فقد كان الحجر يسلم عليه، يقول رسول الله ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ". (١)
٩ - إخبار الشاة له ﷺ بأنها مسمومة .
إذ إن النبي ﷺ أتى خيبر، فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ". فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ : "مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ ". فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ شَىْءٌ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ. . .). (٢)
١٠ - إبراؤه للمرضى ﷺ -.
من ذلك أنه ﷺ قال يوم خيبر: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ". فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى، فَقَالَ: "أَيْنَ عَلِيٌّ". فَقِيلَ: يَشْتَكِى عَيْنَيْهِ، فَأَمَرَ فَدُعي لَهُ، فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ. (٣)
١١ - إخباره ﷺ بالأحداث التي لم تقع وقد وقعت .
كخبر أم حرام بنت ملحان، فقد سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ يقول: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمتي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَنَا فِيهِمْ. قَالَ "أَنْتِ فِيهِمْ". ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمتي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ الله. قَالَ "لَا". (٤)
وكذلك: إخباره عن بركان يثور في الحجاز ينعكس ضوؤه بالشفق، فيلحظه أهل بصري بالشام، فتحقق تنبؤه ﷺ عام ٦٥٤ هـ، ليكون دليلًا آخر على نبوته ورسالته ﷺ ، فقد قال ﷺ "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تضيء أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى". (٥)
стр. 1860
قال النووي: وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة. (١)
وغيرها كثير من المعجزات التي أجراها الكريم ﷻ إذ الفضل منه وإليه - على يدي النبي المعصوم ﷺ ولكننا نثبت أن الله ﵎ أجرى معجزات كثيرة على يد نبيّه ﷺ تثبت نبوته ﷺ . (٢)
الوجه الخامس: ظهور دينه وغلبته على الأمم .
ومن الأوجه القوية التي تثبت نبوته ﷺ أنه ﷺ جهر بدعوته بين قوم لا كتاب لهم، ولا حكمة فيهم: أنّي بعثت من عند الله بالكتاب المنير، والحكمة الباهرة لأنوّر العالم بالإيمان والعمل الصالح. وانتصب مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه وأنصاره، مخالفًا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلَّلَ آراءهم، وسفَّه أحلامهم، وأبطل مللهم وهدم دولهم، وظهر دينه على الأديان في مدة قليلة شرقًا وغربًا، وزاد على مر الأعصار والأزمان، ولم يقدر الأعداء مع كثرة عَدَدِهِم وعُدَدِهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم، وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم في إطفاء نور دينه وطمس آثار مذهبه. فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي؟
قال غمالائيل مُعلّم اليهود لهم في حق الحواريين: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلَاءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا. ٣٦ لأَنَّهُ قَبْلَ هذ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلًا عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، الَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لَا شَيْءَ. ٣٧ بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيليُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا. فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا. ٣٨ وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلَاءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا
стр. 1861
الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ، ٣٩ وَإِنْ كَانَ مِنَ الله فَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلَّا تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا. (أعمال الرسل ٥: ٣٥ - ٣٩).
وورد في المزمور الأول: "لأَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ، أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ".
وورد في المزمور الخامس ٦: "تُهْلِكُ المُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ. رَجُلُ الدِّمَاءِ وَالْغِشِّ يَكْرَهُهُ الرَّبُّ".
وورد في المزمور ٣٤/ ١٦ "وَجْهُ الرَّبِّ ضِدُّ عَامِلِي الشَّرِّ لِيَقْطَعَ مِنَ الأَرْضِ ذِكْرَهُمْ".
فلو لم يكن محمد ﷺ من الصديقين لأهلك الرب طريقه، ورذله، وأباد ذكره من الأرض، وكسر سواعده، وأفناه كالدخان، لكنه لم يفعل شيئًا منها، فكان محمد ﷺ من الصديقين، والمحاربون كثير، والوقت قريب فسوف يعلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ولا يقدرون على نقضه ألبتة كما وعد الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] أي دين الإسلام ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي بأقوالهم الباطلة ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي مبلغه غايته ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون، ولنعم ما قيل:
ألا قل لمن ظل لي حاسدًا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب (١).
الوجه السادس: الثمرات التي أتى بها محمد ﷺ -
تمهيد:
من ثمارهم تعرفونهم:
قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨].
احْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلَانِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ
стр. 1862
خَاطِفَةٌ! ١٦ مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ ١٧ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فتصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ١٨ لَا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلَا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. ١٩ كُلُّ شَجَرَةٍ لَا تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّار ٢٠ فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ." (متى ٧: ١٥).
ويستشف أيضًا من كلام المسيح ﵇ أنه ينبئ بنبيٍ بعده ليس بكاذب، وسوف يأتي بعد عيسى ﵇ أنبياء ليسوا بكذبة، وكأن أصحابه سألوه: وكيف نفرق بين النبي الكاذب والنبي الصادق؟ ، فقال لهم: من ثمارهم تعرفونهم، ومن نتاج عمله ودعوته يظهر، فالنبي الصادق لا بد أن تكون ثمرته طيبة كعمل صالح لأتباعه وغير ذلك، أما الأنبياء الكذبة بعد عيسى، فقد ذكر التاريخ العديد منهم، خاصة مع نهاية القرن الأول الميلادي.
أسماء الأنبياء الكذبة بعد عيسى ﵇ -:
١ - سيمون "الملقب بالساحر":
وهو لم يدَّعِ النبوة فقط، بل ادَّعى الألوهية أيضًا، خرج هذا الرجل من بعض قرى "السامرة" بفلسطين في عهد القيصر كلوديس، وأتى ببعض أعمال السحر العجيبة، وتابعه عدد كبير من أهل السامرة وغيرها؛ بل لقد صنع له في روما تمثال أقيم فوق نهر "التيبر" نقش عليه "إلى سيمون الإله القدوس" ورغم الأعمال الخارقة لسيمون هذا، فقد كانت أخلاقه وضيعة؛ إذ كان يعاشر عاهرة تدعى "هلانة" سماها "الفكرة الأولى" التي انبثقت منه، وسجد أتباعُهُ أمام أصنامه هو وعشيقته ويعبدونها بالبخور والذبائح. (١)
٢ - اليهودي المصري الذي خرج في القرن الأول الميلادي، وقد اقتاد جيشًا مكونًا من ٤٠٠٠ من اليهود لدخول القدس لكن الحامية الرومانية قضت عليهم، وقد أتى ذكره في الإنجيل في سفر الأعمال (٢١: ٣٨) (٢)
стр. 1863
٣ - ولقد تكلم العهد القديم نفسه عن العديد من الأشياء مثل "أجابوس" وغيره الذين شكلوا ظاهرةً خطيرةَ بنهاية القرن الأول. (١)
٤ - ذكر التاريخ أيضًا من أوائل مدعي النبوة "ميناندر العراف" خليفة سيمون الساحر. الذي قال إنه نفسه "المخلص" الذي أرسل من الدهور غير المنظورة لخلاص البشر. وقد أتى بأعمال سحر عظيمة، وأقنع أتباعه أنهم لن يموتوا. (٢)
٥ - أما أخطر النبوات الكاذبة بعد عيسى التي ذكرها التاريخ المسيحي، فهي نبوة "مونتانوس" الذي أعلن عام ١٥٦ م أن الروح القدس يتكلم إليه مباشرة. . . (وأن أتباعه أداة توصيل للروح القدس "البراكليت"). . . وكان ينطق بعبارات مثل. . ." هو ذا الإنسان وكأنه قيثارة، وأن الله يلعب على أوتارها. . . انضمت إلى مونتانوس نبيتان أعلنتا نهاية العالم ورجوع المسيح السريع إلى "فريجيا" موطن مونتاس في تركيا الحالية، وأن أورشليم الجديدة سوف تنزل من السماء. . . وقد رحب الكثيرون بكل قوة بهذه الدعوة؛ لأن الانتظار- انتظار عودة المسيح - قد ضعف منذ نهاية القرن الأول. . . وقد امتدت المونتانية حتى إلى الغرب؛ بل وتبعها العديد من الآباء الكبار مثل "ترتليان القرطاجي" وعاشت المونتانية حتى القرن الخامس رغم المحاربة السابقة لها، ذلك لرفعها صوت النبوة في وجه السلطان الكهنوتي.
