← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَال: أَنْ تَسْكُتَ" (١). قال ابن القيم: فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر محض، ويكون خبرًا من حكم الشرع، لا خبرًا عن الواقع، وهي طريقة المحققين. فقوله (حتى تستأمر)، أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله تستأمر أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها، بل فيه إشعار باشتراطه. وقوله (ولا تنكح البكر حتى تستأذن) هنا للتفرقة بين الثيب والبكر، فعبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحي أن تفصح (٢). ومما يؤكد أن للمرأة الحق في اختيار زوجها، ما رواه البخاري: عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتمت النبي ﷺ فرد نكاحها (٣). ٤ - العدل: العدل بين الأبناء ذكورًا وإناثًا من إقامة شرع الله في أرضه، وإقامة سنة نبيه ﷺ ، وخاصة العدل للنساء، لأن حقهن عادة مهضوم، ويظلمن غالبًا من قبل الآباء وخاصة في الميراث (٤)، وقد قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء ١١)، وقال تعالى في آخر السورة: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ

стр. 212

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (النساء ١٧٦) فما هضم الله حق المرأة في كتابه، وقال ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١). ٣ - حق المرأة كزوجة، ويتضمن أمورًا: ١ - إعطائها المهر: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤). الصدقات جمع، الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال المازني: يقال صداق المرأة بالكسر ولا يقال بالفتح. وحكي يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج؛ أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم. فهذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه لا خلاف فيه. وأجمع العلماء أيضا: أنه لا حد لكثيره، واختلفوا في قليله؛ فلذلك أبقى النبي ﷺ وجوب المهر كما كان ولم يضبطه بحد إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة والرغبات لها مراتب شتى (٢). وروي أنس بن مالك ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لرسول الله ﷺ : "تزوجت امرأة" فقال: ما أصدقتها؟ " قال: "وزن نواة من ذهب" فقال: بارك الله لك؟ أولم ولو بشاة" (٣). وقال ﷺ : "خير النكاح أيسره"، وفي رواية "خير الصداق أيسره" (٤)، فكانوا لا ينكحون إلا بصداق، لأمور بعثتهم على ذلك وكان فيه مصالح منها: أن النكاح لا تتم فائدته إلا بأن يوطن كل واحد نفسه على المعاونة الدائمة، ويتحقق ذلك من جانب المرأة بزوال أمرها من يدها، ولا جائز أن يشرع زوال أمره أيضًا من يده، وإلا أنسد باب الطلاق، وكان أسيرًا في يدها كما أنها عانية بيده، وكان الأصل أن يكونوا قوامين على النساء، ولا جائز أن يجعل أمرهما إلى القضاة؛ فإن مراجعة القضية إليهم فيها حرج، وهم

стр. 213

لا يعرفون ما يعرف هو من خاصة أمره، فتعين أن يكون بين عينيه خسارة مال، إن أراد فك النظم؛ لئلا يجتريءَ على ذلك إلا عند حاجه لا يجد منها بدًا، فكان هذا نوعا من التوطين، وأيضا فلا يظهر الاهتمام بالنكاح؛ إلا بمال يكون عوض البضع، فإن الناس لما تشاحوا بالأموال شحا لم يتشاحوا به في غيرها، كان الاهتمام لا يتم ببذلها، وبالاهتمام تقر أعين الأولياء، حين يتملك هو فلذة أكبادهم، وبه يتحقق التمييز بين النكاح السفاح، وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: ٢٤) (١). ٢ - الكفاءة: قال ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قالوا يا رسول الله: وإن كان فيه فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات" (٢). وقال النبي ﷺ لبني بياضة: "أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه، وكان حجامًا" (٣). وتزوج بلال بن رباح ﵁ بأخت عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فالذي يقتضيه حكمه ﷺ : اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا؛ فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبًا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية، فجوّز للعبد القن، نكاح الحرة النسيبة الغنية؛ إذا كان عفيفا مسلما، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات (٤). ٣ - حرية المرأة في اختيار الزوج: فلا ينكح الأب وغيره، البكر والثيب إلا برضاهما

стр. 214

لحديث: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت"، وحديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله: إن البكر تستحي، قال: "رضاها صمتها" (١). - البكر البالغة: لا نعلم خلافًا في استحباب استئذانها، فإن النبي ﷺ قد أمر به، ونهي عن النكاح بدونه، وأقل أحواله ذلك الاستحباب، ولأن فيه تطييب قلبها وخروجًا من الخلاف، وقالت عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله: ﷺ "نعم تستأمر"، وقال: "استأمروا النساء في أبضاعهن، فإن البكر تستحي فتسكت فهو إذنها" (٢). - أما الثيب فإذنها الكلام: أما الثيب: فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن إذنها الكلام: للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب، وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض (٣). وقد ثبت أن خنساء بنت خذام زوجها أبوها، وهي كارهة، وكانت ثيبًا؛ فأتت رسول الله ﷺ فردَّ نكاحها (٤). وفي السنن من حديث ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ (٥)، وهذه غير خنساء فهما قضيتان قضي في إحداهما بتخبير الثيب وقضي في الأخرى بتخيير البكر. وموجب هذا الحكم: أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها. وهذا هو قول جمهور السلف، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم

стр. 215

رسول الله ﷺ وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته. (١) ٤ - النفقة: ومن حقوق الزوجة على زوجها: الإنفاق عليها، وأن يوفر لها ما تحتاجه، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، وقال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ (الطلاق: ٧)، والإنفاق كفاية مؤونة الحياة، من طعام ولباس وغير ذلك مما يحتاج إليه. ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة؛ لاختلاف أحوال الناس والأزمان والبلاد. وإنما اختلفوا في التوسع في الإنفاق في مال الموسر، هل يقضى عليه بالتوسعة على من ينفق هو عليه؟ ولا أحسب الخلاف في ذلك إلا اختلافًا في أحوال الناس وعوائدهم، ولا بد من اعتبار حال المنفق عليه ومعتاده، كالزوجة العالية القدر. وفي عجز الزوج عن إنفاق زوجه؛ إذا طلبت الفراق لعدم النفقة خلاف. فمنهم من رأى ذلك موجبًا للتفرقة بينهما بعد أجل؛ رجاء يسر الزوج، وقُدّر بشهرين، وهو قول مالك. ومنهم من لم ير التفريق بين الزوجين بذلك، وهو قول أبي حنيفة، أي وتنفق من بيت مال المسلمين (٢). قال النبي ﷺ : "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة" (٣)، فالإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر عليه على ذلك بحسب قصده. ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقه؛ بل هي أفضل من صدقة التطوع. فالنفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة؛ خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر؛ فعرفهم أنها لهم صدقه؛ حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل؛ إلا بعد أن يكفوهم؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع، وتسمية

