← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بن عمير لأبيه وأمه يأسرني. فقال: شدَّ يدك به! فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا. ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فاستحيي فأردها على أحدهم، فيردها ما يمسها (١). ٢ - توفير الكساء: ومن مظاهر الإحسان في الإسلام للأسرى أنه لا يترك الأسرى بدون كساء يقيهم حر الصيف وشدة البرد. فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِىَ بِأُسَارَى، وَأُتِىَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَىٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِىُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِىُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِى أَلْبَسَهُ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. (٢) وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث بابًا بعنوان: (الكسوة للأسارى). وأوصى القاضي أبو يوسف خليفة المسلمين هارون الرشيد: أن يصرف للسجناء ملابس ثقيلة تحميهم من برد الشتاء، وملابس خفيفة تروح عنهم حر الصيف (٣). ٣ - توفير السكن المناسب لهم: في العصور الأولى للإسلام التي لم يكن فيها سجون وزَّع رسول الله ﷺ الأسرى على الناس؛ لإسكانهم في بيوتهم، وكان يحبس البعض في المسجد، ويوصي بهم خيرًا. ولما اتخذت السجون نبه كثير من العلماء إلى ضرورة أن تكون واسعة وصحية. فقال ابن هبيرة: (لا يجوز جمع السجناء في مكان ضيق) (٤)، وقال الماوردي: (لا يجوز

стр. 1822

عند أحد من المسلمين أن يجمع الكثير في موضع ضيق) (١). ٤ - عدم تكليفهم بما لا يطيقون: لقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى. من الإحسان للأسرى أن لا يكلفوا من الأعمال ما لا يستطيعونه، ولا أن يجبروا على أعمال لا يقدرون عليها، وتراعى بنية الأسير الجسدية وآدميته ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله ﷺ : "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون" (٢). ٥ - توفير العناية الصحية والعلاج اللازم للأسرى إذا احتاجوا إلى ذلك: وهو داخل في قول النبي ﷺ للأسير العقيلي: "هذه حاجتك" (٣) كما يدخل في وصيته بالأسرى خيرًا. ٦ - [*] عدم إكراههم على تغيير معتقداتهم: من الإحسان إلى الأسرى عدم إكراههم على ترك دينهم والدخول في الإسلام (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ونسأل أين الغرب من هذه السنن؟ وأين هو شرف الحرب عندهم؟ هل هو في قنبلتي اليابان اللتين خلفتا ملايين المعوقين من الرجال والنساء والشيوخ؛ بل والأجنة في بطون أمهاتها، بل أجيال عدة من الأبرياء، بعدما أفنت بدقائق معدودة مئات الآلاف من البشر. أم أن شرف الحرب عندهم نجده في حرب الخليج حيث ألقيت مئات الأطنان من اليورانيوم المنضب الذي سبَّب ويسبِّب أنواع السرطانات والتشويهات الخلقية والسموم التي تبث خبثها إلى كلِّ شيء حيٍّ. ولا شكَّ نحن هنا نتحدثَّ عن المدنيين الأبرياء ولا

стр. 1823

نتحدَّث عن الجنود المقاتلين، فلا ندري عن أي إرهاب عالمي يتحدث الغرب! ! ! ولكن يمكن للمتتبع أن يفهم المعنى المطلوب للإرهاب عندهم. إثهم يقصدون بالإرهاب هو أي إضرار بالمصالح الأمريكية. ولذا فليس هناك أدنى علاقة للإرهاب عند الحديث عن ملايين الضحايا من الأطفال والأبرياء في فلسطين، والعراق، والصومال، وأفغانستان، فهذه كلها تدور بين أن تكون نتائج طبيعية للحروب أو مشاكل داخلية. الوجه السادس: لم يذكر لفظ السيف في القرآن، وذكر في الكتاب المقدس مرات عديدة . للسيف في اللغة العربية سبعة أسماء ومع ذلك لم يذكر ولا مرة في القرآن الكريم، والذي ذُكر هو الجهاد، والجهاد في الإسلام له أحكامه وضوابطه وآدابه، أما في الكتاب المقدس فله اسم واحد ومع ذلك ذكر نحو من (٣٩٠) مرة وإليك بعض النماذج: التحريق بالنار سفر القضاة الإصحاح: ١/ ٨: وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا المَدِينَةَ بِالنَّارِ. الخيانة والقسوة في القتل سفر القضاة ٣/ ١٤ - ٢٤: فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. ١٥ وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ، فَأَقَامَ لَهُمُ الرَّبُّ مُخَلِّصًا إِهُودَ بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ، رَجُلًا أَعْسَرَ. فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدِهِ هَدِيَّةً لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ. ١٦ فَعَمِلَ إِهُودُ لِنَفْسِهِ سَيْفًا، ذَا حَدَّيْنِ طُولُهُ ذِرَاعٌ، وَتَقَلَّدَهُ تَحْتَ ثِيَابِهِ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى. ١٧ وَقَدَمَّ الْهَدِيَّةَ لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ. وَكَانَ عِجْلُونُ رَجُلًا سَمِينًا جِدًّا. ١٨ وَكَانَ لمَّا انْتَهَى مِنْ تَقْدِيمِ الْهَدِيَّةِ، صَرَفَ الْقَوْمَ حَامِلِي الْهَدِيَّةِ، ١٩ وَأَمَّا هُوَ فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ المُنْحُوتَاتِ الَّتِي لَدَى الْجِلْجَالِ وَقَالَ: "لِي كَلَامُ سِرّ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ". فَقَالَ: "صَهْ". وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ جَمِيعُ الْوَاقِفِينَ لَدَيْهِ. ٢٠ فَدَخَلَ إِلَيْهِ إِهُودُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي عُلِّيَّةِ بُرُودٍ كَانَتْ لَهُ وَحْدَهُ. وَقَالَ إِهُودُ: "عِنْدِي كَلَامُ الله إِلَيْكَ". فَقَامَ عَنِ الْكُرْسِيِّ. ٢١ فَمَدَّ إِهُودُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْ فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَضَرَبَهُ فِي بَطْنِهِ. ٢٢