وقد عاب المونتانية أخذها من مدينة "فريجيا" التي عبدت الإلهة "سيبيل" أخذت منها الرقصات المتوحشة، وخصى الذات، والاستحمام في دماء الثور الذي يقدم ذبيحة لها. (٣)
والآن وبعد استعراض هذه النبوءات الزائفة تعال بنا لنطبق المعادلة التي ذكرناها في بداية البحث وهي "مِنْ ثِمارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.".
стр. 1864
ثمرات هذه النبوءات الكاذبة:
يجمع كل هذه الدعوات أن ثمراتها جميعها كانت خبيثةً، كالدعوة للزنا، والذبح للأصنام وادعاء الألوهية، كما أن هذه الدعوات ماتت ولم تعد لها أية ثمرة، بالرغم من وجود بعض الخوارق لأصحابها.
أما ثمرات النبي محمد ﷺ فثمرته باقية ودعوته خالدة، وهي ثمرة الصدق والحق والفضيلة.
الثمرة الأولى: التوحيد الخالص لله -:
إنه لكي نعرف فضل الإسلام والنور الذي أتى به لا بد أولًا أن نعرج على الشرك الموجود بين الأمم والشعوب القديمة والحالية الآن.
١ - في الهند: يوجد في الهند الآن حوالي ٢٠٠ مليون بقرة، وهذه الأبقار تعتبر عندهم مقدّسة، وبالتالي فإنهم لا يستفيدون منها بتاتًا، ويحرمون ذبحها؛ بل وأكثر من هذا فإن الشعب الهندي كله مسخر لخدمتها، وتعيش على حسابه، فكم تحتاج هذه الأبقار إلى مراع ومزارع؟ ، وكم تعطل من طاقات؟
بالإضافة إلى هذا فإن للبقرة سلطانًا على كل شيء في حياتهم، حيث تقف البقرة في وسط الطريق فتقف وراءها السيارات ولا يزعجها أحد حتى تمضي. وتبول في أي مكان، وتخثي في أي مكان، وتعتدي على مال أي إنسان، ولا أحد يجرؤ على أن يعترض سبيلها بشيء.
فانظر كيف جعل شرك البشر مسخرًا لخدمة البقر! فالحمد لله على نعمة العقل.
٢ - في مصر القديمة أيام الفراعنة: نجد في مصر اليوم أهرامات ضخمة جدًا، وأحجارها ضخمة جدًا، نقلت من أماكن بعيدة جدًا، نقلها آلاف من أبناء الشعب المصري إلى منطقة الأهرامات، وتعبت في بناء هذه الأهرامات آلافُ الأدمغة وآلافُ الأيدي من أجل ماذا؟ ، من أجل أن يصنعوا قبرًا لفرعون الذي كانوا يعبدونه كإله؟ !
فانظر كيف جعل الشرك كل هذا الجهد والقوى والمال مسخرًا لخدمة فرد من البشر! ! . (١)
стр. 1865
٣ - الطائفة الإسماعيلية: في العالم اليوم حوالي ١٣ مليونًا من الطائفة الإسماعيلية، التي تعبد رجلًا كإله، وتقدم له كل عام خمس أموالها، حيث تجعله في كفة ميزان، وتجعل الذهب في كفة أخرى حتى يتساويا، وتقدمه له كهديةٍ سنويةٍ.
فانظر إلى هذه الصورة من صور الشرك كيف أن ثلاثة عشر مليونًا من البشر مسخرين لخدمة فرد واحد قد يكون من أفجر الناس وأفسق الناس.
ومن صور الوثنية القديمة والحديثة الشيء الكثير ونضرب أمثلة لها:
١ - عند العرب: عن أبي رجاء العطاردي قال: (كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوةً من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طُفنا به). (١)
وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًّا وجعل ثلاثًا - أثافي لقدره إذا ارتحل تركه.
وقال أيضًا: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أيضًا يتمسح به. (٢)
٢ - عند الهنود: يقول أبو الحسن الندوي في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" عن حال الوثنية في الهند: "بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس فقد كان عدد الآلهة في "ويد" ثلاثةً وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن ٣٣٠ مليونًا، وقد أصبح كل شيء رائعًا وجذَّابًا، وكل مرفق من مرافق الحياة إلهًا يُعبد. . وهكذا، وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر وأربت على العدِّ، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله - زعموا - في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن
стр. 1866
كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس "مهاديو" الإله، ومنها آلات الحرب وآلات الكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة والأجرام الفلكية وغير ذلك، وأصبحت الديانة نسيجًا من خرافات وأساطير وأناشيد وعقائد وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان". (١)
٣ - عند الفرس: كانوا يعبدون ملوكهم ونيرانهم.
٤ - اليابانيون: يعتبرون ملكهم ابن الشمس المعبودة.
٥ - اليونانيون: يعبدون إلاهًا للمطر وإلاهًا للحرب وإلاهة للحب .. وهكذا.
والخلاصة:
أن الإنسان اعتبر نفسه أقل من الحجر، وأقل من الشمس، وأقل من الحيوانات، وأقل من مظاهر الطبيعة كلها؛ بل جعلها في مقام السيد، وجعل نفسه في مقام العبد الذليل، وجعلها تتحكم فيه بواسطة وبغير واسطة.
وأما عند النصارى فقد سبق تفصيل عقيدتهم. (٢)
وأما بالنسبة للإلحاد فقد ألحد أُناسٌ قديمًا وحديثًا.
ومعنى الإلحاد أن الإنسان اعتبر نفسه عبدًا للكون كله بدلًا من أن يعبد جزءًا منه، وخلع على الكون كله صفات الألوهية، فالكون يخلق ويرزق، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت. . . .
وفي نهاية الأمر اعتبر الإنسان نفسه أعظم ما في الكون فعبد نفسه، واعتبر نفسه هو مصدر التشريع، ومصدر الحاكمية، ومصدر الأمر والنهي، وهو حرٌّ أن يفعل ويترك ما شاء، فغلبتهم شهواتهم، وظلموا بعضهم، وأصبح كلُّ واحد من هؤلاء يعتبر نفسه إلاهًا يفعل ما يشاء، لا رادَّ لحكمه فحدث على أيديهم من المآسي ما يندى له جبين البشرية كلها، حتى إنه قتل في عهد ستالين وحده تسعة عشر مليونًا من أبناء الاتحاد السوفيتي.
стр. 1867
وأما الإسلام دين النبي محمد ﷺ فهو الذي وضع الإنسان في مكانه الصحيح فعلمه: أن الكون كلَّه - قَمرَهُ وشمسَهُ ونجومَهُ وأرضَهُ وحيواناتِهِ من بقر ونمر وأسد وعجل، ونباتاتِهِ كلِّها، وأحجاره ومعادنه وكل شيء فيه خلق للإنسان.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
والإنسان هو أكرم مخلوق على وجه الأرض، فمن حقه أن يستفيد من هذا الكون إلى أقصى درجة ممكنه في حدود "لا ضرر ولا ضرار"، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
٢ - وأن الله خالق الكون والإنسان، وهو وحده الإله المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، المستحق وحده للعبادة، والإنسان عبد وحده.
قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالناس كلهم عبيد لله ورسولهم ونبيهم وملكهم وخادمهم وكبيرهم وصغيرهم، ولا يجوز أن يعطوا عبوديتهم لأحد سواه.
قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
الله أكبر. . . كل الكون للإنسان، والإنسان لله، مقام الإنسان السيادة على المخلوقات؛ لأنها مسخّرة له والعبودية لله وحده.
стр. 1868
فانظر كيف نقل محمد ﷺ البشر من أحطّ الدركات إلى أعلى الدرجات.
