر والجهل والتخلف. أسألهم مستحثًّا إياهم على قليل من الإنصاف أن يراجعوا تاريخ الاستعمار، ليروا ما فعله أجدادهم بشعوب العالم الثالث، وما أنزلوه به من المظالم، وكيف كانوا يقتلون عشرات الألوف، ومئات الألوف من أهل البلاد، ليوطدوا حكمهم ويحكموا قبضتهم على الإنسان، والأرض ظاهرها، وباطنها، دون أدنى رحمة. وأسألهم: من الذي وطد ظلمه بالسيف: الإسلام أم أنتم؟ !

стр. 1795

ومن الذي سرق إنسان أفريقيا، وشحنه في السفن التي تحمل الحيوان ليصلوا به بعيدًا إلى بلادهم ليعمل في مزارعهم، ومصانعهم، ويبني مدنيتهم ساقيًا أحجارها بدمه. الإسلام أم أنتم؟ ! ثم أتجه إلى أمريكا لأسأل أهلها الحكام والشعب: من الذي ضرب نجازاكي وهيروشيما بالسلاح النووي فأباد الإنسان بعشرات المئات من الألوف، وأهلك الحرث والنسل -كما يقولون- ليس هذا فحسب بل دمروا البيئة، ولوثوا مناخها بالإشعاع المدمر؟ ! وأذكر الأمريكيين، الحكومات والشعب بالدموية والعنف الرهيب في إبادة أهل أمريكا الأصليين من الهنود الحمر. من الذي ارتكب الجريمة التي لن ينساها التاريخ، جريمة إبادة الهنود الحمر ليحل محلهم الأمريكيون المحدثون؟ ! من الذي فعل ذلك، أو مثله من الفظائع: الإسلام أم أنتم؟ ! أسأل الجميع الأوروبيين والأمريكيين، وأتمنى أن أسمع إجابة. أي إجابة وأي نوع من التفسير لما فعلوه أجمعين. من أذن لكم بذلك؟ ! وبأي حق أو منطق أبحتم لأنفسكم أن تنزلوا بالبشرية هذا البلاء المبين؟ ! ، ثم بعد هذا كله تزعمون أنكم أصحاب حضارة! ! ، وأنكم شعوب وأنظمة راقية؟ ! ، بل تزدادون عتوًّا بما تعملون في هذا القرن كي تكونوا أصحاب الهيمنة على العالم. بل وأن تكونوا أنتم ولاة أمره! حتى يكون نموذجكم هو النموذج الحضاري الذي يجب أن يسود العالم! ! أبدًا لا تصلح حضارتكم المادية والعلمانية الفارغة تمامًا من كل المعاني، والقيم، والأخلاقيات. لا تصلح حضارتكم الفارغة من عطاء الدين، وروحه، ورقيه لقيادة الإنسانية.

стр. 1796

الحضارة المرشحة لذلك وحدها هي حضارة الإسلام الذي كفل للإنسان من الحقوق، ومن التكريم ما لم يعطه إياه أي دين آخر لا سماوي ولا وضعي. وحسب الإسلام أنه رفع مكانة الإنسان، واستخلفه عن الله في أرض الله، وكرمه، وأسجد له ملائكته. ثم بعد هذا تريدون أن تهيمنوا على العالم، وأن تكونوا أنتم القدوة والمثال! كبرت كلمة! . إن المرشح الأول، والأعدل، والأمثل لقيادة البشرية هو الإسلام. وإنه المنقذ الحقيقي للإنسان من شرور نفسه، ومن سيئات أعماله، ومن عدوانه على الآخرين. الإسلام، والإسلام وحده. الوجه الرابع: شهادات غير المسلمين على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف . تواترت شهادات المفكرين الغربيين وشهدوا بالحق، وأثبتوا ما أنكره الجاحدون، وهذه مقتطفات مختصرة من أقوالهم: قال غوستاف لوبون: "لم ينتشر القرآن بالسيف ... بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب" (١). وقال روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو أتباع الأديان الأخرى الذين غلبوهم، وتركوهم أحرارًا في إقامة شعائرهم الدينية". قال "ميشود " في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية": "إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وهو قد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب". وقال الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام خواطر وسوانح"بعد وصفه الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام بين الشعوب. وصف المسلمين بقوله: "فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام" (٢).

стр. 1797

وقال: "فلم يكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالألباب" (١). ذكر توماس كارليل صـ ٧٦ في "الأبطال" في معرض رده على شبهة انتشار الإسلام بالسيف: "فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف. ولكن ما هو الذي أوجد السيف؟ هو قوة ذلك الدين، وإنه حق، والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأي رجل واحد، فالذي يعتقده هو فرد، فرد ضد العالم أجمع، فإذا تناول هذا الفرد سيفًا وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع، وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال، أو لم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحيانًا، وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون، وأنا لا أحفل أكان انتشار الحق بالسيف أو باللسان أم بأية آية أخرى، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار. لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وأظافرها فإنها لن تهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم" (٢). يقول مونتكومري وات: لا يعني التأكيد -على إخضاع مشركي الجزيرة للإسلام- أن الإسلام قد انتشر بحدّ السيف. حقًّا إن القبائل الوثنية في الجزيرة العربية كان عليها أن تختار الإسلام والسيف، إلا أن تعامل المسلمين كان مختلفًا تجاه اليهود والمسيحيين والزرادشتيين وغيرهم ممن اعتبرت دياناتهم شقيقة للإسلام، رغم الدعوى القائلة بأن الأتباع المعاصرين لتلك الديانات قد ابتعدوا عن جوهرها. ومهما كان الأمر فقد كان بالإمكان قبولهم نوعًا من الحلفاء للمسلمين في معظم الأقطار التي فتحتها العرب، لذلك فإن غرض الجهاد لم يكن يهدف إلى تحويل أولئك السكان نحو الإسلام بقدر ما كان يهدف إلى اعترافهم بالحكم الإسلامي وبمنزلة أناس يحميهم الإسلام. وبعامة فإنهم أهل الذمة، وكانت الطائفة الذمية مجموعة من الناس تعتنق ديانة واحدة لها استقلالها الداخلي برعاية رئيس ديني كالبطريك أو

стр. 1798

الرابي، وكان على كل فرد من أفراد المجموعة الذمية دفع ضريبة شخصية إلى الحاكم المسلم، إضافة إلى مبالغ مختلفة أخرى تحدد استنادًا إلى شروط الاتفاقية مع المجموعة، وكانت تلك الضرائب أحيائا أقل وطأة من الضرائب التي كانت تدفع للحكام السابقين، وكانت حمايتهم بصورة فعالة بالنسبة للدولة الإسلامية تمثل كلمة شرف تلتزم بها الدولة وتنفذها، ثم إن وضع أهل الذمة لم يكن سيئًا رغم بعض القيود المفروضة عليهم. كانت هناك مناطق مثل شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا انتشر الإسلام فيها نتيجة نشاط رجال الأعمال؛ إذ لم يكون للمسلمين في تلك المناطق الوثنية أية سرية في ممارسة الصلاة خمس مرات يوميًّا، وإن إخلاص هؤلاء المسلمين والتزامهم المتزن بالإسلام الحنيف أذهل الوثنيين الذين كانت لهم علاقات تجارية مع المسلمين مما أدى إلى اعتناق الإسلام والاختلاط عن طريق الزواج إلى تكوين مجتمعات إسلامية صغيرة وسط المناطق الوثنية ونمت تلك المجتمعات بصورة تدريجية) (١). يقول ول ديورانت: الحق أن حادث الفتوحات الجلل الذي تمخضت عنه جزيرة العرب، والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى (٢). كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم (٣).