стр. 216

النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نِحْلَة، فلما كان احتياج المرأة إلى رجل كاحتياجه إليها في اللذة والتأنيس والتحصين وطلب الولد؛ كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة، وقال ﷺ : "قال الله: أنفق ي"بن آدم، أُنفق عليك." (١)، وقال ﷺ : "الساعي على الأرملة والمسكين؛ كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار" (٢). وقال ﷺ : "أفضل الصدقة ما ترك غني، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني" (٣). وقال ﷺ : "اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤) وقال ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته" (٥)، وفي رواية: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (٦). وقال ﷺ : "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" (٧). - ومن النفقة توفير السكن: قال الله تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق: ٦).

стр. 217

٥ - وقايتها من النار بتعليمها وتأديبها: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦)، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه، وقال مقاتل: أن يؤدب المسلم نفسه وأهله؛ فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، (قوا أنفسكم) بترك المعاصي وفعل الطاعات، (وأهليكم) بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم (١). ففي هذه الآية الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوا أنفسكم، وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء؛ حتى يقيهم الله بكم. وقال علي ﵁ وقتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي لرعيته. ففي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم" (٢). وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام، ووجوب الفطر، إذا وجب؛ مستندًا في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلم أن النبي ﷺ كان إذا أوتر يقول: "قومي فأوتري يا عائشة" (٣)، وقوله ﷺ : "أيقظوا صواحب الحجر" (٤)، ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢). فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢) ونحو قوله تعالى للنبي ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٥).

стр. 218

٦ - الاعتدال في الغَيْرة: وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن، فقد نهى رسول الله ﷺ أن تتبع عورات النساء. ولما قدم رسول الله ﷺ من سفره قال قبل دخول المدينة: "لا تطرقوا النساء ليلا " فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره" (١)، وفي الخبر المشهور: "المرأة كالضلع إن قومته كسرته فدعه تستمتع به على عوج" (٢). وهذا في تهذيب أخلاقها وقال ﷺ : "إن من الغيرة غيرة يبغضه الله وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة" (٣)، لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه، فإن بعض الظن إثم. وقال علي ﵁: لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك. وأما الغيرة في محلها، فلا بد منها وهي محمودة. وقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله تعالى، أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم الله عليه" (٤). وقال ﷺ : "أتعجبون من غيرة سعد! أنا والله أغير منه، والله أغير مني" (٥). ولأجل غيرة الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ ولأجل ذلك وعد الجنة، وكان الحسن البصري يقول: أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من لا يغار، والطريق المغني عن الغيرة: أن لا يدخل عليها الرجال، وهي لا تخرج إلى الأسواق (٦). ٧ - المعاشرة بالمعروف: قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ

стр. 219

تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ (النساء: ١٩)، وعاشروهن بالمعروف على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، والخطاب للجميع إذ لكل أحد عِشرة؛ زوجًا كان أو وليًّا، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى (فإمساك بمعروف) وذلك توفية حقها من المهر والنفقه، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقًا في القول، لا فظًا ولا غليظًا ولا مظهرًا ميلًا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم، وصحبتهم على الكمال؛ فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء، وقال بعضهم: أن يتصنع لها كما تتصنع له. (فإن كرهتموهن) أي: لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال؛ فعسى أن يؤل الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين. ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر" (١)، أي: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب (٢)، قال النبي ﷺ " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم" (٣)، فلا يعدل إلى الضرب؛ لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية؛ إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله (٤). فحسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن؛ ترحما عليهن لقصور عقلهن، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقال في تعظيم حقهن: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وقال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قيل: هي المرأة. واعلم أنه ليس حسن

стр. 220

الخلق معها كف الأذى عنها؛ بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله ﷺ ، فقد كانت أزواجه تراجعنه في الكلام، وتهجره الواحدة منهن يومًا إلى الليل (١)، وقال ﷺ لجابر بن عبد الله حين تزوج ثيبا: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (٢). ومن حسن المعاشرة: التحدث مع الزوجة، فعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر؛ فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة، وقوله تعالى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يؤخذ منه: أن لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها، أوترك الواجب، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة (٣). ومن حسن المعاشرة: عدم ترجيح إحدى الزوجات على الأخرى ظلما وعدوانا: قال الله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١٢٩). وقال ﷺ : "من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما؛ جاء يوم القيامة وشقه ساقط" (٤)، وفي رواية: "من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل"، وفي رواية: "من كانت له امرأتان يميل إلى أحدهما على الأخرى؛ جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" (٥). والمراد بقوله: "فمال" وقوله: "يميل" الميل بظاهره، بأن يرجح إحداهما في الأمور الظاهرة التي حرم الشارع الترجيح فيها، لا الميل القلبي، وروى مسلم وغيره: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم

стр. 221

وأهليهم وما ولوا". فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن؛ فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن، كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ . فإن ظلم المرأة بليلتها قضي لها، فإن القضاء واجب عليه، وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت، وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: ١٢٩)، أي: أن تعدلوا في شهوة القلب وميل النفس، ويتبع ذلك التفاوت، وكان رسول الله ﷺ يعدل بينهن في العطاء والبيتوتة في الليالي (١). قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، ولهذا كان ﷺ يقول: "اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٢) ثم نهى فقال (فلا تميلوا كل الميل) أي: لا تتعمدوا الإساءة؛ بل الزموا التسوية في القسمة والنفقة؛ لأن هذا مما يستطاع. - ومن حسن المعاشرة: أن لا يتبسط في الدعابة وحسن الخلق، والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها، ويسقط بالكلية هيبته عندها؛ بل يراعي الاعتدال فيه، فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرًا، ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة؛ بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض، فإن الله ملكه المرأة، فمن ملكها نفسه فقد عكس الأمر وقلب القضية وأطاع الشيطان لما قال: وَلَأَمُرَنَّهُمْ ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء: ١١٩). (٣) ٨ - عدم إيلائها أكثر من أربعة أشهر: قال الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧).