وبهذه النظرة الإيجابية إلى الكون والإنسان، فتح المسلم أقفال الكون بالتجربة والمشاهدة، يدفعه في ذلك عقيدة أن الكون كله للإنسان، وعليه أن يستفيد منه، ولئن وصلت الحضارة الغربية اليوم إلى القمة في تسخير الكون، فذلك لأنها تأثرت بالحضارة الإسلامية، ولولا ذلك لما كان في أوروبا حضارة ولا علم وها هي بعض الأدلة على ذلك:
١ - في (١١: ١٢: ١٨٦٢) أصدر البابا أبيوس التاسع قرارًا جاء فيه: لا يمكننا قبول العقل بغزو المجال المخصص لشئون الإيمان ليزرع فيه الاضطراب. (١)
وهذا الكلام له جذور في أصل النصرانية في العهد الجديد؛ إذ يقول بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس "٢٧ بَلِ اخْتَارَ الله جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ". (١: ٢٧).
وقال أيضًا "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلًا لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا! ١٩ لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ الله، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ". ٢٠ وَأَيْضًا: "الرَّبُّ يَعْلَمُ أَفْكَارَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ". (٢: ١٨ - ٢٠).
أين هذا من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
والأقوال الكثيرة للنبي محمد ﷺ في الحث على طلب العلم، ومنها:
عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ في جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". (٢)
стр. 1869
تقول (زيغريد هونكة) المستشرقة الألمانية الشهيرة "لو أردنا دليلا آخر على مدى الهوة العميقة التي كانت تفصل الشرق عن الغرب، لكفانا أن نعرف أن نسبة ٩٥ في المائة على الأقل من سكان الغرب في القرون: التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر كانوا لا يستطيعون القراءة والكتابة، وبينما كان شارل الأكبر يجهد نفسه في شيخوخته لتعلم القراءة والكتابة. . . كانت الآلاف مؤلفة في المدارس في القرى والمدن تستقبل ملايين البنيين والبنات يجلسون على سجادهم الصغير يكتبون بحبر يميل إلى السواد فوق ألواح خشبية، . . . فلم تكن المساجد مجرد أماكن تؤدى فيها الصلوات فحسب؛ بل كانت منبرًا للعلوم والمعارف.
كما ارتفعت فيها كلمات الرسول فوق مجد التدين الأعمى. ألم يقل محمد أقوالًا، كان يكفي لأن يقولها في روما حتى يحاكم عليها بتهمة الهرطقة. . . لقد قدم العرب بجامعاتهم التي بدأت تزدهر منذ القرن التاسع، والتي جذبت إليها منذ عهد البابا سلفستر الثاني عددًا من الغربيين من جانبي جبال البرانس ظل يتزايد حتى صار تيارًا فكريًّا دائمًا. (١)
يقول د: لويس لونج "يجب ألا ننسى الوجه الآخر للصورة في العصور الوسطى، عندما عكفت أوروبا على علوم العرب من طبّ وفلسفة وطبيعة، واستمرّ ذلك لفترة طويلة. حتى إذا كان القرن الثامن عشر قبست منهم نار الرومانطقية، وفي القرن التاسع عشر سلبتهم أراضيهم، ثم بترولهم في القرن العشرين. وعلى الرغم من سجل أوروبا الطافح بالتزمت الفكري واللّاتسامح الديني، على النقيض من المسلمين، فإنها ظلت ترفض الاعتراف بما للعرب من يد طولى على حضارتها، وتتجاهل دورهم الحضاري وتقلّل من شأنه". (٢)
وانظر إلى مدى التخلف الحضاري الأوروبي: في عام ١٨١٩ م ندّدت صحيفة كولونيا في ألمانيا بإضاءة شوارع المدينة بالغاز؛ إذ إن الإنسان في هذه الحالة قد حطّم إرادة الله التي
стр. 1870
قضت بأن يكون الليل مظلمًا. (١)
أصدر البرلمان الإنجليزي قرارًا في عصر هنري الثامن يحظر على المرأة قراءة العهد الجديد (الأناجيل وملحقاتها) - أين هذا عند المسلمين في وضعهم المصحف الأم عند حفصة أم المؤمنين؟ !
في عام ١٨٤٧ م عارضت الكنيسة استخدام التخدير في حالات الوضع؛ لأن الله قال في الكتاب المقدس - حسب زعمهم - قضى أن تلد حواء بآلام. (٢)
الثمرة الثانية: الإيمان باليوم الآخر وجعله محور سلوك الإنسان .
تمهيد:
إن الرسل كلهم بعثوا من أجل التبشير بالحياة الأبدية الطيبة للصالحين والعذاب الأبدي للطالحين.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
وجاء في إنجيل مرقس (١٣: ٣٢): وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الابْنُ، إِلَّا الآبُ.
وجاء في إنجيل متى (١٩: ١٦): وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلَاحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ .
من ثمار دعوة النبي ﷺ إلى الإيمان باليوم الآخر:
إن من ثمار دعوة النبي محمد ﷺ أنه أخرج - بإذنِ الله وَأَمرِهِ - جيلًا من البشر لم يَعُدْ لَهُ هِمَّةٌ إلَّا أن ينالَ رضا الله، وينالَ سعادة الأبد، وَدَلَّ البشرية على الطريق إلى ذلك.
فكان أتباعُه أعظمَ نماذج عرفها العالم كطلَّاب آخرة بعد النبيين، هذا مع قيام كامل في
стр. 1871
أمر الدنيا إصلاحًا ورعايةً، ولكن كمَمَرٍّ إلى الآخرة.
وهذه أمثلة على هذه النماذج التي أخرجتها تربية النبي محمدٍ ﷺ :
١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مُضْطَجِعٌ، مُرْمَلٌ بِشَرِيطٍ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَدَخَلَ عُمَرُ ﵁ فَانْحَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ انْحِرَافَةً، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ وَبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا، وَقَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ الله ﷺ فبَكَى عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ : مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ . قَالَ: وَالله مَا أَبْكِى إِلَّا أَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى الله مِنْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَهُمَا يَعِيثَانِ في الدُّنْيَا فِيمَا يَعِيثَانِ فِيهِ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله بِالْمَكَانِ الَّذِي أَرَى. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ ". قَالَ عُمَرُ: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّهُ كَذَاكَ" (١).
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "مات أبو بكر ﵁ فما ترك دينارًا ولا درهمًا، وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال".
٣ - وعن الحسن أنه سئل عن القائلين في المسجد فقال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة، قال: ويقوم وأثر الحصير بجنبه، فيقال: هذا أمير المؤمنين، هذا أمير المؤمنين.
٤ - وعن شرحبيل بن مسلم أن عثمان ﵁ كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخلّ والزيت.
٥ - وعن عبد الملك بن عمير قال: حدثني رجل من ثقيف أن عليًا استعمله على عكبرا قال: ولم يكن السواد يسكنه المصلون وقال لي: إذا كان عند الظهر فرُح إلي فرُحت إليه فلم أجد عنده حاجبًا يحبسني عنه دونه، فوجدته جالسًا وعنده قدح وكوز من ماء فدعا بطينة، فقلت في نفسي لقد أمنني حتى يخرج إليَّ جوهرًا ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم فإذا فيها سويق فأخرج منها فصبَّ في القدح فصَبَّ عليه ماءً فشرب وسقاني فلم
стр. 1872
أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال: أما والله ما أختم عليه بخلًا عليه، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره، وإنما حفظي لذلك وأكره أن أدخل بطني إلا طيبًا. (١)
٦ - وعن عروة ﵁ قال: دخل عمر بن الخطاب على أبي عبيدة بن الجراح ﵁ فإذا هو مضطجع على طنفسة رحله، متوسد الحقيبة، فقال له عمر: ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك؟
قال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل.