стр. 1824

فَدَخَلَ الْقَائِمُ أَيْضًا وَرَاءَ النَّصْلِ، وَطَبَقَ الشَّحْمُ وَرَاءَ النَّصْلِ لأَنَّهُ لَمْ يَجْذُبِ السَّيْفَ مِنْ بَطْنِهِ. وَخَرَجَ مِنَ الْحِتَارِ. ٢٣ فَخَرَجَ إِهُودُ مِنَ الرِّوَاقِ وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْعِلِّيَّةِ وَرَاءَهُ وَأَقْفَلَهَا. ٢٤ حتى البهائم لم تسلم من السيف سفر القضاة ٢٠/ ٤٨: وَرَجَعَ رِجَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَنِي بَنْيَامِينَ وَضَرَبُوهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ مِنَ الْمَدِينَةِ بِأَسْرِهَا، حَتَّى الْبَهَائِمَ، حَتَّى كُلَّ مَا وُجِدَ. وَأَيْضًا جَمِيعُ المُدُنِ الَّتِي وُجِدَتْ أَحْرَقُوهَا بِالنَّارِ. والنساء والأطفال كذلك سفر القضاة: ٢١/ ١٠: فَأَرْسَلَتِ الْجَمَاعَةُ إِلَى هُنَاكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُل مِنْ بَنِي الْبَأْسِ، وَأَوْصَوْهُمْ قَائِلِينَ: "اذْهَبُوا وَاضْرِبُوا سُكَّانَ يَابِيشِ جِلْعَادَ بِحَدِّ السَّيْفِ مَعَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ. صموئيل الأول: ٢٢/ ١٩: وَضَرَبَ نُوبَ مَدِينَةَ الْكَهَنَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ وَالرِّضْعَانَ وَالثِّيرَانَ وَالْحَمِيرَ وَالْغَنَمَ بِحَدِّ السَّيْفِ. الملوك الثاني: ٨/ ١٢: فَقَالَ حَزَائِيلُ: "لِمَاذَا يَبْكِي سَيِّدِي؟ " فَقَالَ: "لأَنِّي عَلِمْتُ مَا سَتَفْعَلُهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّكَ تُطْلِقُ النَّارَ فِي حُصُونِهِمْ، وَتَقْتُلُ شُبَّانَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَتُحَطِّمُ أَطْفَالَهُمْ، وَتَشُقُّ حَوَامِلَهُمْ". النشر بالمناشير والقتل بالفؤوس أخبار الأيام الأول: ٢٠/ ٣: وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِينَ بِهَا وَنَشَرَهُمْ بِمَنَاشِيرِ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسٍ. وَهكَذَا صَنَعَ دَاوُدُ لِكُلِّ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وَكُلُّ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ. النصرانية لا تعرف السلام إنجيل متى: ١٠/ ٣٤ - ٣٥: "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا. ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. إنجيل لوقا: ١٢/ ٤٩ - ٥٣: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ ٥٠ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ ٥١ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلَّا، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا.٥٣ لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ

стр. 1825

مُنْقَسِمِينَ: ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ. ٥٣ يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا". رؤيا يوحنا اللاهوتي: ٦/ ٤٤ فَخَرَجَ فَرَسٌ آخَرُ أَحْمَرُ، وَلِلْجَالِسِ عَلَيْهِ أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلَامَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا. ذبح الأعداء كالنعاج إنجيل لوقا: ١٩/ ٢٧: أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي". السيف سبيل الحياة واستعباد الناس سفر التكوين: ٢٧/ ٤٠: وَبِسَيْفِكَ تَعِيشُ، وَلأَخِيكَ تُسْتَعْبَدُ، وَلكِنْ يَكُونُ حِينَمَا تَجْمَحُ أَنَّكَ تُكَسِّرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ". سفر الخروج: ٢٢/ ٢٤: فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ، فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ، وَأَوْلَادُكُمُ يَتَامَى. سفر الخروج: ٣٢/ ٢٧: فَقَالَ لَهُمْ: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: ضَعُوا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ عَلَى فَخْذِهِ وَمُرُّوا وَارْجِعُوا مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ فِي الْمَحَلَّةِ، وَاقْتُلُوا كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ". سفر اللاويين: ٢٦/ ٧: وَتَطْرُدُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَيَسْقُطُونَ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. سفر اللاويين: ٢٦/ ٢٥: أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ سَيْفًا يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ الْمِيثَاقِ، فَتَجْتَمِعُونَ إِلَى مُدُنِكُمْ وَأُرْسِلُ فِي وَسَطِكُمُ الْوَبَأَ فَتُدْفَعُونَ بِيَدِ الْعَدُوِّ. سفر العدد: ٣١/ ١ - ١٨: ١ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: ٢ "اِنْتَقِمْ نَقْمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ، ثُمَّ تُضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ". ٣ فَكَلَّمَ مُوسَى الشَّعْبَ قَائِلًا: "جَرِّدُوا مِنْكُمْ رِجَالًا لِلْجُنْدِ، فَيَكُونُوا عَلَى مِدْيَانَ لِيَجْعَلُوا نَقْمَةَ الرَّبِّ عَلَى مِدْيَانَ. ٤ أَلْفًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ تُرْسِلُونَ لِلْحَرْبِ". ٥ فَاخْتِيرَ مِنْ أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ أَلْفٌ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ. اثْنَا عَشَرَ ألفًا مُجَرَّدُونَ لِلْحَرْبِ. ٦ فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى أَلْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلَى الْحَرْبِ، هُمْ وَفِينْحَاسَ

стр. 1826

بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ إِلَى الحْرْبِ، وَأَمْتِعَةُ الْقُدْسِ وَأَبْوَاقُ الْهُتَافِ فِي يَدِهِ. ٧ فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. ٨ وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلَاهُمْ: أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ. ٩ وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلَاكِهِمْ. ١٠ وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. ١١ وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، ١٢ وَأَتَوْا إِلَى مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَإِلَى جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالْغَنِيمَةِ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى عَرَبَاتِ مُوآبَ الَّتِي عَلَى أُرْدُنِّ أَرِيحَا. ١٣ فَخَرَجَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَكُلُّ رُؤَسَاءِ الْجَمَاعَةِ لاسْتِقْبَالِهمْ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ. ١٤ فَسَخَطَ مُوسَى عَلَى وُكَلَاءِ الْجَيْشِ، رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ الْقَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الْحَرْبِ. ١٥ وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: "هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ ١٦ إِنَّ هؤُلَاءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلَامِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. ١٧ فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. ١٨ لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. الأمر بتدمير كل شيء التثنية: ٢٠/ ١٦ - ١٨: وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلَاءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلَا تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، ١٧ بَلْ يُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، ١٨ لِكَيْ لَا يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ. سفر أستير: ٩/ ٥: ٥ فَضَرَبَ الْيَهُودُ جَمِيعَ أَعْدَائِهِمْ ضَرْبَةَ سَيْفٍ وَقَتْل وَهَلَاكٍ، وَعَمِلُوا بِمُبْغِضِيهِمْ مَا أَرَادُوا. سفر أشعياء: ١/ ٢٠: ٢٠ وَإِنْ أَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ". لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ. الرب يخادع ويقتل بالسيف ولا يسالم