стр. 222

والإيلاء: هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته إما مدة هي أكثر من أربعة أشهر أو أربعة أشهر (١). وهو لغة: الامتناع باليمين. وخص في عرف الشرع: بالامتناع من وطء الزوجة ولهذا عدى فعله بأداة "من" تضمينا له معنى "يمتنعون" من نسائهم، وهو أحسن من إقامة "من" مقام "على". وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من وطء نسائهم بالإيلاء؛ فإذا مضت، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق. وقد دلت الآية على أحكام منها: أن من حلف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر لم يكن مؤليا، وهذا قول الجمهور. ومنها: أنه لا يثبت له حكم الإيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر، وبعد انقضائها إما أن يطلقوا وإما أن يفيئوا وهذا قول الجمهور، والجمهور يجعلون المدة أجلًا لاستحقاق المطالبة، وعند الجمهور لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة أشهر فحينئذ يقال: إما أن تفيء وإما أن تطلق، وإن لم يفيء أخذ بإيقاع الطلاق، إما بالحاكم وإما بحبسه حتى يطلق (٢). ومن حسن العشرة: عدم هجر فراش الزوجة إلا لأمر شرعي: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ (النساء ٣٤)، أي: النساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن. والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز: هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، والهجران في المضاجع معناه: لا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي ﷺ حين أسر إلى حفصة، فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه، ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولى (٣).

стр. 223

وفي ضمن الهجر: امتناعه من كلامها: ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث (١). ولا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ؛ فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر، لم ينتقل إلى الضرب، فكلا من الهجر والضرب مقيد بعلم النشوز ولا يجوز بمجرد الظن (٢). ولك أن تقول: إن عبارة في المضاجع تدل بمفهومها على منع ما جعله بعضهم معنى لها، فهو يقول: " ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ولا يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه، وهو الفراش، ولا يهجر الحجرة التي يكون فيها الاضطجاع؛ وإنما يتحقق بهجر في الفراش نفسه، وتعمد هجر الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة، لم يأذن بها الله تعالى، وربما يكون سببًا لزيادة الجفوة، ومن الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه؛ لأن الاجتماع في المضجع يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة، رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى الموافقة (٣). ٩ - عدم طلاقها في الحيض، أو طهر مسها فيه: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (الطلاق: ١)، وعن ابن عمر ﵁ قال: طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: "مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها؛ فإن بدا له أن يطلقها؛ فليطلقها طاهرًا من حيضتها قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله" (٤). أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها: هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها

стр. 224

فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة" (١). عن عبد الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع. وعن ابن عباس قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا؟ ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها، والبدعي: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه ولا يدري أحملت أم لا؟ (٢) وكذلك فالنفساء حكمها حكم الحائض، قال الثوري: النفساء مثل الحائض لا تعتد بنفاسها في عدتها (٣). ١٠ - عدم إخراجها من البيت ولو بعد الطلاق إلا لأمر شرعي: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ يقول: وخافوا الله واحذروا معصيته أن تتعدوا حده، فلا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهن من بيوتهن التي كنتم أسكنتموهن فيها قبل الطلاق، حتى تنقضي عدتهن (٤). لما أمر بالتقوى، وناط بعضها بصفة الإحسان، فسره بقوله: (لا تخرجوهن) أي: أيها الرجال في حال العدة (من بيوتهن) أي: المساكن التي وقع فيها سكنهن، وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة كاستحقاق المالك، ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له؛ فليس من المروءة إظهار الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش الزوج في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر

стр. 225

أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل (١) وأضيفت إليهن البيوت لاختصاصها بهن من حيث السكنى، ومعنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن قلت: معنى الإخراج: أن لا يخرجهن البعولة غضبًا عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك إيذانًا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر (٢). فإذا أذن لها أن تعتد في غير بيته، فتعتد في بيت أهلها، فقد شاركها إذا في الإثم، ثم تلا: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ... ﴾ (٣). جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: إني طلقت امرأتي ثلاثًا وإنها أبت أن تعتد في بيتها، قال: لا تدعها قال: إنها أبت إلا أن تخرج قال تقيدها قال إن لها إخوة غليظة رقابهم قال استعد عليهم السلطان (٤). ١١ - عدم العضل: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ (البقرة: ٢٣٢). (عضل) العضلة والعضلية: كل عصبة معها لحم غليظ. وعضل المرأة عن الزوج: حبسها (٥). إن الله أنزلها دلالة على تحريمه على أولياء النساء مضارة من كانوا له أولياء من النساء، بعضلهن عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهن، فبن منهن بما تبين به المرأة من زوجها، من طلاق أو فسخ نكاح، ويعني بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لا تضيقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد؛ تبتغون بذلك مضارتهن.

стр. 226

﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ذلك، ما ذكر في هذه الآية: من نهي أولياء المرأة عن عضلها عن النكاح، يقول: فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني لمن كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر، يقول: ومن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب، ليتق الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت لها في نكاحه، (ذلكم) أي: نكاح أزواجهن لهن، ومراجعة أزواجهن إياهن، بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد؛ أزكى لكم أيها الأولياء والأزواج والزوجات. ويعني بقوله: (أزكى) أفضل وخير عند الله من فراقهن أزواجهن، وأما قوله: (وأطهر) فإنه يعني بذلك: أطهر لقلوبكم وقلوبهن وقلوب أزواجهن من الريبة. وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما -أعني الزوج والمرأة- علاقة حب، لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين. فأمر الله تعالى ذكره الأولياء إذا أراد الأزواج التراجع بعد البينونة، بنكاح مستأنف، في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك، وأن يزوجها؛ لأن ذلك أفضل لجميعهم، وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبقه إليها من المعاني المكروهة. ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم ما لا يعلمه بعضهم من بعض، ودلهم بقوله لهم ذلك في هذا الموضع، أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء، إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف، ونهاهم عن عضلهن عن ذلك؛ لما علم مما قلب الخاطب والمخطوبة من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة، فقال لهم تعالى ذكره: افعلوا ما أمرتكم به، إن كنتم تؤمنون بي، وبثوابي وبعقابي من معادكم في الآخرة، فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمون من الهوى والمحبة. وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم، وأزكى وأطهر

стр. 227

لقلوبكم وقلوبهن في العاجل (١). ١٢ - الخلع: والخلع لغة: الانتزاع على مهلة، ومنه خلع الثوب: نزعه. وسوى بعضهم بين الخلع والنزع، يقال: خلع امرأته وخالعها، إذا افتدت منه بمالها فطلقها وأبانها من نفسه، وسمي ذلك الفراق خلعا؛ لأن الله تعالى جعل النساء لباسًا للرجال والرجال لباسًا لهن فقال: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" وهي ضجيعه وضجيعته، فإذا افتدت المرأة بمال تعطيه لزوجها ليبينها منه فأجابها إلى ذلك؛ فقد بانت منه، وخلع كل واحد منهما لباس صاحبه، والاسم من كل ذلك: الخلع (٢). إذا فالخلع في الشرع: هو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختص ببذلها له جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقًّا لها عليه (٣). والأصل في إباحة الخلع: قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: ٢٢٩). فقوله تعالى: (ولا يحل لكم) أي: أيها المطلقون ﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ من المهر وغيره، ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: فيما يلزمها من حقوق الزوجية "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به" أي: نفسها عن ضرره، أي: لا إثم على الزوج في ما أخذ ما افتدت به ولا عليها في إعطائه وهذه الآية أصل في الخلع (٤). والدليل من السنة على جواز الخلع: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين؛ ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : اقبل

стр. 228

الحديقة، وطلقها تطليقة" (١). فالإسلام أباح للمرأة عند وقوع الضرر الغير محتمل أن تطلب الفراق، فلا تجبر على زواج لا تستقيم به حياتها، ولا يحفظ لها دينها، وهذا من أسمى درجات العدل في الإسلام. ١٣ - ومن حق الزوجة حضانة ولدها: والحضانة هي: حفظ صغير ومعتوه -وهو المختل العقل- ومجنون عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل بدنهم وثيابهم ودهنهم ونحو ذلك، وأم المحضون أولى بحضانته من جميع أقاربه؛ لما روى عبد الله بن عمر وبن العاص: "أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله ﷺ ؟ "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢)، ولأنها أشفق عليه وأقرب، ولا يشاركها في القرب إلا الأب، وليس له مثل شفقتها، ولا يتولى الحضانة بنفسه وإنما يدفعه إليها، فتقدم على غيرها، ولو بالأجرة مثلها كرضاع (٣). ١٤ - الإرث: قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (النساء: ١٢).، يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ أي: ولأزواجكم أيها الناس، ربع ما تركتم بعد وفاتكم، من مال وميراث، إن حدث بأحدكم حدث الوفاة، ولا ولد له ذكر ولا أنثى ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ يقول: فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدًا كان الولد أو جماعه ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ يقول: فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم، الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم

стр. 229

حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها (١). فهذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة، وقد أعطاها الله حقها المهجور عند الجاهلية، إذ كانوا لا يورثون الزوجين، فكانت المرأة لا ترث زوجها؛ بل كانت تعد موروثة عنه يتصرف فيها ورثته. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ فنوه الله في هذه الآيات بصلة العصمة، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في قوله: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا" (٢). ١٥ - حفظ الزوجة وصيانتها: من حقوق المرأة حفظها من كل ما يسئ إليها بالقول أو الفعل ويخدش حياءها وكرامتها، فمن ذلك ألا يسبها أو يلعنها أو يؤذيها بسيء الأقوال، وكذلك ألا يهجرها إلا بالحق، وألا يضربها إلا برفق، ضربًا غير مبرح، ولو اتبع الزوج نصيحة القرآن الكريم في إصلاح الأسرة؛ لاستغنى عن كثير من الأمور التي عاقبتها الطلاق، أو الحياة المضطربة المتوترة التي تخلو من المودة والرحمة والسكن، ولذلك كان من حقها أن يجنبها أسباب الفتن ومواضع الشبهات، فيقول ﷺ : "ذبوا بأموالكم عن أعراضكم، قالوا: يا رسول الله كيف نذب بأموالنا عن أعراضنا؟ قال: يعط الشاعر ومن تخافون لسانه" (٣). فمن حق الزوجة على زوجها، أن يحمي عرضها ويجنبها مجالس السوء، ويعالج الأحقاد والدسائس بحكمة، ويحذر إشاعة أسرارها وأحوالها الخاصة، ويحمي عرضه بماله ونفسه (فمن مات دون عرضه فهو شهيد) وهذا يحتاط منه نساء العلماء والدعاة بخاصة، حيث يتربص أهل الأحقاد والفجور، فيعملون على تشويه صورة أهل العلم، ومن تدبر قصة الإفك لاستخرج منها عبرًا وعظات دالة على تربص المنافقين وأهل

стр. 230

الريب بالمؤمنين (١). وكذلك حديث زيارة السيدة صفية أم المؤمنين للنبي ﷺ في معتكف فخرج معها إلى بَابِ أُمِّ سَلَمَة، مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَار، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال لَهمَا النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالا: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" (٢). وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء" (٣)، والديوث هو الذي يرى المنكر بأهله فلا يغيره، فمن رأى في أهله عوجًا أو سوء خلق، فلا يسكت؛ بل يسارع بالإصلاح، وإلا كان من أهل السوء، ويستوجب غضب الله تعالى، ولهذا كانت الغيرة المحمودة، التي تحافظ على العرض، وتصون حمى المرأة من كل سوء، بل هذا من أوجب الأمور على الرجل، فمن حقها أن يسكنها بين صالحين مشهور عنهم الأدب، لا الفجور وفعل المنكرات، ولا يجبرها على صحبة أهل السوء، ولا يرضى لها ذلك. ١٦ - حق المرأة في النسب: قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (الأحزاب: ٥)، فليس لأحد أن يغير نسبه، وكما هو للرجل، فهو كذلك للمرأة تُدعى لأبيها، وهذا ما عليه الفطرة والشرع فليس لها ولزوجها أن يدعوها بغير أبيها، كما يفعل المتشبهون بالغرب، فينسبون المرأة لزوجها بعد الزواج، ثم بعد ذلك يدعون الدفاع عن المرأة، وهم سالبون لأهم ركن في حريتها ويقول تعالى: (ومريم ابنت عمران) فنسبها لأبيها. ١٧ - حق المرأة في التصرف في مالها: يقول تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء ٣٢)، للرجل نصيبه من الثواب والعقاب، وللنساء كذلك، فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجل،

стр. 231

والاكتساب يعني الإصابة للذكر مثل حظ الأنثيين (١). ويدخل في ذلك أن الرجال يختصون بما كسبوا، والنساء يتخصصن بما اكتسبن من الأموال، ومن هنا كان للمرأة الحق في التصرف في مالها في حدود مرضاة الله تعالى، فلها التصرف في البيع والشراء والهبة والوصية والإيجار وغير ذلك، وليس للزوج حق التدخل في تصرفات المرأة في مالها إلا في حالة الضرر والتعسف في استخدام الحق، ولا يجوز أخذ الزوج أو غيره شيئًا من مهرها قل أو كثر (٢). ١٨ - حق المرأة في التعبير عن حقها بالمعروف: يقول تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: ١). فعن خولة بنت ثعلبة قالت: وَالله فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ الله صَدْرَ سُورَةِ المُجَادَلَةِ. قَالتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَال: أَنْتِ عَليّ كَظَهْرِ أُمِّي، قَالتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإِذَا هو يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي، قَالتْ: فَقُلْتُ: كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ، لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ الله وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالتْ: فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ المَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَألقَيْتُهُ عَنِّي، قَالتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ الله ﷺ فجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْه، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ، فَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ ﷺ ما أَلْقَى مِنْ سوءِ خُلُقِهِ، قَالتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يقُول: يَا خُوَيْلَةُ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي الله فِيهِ، قَالتْ: فَوَالله مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ، فَتَغَشَّى رَسُولُ الله ﷺ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَال لِي: يَا خُوَيْلَةُ، قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فَقَال

стр. 232

لِي رَسُولُ الله ﷺ : مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قَالتْ: فَقُلْتُ: وَالله يَا رَسُولَ الله مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَال: فَلْيَصمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالتْ: فَقُلْتُ: وَالله يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَال: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْر، قَالتْ: قُلْتُ: وَالله يَا رَسُولَ الله، مَا ذَاكَ عِنْدَهُ قَالتْ: فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : فَإِنَّا سَنُعِينه بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ الله سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَال: قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا، قَالتْ: فَفَعَلْتُ، قَال سَعْدٌ: الْعَرَقُ الصَّنُّ (١). فها هي خولة تجادل وترفع شكواها إلى رسول الله ﷺ ، فسمعها رب العالمين وأنصفها من زوجها الذي تعجل في أمره، فالإسلام يسمح للمرأة أن ترفع شكواها لوليها أو القاضي أو الحاكم، ولها أن تتحدث بما يليق، ولا يحق لأحد هضم حقها، ورسول الله ﷺ يصبر على أحوال بعض نسائه، ويستمع إليهن بما يثير أحيانًا أبا بكر، وتارة يثار عمر كذلك على ابنته حفصة كما جاء في صدر سورة التحريم. ١٩ - حق الزوجة الكتابية: قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (المائدة: ٥). قال ابن قدامة: ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، بإجماع الصحابة، وهذا في الكتابيات دون الوثنيات أو المحاربات، وحيث كون الكتابيات، وبخاصة اللاتي يعشن في بلاد المسلمين، يوجد في دينها التقاء مع الإسلام في أمر التوحيد؛ حيث أن أصل الدين واحد، أما التحريف فطارئ عليه بأيديهم وتأويلهم، وهذا بخلاف الوثنيات. وقال العلماء: وإذا تزوج المسلم الكتابية، فيكون عليها كل الحقوق التي على السلمة، وكذلك لها حقوق المسلمة؛ إلا في التوارث؛ لأن شرط التوارث اتحاد الدين، مع الأخذ في

стр. 233

الاعتبار، أن يكون جميع الأولاد مسلمين بلا فرق بين الذكر والأنثى، وله أن يدعوها إلى الإسلام، ويحببها في أحكامه، بما تراه من محافظة منه على دينه، وعدم تعاطيه المحرمات، مع المحافظة على الطاعات واستعمال العدل والإنصاف معها. رابعًا: حق المرأة كمعتدة: ١ - تحريم الخطبة: لا يجوز للأجنبي خطبة المعتدة صراحةً، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها زوجها، لأن المطلقة طلاقًا رجعيًّا في حكم الزوجة، فلا يجوز خطبتها لبقاء بعض آثار الزواج في المطلقة ثلاثًا أو بائنًا أو متوفى عنها زوجها، ولا يجوز أيضًا التعريض بالخطبة في عدة الطلاق، ويجوز في عدة الوفاة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ (البقرة ٢٣٥). قال أبو جعفر الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا جناح عليكم، أيها الرجال، فيما عرضتم به من خطبة النساء، للنساء المعتدات من وفاة أزواجهن في عددهن، ولم تصرحوا بعقد نكاح (١). وكذلك يحرم الزواج، لقوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) ولا يجوز الخروج من البيت، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: ١). ٢ - حقها في السكنى في بيت الزوجية، والنفقة: هذا حق للمرأة واجب على الزوج، أما سكنى المعتدة -أي معتدة- في بيت الزوجية فواجبة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (الطلاق: ١).

стр. 234

قال الطبري: يقول: وخافوا الله أيها الناس ربكم فاحذروا معصيته أن تتعدّوا حده، لا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهنّ من بيوتهنّ التي كنتم أسكنتموهنّ فيها قبل الطلاق حتى تنقضي عدتهنّ (١). وعن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أن يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ (أُمُّ المُؤْمِنِيِنَ) إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ وَهُو أَمِيرُ الْمَدِينَةِ: اتَّقِ الله وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَال مَرْوَانُ -فِي حَدِيثِ سلَيمانَ-: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي (٢). وعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عِليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الحارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ، فَقَالا لَهَا: وَالله مَا لَكِ نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا فَقَال: لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الانْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالتْ: أَيْنَ يَا رَسُولَ الله، فَقَال: إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، -وَكَانَ أَعْمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا- فَلَمّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أنكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنْ الحدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ بِهِ، فَقَال مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الحدِيثَ إِلَّا مِنْ امْرَأَةٍ سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ: فَبَيْنِي وَبَيْنكمْ الْقُرْآنُ، قَال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ قَالتْ: هَذَا لمِنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؟ فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ (٣). وعن عائشة أنها قالت: ما لفاطمة ألا تتقي الله (يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة) (٤).

стр. 235

وعن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: أَلَمْ ترَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الحكَمِ، طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فَخَرَجَتْ، فَقَالتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ، قَال: أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ، قَالتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وفي رواية (عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ) (١). ٣ - ثبوت نسب الولد المولود في فترة العدة: يثبت نسب ولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا جاءت به في وقت تحتمله أقمى مدة للحمل على اختلاف في تفاصيلها بين الفقهاء والقانونيين والأطباء الرجعية (٢). ٤ - ثبوت الإرث في العدة: إذا مات أحد الزوجين قبل انقضاء عدة المطلقة طلاقًا رجعيًّا؛ ورثه الآخر بلا خلاف، سواء اكان الطلاق في حال المرض أم في حال الصحة، لبقاء الزوجية حكمًا، فتكون سببًا لاستحقاق الإرث من الجانبين. فإن كان الطلاق بائنًا أو ثلاثًا في حال الصحة، فمات أحد الزوجين في العدة لم يرثه الآخر وإن كان الطلاق بائنًا ثلاثًا في حال المرض، فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع، وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عند الجمهور (٣) خامسًا: حق الأم . أولًا: بر الأم: قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ (لقمان ١٤). والوهن: هو الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيء، وقال الطبري: ضعفا على ضعف وشدة على شدة (٤). فإنّ حَمْل المرأة يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضعف من كون الجنين يتغذى من أمه، ويتزايد ضعفها بامتداد زمن الحمل، فلا جرم أنه وهن على وهن، فهذا باعث على الوصية بالوالدين خاصة الأم. ويقول تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ

стр. 236

ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (الإسراء: ٢٤)، فالأب أيضًا مشترك في التعب والوهن، ولهذا جمع الله بينهما في تعب التربية في تلك الآية، فلزم بر كليهما حيث يتوليان حفظه وإكمال نشأته، ولهذا إذا تعارض حقها دون القدرة على الجمع بينهما حيث جمعها الله تعالى في الوصية ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل ودرجة الرضاعة، ودرجة الولادة قبل ذلك، فتحصل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، ولهذا قال رسول الله ﷺ حين سأله رجل درجة أحق الناس بحسن صحبته قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) (١). وفيه تأكيد للبر بالأم خشية التفريط فيه؛ إذ قد يقع التفريط في الوفاء الواجب للأم من الابن، اعتمادا على ما يلاقيه من اللين منها؛ بخلاف جانب الأب فإنه قوي ولأبنائه خوف من شدته (٢). وقال ﷺ : "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات" (٣). وهو من تخصيص الشيء بالذكر إظهارًا لعظيم موقعه (٤). وذهب العلماء إلى أن عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب، وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصير في حق الولد مندوبا إليه، وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدا في ندبيته (٥). وكل هذا بشرط ألا يكون المأمور به معصية (٦). ومن البر بهما عدم تعرضهما لأي أذى وخاصة الأم، لقوله ﷺ : "إن مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالوا يَا رَسُولَ الله: وَهَلْ

стр. 237

يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَال: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" (١). الإحسان إلى الأم: ومن الإحسان إليها أن لا يخرج للجهاد بدون إذنها وإذن أبيه، وهذا مستفاد من قوله ﷺ لرجل جاءه فقال: "جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبواي يبكبان، فقال ﷺ : ارجع اليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما" (٢). قال الخطابي: إن كان الخارج فيه متطوعًا؛ فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين، فأما إذا تعين عليه فرض الجهاد فلا حاجة إلى إذنهما، هذا إن كانا مسلمين، فإن كانا كافرين، يخرج بدون إذنهما فرضا كان الجهاد أو تطوعًا (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) (٤). واستدل به على تحريم السفر بغير إذن؛ لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى (٥). حقها في النفقة: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" (٦). وقال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٧). ولما كان الأب هو سبب وجود هذا الرجل، فكان من أهنأ وأحل الطعام من مال هذا الرجل، ولأن الرجل بعضه، وحكم بعضه حكم نفسه، ثم بين في الحديث الثاني: أن وجودك سبب وجود مالك، فصار له بذلك حق كان به أولى منك بنفسك، فإذا احتاج فله أن يأخذ منه قدر الحاج، فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة، ولوجوب نفقة الأصل على فرعه (٨).

стр. 238

قال ابن القيم: قال حرب: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء، وإن كان غنيًّا (١). فتكون الأم من باب أولى بالنفقة، لأن حقها أعظم من حق الأب كما بينا. حقها بعد موتها: لا يتوقف حق الوالدين على حياتهما؛ بل يظل إلى ما بعد موتهما قال ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) (٢)، ويشمل هذا الدعاء عند صلاة الجنازة: الاستغفار لهما وسؤال الله تعالى الرحمة لهما، والوفاء بوصيتهما بما يوافق شرع الله، والإحسان لأقاربهما وأصدقائهما (٣). سادسًا: حق المرأة في عبادة الله: يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل ٩٧)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات ١٣)، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥)، جعل الله المرأة نصف الحياة، ولذا لم يكن قبل الإسلام ذكر للمرأة ومنزلتها، ففي الوقت الذي كانت أوروبا غارقة في الظلمات، وتبحث هل المرأة جسد وروح أم جسد فقط؟ وهل هي إنسان أم شيطان؟ فجاء الإسلام ليزيح عنها تراب الجاهلية، وجبال الضلال والشرك، وبدد الإسلام ستائر الظلمات التي أحاطت بأخلاق المرأة ووضعها، وتحقير الإنسان حينئذ لها، فلهذا كان من اللازم أن يحمي الإسلام حق المرأة في عبادة الله، دون إكراه، أو تضييق، فلها الحق في توحيد الله دون إكراه لها على الشرك والضلالات، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (النساء: ٣٤). ويقول تعالى في بيان صفة المرأة المسلمة الصادقة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ

стр. 239

وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥). وجاء في أسباب النزول: أن النساء سألن النبي ﷺ ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى الآية (١). والمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة: النساء، وأما ذكر الرجال، فللإشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء، ليعلموا أن الشريعة لا تختص بالرجال، لا كما كان معظم شريعة التوراة خاط بالرجال، إلا الأحكام التي لا تتصور في غير النساء. مما سبق يتضح: أن الله قد حفظ المرأة، وهي خلق من خلقه تعالى، ولهذا نبه على أن المرأة تقيم أولًا حق الله تعالى؛ حتى تشعر هي بمدي حفظ الله لها، والقرآن الكريم قد أكد المساواة في الجزاء، وعدم أفضلية الرجل على المرأة في أداء الصلاة مثلًا، إنما العبرة بالإخلاص والصدق: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء ١٢٤)، وقال تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ ثم المساواة في التكاليف إلا خص به الرجل، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النورا ٣: ٣٥). وقال ﷺ : "إن النساء شقائق الرجال" (٢). وقال ابن الأثير: أي نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق والطباع، كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم (٣). ثم المساواة في العقوبات، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة:

стр. 240

٣٨)، وقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: ٢). ١٢ - حق الطفل: أولًا- إثبات نسبه وتحسين اسمه: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ (الأحزاب: ٥). هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني وهو من نسخ السنة بالقرآن فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي يعني في الدين قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠) (١). أما ما يستحب من الأسماء فقد قال النبي ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (٢). قال النووي: فيه التسمية بهذين الاسمين، وتفضيلهما على سائر ما يسمى به (٣)، وكذلك يستحب تسمية الطفلة بما يدل الصدق ورفعة الشأن والهمة، وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ غير اسم (عاصية) وقال: (أنت جميلة) (٤). وقال ﷺ "لا تسمين غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجاحًا ولا أفلح فإنك تقول: أثم هو فلا يكون، فيقول: لا" (٥). قال ابن القيم: تغيير الاسم يكون لقبحه وكراهته فقد يكون لمصلحة أخرى مع حسنه كما غير اسم برة بزينب كراهة التزكية وأن يقال خرج من عند برة أو يقال كنت عند برة فيقول لا، ويجوز التسمية بأكثر من اسم، وكذلك الجمع بين الاسم والكنية واللقب (٦). وعن ابن عباس ﵁ قال: كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ اسمها

стр. 241

جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة (١). قال النووي: معنى هذه الأحاديث تغيير الاسم القبيح أو المكروه إلى حسن وقد ثبتت أحاديث بتغيير أسماء جماعة كثيرين من الصحابة، وقد بين ﷺ العلة في النوعين وما في معناهما وهي التزكية أو خوف التطير (٢). ثانيًا: العقيقة: قال ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقه تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه" (٣). ثالثًا: حق الطفل في الاختتان: الختان: اسم لفعل الخاتن، وهو مصدر كالنزال والقتال، ويسمى به كذلك موضع الختن، وهو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة من الذكر، وقطع جزء من الجلدة التي في أعلى الأنثى (٤). فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب (٥). وينبغي أن يقوم بذلك طبيب خبير، ولعل من المفيد من استشارة الطبيب والطبيبة المسلمة الثقة الخبيرة في أمر ختان البنات، فلهن مقدرة على معرفة احتياجهن من عدمه، وينبغي مراعاة الرفق وعدم العنف خاصةً مع المرأة. رابعًا: رضاعه: فبعد خروج هذا المخلوق الصغير العجيب، تتداركه رحمة ربه بإنشاء هذا المصنع العجيب لإفراز الغذاء الطيب (اللبن من صدر أمه)، فها هو يطعمه من جوع ويؤمنه من الخوف لأنه بين يدي أمه التي جعل الله تعالى فيها من الحنان ما لا يتخيل مثله، ولا يقاس حنان على حنانها ولا شفقة على شفقتها، وإذا كان الرجل

стр. 242

يؤجر للقمة يطعمها زوجته، فما ظننا بما تصنعه الأم مع ولدها في هذه المرحلة الخطيرة من عمر الإنسان، فالأب وعليه النفقة، وفيها إطعام الأم فيجب عليه الاعتناء بها، لأنها بدورها تقوم على مخلوق آخر غيرها وهو طفلها، فيحرم على الأب التقصير تجاه الأم، لأنه بالتالي يؤدي إلى التقصير تجاه المولود، ويقول ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع ما يعول" (١). وتأمل رحمة الأم بوليدها كما يصوره الحديث الشريف عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَألصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَال لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَترَوْنَ هَذ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ، قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ! فَقَال: للهَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذه بِوَلَدِهَا" (٢). وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ (البقرة: ٢٣٣). قال ابن القيم: دلت الآية على عدة أحكام: أحدها: أن تمام الرضاع حولين وذلك حق للولد إذا احتاج إليه ولم يستغن عنه وأكدهما بكاملين لئلا يحمل اللفظ على حول وأكثر، وثانيها: أن الأبوين إذا أرادا فطامه قبل ذلك بتراضيهما وتشاورهما مع عدم مضرة الطفل فلهما ذلك. وثالثها: أن الأب إذا أراد أن يسترضع لولده مرضعة أخرى غير أمه فله ذلك وإن كرهت الأم إلا أن يكون مضارا بها أو بولدها فلا يجاب إلى ذلك ويجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين إلى

стр. 243

نصف الثالث أو أكثر (١). خامسًا: فطامة: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ (البقرة: ٢٣٣). دلت الآية على عدة أحكام: أحدهما: أن إتمام الرضاع حولين وذلك حق للولد إذا احتاج إليه ولم يستغن عنه وأكدهما (بكاملين) لئلا يحمل اللفظ على حول وأكثر الثاني. وثانيهما: أن الأبوين إذا أرادا إفطامه قبل ذلك بتراضيهما وتشاورهما مع عدم مضرة الطفل فلهما ذلك. وثالثهما: أن الأب إذا أراد أن يسترضع لولده مرضعة أخرى غير أمه فله ذلك وإن كرهت الأم ألا يكون مضارا بها أو بولدها فلا يجاب إلى ذلك. سادسًا: الإنفاق على الولد: قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: ٧). وروى أبو هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ "فقال: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك" (٢). وقال ﷺ : "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (٣).