وقال معمر في حديثه: لما قدم عمر الشام تلقّاه الناس وعظماءُ أهل الأرض فقال عمر: أين أخي؟ قالوا من؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك! فلما أتاه نزل فاعتنقه فقال، ثم دخل عليه بيته فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله. (٢)
٧ - وعن الحسن قال: كان عطاء سلمان ﵁ خمسة آلاف درهم، وكان أميرًا على زهاء ثلاثين ألفًا من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يده. (٣)
مما مرَّ - وغيره كثير - يتبين لنا أنّ الجيل الذي ربّاه محمد ﷺ جيلٌ أصبح همُّه الأعلى الآخرة، ولم يعد له في غيرها همة، إلا إذا كان وسيلة تقربهم إلى الله تعالى، وتفرع عن هذا الأصل سلوك لا مثيل له في أي جانب من جوانب الحياة، ألا وهو التضحية، وهذا ما نراه عند الصحابة ﵃ واضحًا جليًا لكل ذي عينين ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، مما يدل على مقدار إيمانهم بالله تعالى واليوم الآخر، حتى أصبح محور حياتهم، وأسوق الآن بعض الأمثلة التي توضح أن هذا الأمر قد استقر في أنفسهم:
стр. 1873
عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان للزبير بن العوّام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكان يقسِّمه كل ليلة، ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء. (١)
عن مالك الدار: أن عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صُرَّةٍ فقال للغلام: اذهب بهم إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلَهَّ ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وصله الله ورحمه ثم قال: تعالَيْ يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام وأخبره فوجده قد أعدّ مثله إلى معاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلَهَّ في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في بعض حاجتك فقال: ﵀ ووصله - تعالَيْ يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا واذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطّلعت امرأة معاذ فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدَحَا (أي دفعهما) بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره وسُرَّ بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض. (٢)
بهذه الأمثلة وغيرها كثير يتبين لنا أن من ثمار نبوءة النبي محمد ﷺ هذا الضمير الحيّ، والروح اليقظة المنتظرة لجزائها في اليوم الآخر الذي دعا إليه كل المرسلين، وغفل عنه كثير من الناس.
ولا يمكن بحال من الأحوال للعقل إلا أن يقرّ بأن هذه الثمرة ليست إلا من ثمار نبيّ وليست من ثمار كذّاب. (٣)
فاللهم صلّ وسلّم وبارك على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 1874
الثمرة الثالثة: أن الدين الذي أتى به النبي ﷺ من عند الله .
تمهيد:
مصدر الإسلام، ومشرّع أحكامه ومناهجه، هو الله تعالى فهو وحيه إلى رسوله الكريم ﷺ باللفظ والمعنى (القرآن الكريم) وبالمعنى دون اللفظ (السنّة النّبويّة). فالإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن جميع الشرائع الوضعية؛ لأن مصدرها الإنسان، أما الإسلام فمصدره رَبُّ الإنسان. إنّ هذا الفرق الهائل بين الإسلام وغيره لا يجوز إغفاله مطلقًا ولا التقليل من أهميته.
أولًا: النصوص الدالة على أن الإسلام من عند الله .
من القرآن الكريم:
قال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، وقال تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢].
ثانيًا: من سنة النبي ﷺ -:
عن المقدام بن معدِيكَرِب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلَا إني أُوتيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ (السَّرير) يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. . .". (١)
مميزات كون دين الإسلام من عند الله
الميزة الأولى: كماله وخلوه من النقائص
ويترتب على كون الإسلام من عند الله كمالُه وخلوُّه من معاني النقص والجهل والهوى والظلم، لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر في ما يصنعه .. ولما كان الله
стр. 1875
تعالى له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ويستحيل في حقه خلاف ذلك، فإن أثر هذا الكمال يظهر فيما يشرّعه من أحكام ومناهج وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملًا. وهذا بخلاف ما يصنعه الإنسان ويشرّعه فإنه لا ينفك عن معاني النقص والهوى والجهل والجور؛ لأن هذه المعاني لاصقةٌ بالبشر ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد، وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين والشرائع التي يصنعونها.
ويكفينا هنا أن نذكر مثالًا واحدًا للتدليل على ما نقول:
جاء الإسلام بمبدإِ المساواة بين الناس في الحقوق وأمام القانون، بغضِّ النظر عن اختلافهم في الجنس أو اللّغة أو اللّون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى والعمل الصالح. وقد ورد هذا المبدأ العظيم في القرآن والسنة النبوية. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد جاء في السنة النبوية ما يقرر هذا المبدأ، فَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ الله ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لعربي عَلَى أعجمي، وَلَا لعجمي عَلَى عربي، وَلَا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى." (١)
وقال ﷺ "لو أن فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعتُ يدها". (٢)
وبلغت دقّة تطبيق هذا المبدأ إلى حدّ أن النبي ﷺ أنكر على مسلم عربيّ قوله لمسلم غير عربي "يا ابن السوداء" واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الأولى. (٣)
أما عند غير المسلمين من أتباع الديانات الأخرى فالأمر مختلف، وخذ دليلًا على ذلك:
стр. 1876
ففي الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال الفروق قائمةً بين المواطنين في أبسط الحقوق على أساس اللّون والجنس، فصاحب البشرة البيضاء أسمى منزلةً وأعلى قدرًا من صاحب البشرة السوداء، ولا مساواة بين الاثنين في الحقوق الآدمية ولا أمام القانون.
ولو كان هذا التفريق والتمايز في واقع الحياة فقط لأمكن أن يدعي البعض أنه من انحراف الأفراد ولا تسأل عنه الدولة، ولكن الواقع أن القانون نفسه يقر ويعترف صراحةً بهذا التمايز الظالم بين الأسود والأبيض ويحميه وإن كان الاثنان يحملان الجنسية الأمريكية.
فمن هذه النصوص القانونية في بعض الولايات الأمريكية:
أن النكاح بين شخصين أبيض وآخر زنجيّ يعتبر نكاحًا باطلًا. وبطلان العقد هنا لا يرجع إلى نقص أهلية العاقدين، فأهليتهما كاملة وإنما يرجع إلى شيء آخر خطير في نظر القانون هو أن أحد طرفي عقد النكاح ذو بشرة بيضاء بينما الطرف الآخر في العقد ذو بشرة سوداء.
ومن هذه النصوص أيضًا في بعض الولايات المتحدة الأمريكية: أن كل من يطبع أو ينشر أو يوزع ما فيه دعوة أو حث للجمهور على إقرار المساواة الاجتماعية، والزواج بين البيض والسود، أو تقديم حجج للجمهور أو مجرد اقتراح في هذا السبيل يعتبر عملهُ جريمةً يعاقب عليها القانون بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دولار أو بالسجن مدةً لا تتجاوز ستَّة أشهر أو بالعقوبتين.
أما التمايز بين رعايا المستعمِر "بكسر الميم" وأهل البلاد المنكوبة بالاستعمار فحدِّث ولا حرج، فالمستعمرون يضعون من القوانين ما يجعل أهل البلاد المستعمرة بمنزلة البهائم، دون أن يشعر هؤلاء المستعمرون بتأنيب ضمير أو بجَوْرهم على هؤلاء الآدميين. وما يعتبرونه ظلمًا في بلادهم، وبالنسبة لرعاياهم يعتبرونه حقًّا وعدلًا بالنسبة لأهل البلاد المنكوبة باستعمارهم. وهذا وغيره يدل على مدى ما عند الإنسان من ظلم وجور وهوى ومحاباة وجهل.
الميزة الثانية: الاحترام والهيبة .
стр. 1877
ويترتب أيضًا على كون الإسلام من عند الله، أنه يظفر بقدر كبير جدًّا من الهيبة والاحترام من قبل المؤمنين به، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وسلطاتهم الدنيوية؛ لأن هذه السلطات وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الإيمان، ولا يقسر عليها المسلم قسرًا. وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي وعدم الخروج عليه ولو مع القدرة على هذا الخروج.
أما القوانين والمبادئ الوضعية التي شرعها الإنسان؛ فإنها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام والهيبة، إذ ليس لها سلطان على النفوس ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام، ولهذا فإن النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها وتحقيقًا لرغباتها. إن القانون لا يكفي أن يكون صالحًا؛ بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات، إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس ويحملهم على الرضى به والانقياد له عن طواعية واختيار. ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد ﷺ ، وأن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان.
وللتدليل على صحة ما نقول نضرب مثلًا واحدًا بشأن واقعة معينة عالجها الإسلام بتشريعه ونجح في هذه المعالجة، وعالجت هذه الواقعةَ بالذات القوانينُ الوضعيةُ وفشلت في هذه المعالجة.
من المعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا مولعين بشرب الخمر لا يجدون فيه منقصةً ولا منكرًا، وكانت زقاق الخمر ودنانه في البيوت كالماء المخزون في القرب والحباب. فلما أتى الإسلام بتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] قوة هائلة تفوق قوة الجيش والشرطة، وما يمكن أن تستعمله أي دولة لتنفيذ أوامرها بالقوة والجبر. . لقد قام المسلمون إلى زقاق الخمر فأراقوها، وإلى دنانه فكسروها، وفطموا نفوسهم من شرب
стр. 1878
الخمر حتى غدوا وكأنهم لا يعرفون الخمر ولم يتذوقوها من قبل. . لأن أمر الله ورد ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وأوامر الله من شأنها الاحترام والطاعة.
قارن هذا الموقف بما حدث في القرن العشرين أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تخليص مواطنيها من الخمر، وقبل أن تشرع قانون تحريم الخمر، مهدت له بدعايةٍ واسعةٍ جدًا لتهيئة النفوس إلى قبول هذا القانون، وقد استعانت بجميع أجهزة الدولة وبذوي الكفاية في هذا الباب. استعانت بالسّينما ومسارح التمثيل وبالإذاعة وبنشر الكتب والرسائل والنشرات والمحاضرات والإحصائيات من قبل العلماء والأطباء والمختصين بالشؤون الاجتماعية، وقد قُدّر ما أنفق على هذه الدعاية بـ (٦٥) مليون من الدولارات وكتبت تسعة آلاف صفحة في مضارّ الخمر ونتائجه وعواقبه. وأنفق ما يقرب من (١٠) عشرة ملايين دولار من أجل تنفيذ القانون. وبعد هذه الدعاية الواسعة والمبالغ المنفقة شرعت الحكومة قانون تحريم الخمر لسنة ١٩٣٠ م وبموجبه حرم بيع الخمور وشراؤها وصنعها وتصديرها واستيرادها. فما كانت النتيجة؟ لقد دلت الإحصائيات للمدة الواقعة بين تشريعه وبين تشرين الأول سنة ١٩٣٣ م أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نفس وحبس نصف مليون شخص وغرم المخالفون له غرامات بلغت ما يقرب من أربعة ملايين دولار، وصودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بألف مليون دولار. وكان آخر المطاف أن قامت الحكومة الأمريكية بإلغاء قانون تحريم الخمر في أواخر سنة ١٩٣٣ م، ولم تستطع تلك الدعايات الضخمة التي قامت بها الدولة أن توجد القاعدة التي يرتكز عليها القانون في نفوس المواطنين، وبالتالي قاموا بمخالفته مما حمل الحكومة على إلغائه؛ لأن القانون لم يكن له سلطان على النفوس يحملها على احترامه وطاعته، ومن ثم فشل وألغي. أمّا كلمة ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ التي جاء بها الإسلام في جزيرة العرب فقد أثّرت أعظم التأثير وطبّقت فعلًا، وأريقت الخمور من قبل أصحابها وامتنعوا عنها، لا بقوة شرطيّ ولا
стр. 1879
بقوّة جنديّ ولا رقيب ولكن بقوة الإيمان وطاعة المسلمين لشرائع الإسلام واحترامهم لها. (١)
الثمرة الرابعة: شمول الدين .
ومما يتميز به الإسلام أيضًا أنه دين شامل لجميع شؤون الحياة وسلوك الإنسان.
فالإسلام يشتمل على:
أولًا: أحكام العقيدة الإسلامية، وهي تتعلق بأمور العقيدة كالإيمان بالله واليوم الآخر وهذه هي الأمور الاعتقادية.
ثانيًا: أحكام الأخلاق، وهي المتعلقة بما يجب أن يتحلى به المسلم، وما يجب أن يتخلّى عنه كوجوب الصدق، وحرمة الكذب.
ثالثًا: أحكام تتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه، كالصلاة والصيام وغيرها من العبادات.
رابعًا: أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم وهذه على أنواع:
أ) أحكام الأسرة من نكاح وطلاق وإرث ونفقة. . الخ وتسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام الأسرة أو قانون الأحوال الشخصية.
ب) أحكام تتعلق بعلاقات الأفراد ومعاملاتهم كالبيع والإجارة والرهن والكفالة، وهي التي تسمّى في الاصطلاح الحديث بأحكام المعاملات المالية أو بالقانون المدنيّ.
ت) أحكام تتعلق بالقضاء والدعوى وأصول الحكم والشهادة واليمين والبينات وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون المرافعات.
ث) أحكام تتعلق بمعاملات الأجانب غير المسلمين عند دخولهم إلى إقليم الدولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتعون بها والتكاليف التي يلتزمون بها، وهذه الأحكام تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي الخاص.
ج) أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلم
стр. 1880
والحرب، وتدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي العام.
ح) أحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة، وشكل الحكومة، وعلاقات الأفراد بها، وحقوقهم إزاءها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدُّستوري.
خ) أحكام تتعلق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها، وتنظيم العلاقات المالية بين الأفراد والدولة، وبين الأغنياء والفقراء، وهي تدخل في القانون المالي بمختلف فروعه.
د) أحكام تتعلق بتحديد علاقة الفرد بالدولة من جهة الأفعال المنهي عنها "الجرائم ومقدار عقوبة كل جريمة". . وهذه تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الجنائيّ، ويلحق بهذه الأحكام الإجراءات التي تتبع في تحقيق الجرائم وإنزال العقوبات بالمجرمين وكيفية تنفيذها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون تحقيق الجنايات أو بقانون المرافعات الجزائية.
مقارنة بين شمول الشريعة وشمول القوانين الوضعية:
وواضح مما قدمناه أن الشريعة في شمولها تختلف مع جميع القوانين الوضعية؛ لأن شمولها كامل تامٌّ بكل معاني الكلمة، في من حدث ولا عمل يصدر عن الإنسان، ولا علاقة تقوم بينه وبين غيره، إلا وللشريعة حكم فيها.
فأمور العقيدة والأخلاق والعبادات تدخل في نطاق شمول الشريعة ولا تدخل في نطاق تنظيم القوانين الوضعية. وحتى في نطاق العلاقات البشرية التي تنظمها القوانين الوضعية فإن الشريعة تختلف اختلافًا بيِّنًا مع القوانين الوضعية في جانب مهم جدًا ألا وهو مراعاة الأخلاق في التشريع.
فالشريعة الإسلامية راعت جانبها كل الرعاية، وسمحت لها بالتسرب إلى القواعد القانونية والامتزاج بها وإقامة الأحكام التنظيمية عليها. وهذا بخلاف القوانين الوضعية حيث إنها لا تراعي المعاني الأخلاقية؛ بل إن الأصل فيها هو الفصل بين القواعد الأخلاقية والقواعد القانونية.
ونكتفي هنا بضرب مثالٍ واحدٍ فقط ليظهر لنا مدى تمسك التشريع الإسلامي بالمعاني الأخلاقية في أدق العلاقات وأخطرها ولو ترتب على هذا التمسك تضحيات جسيمة.
стр. 1881
يقرر الفقهاء المسلمون أن الأجنبي (غير المسلم) إذا دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمان ولمدّة معينة لا يجوز تسليمه إلى دولته إذا طلبته خلال هذه المدة ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم عندها، ويبقى المنع من تسليمه قائمًا حتى لو هددت دولته الدولة الإسلامية بإعلان الحرب عليها إذا لم تسلمها إياه.
ويعلل الفقهاء هذا الحكم بأن الأجنبي دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمان منها، فعلى الدولة الإسلامية أن تفي بعهدها له فيبقى آمنًا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدرٌ منها بعهدها له لا رخصة فيه فلا يجوز في شرع الإسلام. ويبقى المنع من تسليمه وعدم إلحاق أي ضرر به حتى لو قتلت دولته جميع رعايا الدولة الإسلامية المقيمين في أرضها؛ لأن فعلها ظلم ولا مقابلة بالظلم، هكذا يقول الفقهاء. فأي مستوى رفيع بلغه التشريع الإسلامي في التزامه بالمعاني الأخلاقية في أدق الظروف وأحرج الأوقات! مما لا نجد له نظيرًا أبدًا في أي تشريع وضعي آخر لا في القديم ولا في الجديد، ولا عجب من ذلك فالشريعة الإسلامية من عند الله، وما يأتي من الله هو الحق الخالص والعدل الخالص. (١)
الثمرة الخامسة: المساواة بين البشر .