стр. 1827

إرميا: ٤/ ١٠: فَقُلْتُ: "آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، حَقًّا إِنَّكَ خِدَاعًا خَادَعْتَ هذَا الشَّعْبَ وَأُورُشَلِيمَ، قَائِلًا: يَكُونُ لَكُمْ سَلَامٌ وَقَدْ بَلَغَ السَّيْفُ النَّفْسَ". اللعنة على من لم يستعمل السيف إرميا: ٤٨/ ١٠: ١٠ مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ، وَمَلْعُونٌ مَنْ يَمْنَعُ سَيْفَهُ عَنِ الدَّمِ. قسوة في القتل وإيذاء بعد الموت إرميا: ١٩/ ٧: وَأَنْقُضُ مَشُورَةَ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ، وَأَجْعَلُهُمْ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ وَبِيَدِ طَالِبِي نُفُوسِهِمْ، وَأَجْعَلُ جُثَثَهُمْ أُكْلًا لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ. النهي عن الشفقة والرحمة بالمخالفين إرميا: ٢١/ ٧: ٧ ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ الرَّبُّ: أَدْفَعُ صِدْقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا وَعَبِيدَهُ وَالشَّعْبَ وَالْبَاقِينَ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْوَبَإِ وَالسَّيْفِ وَالْجُوعِ لِيَدِ نَبُوخَذْرَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ وَلِيَدِ أَعْدَائِهِمْ وَلِيَدِ طَالِبِي نُفُوسِهِمْ، فَيَضْرِبُهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. لَا يَتَرَأَّفُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشْفُقُ وَلَا يَرْحَمُ". إكراه الأمم على اعتناق ملتهم وإلا فالسيف .. إرميا: ٢٧/ ٨: . ٨ وَيَكُونُ أَنَّ الأُمَّةَ أَوِ الْمَمْلَكَةَ الَّتِي لَا تَخْدِمُ نَبُوخَذْنَاصَّرَ مَلِكَ بَابِلَ، وَالَّتِي لَا تَجْعَلُ عُنُقَهَا تَحْتَ نِيرِ مَلِكِ بَابِلَ، إِنِّي أُعَاقِبُ تِلْكَ الأُمَّةَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَإِ، يَقُولُ الرَّبُّ، حَتَّى أُفْنِيَهَا بِيَدِهِ. سيف الرب لا يستريح ولا يهدأ ولا يسكن إرميا: ٤٧/ ٦: آهِ، يَا سَيْفَ الرَّبِّ، حَتَّى مَتَى لَا تَسْتَرِيحُ؟ انْضَمَّ إِلَى غِمْدِكَ! اهْدَأْ وَاسْكُنْ. اقتل بيدك ورجلك وأطلق السيف والجوع عليهم حزقيال: ٦/ ١١: ١١ "هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: اضْرِبْ بِيَدِكَ وَاخْبِطْ بِرِجْلِكَ، وَقُلْ: آهِ عَلَى كُلِّ رَجَاسَاتِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الشِّرِّيرَةِ، حَتَّى يَسْقُطُوا بِالسَّيْفِ وَبِالْجُوعِ وَبِالْوَبَإِ! إبادة جماعية لا تعرف الرحمة حزقيال: ٩/ ٥ - ٧: وَقَالَ لأُولئِكَ فِي سَمْعِي: "اعْبُرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَرَاءَهُ وَاضْرِبُوا. لَا تُشْفُقْ أَعْيُنُكُمْ وَلَا تَعْفُوا. ٦ الشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ، اقْتُلُوا لِلْهَلَاكِ. وَلَا تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ، وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي". فَابْتَدَأُوا بِالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ

стр. 1828

الْبَيْتِ. ٧ وَقَالَ لَهُمْ: "نَجِّسُوا الْبَيْتَ، وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا". فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ. السيف للذبح حزقيال: ٢١/ ١٥: لِذَوَبَانِ الْقَلْبِ وَتَكْثِيرِ الْمَهَالِكِ، لِذلِكَ جَعَلْتُ عَلَى كُلِّ الأَبْوَابِ سَيْفًا مُتَقَلِّبًا. آهِ! قَدْ جُعِلَ بَرَّاقًا. هُوَ مَصْقُولٌ لِلذَّبْحِ. شق بطن الحوامل هوشع: ١٣/ ١٦: تُجَازَى السَّامِرَةُ لأَنَّهَا قَدْ تَمَرَّدَتْ عَلَى إِلهِهَا. بِالسَّيْفِ يَسْقُطُونَ. تُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ، وَالْحَوَامِلُ تُشَقُّ. * * *

стр. 1829

١٢ - إثبات نبوة النبي ﷺ -

стр. 1830

١٢ - إثبات نبوة النبي ﷺ -. نص الشبهة: إن نبوة نبينا محمد ﷺ لا تحتاج إلى دليل أو برهان؛ إذ هي واضحة لكل صغير وكبير كوضوح الشمس في رابعة النهار، ولكن لما قام المعاند بإنكارها وطالبنا بالدليل على إثبات نبوته ﷺ ، قلنا إن المسألة واضحة لكل ذي لب، وطالب حق؛ إذ الشرع كله، بل وحياته كلها ﷺ تدل على صدق دعوته، ونبوته ﷺ ، وحتى لا يطول المقام سطرنا كلماتنا تحت هذه الوجوه طلبًا للاختصار، والوصول إلى الحق سريعًا فافتح قلبك، وصفِّ ذهنك وأنت تقرأ هذه الكلمات فإنَّ الحق أبلج والباطل لجلج، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلِّ اللهم على نبيِّنا المُخْتار وعلى آله وصحبه وسلِّم. الوجه الأول: إثبات نبوته ﷺ من القرآن الكريم والسُنَّة المطهَّرة . الوجه الثاني: صفاتُ النبيّ ﷺ . الوجه الثالث: عصمةُ النبيِّ ﷺ من القتل. الوجه الرابع: معجزاتُ النبيّ الأكرم ﷺ الوجه الخامس: ظهورُ دينه وغلبته على الأمم. الوجه السادس: الثمراتُ التي أتى بها محمّد ﷺ . الوجه السابع: الكراماتُ التي ظهرت على يد أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين. الوجه الثامن: البشاراتُ بالنبيّ ﷺ في الكتاب المقدّس. وإليك التفصيل الوجه الأول: إثبات نبوته ﷺ من القرآن الكريم، والسنة المطهرة. إنَّ دلائلَ النبوة الشاهدةَ بنبوة نبينا ﷺ متنوعةٌ وكثيرةٌ في القرآنِ والسُّنةِ. وسنكتفي بذكر بعضها. أولًا: ما ورد في القرآن الكريم. ثانيًا: ما ورد في السنة الشريفة.

стр. 1831

أولًا: إثبات نبوته ﷺ من القرآن الكريم . القرآن الكريم معجزة الله التي لا تبليها السُنونُ ولا القرون، هذا الكتاب معجزة خالدة ودليل باهر بما أودعه الله من أنواع الإعجاز العلمي والتشريعي والبياني، وغيرِها من وجوه الإعجاز، (١) يقول رسول الله ﷺ : "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلَّا أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٢) والآيات في ذلك كثيرة ومتعددة، وسنكتفي بذكر بعضها، مع ذكر تفسير مختصر لها. قال تعالى: ١ - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. المعنى: إن محمدًا ﷺ رسولٌ كسائر الرُّسل؛ قد بلَّغَ الرِّسالة كما بلَّغُوا فيجب عليكم التمسُّكُ بدينه في حياته وبعد موته. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا قَدْ خَلَتْ وَمَضَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ فَمَاتُوا، وَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ النَّبِيِّينَ كَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمُ الْخُلْدُ وَهُوَ لَا بُدَّ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ بالمَوتِ. (٣) ٢ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. المعنى: لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسهمْ" أَيْ عَرَبِيًّا مِثْلهمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ وَيَشْرُفُوا بِهِ لَا مَلَكًا وَلَا عَجَمِيًّا "يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاته" الْقُرْآن "وَيُزَكِّيهِمْ" يُطَهِّرهُمْ مِنْ الذُّنُوب "وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَالْحِكْمَة" السُّنَّة "وَإِنْ" مُخَفَّفَة أَيْ إنَّهُمْ "كَانُوا مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل بَعْثه "لَفِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن. (٤).