стр. 244

وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٣). وقال ﷺ : "وابدأ بمن تعول" (١). قال النووي: فيه تقديم نفقة نفسه وعياله، لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم (٢). سابعًا: حق الحضانة: يثبت على الطفل منذ ولادته ثلاث ولايات: الولاية الأول: ولاية التربية. الولاية الثانية: الولاية على النفس. الولاية الثالثة: على ماله إن كان له مال. أما الأولى هي ولاية التربية، فهذه وظيفة النساء، وهو ما يسمى بالحضانة، فالحضانة هي تربية الولد في المدة التي لا يستغنى فيها عن النساء ممن لها الحق في تربيته شرعًا، وهي حق للأم ثم لمحارم المولود من النساء، والأصل في الباب حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ امْرَأَةً قَالتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَال لَهَا رَسولُ الله ﷺ : أنتِ أَحَقُّ بِهِ مَا تَنْكحِي" (٣). قال في عون المعبود: (كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاء) أَيْ: ظَرْفًا حَال حَمْله، (وَثَدْييِ لَهُ سِقَاء) أَي: حَال رَضَاعه، (وحجري له حواء) أي: مَكَانًا يَحْوِيه وَيَحْفَظهُ وَيَحْرُسهُ، وَمُرَاد الأمّ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَحَقّ بِهِ لِاخْتِصَاصِهَا بِهَذه الْأَوْصَاف دُون الْأَب. قال في النيل: في الحديث دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح، لتقييده ﷺ للأحقية بقوله (ما لم تنكحي). وَبِهِ قَال مَالِك وَالشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة (٤). والحضانة واجبة، وهي من حقوق الطفل، حتى يحفظ مما يضره ويهلكه، من تجهيزه

стр. 245

لملابسه وتنظيفه وتنظيف أدواته (١). ثامنًا: تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (التحريم: ٦)، قال علي ﵁: علموهم وأدبوهم، وقال الحسن: مروهم بطاعة الله وعلموهم الخير، وقال ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" (٢). وقال: ﷺ "اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم" (٣)، فمن أهمل في تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا (٤). ١٣ - حقوق الميت على أهله: تلقينه الشهادة عند حضور الأجل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله". (٥) أن يؤمر بقول الشهادة: عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله ﷺ : "يا خال، قل: لا إله إلا الله، فقال: أو خال أنا، أو عم؟ فقال النبي ﷺ : لا، بل خال، فقال له: قل: لا إله إلا هو، قال: خيرُ لي؟ قال: نعم". (٦)

стр. 246

الدعاء له ولا يقال في حضوره إلا خيرًا: عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". (١) نعي الجنائز: يجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية. (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه". (٣) إغماض العين والدعاء له: عن أم سلمة قالت: "دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه" (٤) تغطيته بثوب يستر جميع بدنه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف "أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجِّي ببردٍ حَبِرة" (٥). (سُجِّيَ) أي غطي جميع بدنه. (الحِبَرة) هي ضرب من برود اليمن، وفيه استحباب تسجية الميت، وهو مجمع عليه، وحكمته: صيانه من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين. (٦) وهذا في غير من مات محرمًا فأما المحرم فإنه لا يغطى رأسه ووجهه. (٧) عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا وقصه بعيره، ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم فقال

стр. 247

النبي ﷺ "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا". (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة" (٢) (٣). غسله، وتكفينه: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "للرجل الذي وقصته ناقته اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين". (٤) حرمة جسد الميت: قال النبي ﷺ : "إن كسر عظم المؤمن ميتا، مثل كسره حيًّا" (٥). قال الألباني: والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن ولهذا جاء في كتب الحنابلة (ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته وإحراقه ولو أوصى به) (٦). إن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات فإن كان طاهرًا لم ينزع وإن كان نجسًا وأمكن إزالته من غير مثلة أزيل لأنه نجاسة مقدوره على إزالتها من غير ضرر وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع، وإن كان في حكم الباطن كالحي، وإن كان عليه جبيرة يفضى نزعها إلى مثله مسح عليها كحال الحياة وإلا نزعها وغسل ما تحتها. (٧) الصبر والرضا بالقدر: قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ

стр. 248

﴿الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (البقرة) وعن أنس بن مالك، ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ؛ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. (١) الاسترجاع: عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله، إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها "، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . (٢) عدم النياحة عليه: عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". (٣) عن ابن عمر عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه". (٤) أن لا يلطم خد ولا يشق جيب: عن عبد النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". (٥) عدم حلق الشعر عند المصيبة: حدث أبو بردة بن أبي موسى ﵁ قال: "وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما

стр. 249

أفاق، قال: أنا بريء ممن برىء منه رسول الله ﷺ إن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" (١). الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء. (٢) أن لا يُنشر شعرًا: حدث أسيد بن أبي أسيد، عن امرأة من المبايعات، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا تخمش وجها، ولا ندعوا ويلا، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا" (٣) (أن لا تخمش) أي لا تخدش، (ولا ندعو ويلًا) والويل أن يقول عند المصيبة وا ويلاه، (ولا نشق جيبًا) الجيب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وهو الطوق في لغة العامة، (ولا ننشر شعرا) يقال نشر الراعي غنمه أي بثها بعد أن آواها. (٤) المبادرة بقضاء دينه من ماله: عن جابر ﵁ قال: "توفي رجل فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: نصلي عليه فخطا خطى، ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة، الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : أحق الغريم، وبرئ منهما الميت، قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن بردت عليه جلده، فقال معاوية بن عمرو في هذا الحديث: فغسلناه وقال: فقلنا نصلي عليه". (٥) البكاء عليه ثلاثة أيام فقط: عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". (٦)

стр. 250

دفنه في البلد الذي مات فيه ولا ينقل إلى بلد آخر: عن جابر ﵁ قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ "يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم". (١) وعن منصور بن صفية عن أمه، قالت: مات أخ لعائشة ﵂ بوادي الحبشة فحمل من مكانه فأتيناها نعزيها، فقالت: ما أجد في نفسي، أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه دفن في مكانه". (٢) وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون، وقيل مكروه. (٣) حمل الجنازة واتباعها: ويجب حمل الجنائز، واتباعها وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين. (٤) قال رسول الله ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس: (ذكر منها) واتباع الجنائز". (٥) الصلاة على الميت: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه". (٦) دفن الميت: ويجب دفن الميت ولو كان كافرًا. (٧) عن علي ﵁ قال: لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت له إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: "اذهب فواره أنت إنه
следующие страницы →