لقد أعلن محمدٌّ رسول الله ﷺ وحقق عمليًّا إنسانية الإنسان، ووحدة الإنسانية، وكرامة الإنسان. . .، والناس كلهم سواء في هذه الإنسانية، فلا شعب أعلى من شعب، ولا جنس أعظم من جنس.
إن هناك إنسانية واحدة، ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد، والهدف من اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان، واختلاف العشائر والآباء. . كل أولئك لم يكن ليتفرّق الناس ويختصموا، ويتحوصلوا وينعزلوا، ولكن ليتعارفوا ويتآلفوا، وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض، ويرجعوا بعد ذلك إلى الله الذي ذرأهم في الأرض واستخلفهم فيها.
стр. 1882
وقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
لقد انساح الإسلام في رقعة من الأرض فسيحة، تكاد تضمُّ جميع الأجناس وجميع الألوان. . وذابت كلها في النظام الإسلامي، ولم تقف وراثة لون، ولا وراثة جنس، ولا وراثة طبقة، ولا وراثة بيت، دون أن يعيش الجميع إخوانًا، ودون أن يبلغ كل فرد منهم ما تؤهله له استعداداته الشخصية، وما تكفله له صفة الإنسان.
وقال الإسلام كلمته المدوية: إن كرامة الإنسان مستمدة من إنسانيته ذاتها، لا من أي عرض آخر كالجنس، أو اللون، أو الطبقة أو الثروة أو المنصب إلى آخر هذه الأعراض العارضة الزائلة. . والحقوق الأصيلة للإنسان مستمدةٌ إذن من تلك الإنسانية التي ترجع إلى أصل واحد.
قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣].
وعلم الناس منذُئذٍ: أن الإنسان - بنوعه - كريم على الله. وأن كرامته ذاتية أصيلة، لا تتبع جنسه، ولا لونه، ولا بلده، ولا قومه ولا عشيرته، ولا بيته، ولا عرضًا من هذه الأعراض الزائلة الرخيصة.
стр. 1883
وإنما تنبع من كونه إنسانًا من هذا النوع الذي أفاض عليه ربه الكريم، ولم تكن هذه المبادئ نظرية، إنما كانت واقعًا عمليًا، تمثل في حياة الجماعة المسلمة، وانساحت به في أرجاء الأرض، فعلمته للناس، وأقرته في أوضاع حياتهم كذلك، وعلمت جمهور الناس - ذلك الغثاء - أنه كريم، وأن له حقوقًا، هي حقوق الناس، وأن له أن يحاسب حكامه وأمراءه، وأن عليه ألا يقبل الذلّ والضّيم والمهانة، وعلمت الحكام والأمراء ألا تكون لهم حقوق زائدة على حقوق الجماهير من الناس، وأنه ليس لهم أن يهينوا كرامة أحد ممن ليس بحاكم أو أمير.
وهذه بعض الأمثلة:
لما تولّى أبو بكر الخلافة، قام فخطب الناس فقال: لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
وخطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال يعلم الناس حقوقهم تجاه الأمراء:
يا أيها الناس، إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا من أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء من ذلك فليرفعه إلىَّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقُصَّنَّهُ منه. . . فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته، إنك لتقتص منه؟
قال عمر: إي والذي نفسي بيده لأقُصَّنَّهُ منه، وكيف لا أقص منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه، ألا لا تضربوا الناس فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفرونهم.
وكتب عثمان ﵁ كتابًا إلى جميع الأمصار قال فيه: إني آخذ عمّالي بموافقاتي كل موسم، قد سلطت الأمة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا يرفع على شيء ولا أحد من عمّالي إلا أعطيته، وليس لي ولا لعمّالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلىَّ أهلُ المدينة أنَّ أقوامًا يشتمون ويضربون.
стр. 1884
فمنِ ادَّعى شيئًا من ذلك فليواف الموسم، يأخذ حقّه حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا إن الله يجزي المتصدقين".
ولم تكن هذه مجرد مبادئ نظرية أو مجرد كلمات تقال، فقد طبقت تطبيقًا واقعيًا، وسرت في أوساط الشعوب حتى اتخذت قاعدة للأوضاع العملية.
وكمثال عملي على هذا الكلام هذه الحادثة:
حادثة ابن القبطي الذي سابق ابن عمرو بن العاص، فاتح مصر وواليها، فسبقه فضربه ابن عمرو، فشكا أبوه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأقصه منه في موسم الحج وعلى ملأ من الناس.
ولا نقف في هذه الحادثة عند عدل عمر فقط ولكن الحادثة أوسع دلالة على ذلك التيار التحريري الذي أطلق الإسلام في ضمائر الناس وفي حياتهم.
فمصر إذ ذاك بلد مفتوح، وحديث عهد بالفتح الإسلامي. وهذا القبطي لم يزل على دينه فردًا من جماهير البلد المفتوحة، وعمرو بن العاص ﵁ هو فاتح هذا الإقليم، وأول أمير عليه من قبل الإسلام، وحكام هذا الإقليم قبل الفتح الإسلامي هم الرومان، أصحاب السياط التي تجلد ظهور شعوب المستعمرات، ولعل ذلك القبطي كان ما يزال ظهره يحمل آثار سياط الرومان.
ولكن المدّ التحرري الذي أطلقه الإسلام في أنحاء الأرض، أنسى ذلك القبطيّ سياطَ الرُّومان وذُلَّها، وأطلقه إنسانا حرًا كريمًا، يغضب لأن يضرب ابن الأمير ابنه بعد اشتراكهما في سباق. ثم تحمله هذه الغضبة لكرامة ابنه الجريحة على أن يركب من مصر إلى المدينة، لا طائرة ولا سيارة ولا باخرة ولا قطارًا، ولكن جملًا يخَبُّ به ويضَعُ الأشهرَ الطُّوال كل ذلك ليشكو للخليفة. (١)
وإليك نماذج من توجيهات النبي ﷺ في هذا الباب:
عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ،
стр. 1885
لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الْجَعْلانِ". (١)
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا فَهَرَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ قُبَيْلَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِى فَدَعَاهُ وَدَعَانِى ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ فَعَفَا، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بني مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ "أَعْتِقُوهَا". قَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا قَالَ "فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا". (٢)
عن المعرور بن سُويد قال: رأيت أبا ذرٍّ ﵁ وعليه حُلَّة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك؟ قال: فذكر أنه سَبَّ رجلًا على عهد رسول الله ﷺ فعيَّره بأُمِّه قال: فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له فقال ﷺ : "إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلَّفتُمُوهم فأعينوهم عليه". (٣)
عن جابر بن عبد الله قال: كان عمر ﵁ يقول: أبو بكر ﵁ سيدُنا وأعتق سيدَنا. يعني بلالًا. (٤)
فهذه ثمرة من ثمرات محمد رسول الله ﷺ وهي ثمرة ما كانت لولا أنه رسول الله ﷺ .
الثمرة السادسة: العدل .
وهذه ثمرة أخرى من ثمار دعوة النبي محمد ﷺ تشهد أنه رسول الله ﷺ ، ولولا ذلك ما كانت، وهي ثمرة العدل الذي ما عرف التاريخ له مثيلًا.
وسنختار حوادث من حياة رسول الله ﷺ والصحابة الذين رباهم، نرى فيها كيف ارتفعت النفس البشرية بمحمد ﷺ وبهديه إلى آفاق أعلى ما يطمح إليه الطامحون على مدى الأزمان والأجيال، ونرى بذلك كيف أن القرآن كان واقعًا حيًا متمثلًا بهذا الجيل
стр. 1886
الفريد، وكيف أن القرآن يرفع الإنسان إلى أعلى آفاق الإنسانية.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وإليك بعضًا من هذه الأمثلة:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينًا كان عليه. فاشتد عليه حتى قال له: أُحَرِّج عليك إلا قضيتني. فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلّم؟ قال إني أطلب حقّي. فقال النبيّ: ﷺ هلّا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك، فقالت: نعم بأبي أنمت يا رسول الله. قال: فأقرضته. فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيتَ أوفى الله لك. فقال: "أولئك خيارُ الناس؛ إنه لا قُدِّست أمةٌ لا يأخذ الضعيفُ فيها حقه غير متعتع." (١)
أي: من غير أن يصيبه أذى يقلقه.