стр. 1832

٣ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨] المعنى: هَذَا خِطَابٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ مِنَ الْعَرَب وَالْعَجَمِ، وَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله النَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الْهَاشِمِيُّ بِأَمْرِ الله تَعَالَى، يُنْبِئُهُمْ بِهِ أَنَّهُ رَسُولُ الله تَعَالَى إِلَيْهِمْ كَافَّةً لَا إِلَى قَوْمِهِ الْعَرَبِ خَاصَّةً (كَمَا زَعَمَتِ الْعِيسَوِيَّةُ مِنَ الْيَهُودِ)، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. (١) ٤ - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. المعنى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾، أيها القوم، رسول الله إليكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، تعرفونه، لا من غيركم، فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، أي: عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، يقول: حريص على هُدَى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ أي: رفيق ﴿رَحِيمٌ﴾: شديد الرأفة والرحمة بكم. (٢) ٥ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. المعنى: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته

стр. 1833

وانتظاره الفرج من ربه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. (١) ٦ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. المعنى: يقول تعالى ذكره: ما كان أيها الناس محمدًا أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحدٍ من رجالكم الذين لم يلده محمد؛ فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، الذي ختم النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء. (٢) لما نفى كونه أبًا عقَّبه بما يدل على ثبوت ما هو في حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فإن رسول الله كالأب للأمة في الشفقة من جانبه، وفي التعظيم من طرفهم؛ بل أقوى فإن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأب ليس كذلك، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئًا من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم وأجدى؛ إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد. (٣) ٧ - وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ﴾ [الفتح: ٢٩]. المعنى: ذلك المرسَل بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله ﷺ . يخبر تعالى عن محمد

стр. 1834

صلوات الله عليه أنه رسوله حقًا بلا شك ولا ريب. (١) ٨ - ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]. المعنى: بَشَّرَ كلُّ نبيٍّ قومَه بنَبِيِّنا ﷺ ، وأفرد الله - سبحانه - عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع؛ لأنه آخِرُ نبيٍّ قبل نبيِّنا ﷺ : فبيَّن بذلك أن البشارة به عَمّتْ جميعَ الأنبياء واحدًا بعد واحد حتى انتهت بعيسى ﵇. فعيسى ﵊ كالأنبياء - يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ﷺ الذي بشر به عيسى (بِالْبَيِّنَاتِ) أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله حقًا. قَالُوا معاندين للحق مكذبين له ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي قد وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يُجعل ساحرًا بينًا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلومًا من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟ (٢) ٩ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]. المعنى: يَقُولُ الله تَعَالَى لِنَبيِّه ﷺ : "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالشَّيءِ الثَّابِتِ الحَقِّ لِتُبَشِّرَ بِهِ مَنْ أَطَاعَ، وَتُنْذِرَ بِهِ مَنْ عَصَى وَاسْتَكْبَرَ". (٣)

стр. 1835

١٠ - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥] المعنى: ولعل الجملة لتحقيق حقية بعثته ﷺ أثر تحقيق حقية القرآن. (١) ١١ - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. المعنى: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد ﷺ رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سَعِد. . .، ومن رَدّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، وقال ابن زيد: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة. (٢) ١٢ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾ [الفرقان: ٥٦]. المعنى: وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا مُبَشِّرًا" بِالْجَنَّةِ "وَنَذِيرًا" مُخَوِّفًا مِنْ النَّار. (٣) ١٣ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ (الأحزاب: ٤٥). المعنى: على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال، وتؤديها يوم القيامة أداءً مقبولًا فيما لهم وما عليهم. (٤) ١٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. المعنى: كافًا لهم عن الشرك والهاء للمبالغة، أو أرسلناك إلى الجميع تضمهم. (٥) ١٥ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. المعنى: يعني بشيرًا بالثواب لمن آمن ونذيرًا بالعقاب لمن كفر. (٦)

стр. 1836

١٦ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] المعنى: الخطاب للنبي ﷺ ذَكَره في معرض الامتنان عليه حيث شرفه بالرسالة، وبعثه إلى الكافة شاهدًا على أعمال أمته، ومبشرًا يعني لمن آمن به وأطاعه بالثواب، ونذيرًا يعني لمن خالفه وعصى أمره بالعقاب. (١) ثانيًا: إثبات نبوته ﷺ من السنة الشريفة . وهي أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر؛ وسنكتفي ببعضها؛ ١ - فمنها قوله ﷺ : ". . . أنا رسُولُ الله، وأنا محمّدٌ بنُ عبدِ الله". (٢) ٢ - ومنها قوله ﷺ : "والله ما أدري وأنا رسُولُ الله ما يفعل بي". (٣) ٣ - ومنها قوله ﷺ : "أنا عبدُ الله ورسُولُه وقال: يا معشر الأنصار! أنا عبدُ الله ورسوله، فهزم الله المشركين ولم يُطعن برُمح ولم يُضرب بِسَيفٍ". (٤) ٥ - ومنها قوله ﷺ : "اخْرُجْ عدوَّ الله؛ أنا رسُولُ الله". (٥) ٦ - ومنها قوله ﷺ : "بُعِثتُ إلى كُلِّ أحمر وأسْود". (٦) ٧ - ومنها: ". . . وَالله إِنَّهُ لمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ،

стр. 1837

وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا". (١) ٨ - ومنها: قوله ﷺ ". . أنا محمدٌ بنُ عبدِ الله، أنا عبدُ الله ورسُولهُ؛ ما أحب أن ترفعُوني فوقَ مَنزِلتي الّتي أنزَلنيها الله". (٢) ٩ - ومنها قوله ﷺ "إِنِّي عَبْدُ الله لخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ ﵇ لمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ تَرَيْنَ". (٣) ١٠ - (. . . بينما ﷺ يمشي في بطن الرّوحاء إذ أقبل وفدٌ فقال رجلٌ منهم: من أنتم؟ فقال: نحن المسلمون، ثم قالت امرأة: من أنت؟ قال: (أنا رسُول الله) فأخرجت صبيا فقالت: يا رسول الله ألهذا حجّ؟ فقال: (ولكِ أجر). (٤) الوجه الثاني: صفات النبي ﷺ -. تمهيد: ومما يثبتُ نبوّةَ نبيّنا ﷺ أنه تامُّ الخِلقة في بدنه، سويًا ليس فيه عيبٌ، وقد نقل الناسُ صفاتِه الظاهرةَ الدّالةَ على كماله، ونقلوا أخلاقه من حلمهِ، وشجاعتهِ، وكرمه، وزهده، وغير ذلك. أولًا: الصفات البدنية الظاهرة: ١ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناسِ وجهًا، وأحسنَهم خَلْقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير. (٥)

стр. 1838

٢ - وعنه أيضًا: قال كان بعيدَ ما بين المنكبين، عظيم الجُمّة (١) إلى شحمة أذنيه، عليه حُلّة (٢) حمراء، ما رأيت شيئًا قطُّ أحسنَ منهُ (٣). ٣ - وسئل البراء أكان وجهُ رسولِ الله ﷺ مثلَ السّيف؟ قال: لا، بل مثلُ القمر. ٤ - وعن كعب بن مالك قال: "كان النبيّ ﷺ إذا سُر، استنار وجهُه، حتى كأنه فلقةُ (٤) قمَر" (٥). ٥ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ ضخْمَ الرأس والقدمين، لم أر قبلَه ولا بعدَهُ مِثلهُ، وكان بسطَ الكفّين (٦)، ضخمَ اليدين. وسُئل عن شعره فقال: كان شعرًا رجِلًا. (٧) ليس بالجعد. (٨) ولا بالسّبط بين أذنيه وعاتقه. (٩) ٦ - وعن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ ضليعَ الفمِ، أشكلَ العينينِ، مَنهُوسَ العقِبينِ". وفسّرها سماك بن حرب فقال: واسعُ الفمِ، طويلُ شقّ العين، قليلُ لحمِ العقِب (١٠). ٧ - عن أنس ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ ليس بالطويل البائِن (١١)، ولا بالقصيرِ، ولا بالأبيض الأمهق (١٢)، ولا بالآدم (١٣) ولا بالجعد القطَطَ (١٤)، ولا بالسبِط (١٥) " (١٦).

стр. 1839

٨ - وعنه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهرَ اللون (١)، كأنّ عرقَه اللؤلؤ (٢)، إذا مشى تكفّأ (٣)، وما مسستُ دِيباجةً ولا حريرًا ألْينَ من كفّ رسولِ الله ﷺ ، ولا شمَمْتُ مسكًا ولا عنبرة أطيبَ من رائحةِ رسولِ الله ﷺ . (٤) ٩ - وعن أنس ﵁ قال: "دخل علينا رسول الله ﷺ فقَال (٥) عندنا، فعرَق وجاءت أمّي بقارورة فجعلت تسلُتُ (٦) العرَق فيها؛ فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: أُمّ سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت هذا عرقُك نجعله في طِيبنا وهو أطيب من الطّيب (٧). ١٠ - "كانَ رسولُ الله ﷺ يعرفُ بريح الطيبِ إذا أقبل" (٨). ١١ - وفي حديث أمّ مَعبد المشهور، لمّا مرّ بها النبيّ ﷺ في الهجرة هو وأبو بكر ﵁، ومولاه، ودليلُهم، وجاء زوجها فقال: "صفيه لي يا أم معبد" فقالت: رأيت رجلًا ظاهرَ الوَضاءة، حُلوَ المنطق (٩)، فصلٌ (١٠) لا نزرٌ ولا هذرٌ (١١)، كأن منطقَه خرزاتُ نظْمٍ يتحدّرن" (١٢).

стр. 1840

صفات النبي ﷺ الخلقية: ١ - كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناس، وكان أجودَ الناس، وكان أشجعَ الناسِ، ولقد فزِع أهلُ المدينة ذاتَ ليلةٍ فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصّوت (١) فتلقّاهم رسول الله ﷺ راجعًا وقد سبقهم إلى الصّوت، وقد استبرأ الخبر (٢) وهو على فرس لأبي طلحة عري (٣) في عنقه السيف، وهو يقول: لن تراعوا وقال "وجدناه بحرًا" (٤) وكان الفرس قبل ذلك بطيئًا فعاد لا يُجارى (٥). ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسُه القرآن، فلَرسول الله أجودُ بالخيرِ من الريح المرسَلة. (٦) ٣ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا إذا احمرَّ البأس. (٧) نتّقي به، وإنّ الشّجاع منّا الذي يحاذي به - يعني رسول الله ﷺ . (٨)

стр. 1841

٤ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما كان يومُ بدر اتّقينا المشركين برسول الله، وكان أشدّ الناس بأسًا وما كان أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه. (١) ٥ - وعن أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشرَ سنين، والله ما قال لي أفًا قطّ ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلّا فعلت كذا" (٢). وفي رواية قال: خدمته في السفر والحضر والله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟ وكان أحسن الناس خلقًا. ٦ - عن جابر ﵁ قال: ما سئل رسول الله شيئًا فقال: لا. (٣) ٧ - وعن أنس ﵁، قال: ما سئل رسول الله على الإسلام شيئًا. (٤) إلا أعطاه قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءَ من لا يخافُ الفاقة (٥). (٦) ٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء (٧) في خِدْرِها، وكان إذا كَرِه شيئًا عرفناه في وجهه". (٨) ٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ وذكر رسول الله قال: لم يكن فاحشًا ولا متفحّشًا. (٩)

стр. 1842

١٠ - وعن أنس ﵁ قال: لم يكن رسول الله سبّابًا ولا فحّاشًا ولا لعّانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة (١) ماله ترِبتْ جبيبنُه (٢). ١١ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قطُّ إلا أن تنتهك حرمة الله (٣). ١٢ - وعنها ﵂ قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قَطُّ لا امرأةً ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيل منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيءٌ من محارم الله فينتقم لله. (٤) ١٣ - وعنها وقد سئلت عن خُلق رسول الله فقالت: كان خلقُه القرآنَ. (٥) ١٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. قال في التوراة: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا). (٦)

стр. 1843

١٥ - عن سعد بن هشام وقد سأل عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: فإن خلقَ نبي الله القرآنُ. (١) ١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما عاب رسوُل الله طعامًا قَطُّ، إن اشتهاه أكله وإلّا تركه. (٢) ١٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ. (٣) ١٨ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ: أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ رَبُّكَ أَفَمَلَكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: "بَلْ عَبْدًا رَسُولًا". (٤) ١٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ "أَسْلِمْ". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ "الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". (٥) ٢٠ - وعن أبي حازم أن النبي ﷺ كلّمَ رجلًا فأرعد، فقال له رسول الله ﷺ : هوّن عليك فإني لست بملِك، إنّما أنا ابنُ امرأةٍ من قريش كانت تأكل القدِيد. (٦)

стр. 1844

٢١ - وعن أنس ﵁: أن امرأة كان في عقلها شيءٌ، قالت: يا رسول الله: إن لي إليك حاجة، قال: يا أمّ فلان، خُذي في أي الطرق شئت قومي فيه حتّى أقومَ معك، فخلَا معها يُناجيها حتّى قضَتْ حاجَتَها. وعن أنس ﵁ قال: كانت الأمةُ من إماء أهل المدينة لَتأخذُ بيد رسول الله فتدور به في حوائجها حتى تفرُغَ ثُمّ يرْجع. (١) وروي عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لها حاجتها (٢). وعن أنس ﵁ قال: ما رأيت أرحمَ بالعيال من رسول الله ﷺ . (٣) وعنه ﵁ قال: مرّ رسولُ الله ﷺ على صِبيان فسلّم عليهم. (٤) وروى ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يجلسُ على الأرض، ويأكلُ على الأرض، ويعتقلُ الشاة، ويجيبُ دعوة المملوك على خبز الشعير. (٥) وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتبَسَّمُ - قَالَتْ - وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا. رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: فَقَالَ "يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. (٦)

стр. 1845

وعن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه بُرد نَجْرانيّ غليظُ الحاشِية، فأدركه أعرابيّ فجبذ بردائهِ جبذًا شديدًا حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت بها حاشيةُ البُرد من شدّة جبذته ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، قال: فالتفتَ إليه رسولُ الله ﷺ فضحك ثم أمر له بعطاء. (١) وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلّاه الذي يصلي فيه حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدّثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتَبسّم. (٢) وعن عائشة ﵂ وسألها الأسود ما كان رسول الله ﷺ يصنع في أهله؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله تعني خدمة أهله فإذا حضرتِ الصلاةُ خرج. (٣) وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام من خبزِ بُرٍّ تباعًا حتى مضى لسبيله. (٤) وعنها ﵂ أنها قالت لعروة: ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثةُ أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نارٌ. فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر، والماء إلَّا إنه قد كان لرسول الله ﷺ جيرانٌ من الأنصار كانت لهم منائحَ وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا. (٥) وقال أنس ﵁: ما رأى رسول الله ﷺ رغيفًا مرقَّقًا حتى لحق بالله، ولا أرى شاةً سميطًا بعينه قط. (٦) وعنه أيضًا ﵁ قَالَ: مَا عَلِمْتُ النبي ﷺ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ. قِيلَ لِقَتَادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. (٧)

стр. 1846

وعن النعمان بن بشير ﵁ يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدَّقَلِ ما يملأُ به بطنَهُ. (١) وعن أنس ﵁ أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبزِ شعيرٍ وإهالةِ سنخةٍ، ولقد رهن درعَهُ عند يهوديّ فأخذ لأهله شعيرًا، ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ، وإنهم يومئذ تسعةُ أبيات، وفيه عن عائشة ﵂ قالت: كان فراش رسول الله ﷺ من أَدَم حشوُه ليف. (٢) وعن عمر بن الخطاب ﵃ لما ذكر اعتزال رسول الله ﷺ نساءه قال: فدخلتُ على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجعٌ على حصير فأدنى إليه إزاره وجلس وإذا الحصير قد أثَّر بجنبه، وقلَّبْتُ عينيَّ في بيته فلم أجد شيئًا يرُدُّ البصرَ غيرَ قبضةٍ من شَعيرٍ، وقبضةٍ من قرَظٍ نحو الصاعين وإذا أفْيَقٌ (الإهاب الذي قد ذهب شعره ولم يُدبَغ) مُعَلَّقةٌ فابتدرت عيناي؛ فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت: يا رسول الله ﷺ وما لي لا أبكي، وأنت صفوة الله ورسوله ﷺ ، وخيرته من خلقه، وهذه خزانتك، وهذه الأعاجم كسرى وقيصر في الثمار والأنهار؟ فقال: أَوَ فِي شكٍّ أنْتَ يا ابن الخطاب؟ ! أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا - وفي رواية - أَوَ ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى قال: فالحمد لله . قال: فقلت: أستغفر الله. (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل رزق آلِ محمدٍ قُوتًا. (٤) وعن عبد الله ﵁ قال: اضطَّجعَ النبيّ ﷺ على حصيرٍ فأثّر في جلده؛ فقلتُ: بأبي وأمي

стр. 1847

يا رسول الله ﷺ لو كنت آذنتنا ففرشنا لك عليه شيئًا يقِيكَ منه! فقال رسول الله ﷺ : "مَا أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّما أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا". (١) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: حج النبي ﷺ على رحلٍ رثٍ وَقطيفةٍ. (٢) وعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. (٣) الوجه الثالث: عصمة النبي ﷺ من القتل . تمهيد: ومن أبلغ الدلائل على نبوة النبي محمد ﷺ عصمته من أعدائه، وهم الجمّ الغفير والعدد الكثير، وهُم على أتَمِّ حَنَقٍ عليه، وأشدِّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسلٌ قاهرٌ، ولهم مُخَالطٌ ومُكاثِرٌ، ترمقه أبصارُهم شَزَرًا، وترتدُّ عنه أيديهم ذُعرًا، وقد هاجر عنه أصحابُه حذرًا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاثَ عشرةَ سنةً، ثم خرج عنهم سليمًا لم يُكلَم في نفسٍ ولا جسدٍ، وما كان ذاك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحقّقها". (٤) فعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يُحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القُبَّة فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". (٥) أي: بلِّغ أنت رسالتي، وأنا حافظُكَ وناصرُكَ، ومؤيِّدُكَ على أعدائكَ، ومظفركَ بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحدٌ منهم إليك بسوءٍ يؤذيك. . . .".

стр. 1848

ومن عصمة الله لرسوله حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبةً طبيعيةً لرسول الله ﷺ لا شرعيةً، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كُفّارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذىً يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحدٌ من المشركين وأهلِ الكتاب بسوء كاده الله وردّ كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزلى عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمّ اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًا يطول ذكرها" (١). فإن قيل: أليس قد شُجّ رأسُه وكُسرت رَبَاعِيتُه وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك. وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شُجَّ رأسُه؛ لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل: والله يخُصّك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي ﷺ معصوم." (٢) مع ملاحظة أن هذه العصمة إنما هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية" (٣) وقائع تثبت عصمة النبي ﷺ من القتل ١ - عن جابر بن عبد الله: أنه غزا مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثيرِ العِضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون

стр. 1849

بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت سَمُرَة، وعلّق بها سيفه، ونِمنا نَوْمة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا وإذا عنده أعرابيّ فقال: إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظت وهو في يده صلتًا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثًا. ولم يعاقبه وجلس. (١) ٢ - وإن قريشًا اجتمعت في دار الندوة وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة، وكان زعيمَ القوم، وساعده عبد الله بن الزبعري، وكان شاعرَ القوم، فحضّهم على قتل محمد ﷺ وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة، فقال بعضهم: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل: هل محمد إلا رجلٌ واحدٌ؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟ فليس منكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدًا ويريح قومه، وأطرق مليًّا فقالوا: من فعل هذا ساد. فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منّا، وإنّي أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر، فإن قُتلت أرَحْتُ قومي وإن بقيت فذاك الذي أُوثره، وعلى ذلك خرجوا، فلما اجتمعوا في الحطيم خرج عليهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: قد جاء فتقدم من الركن فقام يصلي فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراشًا عظيمًا ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه وهو يراه فلما دنا منه، ارتعد وأرسل الحجر على رجله فرجع وقد شُدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد دُوِّخت أوداجُه ورسول الله ﷺ ساجدٌ، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه وقد غشي عليه ساعة، فلما أفاق قال له أصحابه ما الذي أصابك؟ قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحلٌ فَاغِرٌ فَاهُ فحمل عليّ أسنانه فلم أتمالك وإني أرى محمّدًا محجوبًا، فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم رغبت وأحببت الحياة ورجعت، قال: ما تغرّوني عن نفسي. قال النضر بن الحارث: فإن رجع غدًا فأنا له، قالوا له: يا أبا سهم لئن فعلت هذا لتُسَودنّ، فلما كان من الغد اجتمعوا في الحَطيم منتظرين رسول الله ﷺ فلما أشرف عليهم قاموا بأجمَعِهم فواثبوه فأخذ

стр. 1850

حفنةً من تراب، وقال: شاهتِ الوجوهُ، وقال: حم لا يبصرون فتفرّقوا عنه. وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر عليه حتى وقاه الله، وكان من أقوى شاهد على صدقه. (١) ٣ - معمر بن يزيد يحاول قتل النبي ﷺ -: ومما يثبت عصمته ﷺ من القتل، أن معمر بن يزيد، وكان أشجعَ قومه، استغاثت به قريش، وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ ، وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه، وتطيع أمره فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه، وعندي عشرون ألف مدجّج فلا أرى هذا الحيّ من بني هاشم يقدر على حربي وإن سألوني الدّية أعطيتهم عشر ديَات ففي مالي سعة، وكان يتقلّد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشًا سلاحَه وظاهر بين دِرعين، فوافقهم بالحطيم ورسول الله ﷺ في الحِجر يصلّي، وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزَعزع ولا قصَّر في صلاة، فقيل له: هذا محمد ساجدٌ، فأهوى إليه وقد سلّ سيفه وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد، فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام وقد أدمى وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدْوِ حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلْف، فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم، وقالوا ماذا أصابك؟ ، قال: ويحكم المغرور من غرّرتموه. قالوا ما شأنك؟ قال: ما رأيت كاليوم دَعوني ترجعْ إليَّ نفسي فتركوه ساعة، وقالوا: ما أصابك يا أبا الليث؟ قال: إنّي لما دنوت من محمّد فأردت أن أهوي بسيفي إليه، أهوي إليّ من عند رأسه شُجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمع فيَّ أبصارُهما، فعدَوْت فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد ﷺ . (٢) ٤ - كلدة بن أسد يحاول قتل النبي ﷺ -: ولقد خاطر قريشًا يومًا في قتل رسول الله ﷺ فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال، فجاء كلدة ومعه المزراق،

стр. 1851

فرجع المزراق في صدره فرجع فزِعًا فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشدّ؟ فقال: ويحكم فإني أراه فلم يزل يعْدُو حتى بلغ الطائف فاستهزأت به ثقيف فقال: أنا أعذركم لو رأيتم ما رأيت لهلكتم. (١) ٥ - أبو لهب يحاول قتل النبي ﷺ -: خرج أبو لهب يومًا وقد اجتمعت قريش فقالوا له: يا أبا عتبة إنك سيدّنا، وأنت أولى بمحمد منَّا، وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه، ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئًا، وأنت بريء من دمه، فنؤدي نحن الدّية وتسُود قومك، فقال: فإني أكفيكم ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم. فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفًا عليه، نزل أبو لهب وهو يصلّي وتسلّقت أُمّ جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو ساجد، فصاح أبو لهب فلم يلتفت إليه، وهما كانا لا ينقلان قدمًا، ولا يقدران على شيء حتى تفجَّر الصبح وفرغ ﷺ ، فقال أبو لهب: يا محمد أطلق عنا، فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني، قالا: قد فعلنا فدعا ربه فرجعا. (٢) ٦ - سراقة بن مالك يحاول قتل النبي ﷺ -: قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرًا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي؛ إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرُّوا عليّ آنفًا إني لأراهم محمدًا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني: أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالَّة لهم قال: لعله، ثم سكت. قال: ثم مكثت

стр. 1852

قليلًا ثم قمت، فدخلت بيتي ثم أمرت بفرسي فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي استقسم بها ثم انطلقت فلبست لأمتي ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره (لا يضره). قال: وكنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة الناقة. قال: فركبت على أثره فبينما فرسي يشتدّ بي عثر بي فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره (لا يضره) قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطتُّ عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره (لا يضره) قال: فأبيت إلا أن أتبعه فركبت في أثره. فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنِع مني وأنه ظاهر، قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم: انظِروني أكلمْكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: قل له: وما تبتغي منا؟ قال: فقال ذلك أبو بكر قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر. (١) ٧ - شيبة بن عثمان يحاول قتل النبي ﷺ -: عن شيبة بن عثمان، قال: "لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائمٌ عليه درع بيضاء كأنها فضّة يكشف عنها العجَاج، فقلت: عمُّه ولن يخْذَلهُ، قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمّه ولن يخذلَهُ، قال: ثُمَّ جئتُهُ من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رُفَع لي شُواظٌ من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت تمحشني،

стр. 1853

فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، والتفت رسول الله ﷺ وقال: "يا شيب، يا شيب، ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان"، قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إليَّ من سمعي وبصري، وقال: يا شيب، قاتل الكفار. (١) ٨ - ليلة الهجرة: ومن ذلك القصة المشهورة التي تؤذن بالكفاية التامة، وذلك أن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، أو يحبسوه، أو يخرجوه، فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. فأمر عليًّا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. (٢) الوجه الرابع: معجزات النبي الأكرم ﷺ - ما من نبي أُرسل إلّا وأيده الله تعالى بالمعجزات؛ لتكون برهانًا واضحًا للناس في إثبات رسالته، وها هي بعض معجزات نبينا الأكرم ﷺ إجمالًا ليهتدي من أراد طريق الحق. ١ - معجزة القرآن: أعطى الله كل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة خاصة به لم يُعْطها بعينها غيره، تحدى بها قومه، وكانت معجزةُ كل نبيّ تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه، فلما كان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، بعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل سحَّار، فلما استيقنوا أنها من عند العزيز الجبَّار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبعثه الله في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة، فمن أين

стр. 1854

للطبيب قدرة على إحياء الجماد، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك نبيُّنا بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء، فأتاهم بكتاب من عند الله ، فاتّهمه أكرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده؛ فتحداهم ودعاهم أن يعارضوه ويأتوا بمثله وليستعينوا بمن شاءوا فعجزوا عن ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وكما قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤]. ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. ثم تنازل إلى سورة فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]، وكذلك في سورة البقرة وهى مدنية أعاد التحدي بسورة منه، وأخبر تعالى أنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا لا في الحال ولا في المآل فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٣ - ٢٤]. وهكذا وقع، فإنه من لدن رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحدٌ أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدًا؛ فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فأنّى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟ . وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه الإعجاز: ذلك أن القرآن الكريم معجز في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفنّي باستقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تختلف خصائصه. معجز في بنائه الفكري وتناسق أجزائه وتكاملها،

стр. 1855

فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كل توجيهاته وتشريعاته تتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشرية دون أن تصطدم بالفطرة الإنسانية، معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشة مواضع التأثر، والاستجابة فيها (١). ٢ - انشقاق القمر: قال الله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾. أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه. (٢) وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسولَ الله ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ. (٣) ومن هذه المعجزات أيضًا: ٣ - الإسراء: أمَّا في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. يُمَجِّدُ الله تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُنَزِهُهَا عَنْ شِرْكِ مَنْ أَشْرَكَ، وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَدْ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلًا مِنْ مَكَّةَ (المَسْجِدِ الحَرَامِ)، إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ (المَسْجِدِ الأَقْصَى)، وَهُوَ المَسْجِدُ الذِي بَارَكَ الله مَا حَوْلَهُ، مِنْ زُرُوعٍ وثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. لِيُرِيَ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا، مِنْ آيَاتِهِ العِظَامِ، مَا فِيهِ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ لأَقْوَالِ العِبَادِ، البَصِيرُ بِأَحْوَالهِمْ. (٤)

стр. 1856

وأمَّا في السُنَّة: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "حِينَ أُسْرِىَ بِى لَقِيتُ مُوسَى ﵇". فَنَعَتَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ - مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ - قَالَ - وَلَقِيتُ عِيسَى". فَنَعَتَهُ النَّبِىُّ ﷺ "فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ".- يَعْنِى حَمَّامًا - قَالَ "وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ - قَالَ: فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ في أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِى الآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِى: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ". (١) والمعراج: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ قالَ: فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحَ - قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ - قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى - قَالَ: فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ - قَالَ: قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ ﷺ وهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الجْنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى - قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ. فَقَالَ لِخَازِنِهَا افْتَحْ - قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَفَتَحَ". فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ: "فَلَمّا مَرَّ جِبْرِيلُ

стр. 1857

وَرَسُولُ الله ﷺ بِإِدْرِيسَ- صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ - قَالَ: ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ - قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ - قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا مُوسَى - قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ - قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا إِبْرَاهِيمُ". (١) ٤ - نبع الماء من بين أصابعه ﷺ -. فقد روى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَالَ: قُلْتُ كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاثِمائَةِ. (٢) ٥ - تكثير الطعام ببركته ودعائِه . فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: لمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بالنبيِّ ﷺ خَمْصًا شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي؛ فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ الله ﷺ خَمْصًا شَدِيدًا؟ فَأَخْرَجَتْ إِلَىَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتُ إِلَى فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا في بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ الله ﷺ وبِمَنْ مَعَهُ. فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ. فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فقَالَ: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَىَّ هَلًا بِكُمْ". فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ". فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِى قُلْتِ. فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا، فَبَصَقَ

стр. 1858

فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى ترَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. (١) ٦ - كلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعوته . فقد أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَامِرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أرِنِي الْخَاتَمَ الَّذِى بَيْنَ كَتِفَيْكَ فَإِنِّى مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : " أَلَا أُرِيكَ آيَةً". قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: "ادْعُ ذَلِكَ الْعَذْقَ". قَالَ: فَدَعَاهُ فَجَاءَ يَنْقُزُ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : " ارْجِعْ". فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ؛ فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: يَا آلَ بني عَامِرٍ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْحَرَ مِنْهُ. (٢) ٧ - حنين الجزع لفراق النبي ﷺ -. وهي قصة مشهورة شهدها الكثير من أصحاب النبي ﷺ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ : يَا رَسُولَ الله، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ. قَالَ: "بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ". (٣) ٨ - تسليم الحجر على النبي ﷺ -.

стр. 1859

فقد كان الحجر يسلم عليه، يقول رسول الله ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ". (١) ٩ - إخبار الشاة له ﷺ بأنها مسمومة . إذ إن النبي ﷺ أتى خيبر، فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ". فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ : "مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ ". فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ شَىْءٌ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ. . .). (٢) ١٠ - إبراؤه للمرضى ﷺ -. من ذلك أنه ﷺ قال يوم خيبر: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ". فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى، فَقَالَ: "أَيْنَ عَلِيٌّ". فَقِيلَ: يَشْتَكِى عَيْنَيْهِ، فَأَمَرَ فَدُعي لَهُ، فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ. (٣) ١١ - إخباره ﷺ بالأحداث التي لم تقع وقد وقعت . كخبر أم حرام بنت ملحان، فقد سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ يقول: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمتي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَنَا فِيهِمْ. قَالَ "أَنْتِ فِيهِمْ". ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمتي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ الله. قَالَ "لَا". (٤) وكذلك: إخباره عن بركان يثور في الحجاز ينعكس ضوؤه بالشفق، فيلحظه أهل بصري بالشام، فتحقق تنبؤه ﷺ عام ٦٥٤ هـ، ليكون دليلًا آخر على نبوته ورسالته ﷺ ، فقد قال ﷺ "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تضيء أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى". (٥)

стр. 1860

قال النووي: وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة. (١) وغيرها كثير من المعجزات التي أجراها الكريم ﷻ إذ الفضل منه وإليه - على يدي النبي المعصوم ﷺ ولكننا نثبت أن الله ﵎ أجرى معجزات كثيرة على يد نبيّه ﷺ تثبت نبوته ﷺ . (٢) الوجه الخامس: ظهور دينه وغلبته على الأمم . ومن الأوجه القوية التي تثبت نبوته ﷺ أنه ﷺ جهر بدعوته بين قوم لا كتاب لهم، ولا حكمة فيهم: أنّي بعثت من عند الله بالكتاب المنير، والحكمة الباهرة لأنوّر العالم بالإيمان والعمل الصالح. وانتصب مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه وأنصاره، مخالفًا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلَّلَ آراءهم، وسفَّه أحلامهم، وأبطل مللهم وهدم دولهم، وظهر دينه على الأديان في مدة قليلة شرقًا وغربًا، وزاد على مر الأعصار والأزمان، ولم يقدر الأعداء مع كثرة عَدَدِهِم وعُدَدِهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم، وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم في إطفاء نور دينه وطمس آثار مذهبه. فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي؟ قال غمالائيل مُعلّم اليهود لهم في حق الحواريين: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلَاءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا. ٣٦ لأَنَّهُ قَبْلَ هذ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلًا عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، الَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لَا شَيْءَ. ٣٧ بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيليُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا. فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا. ٣٨ وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلَاءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا
следующие страницы →