стр. 1799

على الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين معظم المسيحيين، وجميع الزردشتيون والوثنيون إلا عددًا قليلًا جدًّا منهم، وكثيرون من اليهود. وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي، فإن في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصًا واستمساكًا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وحتى الأندلس، وتملك خيالهم وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالًا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والألفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام مئات الملايين من الأنفس، يوحد هذا الدين بينهم، ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية (١). في وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية للمسيحيين من رسالة كتبت في عام ١٣١١ م تقدر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت بمائتي ألف، كلهم ما عدا ٥٠٠ منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. وكثيرًا ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين (٢). (إن المسلمين -كما يلوح- كانوا رجالًا أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام ١٠٩٩ م) (٣).

стр. 1800

يقول سير توماس أرنولد (١): لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرود وايزابلا دين الإسلام من أسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهبًا يعاقب عليه متبّعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنكلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة. وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالًا تامًا عن سائر العالم المسيحي الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف إلى جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين. ولهذا فإن مجرد بقاء هذه الكنائس حتى الآن ليحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم. يقول المستشرق الدومييلي (٢): إن السكان الساميين في سوريا ومصر، الذين قاسوا كل صنوف الضغط والهول -على الأخص بسبب الضرائب- من قبل الحكومات الأجنبية التابعة للدولة البيزنطية أو المملكة الساسانية، لم يستطيعوا أن يروا في العرب إلا محررين مخلصين، كما أن المسيحيين القائلين بوحدة الطبيعة طبيعة المسيح ﵇ في الشرق استطاعوا أن يعتمدوا على التسامح الإسلامي، بعد أن كانوا يخشون الاضطهاد من قبل نصارى القسطنطينية (٣). كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات القديمة عند طوائف كبيرة من الأهالي الذين واصلوا التمتع بعاداتهم، وقوانينهم، ولغاتهم، على شريطة أن

стр. 1801

يعطوا بانتظام قيم الجزية المفروضة على من لا يدخل في جماعة المسلمين. وكان طبيعيًّا مع ذلك أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر، سواء أكان ذلك بسبب الجوار أم بسبب اعتناق الأهالي كثيرًا أو قليلًا للإسلام بوجه خاص (١). التسامح العظيم الذي تحلى به الخلفاء الأمويون، وملوك الطوائف لم يمتد لواؤه على ما حكموه من شعوب، أو على المسلمين القادمين من أفريقية والمشرق فحسب؛ بل انبسط ظله أيضًا على العلماء المسيحيين الذين أقبلوا مهطعين من أبعد الأقطار لتلقي العلوم في المدن المزدهرة التي لا تحمى في ذلك القطر الساحر الأندلس الآخذ بمجامع الألباب. (٢) يقول أدوار بروي: قلما عرف التاريخ والحق يقال، فتوحات كان لها في المدى القريب على الأهلين مثل هذا النزر الصغير من الاضطراب يحدثه الفتح العربي لهذه الأقطار، فمن لم يكن عربيًّا من الأهلين لم يشعر بأي اضطهاد قط، فاليهود والنصارى الذين هم أيضًا من أهل الكتاب حق لهم أن يتمتعوا بالتساهل وأن لا يضاموا، وكان لابدّ من الوقوف هذا الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة وغيرها من الملل والنحل الأخرى. والمطلوب من هؤلاء السكان أن يظهروا الولاء للإسلام ويعترفوا بسيادته وسلطانه، وأن يؤدوا له الرسوم المترتبة على أهل الذمة تأديتها، وفي نطاق هذه التحفظات التي لم يكن لتؤثر كثيرًا على الحياة العادية، تمتع الزمن بكافة حرياتهم (٣). انتظمت العلاقات بين الدولة وسكان البلاد الأصليين بسهولة كلية وفقًا لروح القانون المعمول به في البلاد، وبقيت كل ملة أو طائفة محتفظة بقانونها الخاص، وبالموظفين الذين يسهرون على الشئون الدينية عندها باستثناء ما كان منها تابعًا للحق العام. ونلاحظ تطورًا ملحوظًا يطرأ على وضع النصارى بعد أن احتفظت بيعهم بجانب من ممارسة

стр. 1802

العدالة في الأمم الخاصة، وهكذا برز البطاركة والأساقفة الرؤساء الأعلين لطوائفهم تعلو سلطتهم سلطة الموظفين الإداريين المحليين، حتى إن اليهود أنفسهم لم يجدوا بأسًا في الاحتفاظ برؤسائهم الدينيين وبربابنتهم وبحاخامهم الأكبر (١). انتشرت حوالي السنة ١٠٠٠ م عادة القيام بالحج، تزايد السفر إلى الأرض المقدسة؛ لأنه اعتبر أعظم الممارسات النصرانية نفعًا للخلاص الأبدي، وقلما ضايقه العرب الذين كانوا متساهلين جدًّا، كما يبدو من جهة ثانية أن الغزو التركي لم يجعل الدخول إلى معابد فلسطين أكثر صعوبة إلا أن فرسان الغرب، وقد تمكنت منهم فكرة الحرب المقدسة أخذوا في النصف الثاني من القرن الحادي عشر يؤدون فريضة الحج جماعات صغيرة مسلحة كما أخذوا بعد عودتهم يبسطون شعورهم بأن الفتح ليس أمرًا مستحيلًا، وجاء الاندماج التركي أخيرًا يهدد بيزنطية آنذاك تهديدًا جديًّا خطيرًا، ففكر الغرب بوجوب وقاية المسيحية من جهة الشرق (٢). مما لابدّ من التنويه به عاليًا أن هؤلاء السلاطين العثمانيين لم يظهروا أي تحرج أو تعصب تجاه المسيحيين في وقت وزمان كان فيه ديوان التفتيش يبطش بالناس بطشًا وينزل بهم الهلع، وفي عهد كان اليهود والمسلمون يطردون دونما رحمة أو شفقة من أسبانيا، وبالرغم من إسكان عدد كبير من الجاليات الإسلامية في البلقان، واعتناق بعض الجماعات البلقانية الإسلام فلم يأت العثمانيون شيئًا مهمًا ليمنعوا السواد الأكبر من سكان البلاد البلقانية من الاحتفاظ بنصرانيتهم (٣).

стр. 1803

يقول مارسيل بوازار: لقد أظهرت الرسالة القرآنية وتعاليم النبي ﷺ أنها تقدمية بشكل جوهري، وتفسّر هذه الخصائص انتشار الإسلام السريع بصورة خارقة خلال القرون الأولى من تاريخه. (١) فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب، لكنه بدا أنه يرفض الحوار في الوقت ذاته على الصعيد اللاهوتي حين أزال من العقيدة كل ما اعتبر زيفًا مخالفًا للتوحيد بالمعنى الدقيق للكلمة، وأتاح منطق تعاليمه القوي وبساطة عقيدته، وما يرافقها من تسامح أتاح كل هذا للشعوب التي فتح بلادها حرية دينية تفوق بكثير تلك التي أتاحتها الدول المسيحية نفسها (٢). لقد تألفت أمم من نوع معين واتحدت وخضعت لنظامها الديني الخاص وانخرطت في البنية الاجتماعية الفوقية للمجتمع الإسلامي الذي يحميها (٣). حاول الإسلام منذ القرن السابع للميلاد أن يقدم حلًا لمشكلة الأقليات فريدًا في نوعه وتستحق جماعة غير المسلمين على أرض الإسلام أن تتناول بالتحليل؛ لأنه ثبت أنها نهج لا مثيل له في الوقت الذي كان فيه الغرب على أهبة الخروج من العصور الوسطى، وإدراك ضرورة وضع الأنظمة المحدودة للعلاقات مع الغرباء (٤). منذ بدء الفتح العربي الإسلامي كان المحاربون المسلمون قد فرضوا على أنفسهم روحًا من التسامح مع غير المسلمين ومع الشعوب المغلوبة، وفي زمن لم يكن فيه العنف يعرف شرعًا ولا عاطفة، أصدر أبو بكر ﵁ أول خليفة للنبي ﷺ إلى جنوده التعليمات

стр. 1804

المشهورة المرنة كثيرًا التي تختصر الروح الخلقي للقانون الإسلامي (١). يقول تريتون (٢): أما النواحي الشرقية القصوى من الدولة الإسلامية فإن الشعوب المحكومة كانت تعامل معاملة تنطوي على مثل هذا العطف الذي حظيت به في النواحي الأخرى (٣). ولما تدانى أجل عمر بن الخطاب أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: (أوصى الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألّا يكلفهم فوق طاقتهم) (٤) وفي الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول، وهي شهادة "عيثويابه" الذي تولى كرسي البطريركية من سنة ٦٤٧ إلى ٦٥٧ م إذ كتب يقول: إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية؛ بل يمتدحون ملتنا ويوقرون قسيسينا وقدّيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا. والظاهر أن الاتفاق الذي تم بين عيثويابه وبين العرب كان من صالح النصارى فقد نصّ على وجوب حمايتهم من أعدائهم وألا يحملوا قسرًا على الحرب من أجل العرب، وألّا يؤذوا من أجل الاحتفاظ بعاداتهم وممارسة شعائرهم، وألا تزيد الجزية المجباة من الفقير على أربعة دراهم، وأن يؤخذ من التاجر والغني اثنا عشر درهمًا، وإذا كانت أمة نصرانية في خدمة مسلم فإنه لا يحق لسيدها أن يجبرها على ترك دينها

стр. 1805

أو إهمال صلاتها والتخلي عن صيامها (١). كان العرب في أيامهم الأولى يلتزمون جادة الصبر والأناة، إذ كثيرًا ما نقرأ عن مدن استسلمت بشروط ثم ثارت وتمردت على العرب ثم استسلمت مرة أخرى فأعادوا لها عهودها الأولى (٢). ومن الأدلة الطيبة على ما كانت تسترشد به الحكومة الإسلامية في معاملتها الذميين ما جاء في الأمر الذي وجد بين أوراق البردي اليونانية المحفوظة في المتحف البريطاني، وعلى الرغم من فساد قسم منه فقد جاء في الباقي: خوفًا من الله، وحفظًا للعدالة والحق في توزيم القدر المفروض عليهم ولكن تجب معاملة الجميع بالعدل، وأخذ الشيء من كل منهم بقدر طاقته (٣). يقول أرنولد توينبي: ثمة حالة نابهة الذكر لهذا التسامح المنشود يفرضها نبيٌّ على أتباعه وهو في موضعه الجليل. فإن محمدًا ﷺ قد أمر أتباعه بالتسامح الديني تجاه اليهود والمسيحيين الذين خضعوا سياسيًّا للحكم الإسلامي. فقدم محمد ﷺ بذلك لقاعدة التسامح تفسيرًا قوامه أن أفراد هاتين الجماعتين الدينيتين غير المسلمتين هم أهل كتاب كالمسلمين أنفسهم، وليس أدل على روح التسامح التي بعثت الحياة في الإسلام منذ بدايته من أن المسلمين قد طبقوا مبدأ التسامح الديني على أتباع زرادشت الذين خضعوا للحكم الإسلامي؛ وإن لم يقل بذلك الرسول الكريم نفسه (٤). لم يكن الاختيار بين الإسلام أو القتل، ولكن بين الإسلام أو الجزية وتلك سياسة مستنيرة، أجمعت الآراء على امتداحها. لقد سلك الإسلام طريقة بين رعايا الخلافة غير العرب، مستندًا على مزاياه وفضائله الذاتية، وكان انتشارًا بطيئًا لكنه كان مؤكدًا، ويحتمل

стр. 1806

أن الهداية إلى الإسلام بصورة جماعية لم تبدأ قبل القرن التاسع الميلادي -أو تصل نهايتها- حتى حلول فترة اضمحلال الإمبراطورية العباسية من القرن الثالث عشر. ويمكن القول بالتأكيد إن هذه الغلات التي حصدت من حقل التبشير الإسلامي كانت حصيلة حركة شعبية تلقائية، ولم تنجم قط عن ضغط سياسي (١). إن المسلمين قد سبقوا بناة الإمبراطورية من الأسبانيين والبرتغاليين في إظهار إخلاصهم لمعتقداتهم الدينية. فإن المسلمين قد تزاوجوا منذ البداية مع من تولوا هدايتهم إلى دينهم دون اعتبار لاختلاف الجنس؛ بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك فإن المجتمع الإسلامي قد ورث عن نص وارد في القرآن إقرارًا بطائفة من الأديان عدا الإسلام هي رغم ما بها من قصور أديان سماوية أصلية نزل بها الوحي وهذا الإقرار أسبغ على اليهود والمسيحيين أولًا، ثم اتسع فشمل بعد ذلك الزرادشيتين والهندوس (٢). يقول جورج حنا: إن المسلمين العرب لم يعرف عنهم القسوة والجور في معاملتهم للمسيحيين؛ بل كانوا يتركون لأهل الكتاب حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية مكتفين بأخذ الجزية منهم. (٣) لم يرو المؤرخون المسيحيون أنفسهم مثل هذه الوحشية التي مارسها الصليبيون عن المسلمين. لم يكن هؤلاء وحشيين في معاملة الأسرى الأهليين المسيحيين، فإذا انتصروا كانوا يكتفون بضرب الجزية على أعدائهم ولا يفظّعون بهم. بعد معركة طبرية التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي على خصمه الملك غي ده لوسينيان عفَّ صلاح الدين عن التفظيع بالأسرى الذين نجوا من الموت المريع أثناء المعركة، وجردهم من السلاح، وضرب عليهم الجزية وأطلق سراحهم مع قائدهم الملك

стр. 1807

غي. وليست هذه الحادثة وحدها هي الدليل على الفرق الكبير بين معاملة الغزاة لأعدائهم وبين معاملة أعدائهم في واحدة من المئات التي جاءت في كتب التاريخ عن الحروب الصليبية ومعظمها لمؤرخين مسيحيين من الفرنج بالذات (١). يقول أميل درمنغم: كانت الفتوح الإسلامية جزاءً مقدرًا، وخزيًا كبيرًا على النصرانية الشرقية المتفرقة المنحطة، وكان سلطان العرب غلًّا أكرهت به أوروبا على الصواب، فكان ظهور العرب ووعيدهم حافزين للنصرانية إلى سلوك سبيل الإصلاح والترقي (٢). لم يشرع الجهاد لهداية الناس بالسيف ففي القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والقرآن يأمر المسلمين بالاعتدال وبألا يبدؤوا بالاعتداء (٣). كتب الفوز للعرب؛ لأنهم كانوا أهلًا للفوز، وتمّ النصر للإسلام؛ لأنه عنوان رسالة كان الشرق كثير الاحتياج إليها، واحتمل المسلمون ضروب العذاب قبل الهجرة ولم يستطيعوا لها ردًّا، فلما كانت الهجرة وكان ما أبدوه من المقاومة والنصر، اتخذوا التسامح الواسع دستورًا لهم. أجل لم يبق للمشركين مقام في دار الإسلام، ولكنه أصبح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى فيها حق الحماية وحرية العبادة وما إليهما، وصاروا من المجتمع إذا ما أعطوا الجزية. قال النبي ﷺ : "من آذى ذميًّا فأنا خصمه"، وما أكثر ما في القرآن والحديث من الأمر بالتسامح، وما أكثر عمل فاتحي الإسلام بذلك، ولم يرو التاريخ أن المسلمين قتلوا شعبًا، وما دخول الناس أفواجًا في الإسلام إلّا عن رغبة فيه، وهنا نذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ لمَّا دخل القدس فاتحًا أمر بألّا يمسّ النصارى بسوء وبأن تترك لهم كنائسهم، وشمل البطرك بكل رعاية، ورفض الصلاة في الكنيسة خوفًا من أن يتخذ المسلمون ذلك ذريعة لتحويلها إلى مسجد.

стр. 1808

وهنا نقول ما أعظم الفرق بين دخول المسلمين القدس فاتحين ودخول الصليبيين الذين ضربوا رقاب المسلمين فسار فرسانهم في نهر من الدماء التي كانت من الغزاة ما بلغت به ركبهم، وعقد النية على قتل المسلمين الذين تفلتوا من المذبحة الأولى! (١). يقول اتيين دينيه: من الحقائق التاريخية أن النبي ﷺ أعطى أهل نجران المسيحيين نصف مسجده ليقيموا فيه شعائرهم الدينية. وها نحن أولًا نرى المسلمين إذا بشروا بدينهم فإنهم لا يفعلون مثل ما يفعل المسيحيون في الدعوى إلى دينهم، ولا يتبعون تلك الطرق المستغربة التي لا تتحملها النفس والتي يحبها الذوق السليم. وقد أنصف القس ميثون الحقيقة في كتابه "سياحة دينية في الشرق" حيث يقول: إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم (٢). المسلمون على عكس ما يعتقده الكثيرون، لم يستخدموا القوة أبدًا خارج حدود الحجاز لإكراه غيرهم على الإسلام. وإن وجود المسيحيين في أسبانيا لدليل واضح على ذلك، فقد ظلوا آمنين على دينهم طوال القرون الثمانية التي ملك فيها المسلمون بلادهم، وكان لبعضهم مناصب رفيعة في بلاط قرطبة. ثم إذا بهؤلاء المسيحيين أنفسهم يصبحون أصحاب السلطان في هذه البلاد فكان أول همٍّ لهم أن يقضوا قضاء تامًّا على المسلمين (٣). إن القدوة الحسنة التي لا تقترن بمحاولة التبشير المتعصبة لهي أقوى أثرًا في النفوس التقية من مضايقات القسس المبشرين، ولقد اضطر العالم دوزي - رغم تعصبه ضد الإسلام - إلى الاعتراف بأن الكثير من المسيحيين الذين كانوا في أسبانيا اعتنقوا الإسلام عن عقيدة (٤).

стр. 1809

القاعدة التي يجري عليها المسلم في علاقاته بأصحاب الديانات الأخرى هي تلك التي حددها القرآن في الآية التالية ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وكيف لا يكون المسلم متسامحًا وهو يجل الأنبياء الذين يجلهمّ اليهود والنصارى فموسى بالنسبة إليه كليم الله، وعيسى روح الله، يجب تبجيلهما كما نبجل محمدًا حبيب الله. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١). يقول ادوين كالغرلي: لم يحمل المسلمون أثناء غزواتهم المنتصرة أحدًا من المسيحيين أو اليهود على اعتناق الإسلام، فقد أقر الإسلام لأهل الكتاب بحرية ممارسة شعائر دينهم بشرط دفع الجزية، وكل ما طالبهم به هو أن يسلموا للدين الجديد بالسيادة المدنية والسياسية التي تمثلت في الدولة الإسلامية (٢). (احتفظ المسلمون للأقليات غير المسلمة في البلاد التي فتحوها بحقوقهم وامتيازاتهم الدينية) (٣). في القرآن آية كريمة تفيض بالصدق والحكمة يعرفها المسلمون جميعًا، ويجب أن يعرفها غيرهم، وهي تقول بأن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (٤). يقول كلود كاهن: حافظت الأقوام المغلوبة على حرية إقامة شعائرها، لا يحدّها في ذلك سوى الامتناع عن تلك التظاهرات العامة التي تؤذي المسلمين في المناطق الآهلة بهم، كما حافظت تلك الأقوام على شرائعها الخاصة، ورأى المسلمون في أداء الضريبة لهم اعترافًا بالسيادة العليا للأمة الإسلامية، ولقاء ذلك استبقى الأهالي ما يملكون من عقارات ونزل العرب خارج ممتلكاتهم، وكان على المغلوبين أيضًا واجب الوفاء والإخلاص للفاتحين، وبخاصة في فترات الحروب كإيواء المسلمين وتزويدهم بالأخبار والامتناع عن إفشاء المعلومات للعدو (٥).

стр. 1810

يقول كرامرز (١): إن أورشليم القدس المركز الديني الأسمى لأوربا النصرانية دخلت منذ السنة ٦٣٨ م في حوزة الإسلام إلا أن الفتح الإسلامي لم يمنع من زيارة القبر المقدس، أو يحل بين الأوربيين المسيحيين وبين إنجاز هذه الفريضة الدينية. يقول جوليفيه كستلو: ما كان الحكم التركي الذي امتد ظله إلى المجر ظالمًا ولا قاسيًا، فقد كان العثمانيون يرعون أديان الشعوب المحكومة، ويحترمون عاداتها، وظلت تركية متمسكة بهذه القاعدة إلى القرن العشرين، وما تعمدت قط أن تتمثل العناصر؛ بل اكتفت بفرض الضرائب عليهم. وقد رأينا الشعوب التي خضعت لحكم السلطنة أضاعت قوميتها، وكانت مع هذا أيام استعبادها أسعد حالًا من العصور المضطربة المحاربة أيام استقلالها، وربما لم تربح إلى اليوم من هذا التبدل في الحكم. (٢) يقول كلود تسيهر: إنه مما لا يصكن إنكاره أن الأوامر القديمة التي وضعت للمسلمين الفاتحين إزاء أهل الكتاب الخاضعين لهم، أثناء هذه المرحلة الأولى من التطور الفقهي كانت قائمة على روح التسامح وعدم التعصب. وأن ما يشاهد اليوم مما يشبه أن يكون تسامحًا دينيًّا في علاقات الحكومات الإسلامية، ونجد ظواهر هذا التشريع في الإسلام في كتب الرحالة في القرن الثامن عشر يرجع إلى ما كان في النصف الأول من القرن السابع من مبادئ الحرية الدينية التي منحت لأهل الكتاب في مباشرة أعمالهم الدينية. روح التسامح في الإسلام قديمًا تلك الروح التي اعترف بها المسيحيون المعاصرون أيضًا كان لها أصلها في القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقد جاءت الأخبار

стр. 1811

عن السنين العشر الأولى للإسلام بمثل للتسامح الديني للخلفاء إزاء أهل الأديان القديمة، وكثيرًا ما كانوا يوصون في وصاياهم للفاتحين بالتعاليم الحكيمة، ومن المثل لذلك عهد النبي ﷺ مع نصارى نجران الذي حوى احترام منشآت النصارى، ثم هذه القواعد التي أعطاها لمعاذ بن جبل عند ذهابه إلى اليمن لا يزعج يهودي في يهوديته. وفي هذه الدائرة العالية كانت أيضًا عهود الصلح التي أعطيت للنصارى الخاضعين للدولة البيزنطية التي اندمجت في الإسلام وبموجبها كانوا - في مقابل دفع الجزية - يستطيعون مباشرة شئونهم الدينية من غير إزعاج لهم. وكما أن مبدأ التسامح كان جاريًا في الأعمال الدينية، كذلك من جهة أخرى كان يراعي فقهيًا فيما يتعلق بالمعاملات المدنية والاقتصادية بالنسبة لأهل الكتاب مبدأ الرعاية والتساهل، فظلم أهل الذمة، وهم أولئك المحتمون بحمى الإسلام من غير المسلمين كان يحكم عليه بالمعصية وتعدي الشريعة. ففي بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار ضد ظلم أحد عمال الضرائب، فحكم عليه بما قاله الرسول ﷺ : "من ظلم معاهدًا، وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة". وفي عصر أحدث من هذا ما رواه بورتر porter في كتابه "خمس سنين في دمشق" من أنه رأى بالقرب من بصرى بيت اليهود، وحكمت أنه كان في هذا الموضع مسجد هدمه عمر ﵁ لأن الحاكم قد اغتصبه من يهودي ليبني عليه هذا المسجد) (١). الوجه الخامس: علاقة الدولة الإسلامية بالدول المحاربة . إن الله تعالى عظَّم شأن من سعى لحفظ حياة إنسان واحد، وعظَّم جرم من سعى في قتل إنسان بريء ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وقد تكلَّم

стр. 1812

علماء الإسلام أن هذه الآية تشمل كل إنسان مسلمًا كان أم غير مسلم. وما شرع القصاص في القتل إلا لحماية حياة الناس، فإن الإنسان لا يبادر إلى قتل البريء إذا عم أنه يقتل به ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]. أما الأمن الذي يقابل العنف فقد جعله الإسلام من أعظم أسباب النعم التي أنعم الله بها على عباده، ومنَّ بها عليهم ليعبدوه وحده لا شريك له، فقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]. والسلم والحرب من سنن الله تعالى في هذه الحياة، والناس لا يعدّون إلا مسالمين أو محاربين. وقد جعل الشرع للحرب سننًا وآدابًا، وللسلم سننًا وآدابًا. لقد جعل الإسلام للحرب آدابًا للرحمة لم يعرفها غير المسلمين لا في تأريخهم القديم ولا الحديث. إن من أعظم سنن الحرب عند المسلمين: - الإعلان والإنذار قبل الحرب. - قتال المحارب دون غيره من الرجال. - ترك النساء والأطفال والشيوخ. - إعطاء الأمان للمحارب إذا طلب ذلك قبل القدرة عليه. - الوفاء بالعهد وعدم الغدر. - الحرب الشريفة (النظيفة). إن هذه السنن الحربية سنن مقدسة شريفة عند المسلمين، إنها سنن يتعبَّدون الله تعالى بها، ذلك أن من خالفها فقد عصى الأوامر الشرعية تمامًا مثل من شرب الخمر أو سرق ونحو ذلك. وقد شهد التأريخ بشرفية حروب المسلمين ونظافتها من الخبث والغدر. روى مسلم في صحيحه عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله

стр. 1813

في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا". وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان.؟ (١) وقال تعالى في ترك المسالمين من الرجال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠]. وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: كرهوا قتالكم. والدارس للقرآن الكريم في هذا المجال يجد الحقائق الآتية (٢): الحقيقة الأولى: أن الإسلام قد حرم الاعتداء تحريمًا قاطعًا، وتشريعه للحرب دفاعي محض، والدليل على ذلك: أننا لا نجد في القرآن الكريم كله آية واحدة تتحدث عن حرب هجومية من جانب المسلمين، أما إذا وقع اعتداء على المسلمين من أحد، فعليهم أن يهبوا للدفاع عن أنفسهم ودينهم، وهذا حق مشروع لا ينكره إنسان منصف، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. الحقيقة الثانية: القرآن الكريم صريح كل الصراحة في أن الكفر في ذاته لا يبيح قتال أصحابه، وإنما الذي يبيحه هو اعتداؤهم، ومن الأدلة على ذلك: الآية السابقة وما قدمناه من احترام

стр. 1814

القرآن جوار المعاهدين وتحريمه قتال من أتى إلى المسلمين من دار الحرب كما سبق، ومن الأدلة أيضًا ما قرره القرآن من إجارة المشرك ما دام مسالمًا على النحو الذي قدمناه. الحقيقة الثالثة: أباح القرآن الكريم قتال الكفار الذين يحاولون الصيد في الماء العكر، ويتلونون كل يوم بلون ليأمنوا جانب المسلمين وجانب قومهم في وقت واحد، قال تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١] (١). الحقيقة الرابعة: إذا أثخن العدو بالجراح، وتجلى ضعفه، وصار النصر محققًا في جانب المسلمين، فلهم أخذ الأعداء أسرى إلى أن يتم الاتفاق على إنهاء حالة الحرب، وللحاكم المسلم أن يمن على هؤلاء الأسرى فيطلق سراحهم دون مقابل، وله أن يأخذ فدية مقابل تسريحهم تبعًا لما فيه المصلحة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. الحقيقة الخامسة: الحرب في مفهوم القرآن الكريم ضرورة، ولذلك فهي مؤقتة بوجود سببها وهو الاعتداء على جماعة المسلمين، فإذا انتفى هذا السبب وجب إنهاؤها، وهذا يحدث في نظر القرآن الكريم بأحد أمور ثلاثة: ١ - أن ينتهي المعتدون من عدوانهم، ويكفوا أيديهم عن القتال قال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢].

стр. 1815

٢ - أن يجنحوا إلى السلم ويمدوا أيديهم للتصالح مع المسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١] ٣ - أن يحرز المسلمون النصر ويوقنوا بزوال الخطر، وعليهم حينئذ أن يكفوا عن القتال ويبدأوا بتصفية الموقف، قال تعالى: ﴿إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. معاملة الأسرى في الإسلام والتشريعات الأخرى إذا كانت معاملة الأسرى في ظل منهج القرآن قد بلغت شأوًا بعيدًا في الإحسان والرحمة؛ فإنه باستقرار تاريخ التشريعات الأخرى نرى عكس ما انتظمته تشريعات القرآن الكريم السامية (١). الأسرى في ظل تشريعات فارس فالقارئ لتاريخ فارس يرى أمرًا عجبًا فإنهم كانوا يعاملون أسراهم بقسوة لا شفقة معها فيسملون أعينهم، ويسومونهم سوء العذاب ثم يقتلونهم أو يطلبونهم. (٢) فأسرى الحرب لم تكن لهم أي قيمة تذكر كبشر في نظر أهل فارس حين وقع (والير فإن) قيصر الروم في أسر شابور الأول قيد بالسلاسل، وطوف به في المدينة، واستخدم كالعبيد طوال حياته، وبعد موته سلخ جلده وملء بالقش (٣). أما حادثة شابور والأكتاف فهي مشهورة فحين أريد الانتقام من الأسرى العرب (عرب البحرين أو الإحساء) أمر بصفهم معًا، وحرق أكتافهم وربطهم معًا؛ ولهذا عرف في التاريخ باسم (ذو الأكتاف). وتزداد فظاعة هذه الحكايات الدامية حين تعرف أن هذا

стр. 1816

الظلم الذي وقع على الجنس البشري لم يكن له أي مقصد أو هدف؛ بل كان لمجرد الشهرة وإظهار الهيبة والعظمة لا غير وكان يحدث أن تسفك دماء الألوف من الناس لمجرد إرضاء شهوات الملوك ونزواتهم الوضيعة وهذه الحادثة التي وقعت في عهد رسول الله ﷺ فقد سمع (خسرو أبرويز) عن جمال ابنة النعمان بن المنذر فأمره أن يدخل ابنته في البلاط الملكي إلا أن النعمان بغيرته العربية لم يهتم بهذا الحكم ورفضه علنا فصدر أمرًا من خسروا باحتلال إمارة الحيرة والقبض على النعمان فقام النعمان وأولاده باللجوء إلى حماية بنى شيبان وذهب بنفسه إلى بلاط كسرى يلتمس العفو على هذا الذنب لكن كسرى أمر بقتله وأرسل جيشًا قوامه أربعون ألف جندي لسلب أهل النعمان بن المنذر من بني شيبان ودارت رحى المعركة عند ذي قار معركة ضارية مات فيها الآلاف من الطرفين لا لشيء إلا لأن الملك كان يشتهى رؤية امرأة جميلة (١). الأسرى في ظل تشريعات الرومان واليونان إذا كان هذا هو الحال في فارس في معاملة أسرى الحرب؛ فإن حال الأسرى في قوانين الرومان واليونان القدامى أشد سوءًا. كان أسرى الحرب عندهم هم أكثر الناس تعرضًا للمهانة والمذلة والتعذيب والقهر، فقد كان الرومان واليونان قدامى يعتبرون الأمم الأخرى أمم همجية بربرية، ولم يكن في قوانينهم مادة تتعلق بالأسير سوى مادة واحدة تنص على قتله أو استرقاقه ولا شيء غير هذا. يقول أرسطو معلم الأخلاق: ببساطة إن الطبيعة قد خلقت هؤلاء البرابرة؛ ليكونوا مجرد عبيد وغلمان (٢). وفي موضع آخر يتحدث عن السبل المشروعة للحصول على الثروة فيقول: وتحدث

стр. 1817

الحرب من أجل استرقاق هذه الأمم فقد خلقتهم الطبيعة لهذا الغرض (١). وقد أدى هذا الاعتقاد بالتالي إلى استهتار الرومان بأرواح الأمم الأخرى وأموالها من ناحية، ومن ناحية أخرى سيطرت على المجتمع الروماني بهمجية ووحشية جعلت أفراد المجتمع الروماني يتلذذون بمشاهدة الوحشية في ألعابهم، فحولوا هذا التلذذ المجازي إلى واقع فلو تخيلوا حرق بيت قاموا بحرقه فعلًا، وهكذا قاموا بحرق الإنسان حيًا، وتركوا الإنسان فريسة للأسود في قفص واحد، ولما كانوا في حاجة إلى هؤلاء الذين يتسلون بهم في لهوهم الوحشي ولم يكن من المعقول أن يكونوا من المواطنين الأحرار في روما؛ جعلوا أسرى الحرب وسائل لتلك التسلية الدموية، وكانت هذه التسلية تتم على نطاق واسع لدرجة أنها كانت تضم آلاف الرجال، يطاح بهم في وقت واحد. أما تينوس الذي يقال: إنه محبوب الجنس البشرى فقد أمر بالقبض على خمسين ألفًا من الحيوانات المتوحشة ثم نزل منها عدة آلاف من الأسرى اليهود داخل سياج واحد. وفي ألعاب بشعة أخرى كان هناك عشرة ألف رجل يتصارعون مع أحد عشر ألفًا من الوحوش الضارية. وقد قام كلاديوس ذات مرة بجعل (١٩) تسع عشرة ألف رجل يقتلون بعضهم بعضًا بالسيف خلال هذه الألاعيب الحربية البشعة، والوصية التي كتبها قيصر أغسطس جاء فيها: لقد شاهدت مباريات ثمانية آلاف جندي مع ثلاثة آلاف وخمسمائة وعشرة من الحيوانات المفترسة، وكانت هذه المباريات تتم كلها باستخدام أسرى الحروب. أضف إلى ذلك لقد كان استخدام أسرى الحرب يشمل أيضًا استرقاقهم من جانب الرومان الأحرار، وقد احتل الأسرى الدرجة الدنيا في المجتمع؛ إذ لم تكن لهم أية حقوق محدودة، ولم تكن لأرواحهم قيمة، ولم يكن لهم هدف من حياتهم سوى إرضاء رغبات

стр. 1818

سادتهم ونزواتهم. وكما يقول "فيرر": "يقضون حياتهم وطفولتهم ذليلة، وشبابهم تعب شاق، وشيخوختهم لا رحمة لها من سادتهم وهكذا حياتهم من المهد إلى اللحد" (١). ويقول: "فيرر": حين اتسعت فتوحات الرومان بدأ عدد ضخم من أسرى الحرب يفد إلى البلاد، ووصل مجموع عددهم في وقت من الأوقات إلى ستين مليون مستعبد (٢). الأسرى في ظل تشريعات اليهود أما عن اليهود فحدث ولا حرج فقد اشتملت نصوص توراتهم المحرفة على ما يندى له الجبين، ومن ثم انطلق الحكم العبري من خلال هذه النصوص المحرفة فما كان أقل قسوة من الفرس أو الرومان فقد ورد في: (أ) سفر التثنية: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة فتغنمها لنفسك". (ب) جاء في الإصحاح الثالث عشر من تثنية الاشتراع في العهد القديم: فضربا تضرب سكان تك المدينة بحد السيف وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب ولإلهك فتكون تلك إلى الأبد لاثيني بعد (٣). (ج) وما جاء في الإصحاح العشرين: (فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها وإذا دفعها الرب إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، أما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل

стр. 1819

غنيمتها فتغنمها لنفسك (١). وهكذا انطلق اليهود العبريون في كل عصر ومصر ينفذون تلك التعاليم المحرفة التي احتواها كتابهم؛ فأخذوا يعيثون في الأرض فسادا، ويقتلون ويخربون ويدمرون ويذيقون أسارى الحرب أشد ألوان التعذيب والتنكيل وإن شئت فاقرأ جرائمهم في العصر الحاضر مع الشعب العربي بصفة عامة والشعب الفلسطيني بصفة خاصة. لقد ذكرت التقارير والأبحاث المقدمة إلى مؤتمر حقوق الإنسان الذي عقدته جامعة الدول العربية بيروت سنة ١٩٦٨ الجرائم والمخالفات التي ارتكبتها إسرائيل ضد الأسرى العرب بعد حرب يونيو ١٩٦٧ لقد أساءت معاملتهم وعذبتهم وقتلت بعضهم مخالفة بذلك أبسط المبادئ الأخلاقية والإنسانية. معاملة الأسرى في التشريع الإسلامي* جاء تشريع الإسلام في أسمى صوره من اليسر والرفق والرحمة، تجاه هؤلاء الأسرى؛ بل واسأل التاريخ كله، فإنه سيجيبك أنه لم يعرف محاربًا رفيقًا بأسرى الحرب كالمحارب المسلم. لقد حث الإسلام على إحسان معاملة الأسرى والرفق بهم وتتجلى مظاهر الإحسان فيما يلي: ١ - توفير الطعام والشراب للأسرى . وقد دلَّ على ذلك النصوص الآتية: أ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٥ - ٩]. فقد وصف الله تعالى حال الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا بأنهم يوفون بالنذر، ويطعمون الطعام المساكين والأيتام والأسارى وإن كانوا غير مسلمين، كما

стр. 1820

قال قتادة (١). فرغبت الآية المسلمين في إطعام الأسرى واعتبرت ذلك من قبيل القربة إلى الله. فهذه الآية نص محكم في الإحسان إلى الأسرى، والرفق بهم، ويقول الإمام القرطبي بعد أن ذكر أقوال السلف في بيان المراد من الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم، وقال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه قال: قلت: وكأن هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى (٢). ب - وروي عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء (ناقة) فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، فقال: يا محمد، فأتاه، فقال: ما شأنك؟ فقال: بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج (يعني العضباء)؟ فقال: بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد، يا محمد، فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" ثم انصرف عنه فناداه: يا محمد، يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني. قال: "هذه حاجتك" ففُدِي بعد بالرجلين (٣). فقوله ﷺ "هذه حاجتك" تدل على إطعام الأسير وأنه ينبغي أن يكون الطعام كافيًا في كميته وقيمته الغذائية، بحيث تكفل للأسير السلامة. ج - وروي أن رسول الله ﷺ حين أتي بالأسارى (أي أسرى بدر) فرقهم بين أصحابه وقال لهم: "استوصوا بالأسرى خيرًا" قال: وكان أبو عزيز عمير بن هاشم أخو مصعب

стр. 1821

بن عمير لأبيه وأمه يأسرني. فقال: شدَّ يدك به! فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا. ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فاستحيي فأردها على أحدهم، فيردها ما يمسها (١). ٢ - توفير الكساء: ومن مظاهر الإحسان في الإسلام للأسرى أنه لا يترك الأسرى بدون كساء يقيهم حر الصيف وشدة البرد. فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِىَ بِأُسَارَى، وَأُتِىَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَىٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِىُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِىُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِى أَلْبَسَهُ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. (٢) وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث بابًا بعنوان: (الكسوة للأسارى). وأوصى القاضي أبو يوسف خليفة المسلمين هارون الرشيد: أن يصرف للسجناء ملابس ثقيلة تحميهم من برد الشتاء، وملابس خفيفة تروح عنهم حر الصيف (٣). ٣ - توفير السكن المناسب لهم: في العصور الأولى للإسلام التي لم يكن فيها سجون وزَّع رسول الله ﷺ الأسرى على الناس؛ لإسكانهم في بيوتهم، وكان يحبس البعض في المسجد، ويوصي بهم خيرًا. ولما اتخذت السجون نبه كثير من العلماء إلى ضرورة أن تكون واسعة وصحية. فقال ابن هبيرة: (لا يجوز جمع السجناء في مكان ضيق) (٤)، وقال الماوردي: (لا يجوز

стр. 1822

عند أحد من المسلمين أن يجمع الكثير في موضع ضيق) (١). ٤ - عدم تكليفهم بما لا يطيقون: لقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى. من الإحسان للأسرى أن لا يكلفوا من الأعمال ما لا يستطيعونه، ولا أن يجبروا على أعمال لا يقدرون عليها، وتراعى بنية الأسير الجسدية وآدميته ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله ﷺ : "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون" (٢). ٥ - توفير العناية الصحية والعلاج اللازم للأسرى إذا احتاجوا إلى ذلك: وهو داخل في قول النبي ﷺ للأسير العقيلي: "هذه حاجتك" (٣) كما يدخل في وصيته بالأسرى خيرًا. ٦ - [*] عدم إكراههم على تغيير معتقداتهم: من الإحسان إلى الأسرى عدم إكراههم على ترك دينهم والدخول في الإسلام (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ونسأل أين الغرب من هذه السنن؟ وأين هو شرف الحرب عندهم؟ هل هو في قنبلتي اليابان اللتين خلفتا ملايين المعوقين من الرجال والنساء والشيوخ؛ بل والأجنة في بطون أمهاتها، بل أجيال عدة من الأبرياء، بعدما أفنت بدقائق معدودة مئات الآلاف من البشر. أم أن شرف الحرب عندهم نجده في حرب الخليج حيث ألقيت مئات الأطنان من اليورانيوم المنضب الذي سبَّب ويسبِّب أنواع السرطانات والتشويهات الخلقية والسموم التي تبث خبثها إلى كلِّ شيء حيٍّ. ولا شكَّ نحن هنا نتحدثَّ عن المدنيين الأبرياء ولا

стр. 1823

نتحدَّث عن الجنود المقاتلين، فلا ندري عن أي إرهاب عالمي يتحدث الغرب! ! ! ولكن يمكن للمتتبع أن يفهم المعنى المطلوب للإرهاب عندهم. إثهم يقصدون بالإرهاب هو أي إضرار بالمصالح الأمريكية. ولذا فليس هناك أدنى علاقة للإرهاب عند الحديث عن ملايين الضحايا من الأطفال والأبرياء في فلسطين، والعراق، والصومال، وأفغانستان، فهذه كلها تدور بين أن تكون نتائج طبيعية للحروب أو مشاكل داخلية. الوجه السادس: لم يذكر لفظ السيف في القرآن، وذكر في الكتاب المقدس مرات عديدة . للسيف في اللغة العربية سبعة أسماء ومع ذلك لم يذكر ولا مرة في القرآن الكريم، والذي ذُكر هو الجهاد، والجهاد في الإسلام له أحكامه وضوابطه وآدابه، أما في الكتاب المقدس فله اسم واحد ومع ذلك ذكر نحو من (٣٩٠) مرة وإليك بعض النماذج: التحريق بالنار سفر القضاة الإصحاح: ١/ ٨: وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا المَدِينَةَ بِالنَّارِ. الخيانة والقسوة في القتل سفر القضاة ٣/ ١٤ - ٢٤: فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. ١٥ وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ، فَأَقَامَ لَهُمُ الرَّبُّ مُخَلِّصًا إِهُودَ بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ، رَجُلًا أَعْسَرَ. فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدِهِ هَدِيَّةً لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ. ١٦ فَعَمِلَ إِهُودُ لِنَفْسِهِ سَيْفًا، ذَا حَدَّيْنِ طُولُهُ ذِرَاعٌ، وَتَقَلَّدَهُ تَحْتَ ثِيَابِهِ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى. ١٧ وَقَدَمَّ الْهَدِيَّةَ لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ. وَكَانَ عِجْلُونُ رَجُلًا سَمِينًا جِدًّا. ١٨ وَكَانَ لمَّا انْتَهَى مِنْ تَقْدِيمِ الْهَدِيَّةِ، صَرَفَ الْقَوْمَ حَامِلِي الْهَدِيَّةِ، ١٩ وَأَمَّا هُوَ فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ المُنْحُوتَاتِ الَّتِي لَدَى الْجِلْجَالِ وَقَالَ: "لِي كَلَامُ سِرّ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ". فَقَالَ: "صَهْ". وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ جَمِيعُ الْوَاقِفِينَ لَدَيْهِ. ٢٠ فَدَخَلَ إِلَيْهِ إِهُودُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي عُلِّيَّةِ بُرُودٍ كَانَتْ لَهُ وَحْدَهُ. وَقَالَ إِهُودُ: "عِنْدِي كَلَامُ الله إِلَيْكَ". فَقَامَ عَنِ الْكُرْسِيِّ. ٢١ فَمَدَّ إِهُودُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْ فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَضَرَبَهُ فِي بَطْنِهِ. ٢٢

стр. 1824

فَدَخَلَ الْقَائِمُ أَيْضًا وَرَاءَ النَّصْلِ، وَطَبَقَ الشَّحْمُ وَرَاءَ النَّصْلِ لأَنَّهُ لَمْ يَجْذُبِ السَّيْفَ مِنْ بَطْنِهِ. وَخَرَجَ مِنَ الْحِتَارِ. ٢٣ فَخَرَجَ إِهُودُ مِنَ الرِّوَاقِ وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْعِلِّيَّةِ وَرَاءَهُ وَأَقْفَلَهَا. ٢٤ حتى البهائم لم تسلم من السيف سفر القضاة ٢٠/ ٤٨: وَرَجَعَ رِجَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَنِي بَنْيَامِينَ وَضَرَبُوهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ مِنَ الْمَدِينَةِ بِأَسْرِهَا، حَتَّى الْبَهَائِمَ، حَتَّى كُلَّ مَا وُجِدَ. وَأَيْضًا جَمِيعُ المُدُنِ الَّتِي وُجِدَتْ أَحْرَقُوهَا بِالنَّارِ. والنساء والأطفال كذلك سفر القضاة: ٢١/ ١٠: فَأَرْسَلَتِ الْجَمَاعَةُ إِلَى هُنَاكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُل مِنْ بَنِي الْبَأْسِ، وَأَوْصَوْهُمْ قَائِلِينَ: "اذْهَبُوا وَاضْرِبُوا سُكَّانَ يَابِيشِ جِلْعَادَ بِحَدِّ السَّيْفِ مَعَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ. صموئيل الأول: ٢٢/ ١٩: وَضَرَبَ نُوبَ مَدِينَةَ الْكَهَنَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ وَالرِّضْعَانَ وَالثِّيرَانَ وَالْحَمِيرَ وَالْغَنَمَ بِحَدِّ السَّيْفِ. الملوك الثاني: ٨/ ١٢: فَقَالَ حَزَائِيلُ: "لِمَاذَا يَبْكِي سَيِّدِي؟ " فَقَالَ: "لأَنِّي عَلِمْتُ مَا سَتَفْعَلُهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّكَ تُطْلِقُ النَّارَ فِي حُصُونِهِمْ، وَتَقْتُلُ شُبَّانَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَتُحَطِّمُ أَطْفَالَهُمْ، وَتَشُقُّ حَوَامِلَهُمْ". النشر بالمناشير والقتل بالفؤوس أخبار الأيام الأول: ٢٠/ ٣: وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِينَ بِهَا وَنَشَرَهُمْ بِمَنَاشِيرِ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسٍ. وَهكَذَا صَنَعَ دَاوُدُ لِكُلِّ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وَكُلُّ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ. النصرانية لا تعرف السلام إنجيل متى: ١٠/ ٣٤ - ٣٥: "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا. ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. إنجيل لوقا: ١٢/ ٤٩ - ٥٣: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ ٥٠ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ ٥١ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلَّا، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا.٥٣ لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ

стр. 1825

مُنْقَسِمِينَ: ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ. ٥٣ يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا". رؤيا يوحنا اللاهوتي: ٦/ ٤٤ فَخَرَجَ فَرَسٌ آخَرُ أَحْمَرُ، وَلِلْجَالِسِ عَلَيْهِ أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلَامَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا. ذبح الأعداء كالنعاج إنجيل لوقا: ١٩/ ٢٧: أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي". السيف سبيل الحياة واستعباد الناس سفر التكوين: ٢٧/ ٤٠: وَبِسَيْفِكَ تَعِيشُ، وَلأَخِيكَ تُسْتَعْبَدُ، وَلكِنْ يَكُونُ حِينَمَا تَجْمَحُ أَنَّكَ تُكَسِّرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ". سفر الخروج: ٢٢/ ٢٤: فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ، فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ، وَأَوْلَادُكُمُ يَتَامَى. سفر الخروج: ٣٢/ ٢٧: فَقَالَ لَهُمْ: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: ضَعُوا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ عَلَى فَخْذِهِ وَمُرُّوا وَارْجِعُوا مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ فِي الْمَحَلَّةِ، وَاقْتُلُوا كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ". سفر اللاويين: ٢٦/ ٧: وَتَطْرُدُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَيَسْقُطُونَ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. سفر اللاويين: ٢٦/ ٢٥: أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ سَيْفًا يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ الْمِيثَاقِ، فَتَجْتَمِعُونَ إِلَى مُدُنِكُمْ وَأُرْسِلُ فِي وَسَطِكُمُ الْوَبَأَ فَتُدْفَعُونَ بِيَدِ الْعَدُوِّ. سفر العدد: ٣١/ ١ - ١٨: ١ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: ٢ "اِنْتَقِمْ نَقْمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ، ثُمَّ تُضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ". ٣ فَكَلَّمَ مُوسَى الشَّعْبَ قَائِلًا: "جَرِّدُوا مِنْكُمْ رِجَالًا لِلْجُنْدِ، فَيَكُونُوا عَلَى مِدْيَانَ لِيَجْعَلُوا نَقْمَةَ الرَّبِّ عَلَى مِدْيَانَ. ٤ أَلْفًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ تُرْسِلُونَ لِلْحَرْبِ". ٥ فَاخْتِيرَ مِنْ أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ أَلْفٌ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ. اثْنَا عَشَرَ ألفًا مُجَرَّدُونَ لِلْحَرْبِ. ٦ فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى أَلْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلَى الْحَرْبِ، هُمْ وَفِينْحَاسَ
следующие страницы →