٢ - وعن عروة بن الزبير ﵁: أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتكلّمني في حد من حدود الله". قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشيّ قام رسول الله ﷺ خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أمّا بعد؛
стр. 1887
فإنّما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعتُ يدها". ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتُها بعد ذلك، وتزوّجت قالت عائشة: فكانت تأتي بعدَ ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . (١)
٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن أبا بكر الصديق ﵁ قام يوم جمعة فقال: إذا كان بالغداة فاحضُروا صدقات الإبل تقسّم ولا يدخل علينا أحدٌ إلَّا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خُذْ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملًا، فاتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر ﵃ قد دخلوا إلى الإبل فدخل معهما فالتفت أبو بكر ﵁ فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا بالرجل فأعطاه الخطام وقال: استقِد فقال له عمر ﵁: والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة. قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ فقال عمر ﵁: أَرْضِه، فأمر أبو بكر الصديق ﵁ غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها. (٢)
٤ - عن جابر بن عبد الله أنه قال: أفاء الله خيبر على رسول الله ﷺ فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة ﵁ فخرصها عليهم ثم قال لهم يا معشر اليهود: أنتم أبغض الخلق إليَّ، قتلتم أنبياء الله ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم. قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا فاخرجوا عنا. (٣)
٥ - عن الشعبي قال: كان بين عمر وأُبيّ ﵄ خصومة. فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، قال فجعلا بينهما زيد بن ثابت، قال فأتوه، فقال عمر: ﵁ أتيناك
стр. 1888
لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم. قال: فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه. فقال: هذا أول جَوْر جُرْتَ في حكمك، أجْلسني وخصمي مجلسًا، قال فقصا عليه القصة، قال: فقال زيد لأُبَيّ: اليمين على أمير المؤمنين فإن شئت أعفيته. قال: فأقسم عمر ﵁ على ذلك ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك - على أحدٍ - فضيلة. (١)
٦ - كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى فيروز الدّيلمي: أما بعد: فقد بلغني أنه قد شغلك أكل اللباب بالعسل، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم على بركة الله، فاغزُ في سبيل الله فقدم فيروز فاستأذن على عمر ﵁ فأذن له فزاحمه قوم من قريش، فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي، فدخل القرشيُّ على عمر ﵁ مستدمي فقال له عمر: من فعل بك؟ قال: فيروز وهو على الباب، فأذن لفيروز بالدخول فدخل فقال: ما هذا يا فيروز؟ قال: يا أمير المؤمنين إنا كنا حديث عهد بملك، وإنك كتبت إليَّ ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول ولم تأذن له، فأراد أن يدخل في إذني قبلي فكان مني ما قد أخبرك. قال عمر: القصاص قال فيروز: لا بد؟ قال: لا بد. قال: فجثا فيروز على ركبتيه وقام الفتى ليقتص منه فقال له عمر: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ ذات غداة يقول: قُتل الليلة الأسودُ العنسيُّ الكذَّابُ، قتلهُ العبدُ الصَّالحُ فيروزُ الدَّيلمي، أفتراك مقتصًّا منه بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال الفتى: قد عفوت عنه بعد إذ أخبرتني عن رسول الله ﷺ بهذا. فقال فيروز لعمر: فترى هذا مخرجي مما صنعت إقراري له وعفوه غير مستكره؟ قال نعم: قال فيروز: فأشهدك أن سيفي وفرسي وثلاثين ألفًا من مالي هبة له. قال: عفوتَ مأجورًا يا أخا قريش وأخذتَ مالًا. (٢)
٧ - عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر عمر بن الخطاب ﵁ في السوق ومعه الدِّرَّة فخفقني بها خفقة، فأصاب طرف ثوبي فقال: أمِط عن الطريق! فلما كان في العام المقبل
стр. 1889
لقيني فقال يا سلمة: تريد الحج؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمائة درهم، وقال: استعن بها على حجّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك، قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها؛ ؛ قال: وأنا ما نسيتها. (١)
إن هذا العدل الذي رأينا بعض نماذجه فيما مضى، إنما كان وليدَ دعوة الرسول ﷺ وإلا فإن العرب قبل ذلك كان شعارهم "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" وكان هذا على ظاهره، بمعنى أنه ينصر أخاه فعلًا إن كان ظالمًا بأن يعينه على ظلمه، أما الإسلام فقد صحح هذا المفهوم المعكوس وقرر بأن معنى النصر للظالم هو أن تأخذ على يديه، وتمنعه من ظلمه لا أن تعينه على الظلم.
وعلى الرغم من تضاؤلِ جيل الصحابة بالنسبة لرقعة الأرض المفتوحة، فإن قوة الحياة التي صبتها تربية الرسول ﷺ في قلوب الأصحاب، كانت كافية لأن تجعل الأمور تمشي في طريقها المستقيم.
وحتى بعد ذلك، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن قضاة الإسلام المتحققين بالإسلام علمًا وعملًا هم الذين يضربون المثل الأعلى في العدل الربَّاني، الذي يتضائل جانبَهُ كلُّ قضاء.
الثمرة السابعة: الطاعة والانقياد .
تمهيد:
وهذه ثمرة جديدة من ثمار نبيّنا محمد ﷺ ، تشهد أنها ثمرة نبيّ ونبوة، هي الطاعة المبصرة، وذلك أن العرب شعب لم يتربَّ على طاعة أحد، ولم يتربّ على نظام ولا انضباط، وليس لديه مفهوم عن الولاء لحكومة ما، أو الخضوع لها، وأما غير العرب فالأمر عندهم مختلف، طاعةٌ عمياء لملوكهم ومرؤوسيهم في كل شيء، إذا أمروا بالشيء كان خيرًا، وإذا نهوا عنه كان شرًا، لا يقال لهم لا، ولا يحاسبون ولا يراقبون.
وحدث شيء اهتز العالم له ألا وهو: بعثة النبي محمد ﷺ التي قلبت الأمة التي لا
стр. 1890
تعرف النظام أصبحت منظمة، والتي لا تعرف الطاعة أصبحت مطيعة، ولكنها طاعة من نوع فريد جديد، طاعة للحق لا بالباطل، بالعدل لا بالظلم، لمن يستحق الطاعة لا لمن لا يستحقها، فكان ذلك فتحًا جديدًا في تاريخ الوعي عند الشعوب، لدرجة أن العربي الذي كان يتعصّب لقريبه وينصره وإن كان على الباطل ولا يطيع فيه أحدًا أبدًا، صار على ابن عمه إذا كان على الباطل، ويطيع فيه أبعد الناس نسبًا عنه في الحق. والذي كان أبعد الناس عن الانضباط، صار أكثرَ الناس انضباطًا، ومن قرأ تاريخ العرب في الجاهلية، عرف الفارق الكبير بين ذلك الواقع وواقعهم بعد.
وهذه أمثلة من واقعهم بعد تربية الرسول ﷺ إيّاهم:
١ - عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إنه قد بلغني أنك تريد قتلَ عبد الله بن أُبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتَ الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالده منّي، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبيّ يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ : "بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا". (١)
٢ - ولما رأى سعدُ بنُ معاذ كثرةَ استشارة النبي ﷺ لأصحابه ظن سعدٌ أنه يستنطق الأنصار شفقًا أن لا يستحوذوا معه أو قال: أن لا يستجلبوا معه على ما يريد، فقال: لعلك يا رسول الله تخشى أن لا يكون الأنصار يريدون مواساتك. ولا يرونها حقًّا عليهم إلا بأن يروا عدُوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم. وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظْعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذته منا أحب إلينا مما تركته علينا، فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن لسرنا معك. (٢)
стр. 1891
٣ - وعن كعب بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك فيقول فيها:
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبَنَا الناس، وتغيّروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيتُ حتى تسورتُ جدارَ حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي - وأحبُّ الناس، إليّ، فسلَّمتُ عليه فوالله ما ردَّ عليّ السلامَ، فقلت: يا أبا قتادة أنشدُك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكتَ، فعدتُّ له فنشدتُّه فسكتَ، فعدتُّ له فنشدتُّه فقال: الله ورسوله أعلم؛ ففاضت عيناي وتوليتُ حتى تسورتُ الجدار.
قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نِبطيٌّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان؛ فإذا فيه أمّا بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضِيعة فَالْحق بنا نُواسِك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التَّنُّور فسجّرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك فقلت لامرأتي: الْحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا الأمر. (١)
стр. 1892
٤ - وللعرب ولع بالخمر تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبًا كبيرًا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرةً تدعو إلى العَجَب، وكانت حوانيت الخمَّارين مفتوحةً دائمًا يرفرف عليها علمٌ يسمى غايةً، وشاعت تجارتها عندهم حتى أصبحت كلمةُ التجارة مرادفةً لكلمة بيع الخمر، ومع هذا كله فما يكاد تحريم الخمر ينزل حتى انتهت أمر الخمر من أرض العرب.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قُعودٌ على شراب لنا (ونحن على رمْلة، ونحن ثلاثةٌ أو أربعةٌ وعندنا بَاطيةٌ لنا) ونحن نشربُ الخمر - حِلًّا - إِذْ قمتُ حتى آتي رسولَ الله ﷺ فأسلمَّ عليه وقد نزل تحريم الخمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؟ قال: وبعض القوم شَربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجَّام ثم صبُّوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربَّنا! انتهينا ربَّنا. (١)
الثمرة الثامنة: مسئولية كل فرد عن عمله .
تمهيد:
صُور من عدم تحمل المسؤولية ونتائجها.
١ - في العقيدة النصرانية:
يعتقد النصارى بأن الإنسان خاطئٌ منذ ولادته؛ لأن أباه آدم قد ارتكب الخطيئة، وأن المسيح ﵇ صلب - حسب زعمهم - حتى يُكَفِّرَ عن البشر خطاياهم فهو قد تحمل خطايا البشر، وهذا يعني أن الإنسان مسئول عن أعمال غيره وليس مسئولًا عن أعماله هو، وبين
стр. 1893
هذا وذاك تضيع المسؤولية الفردية التي بها يحس الإنسان أنه مسئول عن أعماله فقط صغيرها وكبيرها، وليس مسئولًا عن عمل غيره بتاتًا.
ويترتب على هذا أمران خطيران:
الأول: أن الإنسان غيُر طاهر القلب والنفس بسبب الخطيئة.
الثاني: أنه مادام غيره مسئولًا عن ذنوبه فلن يبالي بهذه الذنوب.
٢ - عند البراهمة والبوذيين والجينيين:
وهؤلاء عندهم عقيدةٌ غريبةٌ جدًّا ألا وهي عقيدة "تناسخ الأرواح" وخلاصة هذه العقيدة هي أن الروح بعدما تفارق الجسد في هذه الدنيا فإنها تنتقل إلى جسد آخر في هذه الدنيا نفسها، ولا يكون هذا الجسد الثاني إلا متفقًا مع الحياة التي كان قد سار بها الجسد الأول.
فإن كانت أعمالُه وأفكاره، وميولُه، وعواطفُه سيئةً، فإنَّ رُوحَهُ سوف تنتقل إلى طبقة مبتذلة من طبقات الحيوانات أو النباتات. وأما إن كانت أعماله وأفكاره وميوله صالحةً، فإن روحه سترتقي إلى طبقة من الطبقات العليا.
فهذه العقيدة مقتضاها أنني أنا الإنسان الحالي، تنبع إنسانيتي من سلوك غيري، وحصيلة لسلسلة طويلة من أعمال المخلوقات قبلي، وهذه المخلوقات السابقة عليَّ، هي أنا وأنا بأعمالي الحاضرة سأكون بالتالي نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا، فماذا ينتج عن هذه العقيدة أيضًا؟
ينتج عنها أمران:
١ - سينتج عنها شعور لدى الإنسان بأن الحيوان والنبات والإنسان سواءٌ في ميزان الوجود؛ إذ الحيوان كان إنسانًا والنبات كان حيوانًا، ويترتب على هذا أنه لا يجوز إيذاء الحيوان ولا النبات ولا الإنسان حتى ولو آذاني الإنسان، مما ينتج عن هذا بالطبع تشتُّتٌ شديد بين هذا وذاك.
٢ - كما ينتج عن هذه العقيدة رهبانية مميتة عمليًّا؛ إذ إن أهل هذه العقيدة يعتقدون أن الشهوة هي أصل كل فساد في الأرض، وهي التي تلوِّث الروح بالذنوب والآثام، . . .،
стр. 1894
فالإنسان إذا أَوْدى بها، وقضى عليها، ولم يشغل نفسه بمشاغل الدنيا وشواغبها، فلروحه أن تنال الخلاص من دورة التناسخ.
ويقولون: ليست هناك سبل أخرى للتخلص من دورة التناسخ غير هذه؛ لأنه من المحال إذا انشغل الإنسان بمشاغل الدنيا وشواغبها وشؤونها الخلَّابة أن يأمن على نفسه الافتتان بالدنيا، والاسترسال وراء شهواتها وملاهيها، والنتيجة اللازمة لذلك - يقولون - إن من أراد لنفسه الخلاص من دورة التناسخ فعليه أن ينعزل عن الدنيا، ولا يسكن إلا في الغابات، ورؤوس الجبال وكهوفها، وإن لم يفعل ذلك فعليه أن ييأس من الخلاص من دورة التناسخ، ويستعد للانضمام إلى طبقات الحيوانات والنباتات.
فالناس نتيجة لذلك إما أن يسلكوا الطريق المرسوم للخلاص من دورة التناسخ بزعمهم فتفنى البشرية كلها لو سلكت هذا الطريق.
وإما إنسان لن يمشي في هذا الطريق وهو بالتالي لا يبالي لأنه ليس مسئولًا عن حاضره ولا يهمه مستقبله. (١)
تظهر فكرة انعدام المسئولية الفردية عند البشرية بصورة أخرى، كلها غير معقول:
فتظهر بصورة أخذ الثأر من أي قريب للقاتل، وتظهر بصورة الإيمان بأن الإنسان غيرُ مسئول أمام أحد عند الملحدين الفوْضَوِيِّين، وتظهر بصورة أن الإنسان مسئُولٌ أمام القانون فقط، فإذا استطاع أن يهرب من عين القانون فعل ما شاء.
٣ - عند اليهود:
وهناك صورة أخرى تنعدم فيها المسؤولية موجودة عند اليهود، فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، الذي غفر له كل شيء، فمهما فعلوه من جرائم أو مآس أو مفاسد أو مظالم، فإن خصوصيتهم هذه تجعلهم بمنجاة من العذاب، فأنَّى يؤفكون؟ ! .
هذه بعض الصور التي كانت ولا زالت موجودة إلى اليوم بين بني آدم ﵇.
стр. 1895
فيا تُرى ماذا فعل محمد ﷺ بالوحي الذي أنزل إليه؟ هل غيَّر هذا المفهوم أم بقي كما هو بدون تغيير؟
لقد كان الإعلان الذي أعلنه الإسلام؛ هو أن الإنسان لا يتحمل إلا مسؤولية أعماله وحده، فلا يتحمل مسؤُولية ذنب جَدٍّ، ولا مسؤولية ذنب أخ وعم، إلا إذا كان له علاقة في الموضوع، وأن الجيل اللاحق لا يتحمل أوزار الجيل السابق، وإنما الإنسان مسئولٌ عن أعماله وحدَهُ صغيرِها وكبيرِها أمام الله في الآخرة.
قال : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
وقال النبي ﷺ : "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ." (١)
وخاطب القرآن الناس ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فأصبح المسلم يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة، حتى قال قائل المسلمين: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام".
ونادى النبي ﷺ فقال حين أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] " يا معشر قريش - أو كلمةً نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما