٣ - وعن كعب بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك فيقول فيها:
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبَنَا الناس، وتغيّروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيتُ حتى تسورتُ جدارَ حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي - وأحبُّ الناس، إليّ، فسلَّمتُ عليه فوالله ما ردَّ عليّ السلامَ، فقلت: يا أبا قتادة أنشدُك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكتَ، فعدتُّ له فنشدتُّه فسكتَ، فعدتُّ له فنشدتُّه فقال: الله ورسوله أعلم؛ ففاضت عيناي وتوليتُ حتى تسورتُ الجدار.
قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نِبطيٌّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان؛ فإذا فيه أمّا بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضِيعة فَالْحق بنا نُواسِك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التَّنُّور فسجّرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك فقلت لامرأتي: الْحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا الأمر. (١)
стр. 1892
٤ - وللعرب ولع بالخمر تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبًا كبيرًا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرةً تدعو إلى العَجَب، وكانت حوانيت الخمَّارين مفتوحةً دائمًا يرفرف عليها علمٌ يسمى غايةً، وشاعت تجارتها عندهم حتى أصبحت كلمةُ التجارة مرادفةً لكلمة بيع الخمر، ومع هذا كله فما يكاد تحريم الخمر ينزل حتى انتهت أمر الخمر من أرض العرب.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قُعودٌ على شراب لنا (ونحن على رمْلة، ونحن ثلاثةٌ أو أربعةٌ وعندنا بَاطيةٌ لنا) ونحن نشربُ الخمر - حِلًّا - إِذْ قمتُ حتى آتي رسولَ الله ﷺ فأسلمَّ عليه وقد نزل تحريم الخمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؟ قال: وبعض القوم شَربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجَّام ثم صبُّوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربَّنا! انتهينا ربَّنا. (١)
الثمرة الثامنة: مسئولية كل فرد عن عمله .
تمهيد:
صُور من عدم تحمل المسؤولية ونتائجها.
١ - في العقيدة النصرانية:
يعتقد النصارى بأن الإنسان خاطئٌ منذ ولادته؛ لأن أباه آدم قد ارتكب الخطيئة، وأن المسيح ﵇ صلب - حسب زعمهم - حتى يُكَفِّرَ عن البشر خطاياهم فهو قد تحمل خطايا البشر، وهذا يعني أن الإنسان مسئول عن أعمال غيره وليس مسئولًا عن أعماله هو، وبين
стр. 1893
هذا وذاك تضيع المسؤولية الفردية التي بها يحس الإنسان أنه مسئول عن أعماله فقط صغيرها وكبيرها، وليس مسئولًا عن عمل غيره بتاتًا.
ويترتب على هذا أمران خطيران:
الأول: أن الإنسان غيُر طاهر القلب والنفس بسبب الخطيئة.
الثاني: أنه مادام غيره مسئولًا عن ذنوبه فلن يبالي بهذه الذنوب.
٢ - عند البراهمة والبوذيين والجينيين:
وهؤلاء عندهم عقيدةٌ غريبةٌ جدًّا ألا وهي عقيدة "تناسخ الأرواح" وخلاصة هذه العقيدة هي أن الروح بعدما تفارق الجسد في هذه الدنيا فإنها تنتقل إلى جسد آخر في هذه الدنيا نفسها، ولا يكون هذا الجسد الثاني إلا متفقًا مع الحياة التي كان قد سار بها الجسد الأول.
فإن كانت أعمالُه وأفكاره، وميولُه، وعواطفُه سيئةً، فإنَّ رُوحَهُ سوف تنتقل إلى طبقة مبتذلة من طبقات الحيوانات أو النباتات. وأما إن كانت أعماله وأفكاره وميوله صالحةً، فإن روحه سترتقي إلى طبقة من الطبقات العليا.
فهذه العقيدة مقتضاها أنني أنا الإنسان الحالي، تنبع إنسانيتي من سلوك غيري، وحصيلة لسلسلة طويلة من أعمال المخلوقات قبلي، وهذه المخلوقات السابقة عليَّ، هي أنا وأنا بأعمالي الحاضرة سأكون بالتالي نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا، فماذا ينتج عن هذه العقيدة أيضًا؟
ينتج عنها أمران:
١ - سينتج عنها شعور لدى الإنسان بأن الحيوان والنبات والإنسان سواءٌ في ميزان الوجود؛ إذ الحيوان كان إنسانًا والنبات كان حيوانًا، ويترتب على هذا أنه لا يجوز إيذاء الحيوان ولا النبات ولا الإنسان حتى ولو آذاني الإنسان، مما ينتج عن هذا بالطبع تشتُّتٌ شديد بين هذا وذاك.
٢ - كما ينتج عن هذه العقيدة رهبانية مميتة عمليًّا؛ إذ إن أهل هذه العقيدة يعتقدون أن الشهوة هي أصل كل فساد في الأرض، وهي التي تلوِّث الروح بالذنوب والآثام، . . .،
стр. 1894
فالإنسان إذا أَوْدى بها، وقضى عليها، ولم يشغل نفسه بمشاغل الدنيا وشواغبها، فلروحه أن تنال الخلاص من دورة التناسخ.
ويقولون: ليست هناك سبل أخرى للتخلص من دورة التناسخ غير هذه؛ لأنه من المحال إذا انشغل الإنسان بمشاغل الدنيا وشواغبها وشؤونها الخلَّابة أن يأمن على نفسه الافتتان بالدنيا، والاسترسال وراء شهواتها وملاهيها، والنتيجة اللازمة لذلك - يقولون - إن من أراد لنفسه الخلاص من دورة التناسخ فعليه أن ينعزل عن الدنيا، ولا يسكن إلا في الغابات، ورؤوس الجبال وكهوفها، وإن لم يفعل ذلك فعليه أن ييأس من الخلاص من دورة التناسخ، ويستعد للانضمام إلى طبقات الحيوانات والنباتات.
فالناس نتيجة لذلك إما أن يسلكوا الطريق المرسوم للخلاص من دورة التناسخ بزعمهم فتفنى البشرية كلها لو سلكت هذا الطريق.
وإما إنسان لن يمشي في هذا الطريق وهو بالتالي لا يبالي لأنه ليس مسئولًا عن حاضره ولا يهمه مستقبله. (١)
تظهر فكرة انعدام المسئولية الفردية عند البشرية بصورة أخرى، كلها غير معقول:
فتظهر بصورة أخذ الثأر من أي قريب للقاتل، وتظهر بصورة الإيمان بأن الإنسان غيرُ مسئول أمام أحد عند الملحدين الفوْضَوِيِّين، وتظهر بصورة أن الإنسان مسئُولٌ أمام القانون فقط، فإذا استطاع أن يهرب من عين القانون فعل ما شاء.
٣ - عند اليهود:
وهناك صورة أخرى تنعدم فيها المسؤولية موجودة عند اليهود، فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، الذي غفر له كل شيء، فمهما فعلوه من جرائم أو مآس أو مفاسد أو مظالم، فإن خصوصيتهم هذه تجعلهم بمنجاة من العذاب، فأنَّى يؤفكون؟ ! .
هذه بعض الصور التي كانت ولا زالت موجودة إلى اليوم بين بني آدم ﵇.
стр. 1895
فيا تُرى ماذا فعل محمد ﷺ بالوحي الذي أنزل إليه؟ هل غيَّر هذا المفهوم أم بقي كما هو بدون تغيير؟
لقد كان الإعلان الذي أعلنه الإسلام؛ هو أن الإنسان لا يتحمل إلا مسؤولية أعماله وحده، فلا يتحمل مسؤُولية ذنب جَدٍّ، ولا مسؤولية ذنب أخ وعم، إلا إذا كان له علاقة في الموضوع، وأن الجيل اللاحق لا يتحمل أوزار الجيل السابق، وإنما الإنسان مسئولٌ عن أعماله وحدَهُ صغيرِها وكبيرِها أمام الله في الآخرة.
قال : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
وقال النبي ﷺ : "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ." (١)
وخاطب القرآن الناس ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فأصبح المسلم يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة، حتى قال قائل المسلمين: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام".
ونادى النبي ﷺ فقال حين أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] " يا معشر قريش - أو كلمةً نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما
стр. 1896
شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا). (١)
وهكذا أصبح سلوك الإنسان مستقيمًا، وتحرر ضميره من التواكل على الآخرين، وبذلك لم يعد الإنسان غير مبال في أمر الخطيئة، واستقلت شخصيته استقلالًا تامًا. (٢)
الوجه السابع: الكرامات التي ظهرت على يد أصحاب النبي ﷺ والتابعين .
تمهيد:
اعلم أن غرضنا في إثبات هذا الفصل شيئان:
الأول: أن نبيّن أن ما ظهر على يد أصحابه وعلى أهل دينه من الكرامات هو آية لرسول الله ﷺ من أعظم الآيات؛ وذلك أن الله تعالى إذا أكرم واحدًا منهم؛ بأن خرق له عادة فإن ذلك يدل على أنه على الحق، وأن دينه حق؛ إذ لو كان مبطلًا في دينه، متبعًا لمبطل في دعواه، كاذب في قوله على الله، لما أكرمه الله، ولا أكرم من اتبع دينه.
فعلى هذا نقول إن كُلّ كرامة لوليّ إنما هي آية للنبيّ الذي يتبعه ذلك الوليّ.
الثاني: أن أصحاب رسول الله ﷺ وإن كانوا قد أكرمهم الله بكرامات خارقةٍ للعادات؛ فلا يعتقد فيهم أنهم أنبياء كما فعلت النصارى بالحواريين، بل يعتقد فيهم أنهم أولياء الله وأصحاب رسول الله ﷺ تلقّوا عن رسول الله ﷺ شرعه، وبلّغوا عنه قوله وفعله، فبذلوا في إظهار دين الله أنفسهم وأموالهم، حتى أظهر الله على كل الأديان دينهم وإيمانهم، كما قال الله تعالى فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. (٣)
стр. 1897
أولا: بعض الكرامات التي أكرم الله بها صحابة النبي ﷺ -:
١ - نصرتهم على عدوهم من جميع الأجناس بعد موت نبيهم ﷺ ، رغم قلة عَدَدهم وعُدَّتهم. ومن وقف على فتوحات الشام علم أن دين الحق هو دين الإسلام، فلقد اجتمع عليهم من عدوهم بالشام ثلاثُمائةِ ألفٍ ونحوها؛ بل قد قال الواقدي ثمانمائة ألف من النصارى المستعربة، وغيرهم وهم زهاء ثلاثين ألفًا بخيلهم ورجِلهم، فقارعوهم مقارعة الكرام، وصبروا صبر من صدق ما وعده به نبيه محمد ﷺ ، فأظفرهم الله عليهم ومنحهم رقابهم، وأورثهم أموالهم وديارهم.
وهكذا فعل الله معهم غيرَ مَا مرَّةٍ، ولا يشك في أن هذا كرامةٌ من الله لهم، وأمرٌ خارق للعادة في حقهم، فإن العادة أن مَن أكثر من مقارعة الشجعان فلا بد له من أن يصاب، ولو في وقت من الزمان، وما اتفق لهم، وإن كان كرامة لهم فهو آية لرسول الله ﷺ وأنه قد كان بَشَّرَهُمْ بذلك وأخبرهم بكل ما طرأ لهم هنالك.
فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁: عن النبي ﷺ قال: "يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ". (١)
وأيضا حدثت كرامات لآحاد الصحابة ﵃، لا ينقضي العجب منها:
٢ - أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ؛ إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ فَقَرَأَ ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا قَالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا قَالَ: فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ . . . فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ "تِلْكَ الْمَلائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ
стр. 1898
يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ". (١)
٣ - وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين ﵁. (٢)
٤ - وكان سلمان وأبو الدرداء ﵄ يأكلان في صحفة فسبّحت الصحفة أو سبّح ما فيها.
٥ - وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نورٌ مثلُ طرفُ السّوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. (٣)
٦ - وقصة الصّديق ﵁ في الصحيحين (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا رَبا من أسفلها أكثرُ منها فشبِعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوامٌ كثيرون فأكلوا منها وشَبعوا). (٤)
٧ - وخُبَيب بن عديّ ﵁: كان أسيرًا عند المشركين بمكّة - شرّفها الله تعالى - وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة. (٥)
٨ - وعامر بن فهيرة ﵁: قُتِل شهيدًا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما كان قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل ﵁ وقد رفع، وقال عروة: فيرون الملائكة رفَعَتْهُ. (٦)
стр. 1899
٩ - وسفينة مولى رسول الله ﷺ : أخبر الأسدَ بأنه رسولُ رسولِ الله ﷺ فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده. (١)
١٠ - والبراء بن مالك ﵁: كان إذا أقسم على الله تعالى أبرَّ قسَمه، وكانت الحربُ إذا اشتدّت على المسلمين في الجِهاد يقولون: يا براءُ! أقسم على ربك فيقول: يا ربّ! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فيهزم العدو، فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيدٍ، فمنحوا أكتافهم وقُتِل البراء شهيدًا. (٢)
١١ - وخالد بن الوليد ﵁: حاصرَ حصنًا منيعًا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السُمّ فشربه فلم يضره. (٣)
١٢ - وسعد بن أبي وقاص ﵁: كان مستجاب الدعوة، ما دعا قطٌّ إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. (٤)
١٣ - وعمر بن الخطاب ﵁: لما أرسل جيشًا أمَّر عليهم رجلًا يسمى سارية، فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر: يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، فقدم رسول الجيش فسأله؛ فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدونا فهزمونا فإذا بصائح: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. (٥)
١٤ - ولما عذبت الزنيرة على الإسلام في الله، فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها، قال
стр. 1900
المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى. قالت: كلا والله، فرد الله عليها بصرها. (١)
١٥ - والعلاء بن الحضرمي ﵁ كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم، يا علي يا عظيم، فيستجاب له، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم هو والعسكر بخيولهم على الماء ما ابتلت سرج خيولهم. ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد. (٢)
ثانيًا: كرامات التابعين:
وجرى لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، أنه مشى هو ومن معه من المعسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئًا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني فتبعته فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها. (٣)
وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائمًا يصلي فيها وقد صارت عليه بردًا وسلامًا.
وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق ﵄ وقال: الحمد لله الذي لم يُمِتني حتى أرى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
ووضعت له جاريته السم في طعامه فلم يضره.
стр. 1901
وخبَّبَت امرأةٌ عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فردّ الله عليها بصرها. (١)
٢ - وكان عامر بن عبد قيس ﵁ يأخذ عطاءه ألفي درهم في كُمِّه، وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها.
ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحيي من الله أن أخاف شيئًا غيره، ومرت القافلة.
ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه. (٢)
٣ - وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج - كان يؤذيهم - فخر ميتًا.
٤ - وصِلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليَّ مِنّة، ودعا الله فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال: يا بني خذ سرج الفرس فإنّه عاريّة، فأخذ سرجه فمات الفرس. وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانًا.
وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضه بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولّى الأسدُ وله زئير. (٣)
٥ - عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرَّة لم يؤذّن في مسجد النبي ﷺ ثلاثًا، ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ . (٤)
стр. 1902
٦ - وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يومًا في شدة الحر فأظلَّته غمامة، وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم. (١)
٧ - وكان مطرِّف بن الشِّخِّير إذا دخل بيته سبّحت معه آنيته. وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة، فأضاء لهما طرفُ السَّوط. (٢)
٨ - ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قَلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مدّ البصر.
٩ - وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئًا. (٣)
١٠ - وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاثَ خصالٍ: صوتًا حسنًا، ودمعًا غزيرًا، وطعامًا من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعُه جاريةٌ دهرَه، وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قُوتَه ولا يدري من أين يأتيه. (٤)
١٣ - وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعدها. (٥)
الوجه الثامن: البشارات بالنبي ﷺ في الكتاب المقدس .
شروط صحة النبوة:
- النبوة لا تصح إلا ممن أرسله الله تعالى بوحي منه، فصحتها معتبرةٌ بثلاثة شروط تدل على صدقه ووجوب طاعته:
стр. 1903
أحدها: أن يكون مدَّعِي النبوة على صفات يجوز أن يكون مؤهلًا لها لصدق لهجته، وظهور فضله وكمال حالته، فإن اعتوَره نقص أو ظهر منه كذب، لم يجز أن يؤهل للنبوة.
الشرط الثاني: إظهارُ معجزٍ يدل على صدقه، ويعجز البشر عن مثله، لتكون مضاهيةً للأفعال الإلهية، وليعلم أنها منه فيصح بها دعوى رسالته؛ لأنه لا يظهرها من كذب عليه، ويكون المعجز دليلًا على صدقه، وصدقه دليلًا على صحة نبوته، وليس بعد إعجاز القرآن إعجاز.
الشرط الثالث: أن يقرن بالمعجزة دعوى النبوة، فإن لم يقترن بالمعجزة دعوى، لم يصبح بظهور المعجزة نبيًا؛ لأن المعجزة تدل على صدق الدعوى فكان صفة لها، فلم يجز أن نثبت الصفة قبل وجود الموصوف، فإن تقدم ظهور المعجز على دعوى النبوة كان تأسيسًا للنبوة، ككلام عيسى ﵇ في المهد تأسيسًا لنبوته، فاحتاج مع دعوى النبوة إلى إحداث معجزة يقترن بها ليدل على صدقه فيها. (١)
وسنتحدث بإذن الله تعالى في هذا الباب حول أدلة إثبات نبوة النبي محمد ﷺ .
أولًا: البشارات بالنبي ﷺ في الكتاب المقدس .
قواعد في ذكر البشارات
القاعدة الأولى:
أن أنبياء بني إسرائيل مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى ﵇، أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بُختَنصَّر وقورش واسكندر وخلفائه، وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحدٌ منهم عن خروج محمد ﷺ الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول، ثم صار شجرة عظيمة تأوي طيور السماء في أغصانها، فكسر الجبابرة والأكاسرة، وبلغ دينه شرقًا وغربًا وغلب الأديان، وامتد دهرًا بحيث مضى على ظهوره مدة ألف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين (٢) ويمتد إن شاء الله إلى آخر بقاء
стр. 1904
الدنيا، وظهر في أمته ألوف ألوف من العلماء الربانيين، والحكماء المتقنين، والأولياء ذوي الكرامات والمجاهدات، والسلاطين العظام. وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث، وما كانت أقل من حادثة أرض أدوم ونينوى وغيرهما، فكيف يجوز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن الحادثة العظيمة؟ (١)
القاعدة الثانية
أن النبيّ المتقدّم إذا أخبر عن النبي المتأخر، لا يشترط في إخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني، وتكون صفته كيت وكيت؛ بل يكون هذا الإخبار في غالب الأوقات مجملًا عند العوام، وأما عند الخواص فقد يصير جليًا بواسطة القرائن، وقد يبقى خفيًا عليهم أيضًا لا يعرفون مصداقه إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عنّي، وظهور صدق ادّعائه بالمعجزات وعلامات النبوة، وبعد الادّعاء وظهور صدقه يصير جليًا عندهم بلا ريب، ولذلك يعاتَبون كما عاتب المسيح ﵇ علماء اليهود بقوله: (٥٢ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ.) لوقا ١١: ٥٢. (٢)
القاعدة الثالثة
ادّعاءُ أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبيًّا آخر غير المسيح وإيلياء، ادّعاءٌ باطل لا أصل له؛ بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضًا، لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇ أولًا: أنت المسيح؟ ولما أنكر، سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر، سألوه: أنت النبيّ؟ أي النبيّ المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبيّ كان منتظرًا مثل المسيح وإيلياء، وكان مشهورًا بحيث ما كان محتاجًا إلى ذكر الاسم؛ بل الإشارة إليه كانت كافية.
وفي إنجيل يوحنا بعد نقل قول عيسى ﵇ هكذا: "فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لمَّا سَمِعُوا
стр. 1905
هذَا الْكَلَامَ قَالُوا: "هذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ آخَرُونَ قَالُوا: "هذَا هُوَ الْمَسِيحُ! ". وظهر من هذا الكلام أيضًا
أن النبي المعهود عندهم كان غير المسيح، ولذلك قابلوا بالمسيح. (١)
القاعدة الرابعة
ادّعاء أن المسيحَ خاتمُ النبيين ولا نبي بعده باطل، لما عرفت في القاعدة الثالثة أنهم كانوا منتظرين للنبي المعهود الآخر الذي يكون غير المسيح وإيلياء ﵈، ولما لم يثبت بالبرهان مجيئه قبل المسيح فهو بعده، ولأنهم يعترفون بنبوة الحواريين وبولس؛ بل بنبوة غيرهم أيضًا.
وفي سفر أعمال الرسل (١١: ٢٧): "٢٧ وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعًا عَظِيمًا كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَةِ، الَّذِي صَارَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ كُلُودِيُوسَ قَيْصَرَ. "فهؤلاء كلهم كانوا أنبياء على تصريح إنجيلهم، وأخبر واحد منهم اسمه أغابوس عن وقوع الجدب العظيم. (٢)
القاعدة الخامسة .
الإخبارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇ لا تصدق عليه، على تفاسير اليهود وتأويلاتهم، ولذلك هم ينكرونه أشدّ الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون في هذا الباب إلى تفاسيرهم وتأويلاتهم ويفسرونها ويؤولونها بحيث تصدق في زعمهم على عيسى ﵇.
وكما أن اليهود ادّعوا في حق بعض الإخبارات التي هي في حق عيسى ﵇ على زعم المسيحيين أنها في حق مسيحهم المنتظر، أو في حق غيره أو ليست في حق أحد، والمسيحيون يدّعون أنها في حق عيسى ﵇ ولا يبالون بمخالفتهم، فكذا نحن لا نبالي بمخالفة المسيحيين في حق بعض الإخبارات التي هي في حقَّ محمدّ ﷺ لو قالوا إنها في حق عيسى
стр. 1906
- ﵇، وسترى أيضًا أن صدقها في حق محمد ﷺ أليق من صدقها في حق عيسى ﵇، فادّعاؤنا أحق من ادّعائهم. (١)
القاعدة السادسة: وجود البشارات وعدمها سواء:
إن وجود البشارات وعدمها في الكتب المشار إليها آنفًا سواء، وجودها مثل عدمها، وعدمها مثل وجودها. فرسالة رسول الإسلام ﷺ ليست في حاجة إلى دليل يقام عليها من خارجها، بحيث إذا لم يوجد ذلك الدليل "الخارجي" بطلت - لا سمح الله - تلك الرسالة؛ فهي رسالة دليلها فيها، ووجود البشارات بها في كتب متقدمة - زمنًا - عليها لا يضيف إليها جديدًا، وعدم وجود تلك البشارات لا ينال منها شيئًا قطّ.
فهي حقيقة قائمة بذاتها لها سلطانها الغني عما سواها. ودليلها قائم خالد صالح للفحص في كل زمان ومكان، باق بقاء رسالته أبد الدهر، أشرق ولم يغب، ظهر ولم يختف، قوي ولم يضعف. علا ولم يهبط، إنه دليل صدق الأنبياء كلهم. فكل الأنبياء مضوا ولم يبق من أدلة صدقهم إلا ما جاء في هذا الدليل "القرآن العظيم" حيث شهد لهم بالصدق والوفاء وأنهم رسل الله المكرمون.
فلا يظنن أحدٌ أننا حين نتحدث عن بشارات الكتب السابقة برسول الإسلام إنما نتلمس أدلّة نحن في حاجة إليها لإثبات صدق رسول الإسلام في دعواه الرسالة. فرسول الإسلام ليس في حاجة إلى "تلك البشارات" حتى ولو سلّم لنا الخصوم بوجودها فله من أدلة الصدق ما لم يحظَ به رسولٌ غيره.
أولًا: بشارات التوراة:
تعددت البشارات برسول الإسلام في التوراة وملحقاتها، ولكن اليهود أزالوا عنها كل معنى صريح، وصيروها نصوصًا احتمالية تسمح لهم بصرفها عنه ﷺ ومع هذا فقد
стр. 1907
بقيت بعد تعديلها وتحريفها قوية الدلالة على معناها "الأصلي" من حملها على رسول الإسلام ﷺ لأن حملها على غيره متعذر أو متعسر أو محال.
فهي أشبهُ ما تكون برسالة مغلقة محي "عنوانها" ولكن صاحب الرسالة قادر - بعد فضّها - أن يثبت اختصاصها به؛ لأن الكلام "الداخلي" الذي فيها يقطع بأنها "له" دون سواه؛ لما فيها من "قرائن" وبينات واضحة ونعرض - فيما يلي - بعضًا منها.
البشارة رقم (١)
١ وَهذِهِ هِيَ الْبَرَكَةُ الَّتِي بَارَكَ بِهَا مُوسَى، رَجُلُ الله، بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ، ٢ فَقَالَ: "جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ (١)، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ (٢) " (التثنية ٣٣: ١ - ٢).
وفي التوراة السامرية: "ولهم لمع من جبل فاران ومعه ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم".
في هذا النص إشارة إلى ثلاث نبوات:
الأولى: نبوة موسى ﵇ التي تلقاها على جبل سيناء.
الثانية: نبوة عيسى ﵇ وساعير هي قرية مجاورة لبيت المقدس، حيث تلقّى عيسى ﵇ أمر رسالته.
الثالثة: نبوة محمد ﷺ وجبل فاران هو المكان الذي تلقى فيه ﷺ أول ما نزل عليه من الوحي، وفاران هي مكة المكرمة مولد ومنشأ ومبعث محمد ﷺ .
وهذه العبارة - مرة أخرى - تضمنت خبرًا وبشارتين:
فالخبر هو تذكير موسى بفضل الله عليه حيث أرسله إليهم رسولًا.
والبشارتان:
الأولى: خاصّة بعيسى ﵇. والثانية: خاصّة بمحمد ﷺ .
стр. 1908
وموقف اليهود منهما النفي: فلا الأولى بشارة بعيسى ابن مريم، ولا الثانية بشارة برسول الإسلام.
أما موقف النصارى فإن النفي - عندهم - خاص ببشارة رسول الإسلام. ولهم في ذلك مغالطات عجيبة، حيث قالوا:
إن "فاران" هي "إيلات" وليست مكة. وأجمع على هذا "الباطل" واضعوا كتاب: "قاموس الكتاب المقدس". وهدفهم منه واضح إذ لو سَلَّمُوا بأن "فاران" هي مكة المكرمة، للزمهم إمّا التصديق برسالة رسول الإسلام ﷺ ، وهذا عندهم قطع الرقاب أسهل عليهم من الإذعان له. .؟ ! ، أو يلزمهم مخالفة كتابهم المقدس. ولم يقتصر ورود ذكر "فاران" على هذا الموضع من كتب العهد القديم، فقد ورد في قصة إسماعيل ﵇ مع أمه هاجر حيث تقول التوراة: "وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: "اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ". فَقَبُحَ الْكَلَامُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. ١٢ فَقَالَ الله لإِبْرَاهِيمَ: "لَا يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلَامِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. ١٣ وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ". (تكوين ٢١: ٩ - ١٣).
وأيضًا "٢٠ وَكَانَ الله مَعَ الْغُلَامِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ. ٢١ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. " (سفر التكوين ٢١: ٢٠ - ٢١).
على أنه يلزم من دعوى واضعى قاموس الكتاب المقدس من تفسيرهم فاران بإيلات أن الكذب باعترافهم وارد في التوراة؛ لأنه لم يبعث نبىّ من "إيلات" حتى تكون البشارة صادقة. ومستحيل أن يكون هو عيسى ﵇؛ لأن العبارة تتحدث عن بدء الرسالات وعيسى تلقى الإنجيل بساعير وليس بإيلات. فليست "فاران" إلا "مكة المكرمة" وباعتراف الكثير منهم، وجبل فاران هو جبل "النور" الذي به غار حراء، الذي تلقى فيه رسول الإسلام ﷺ بدء الوحي.
стр. 1909
وهجرة إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة المكرمة "فاران" أشهر من الشمس.
وترتيب الأحداث الثلاثة في العبارة المذكورة:
- جاء من سيناء.
- وأشرق من ساعير.
- وتلألأ من فاران.
هذا الترتيب الزمنى دليل ثالث على أن "وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ" تبشير قطعي برسول الإسلام ﷺ .
وفى بعض "النسخ" كانت العبارة: "واستعلن من جبل فاران" بدل "تلألأ."
وأيًا كان اللفظ فإن "تلألأ" و"استعلن" أقوى دلالة من "جاء" و"أشرق" وقوة الدلالة هنا ترجع إلى "المدلولات" الثلاثة. فالإشراق جزء من مفهوم "المجيء" وهكذا كانت رسالة عيسى بالنسبة لرسالة موسى ﵉.
أما تلألأ واستعلن فهذا هو واقع الإسلام، رسولًا ورسالة وأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه المغالطة (أعني قولهم: فاران هي إيلات) لها مثيل، حيث تزعم التوراة أن هاجر أم إسماعيل عندما أجهدها العطش هي وابنها إسماعيل بعد أن طردا من وجه "سارة" طلبت الماء فلم تجده إلا بعد أن لقيا ملاك "الرب" في المكان المعروف الآن "ببئر سبع"؟ ! وأنها سميت بذلك لذلك. .؟ ! وكما كذبت فاران دعوى "إيلات" كذَّبت "زمزم الطهور" دعوى" بئر سبع؟
وستظل فاران - مكة المكرمة - وزمزم الطهور "عملاقين" تتحطم على صخورهما كل مزاعم الحقد والهوى (١).
стр. 1910
"ومضمون هذه البشارة موافق لمضمون قوله تعالى في سورة التين ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ١ - ٣].
ففيه إشارة لأماكن بعثة الأنبياء الثلاثة، لكن لما كان المقصودُ في القرآن التعظيم تدرج من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن رسالة موسى أعظم من رسالة عيسى، ورسالة محمد أعظم من رسالتيهما ﷺ ، وكذلك مكة أقدس وأشرف من سيناء والقدس، ولما كان المقصود في التوراة الخبر التاريخي ذكرت هذه الأماكن الثلاثة مرتبة حسب زمان بعثة الأنبياء الثلاثة. . ." (١)
البشارة رقم (٢)
ويجئ نص آخر في التوراة لا محمل له إلا البشارة برسول الإسلام ﷺ مهما غالط المغالطون. وهو قول الله لموسى ﵇ حسب ما تروى التوراة:
"١٨ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. ١٩ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ." (التثنية ١٨: ١٨ - ١٩).
حدث هذا حسب روايات التوراة وعدًا من الله لموسى ﵇ في آخر عهده بالرسالة، وكان يهمه أمر بني إسرائيل من بعده، فأعلمه الله - حسب هذه الرواية التوراتية أنه سيبعث فيهم رسولًا مثل موسى ﵇.
ولقوة دلالة النص على نبوة محمد ﷺ فقد وقف أهل الكتابين - اليهود والنصارى - موقفين مختلفين هدفهما واحد، وهو أن النص ليس بشارة برسول الإسلام ﷺ .
أما اليهود فلهم فيه رأيان: الأول: أن العبارة نفسها ليست خبرًا؛ بل هي نفى، ويقدرون قبل الفعل أقيم "همزة استفهام يكون الاستفهام معها "إنكاريًا" وتقدير النص عندهم هكذا: أأقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك .. ؟ !
стр. 1911
ننقل النص نفسه كما في النسخة العربية المشتركة: "سأقيم لهم نبيًا من بين إخوتهم مثلك وألقي كلامي في فمه، فينقل إليهم جميع ما أكلمه به".
وكما في نسخة كتاب الحياة: "لهذا أقيم لهم نبيًا من بين إخوتهم مثلك، وأضع كلامي في فمه، فيخاطبهم بكل ما آمره به".
أعتقد أنه واضح الآن كما في النسخ هذه: سأقيم، ولهذا أقيم، لا يمكن أن تكون استفهامًا أبدًا.
بطلان هذا الرأي:
وهذا الرأي باطل ولن نذهب في بيان بطلانه إلى أكثر من كلام التوراة نفسها. وذلك؛ لأنه لو كان النص كما ذكروا بهمزة إستفهام إنكاري محذوفة هي في قوة المذكور لكان الكلام نفيًا فعلًا .. ولو كان الكلام نفيًا لما صح أن يعطف عليه قوله بعد ذلك:
١٩ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ"؟ ! فهذا المقطع إثبات قطعًا فهو مرتب على إقامة النبي الذي وعد به المقطع الذي قبله. فدل هذا العطف على أن المقطع السابق وعد خبري ثابت لا نفي. ويترتب على ذلك بطلان القول المذاهب إلى تقدير الاستفهام. .؟ !
الثاني: وقد أحس اليهود ببطلان القول بالاستفهام فاحتاطوا للأمر وقالوا: لا مانع أن يكون النص خبرًا ووعدًا مثبتًا، ولكنه ليس المقصود به عيسى ابن مريم ﵇ ولا محمد بن عبد الله رسول الإسلام ﷺ ، بل المراد به نبي من أنبياء إسرائيل يوشع بن نون فتى موسى، أو صموئيل .. ؟ !
موقف النصارى:
أما النصارى فيحملون البشارة في النص على عيسى ﵇ وينفون أن يكون المراد بها رسول الإسلام ﷺ ، واليهود ينفون أن تكون لعيسى ﵇.
وللنصارى مغالطات عجيبة في ذلك؛ إذ يقولون إن النبي الموعود به ليس من بني إسماعيل بل من بني إسرائيل. ومحمد إسماعيليّ فكيف يرسل الله إلى بني إسرائيل رجلًا ليس منهم.؟ ! كما قالوا: إن موسى أتى بمعجزات ومحمد لم يأت بمعجزات فكيف يكون مثله؟
стр. 1912
الحق الذي لا جدال فيه: والواقع أن كل ما ذهب إليه اليهود والنصارى باطل. ولن نذهب في بيان بطلانه إلى أبعد من دلالة النص المتنازع عليه نفسه. أما الحق الذي لا جدال فيه فإن هذا النص ليس له محمل مقبول إلا البشارة برسول الإسلام ﷺ .
وإليكم البيان: إن النص المتنازع عليه يقيد البشارة بالنبي الموعود به فيه بشرطين:
أحدهما: أنه من وسط إخوة بني إسرائيل.
وثانيهما: أنه مثل موسى ﵇ صاحب شريعة وجهاد لأعداء الله، وهذان الشرطان لا وجود لهما لا في يوشع بن نون، ولا في صموئيل كما يدعي اليهود في أحد قوليهم.
ولا في عيسى ﵇ كما يدعي النصارى.
أما انتفاء الشرط الأول:
فلأن يوشع وصموئيل وعيسى من بني إسرائيل وليسو من وسط إخوة بني إسرائيل. ولو كان المراد واحدًا منهم لقال في الوعد: أقيم لهم نبيًا منهم. .؟ ! هذا هو منهج الوحي في مثل هذه الأمور كما قال في شأن النبي ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
وكما جاء على لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وأما انتفاء الشرط الثاني:
فلأن لا صموئيل ولا يوشع ولا عيسى ابن مريم كانوا مثل "موسى" ﵇، لعدة أوجه:
أولًا: لأنهما من بني إسرائيل، ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى كما يدل عليه هذا النص "١٠ وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (سفر التثنية ٣٤: ١٠) فإن قام أحد مثل موسى بعده من بني إسرائيل، يلزم تكذيب هذا القول.
ثانيًا: فلأنه لا مماثلة بين يوشع وبين موسى ﵉؛ لأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهي، ويوشع ليس كذلك؛ بل هو متبع لشريعته.
стр. 1913
وكذا لا توجد المماثلة التامة بين موسى وعيسى ﵉؛ لأن عيسى ﵇ كان إلهًا وربًا على زعم النصارى وموسى ﵇ كان عبدًا له.
وأن عيسى ﵇ على زعمهم، صار ملعونًا لشفاعة الخلق كما صرح به بولس في الباب الثالث من رسالته إلى أهل غلاطية، وموسى ﵇ ما صار ملعونًا لشفاعتهم.
وأن عيسى ﵇ دخل الجحيم بعد موته كما هو مصرح به في عقائد أهل التثليث، وموسى ﵇ ما دخل الجحيم.
وأن عيسى ﵇ صلب على زعم النصارى ليكون كفارةً لأمته، وموسى ﵇ ما صار كفارةً لأمته بالصلب.
وأن شريعة موسى مشتملةٌ على الحدود والتعزيزات وأحكام الغسل والطهارات والمحرمات من المأكولات والمشروبات، بخلاف شريعة عيسى ﵇، فإنها فارغة عنها على ما يشهد به هذا الإنجيل المتداول بينهم.
وأن موسى ﵇ كان رئيسًا مطاعًا في قومه نفاذًا لأوامره ونواهيه، وعيسى ﵇ لم يكن كذلك.
وأن موسى ﵇ ولد من الأبوين، وعيسى ﵇ ولد بلا أب من عذراء.
وأن موسى ﵇ كان صاحب زوجة وأولاد بخلاف عيسى ﵇، فأين المثلية إذن؟
وثالثًا: أنه وقع في هذه البشارة لفظ "مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ"، ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذاك الوقت مع موسى ﵇ حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم، قال: منهم، أو: من خلفهم، لا من بين إخوتهم؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبية والبطنية ببني إسرائيل. . .".
ورابعًا: أنه وقع في هذه البشارة لفظ سوف أقيم، ويوشع ﵇ كان حاضرًا عند موسى ﵇، داخلًا في بني إسرائيل، نبيًا في هذا الوقت، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟
وخامسًا: أنه وقع في هذه البشارة لفظ: أجعل كلامي في فمه، وهو إشارة إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب، وإلى أنه يكون أميًّا حافظًا للكلام، وهذا لا يصدق على يوشع ﵇ -
стр. 1914
لانتفاء كلا الأمرين فيه، فقد كان يوشع قارئًا للتوراة عاملًا بها ولم ينزل عليه كتاب مستقل.
وهذه الوجوه التي ذكرت وغيرها أيضًا تصدق في حق النبي محمد ﷺ على أكمل صدق، لأنه غير المسيح ﵇، ويماثل موسى ﵇ في أمور كثيرة:
١ - كونه عبد الله ورسوله.
٢ - كونه ذا الوالدين.
٣ - كونه ذا نكاح وأولاد.
٤ - كون شريعته مشتملة على السياسات المدنية.
٥ - كونه مأمورًا بالجهاد.
٦ - اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته.
٧ - وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته.
٨ - اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز.
٩ - حرمة غير المذبوح وقرابين الأوثان.
١٠ - كون شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضات الجسمانية.
١١ - أمره بحد الزنا.
ووجوه أخرى كثيرة. (١)
الشرطان متحققان في رسول الإسلام ﷺ :
وبنفس القوة والوضوح اللذين انتفى الشرطان بهما عمن ذكروا من الأنبياء ثبت ذلك الشرطان لمحمد بن عبد الله ﷺ .
فهو من نسل إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحق، الذي هو أبو يعقوب المسمى إسرائيل. فهو من وسط إخوة بني إسرائيل - بنو عمومتهم - وليس من إسرائيل نفسها. وبهذا تحقق
стр. 1915
الشرط الأول من شرطي البشارة.
ومحمد ﷺ صاحب شريعة جليلة الشأن لها سلطانها الخاص بها - جمعت فأوعت - مثلما كان موسى - أكبر رسل بني إسرائيل - صاحب شريعة مستقلة كانت لها منزلتها التي لم تضارع فيما قبل من بدء عهد الرسالات إلى مبعث عيسى ﷺ
وبهذا يتحقق الشرط الثاني من شرطي البشارة وهو "المثلية" بين موسى ومحمد (عليهما صلوات الله وسلامه)، فعلى القارئ أن يتأمل ثم يحكم. (١)
ويقول الأستاذ: إبراهيم خليل أحمد في كتابه "محمد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن":
"ويشاء الله - وهو العليم بجبلة بني إسرائيل - كما وضح لنا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦].
يشاء الله تعالى أن يجعل الأمر لبني إسرائيل طلسمًا حتى لا يحرفوا الكلم عن مواضعه، فيظهر الحق ويزهق الباطل، ويحرصوا على حماية الرسول الكريم، لكنهم كانوا يظنون أنه إسرائيلي لا عربي، فلما بعث رسول الله ﷺ خاب رجاؤهم وقابلوه بعدوان، كأنه اغتصب منهم النبوة والكتاب والملك." (٢)
البشارة رقم (٣)
وتنسب التوراة إلى نبي يدعى "حبقوق" من أنبياء العهد القديم، وله سفر صغير قوامه ثلاثة إصحاحات. تنسب إليه التوراة نصوصًا كان يصلي بها. تضمنها الإصحاح الثالث من سفره. وهذا الإصحاح يكاد يكون كله بشارة برسول الإسلام ﷺ .
وإليكم مقاطع منه:
стр. 1916
"٣ الله جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلَاهْ. جَلَالُهُ غَطَّى السَّماوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ. ٤ وَكَانَ لمَعَانٌ كَالنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتهِ. ٥ قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى. ٦ وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ. نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ وَخَسَفَتْ آكَامُ الْقِدَمِ. مَسَالِكُ الأَزَلِ لَهُ."
"بِسَخَطٍ دُسْتَ الأُمَمَ. ١٣ خَرَجْتَ لِخَلَاصِ شَعْبِكَ، لِخَلَاصِ مَسِيحِكَ. سَحَقْتَ رَأْسَ بَيْتِ الشِّرِّيرِ مُعَرِّيًا الأَسَاسَ حَتَّى الْعُنُقِ. سِلَاهْ.".
دلالات هذه الإشارات:
لا يستطيع عاقل عالم بتاريخ الرسالات ومعاني التراكيب أن يصرف هذه النصوص على غير البشارة برسول الإسلام ﷺ . فالجهتان المذكورتان في مطلع هذا المقطع وهما تيمان: يعني اليمن - وهي جزء من بلاد العرب - ومعنى كلمة تيمان الصحراء الجنوبية؛ لأنها جنوب بلاد الشام ولا يزال إلى الآن على طريق القوافل بين دمشق ومكة قرية تسمى (تيماء) ومعنى هذه الكلمة أيضًا الصحراء الجنوبية.
وجبل فاران: يعني جبل النور الذي بمكة المكرمة التي هي فاران. هاتان الجهتان عربيتان. وهما رمز لشبه الجزيرة العربية التي كانت مسرحًا أوليًا لرسالة محمد ﷺ فليس المراد إذن نبيًا من بني إسرائيل؛ لأنه معلوم أن رسل بني إسرائيل كانت تأتى من جهة الشَّام شمالًا. لا من جهة بلاد العرب. وهذه البشارة أتت مؤكدة للبشارة المماثلة، التي تقدم ذكرها من سفر التثنية، وقد ذكرت أن الله: تلألأ أو استعلن من جبل فاران.
بيد أن بشارة التثنية شملت الإخبار بمقدم موسى ﵇ والتبشير بعيسى ﵇ وبمحمد ﷺ ، أما بشارة حبقوق فهي خاصة برسول الإسلام ﷺ . ولو لم يكن في كلام حبقوق إلا هذا "التحديد" لكان ذلك كافيًا في اختصاص بشارته برسول الإسلام ﷺ ومع هذا فقد اشتمل كلام حبقوق على دلائل أخرى ذات مغزى:
منها: الإشارة إلى كثرة التسبيح حتى امتلأت منه الأرض. .؟
ومنها: دكه ﷺ لعروش الظلم والطغيان وقهر الممالك الجائرة.
стр. 1917
ومنها: أن خيل جيوشه ركبت البحر، وهذا لم يحدث إلا في ظل رسالة الإسلام. (١)
البشارة رقم (٤):
في المزامير المنسوبة إلى داود ﵇ وردت كثير من العبارات التي لا يصح حمل معناها إلا على رسول الإسلام ﷺ .
ومن ذلك قول داود مزمور (٤٥: ٢ - ١٧):
٢ أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ الله إِلَى الأَبَدِ. ٣ تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلَالَكَ وَبَهَاءَكَ. ٤ وَبِجَلَالِكَ اقْتَحِمِ. ارْكَبْ. مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ وَالدَّعَةِ وَالْبِرِّ، فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِفَ. ٥ نَبْلُكَ الْمَسْنُونَةُ فِي قَلْبِ أَعْدَاءِ الْمَلِكِ. شُعُوبٌ تَحْتَكَ يَسْقُطُونَ.
٦ كُرْسِيُّكَ يَا الله إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. ٧ أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ الله إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. ٨ كُلُّ ثِيَابِكَ مُرٌّ وَعُودٌ وَسَلِيخَةٌ. مِنْ قُصُورِ الْعَاجِ سَرَّتْكَ الأَوْتَارُ. ٩ بَنَاتُ مُلُوكٍ بَيْنَ حَظِيَّاتِكَ. جُعِلَتِ الْمَلِكَة عَنْ يَمِينِكَ بِذَهَبِ أُوفِيرٍ.
١٠ اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَانْظُرِي، وَأَمِيلي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، ١١ فَيَشْتَهِيَ الْمَلِكُ حُسْنَكِ، لأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُكِ فَاسْجُدِي لَهُ. ١٢ وَبِنْتُ صُورٍ أَغْنَى الشُّعُوبِ تَتَرَضَّى وَجْهَكِ بِهَدِيَّةٍ.
١٣ كُلُّهَا مَجْدٌ ابْنَةُ الْمَلِكِ فِي خِدْرِهَا. مَنْسُوجَةٌ بِذَهَبٍ مَلَابِسُهَا. ١٤ بِمَلَابِسَ مُطَرَّزَةٍ تُحْضَرُ إِلَى الْمَلِكِ. في إِثْرِهَا عَذَارَى صَاحِبَاتُهَا. مُقَدَّمَاتٌ إِلَيْكَ. ١٥ يُحْضَرْنَ بِفَرَحٍ وَابْتِهَاجٍ. يَدْخُلْنَ إِلَى قَصْرِ الْمَلِكِ. ١٦ عِوَضًا عَنْ آبَائِكَ يَكُونُ بَنُوكَ، تُقِيمُهُمْ رُؤَسَاءَ فِي كُلِّ الأَرْضِ. ١٧ أَذْكُرُ اسْمَكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ تَحْمَدُكَ الشُّعُوبُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأبد.
وقد ذكر داود ﵇ في هذا الزبور من صفات النبي المبشر به هذه الصفات:
стр. 1918
كونه حسنًا. كونه أفضل البشر. كون النعمة منسكبة على شفتيه. كونه مباركًا إلى الدهر. كونه متقلدًا بالسيف. كونه قويًا. كونه ذا حق ودعة وصدق. كون هداية يمينه بالعجب. كون نبله مسنونة. سقوط الشعب تحته. كونه محبًا للبر ومبغضًا للإثم. خدمة بنات الملوك إياه. إتيان الهدايا إليه. انقياد كل أغنياء الشعب له. كون أبنائه رؤساء الأرض بدل آبائهم.
وهذه الأوصاف كلها توجد في محمد ﷺ على أكمل وجه. (١)
وقفة مع هذا الكلام.
في المقطع الأول:
أ) لا تنطبق الأوصاف التي ذكرها داود إلّا على رسول الإسلام ﷺ فهو الذي قاتل بسيفه في سبيل الله، وسقطت أمامه شعوب عظيمة كالفرس والروم. وهو الممسوح بالبركة أكثر من رفقائه الأنبياء؛ لأنه خاتم النبيين، ورسالته عامة خالدة، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ولم يترك رسول هدىً وبيانًا مثلما ترك رسول الإسلام في القرآن الحكيم، وفى أحاديثه وتوجيهاته، التي بلغت مئات الآلاف، وتعددت المصادر التي سجلتها، وفيها من روائع البيان، وصفاء الألفاظ، وشرف المعاني ما ليس في غيرها.
أما المقطع الثاني (ب):
فهو أوصاف للكعبة الشريفة. فهي التي تترضاها الأمم بالهدايا. وهي ذات الملابس المنسوجة بالذهب والمطرزة، وهي التي يذكر اسمها في كل دور، وتأتيها قوافل "الحجيج "رجالًا ونساءً من كل مكان فيدخل الجميع في "قصر الملك" ويحمدها الناس إلى الأبد؛ لأن الرسالة المرتبطة بها رسالة عامة: لكل شعوب الأرض الإنس والجن؛ بل والملائكة. وفى مواسم الحج يأتيها القاصدون من جميع بقاع الأرض مسلمين ورعايا مسلمين من
١٢ لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجْزَائِرِ. ١٣ الربُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ."
دلالة هذه النصوص
بلا أدنى ريب فإن هذا الكلام المنسوب إلى أشعيا وصف لمكة المكرمة وكعبتها الشامخة.
فالمقطع الأول:
إنما هو حديث عن موسم الحج المبارك، فيه يجتمع بنوها حولها من كل مكان، وفيه لمحة قوية جدًّا إلى نحر الهدي صبيحة العيد. ألم يشر النص إلى غنم قيدار، وقيدار هو ولد إسماعيل ﵇ الذي تشعبت منه قبائل العرب. ثم ألم ينص على المذبح الذي تنحر عليه الذبائح؟ كما أشار النص ثلاث إشارات تعد من أوضح الأدلة على أن المراد بهذا النص مكة المكرمة. وتلك الإشارات هي طرق حضور الحجاج إليها. ففي القديم كانت وسائل النقل: ركوب الجمال. ثم السفن. أما في العصر الحديث فقد جدَّت وسيلة النقل الجوي "الطائرات" وبشارة أشعيا تضمنت هذه الوسائل الثلاث على النحو الآتي:
١ - الجمال، قال فيها: تغطيك كثرة الجمال.؟ !
٢ - السفن، قال فيها: وسفن ترشيش تأتى ببنيك من بعيد؟ !
٣ - النقل الجوى، وفيه يقول: من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها.؟ ! ! أليس هذا أوضح من الشمس في كبد السماء.
على أن النص ملئٌ بعد ذلك بالدقائق والأسرار، ومنها أن مكة مفتوحةُ الأبواب ليلًا ونهارًا لكل قادم في حج أو عمرة .. ؟ !
ومنها أن خيرات الأمم تجبى إليها من كل مكان، والقرآن يقرر هذا المعنى في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
ومنها: أن بني الغريب (يعني غير العرب) يبنون أسوارها. وكم من الأيدي العاملة الآن، وذوى الخبرات يعملون فيها ويشيدون قلاعها فوق الأرض وتحت الأرض.
стр. 1921
ومنها أنه ما من عاصمة من عواصم العالم إلا دخلت في محنة من أهلها أو من غير أهلها إلا هذه العاصمة المقدسة فظلت بمأمن من غارات الغائرين وكيد الكائدين، ومثلها المدينة المنورة.
ومنها: كثرة الثروات التي مَنَّ الله بها عليها. أليس البترول من ثروات البحر العظمى التي تفجرت أرض الحجاز وشبه الجزيرة منه عيونًا دفاقة بمعدل لم تصل إليه أمة من الأمم. أضف إلى ذلك سبائك الذهب والفضة.
والحديث عن مكة المكرمة حديث عن رسول الإسلام؛ لأن مجدها لم يأت إلا على يدي بعثته ﷺ .
هذه الحقائق لا تقبل الجدل. ومع هذا فإن أهل الكتاب (وخاصة اليهود) يحملون هذه الأوصاف على مدينة "صهيون" ولهذا فإنهم عمدوا إلى النص وعدلوه ليصلح لهذا الزعم.
ولكننا نضع الأمر بين يدي المنصفين من كل ملة. أهذه الأوصاف يمكن أن تطلق على مدينة "صهيون".
لقد خرب "بيت الرب" في القدس مرارًا، وتعرض لأعمال شنيعة على كل العصور. أما الكعبة الشريفة والمسجد الحرام فلم يصل أحد إليهما بسوء، ثم أين ثروات البحر والبر التي تجبى إلى تلك المدينة وأهلها (إلى الآن) يعيشون عالة على صدقات الأمم.
وأين هي المواكب التي تأتى إليها برًا وبحرًا وجَوًّا، وهل أبوابها مفتوحة ليلًا ونهارًا، وأين هم بنوها الذين اجتمعوا حولها.
وما صلة غنم قيدار وكباش مدين بها. وأين هو التسبيح الذي يشق عنان السماء منها. . وأين. وأين .. ؟
إن هذه المغالطات لا تثبت أمام قوة الحق، ونحن يكفينا أن نقيم هذه الأدلة من كتبهم على صدق الدعوى، ولا يهمنا أن يذعن القوم لما نقول، فحسبك من خصمك أن تثبت باطل ما يدعيه أمام الحق الذي تدافع عنه.
стр. 1922
والفاصل بيننا - في النهاية - هو الله الذي لا يُبدل القول لديه. (١)
البشارة رقم (٦)
ورد في سفر التثنية (٣٢: ٢١): "هُمْ أَغَارُونِي بِمَا لَيْسَ إِلهًا، أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا لَيْسَ شَعْبًا، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ."
وفي التوراة السامرية "هم أسخطوني بغير قادر أكادوني بهبائهم وأنا أغيرهم بغير قوم بشعب ساقط أكيدهم".
التعليق على البشارة:
والمراد بشعبٍ جاهلٍ العرب؛ لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، وما كان عندهم علم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر الجارية. فمقصود الفقرة أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون، فأوفى بما وعد فبعث من العرب النبي ﷺ فهداهم إلى الصراط المستقيم كما قال الله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
البشارة رقم (٧)
ورد في سفر التكوين (٤٩: ١٠):
"١٠ لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ."
التعليق على البشارة:
والمقصود بكلمة "شيلون" هو "الذي له الكل" أو "الذي هو له" وبهذا التفسير جاءت في ترجمة سنة ١٨١١ م، وسنة ١٨٢٢ م، وسنة ١٨٣١ م، وسنة ١٨٤٤ م.
فهو يخبرهم عن وقت زوال الملك والشريعة عنهم في آخر الأيام.
стр. 1923
وأما نسخة الرهبانية اليسوعية، فالنص فيها: "لا يزول الصولجان من يهوذا، ولا عصا القيادة من بين قدميه، إلا أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب".
والنص حسب ترجمة يوناثان أوضح، وفيه "لا يتوقف الملوك والحكام من عائلة يهوذا ولا يتوقف معلمو الشريعة من نسله حتى الملك المسيا أصغر أبنائه". (١)
وحسب الترجمة التي ترجمها عبد الأحد داود "لا يزول الصولجان من يهوذا أو التشريع من بين قدميه حتى يأتي شايلوه ويكون له خضوع الأمم".
وبين التراجم الثلاثة اختلافات، ولكن الاختلاف الأهم هو في كلمة "شِيلُونُ" التي أبقتها الترجمات على حالها، وفي تراجم عبرانية أخرى قيل: "إلى أن يأتي المسيح"، وقد فسر القس إبراهيم لوقا "شيلون" بالمسيح، واعتبرها ترجمة صحيحة لكلمة "شيلوه" العبرية، وذكرت الطبعة الأمريكية للكتاب المقدس في هامشها أن كلمة "شيلون" تعني "الأمان"، أو: الذي له.
فما هو المعنى الدقيق للكلمة "شيلون" التي تدور حولها النبوءة؟
في إجابة على هذا السؤال يرى القس السابق والخبير في اللغات القديمة:
عبد الأحد داود أن كلمة "شيلون" لا تخرج في أصلها العبري عن معان، أهمها:
أن تكون الكلمة سريانية مكونة من كلمتي "بشيتا" و"لوه" ومعنى الأولى منهما: "هو" أو "الذي"، والثانية: لوه، معناها "له"، ويصبح معنى النبوءة حسب ترجمته المفسرة: "إن الطابع الملكي المتنبئ لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصه هذا الطابع، ويكون له خضوع الشعوب".
أن تكون الكلمة محرفةً من كلمة "شيلواح" ومعناها "رسول الله" كما يعبر بالكلمة مجازًا عن الزوجة المطلقة؛ لأنها ترسل بعيدًا، وتفسير الكلمة بالرسالة: مال إليه القديس جيروم، فترجم العبارة "ذلك الذي أرسل".
стр. 1924
وأيًا ما كان المعنى؛ فإن النبوءة تتحدث عن شخص تدعوه: شيلون، وليس عن المكان المسمى "شيلون" كما ادعى بعض المفسرين، فمن هو شيلون؟
يمكن التأكد من تحقق نبوءة يعقوب حرفيًا في (محمد) من الحجج التالية:
- هناك إجماع بين المعلقين أن التعبيرين المجازيين: (الصولجان) و (التّشريع) معناهما (السلطة الدنيوية) و (النبوءة) على التوالي.
- إن الترجمة السريانية للكتاب المقدس (البشيتا) ترجمت كلمة (شايلوه) إلى الشخص الذي يخصه الصولجان والتشريع، وهو الذي يمتلك السلطة وحق التشريع وتخضع له الأمم.
فمن يكون هذا السلطان والمشرع العظيم؟
قطعًا ليس موسى؛ لأنه كان أول منظم لقبائل إسرائيل الإثنى عشر ولم يأت قبله أي ملك أو نبي من سبط يهوذا أصلًا.
وحتمًا ليس داود؛ لأنه كان أول ملك ونبي من نسل يهوذا نفسه.
كما أنه ليس عيسى المسيح؛ لأنه أعلم بنفسه أن المسيح الذي تنتظره إسرائيل لن يكون من نسل داود (متى ٢٢: ٤٤ - ٤٥، مرقص ١٢: ٣٥ - ٣٧، لوقا ٢٠: ٤١ - ٤٤).
غير أن محمدًا ﷺ جاء بالسلطة الدنيوية وبالقرآن يحلان محل الصولجان اليهودي المهترئ والشريعة البالية غير العملية والكهنوت الفاسد.
أعلن محمد ﷺ أنقى الأديان وتوحيد الإله الحق، ووضع أفضل القواعد العملية لأخلاق وسلوك البشر، ووحد بالإسلام أممًا من كل الأجناس لا تشرك بالله شيئًا، تطيع الرسول وتحبه وتحترمه، ولكنها لا تعبده ولا تقدسه ولا تجعله إلاهًا.
كما أن محمدًا ﷺ قد سحق آخر معاقل اليهود في قريظة وخيبر ووضع نهاية لنفوذهم. (١)
البشارة رقم (٨)
стр. 1925
ورد في المزمور (١٤٩: ٦ - ٩): "تَنْوِيهَاتُ الله فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَسَيْفٌ ذُو حَدَّيْنِ فِي يَدِهِمْ. ٧ لِيَصْنَعُوا نَقْمَةً فِي الأُمَمِ، وَتَأْدِيبَاتٍ فِي الشُّعُوبِ. ٨ لأَسْرِ مُلُوكِهِمْ بِقُيُودٍ، وَشُرَفَائِهِمْ بِكُبُول مِنْ حَدِيدٍ. ٩ لِيُجْرُوا بِهِمُ الْحُكْمَ الْمَكْتُوبَ. كَرَامَةٌ هذَا لِجَمِيعِ أَتْقِيَائِهِ. هَلِّلُويَا.".
التعليق على البشارة:
" ففي هذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك، وعن مطيعه بالأبرار، وذكر من أوصافهم افتخارهم بالمجد وترفيع الله في حلوقهم، وكون سيوف ذات فمَيْنِ في أياديهم، وانتقامهم من الأمم وتوبيخاتهم للشعوب، وأسرهم الملوك والأشراف بالقيود والأغلال من حديد. فأقول: المبشر به هو محمد ﷺ وأصحابه ﵃، ويصدق جميع الأوصاف المذكورة في هذا الزبور عليه وعلى أصحابه.
وليس المبشر به سليمان ﵇؛ لأنه ما وسع مملكته على مملكة أبيه على زعم أهل الكتاب؛ ولأنه صار مرتدًا عابدًا الأصنام في آخر عمره على زعمهم، ولا عيسى ابن مريم ﵉؛ لأنه بمراحل عن الأوصاف المذكورة فيه؛ لأنه أسر ثم قتل على زعمهم، وكذا أسر أكثر حواريّه بالقيود والأغلال، ثم قتلوا بأيدي الملوك والأشراف الكفار. (١)
البشارة رقم (٩) .
ورد في سفر إشعياء (٤٢: ٩ - ١٧): "٩ هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا ١٠ غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، ١١ لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا. ١٢ لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ. ١٣ الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. ١٤ "قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنْخُرُ مَعًا. ١٥ أُخَرِّبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ، وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ
стр. 1926
الآجَامَ، ١٦ وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلَا أَتْرُكُهُمْ. ١٧ قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا! ".
التعليق على البشارة:
المقصود بقوله "أُغْنِيَةً جَدِيدَةً" عبارة عن العبادة على النهج الجديد التي هي في الشريعة المحمدية، وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر وأهل المدن والبراري، إشارة إلى عموم نبوته ﷺ ، ولفظ "قِيدَار" أقوى إشارة إليه؛ لأن محمدًا ﷺ في أولاد قيدار بن إسماعيل.
وقوله "مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا" إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في أيام الحج، يصيح ألوف ألوف من الناس بلبيك اللهم لبيك.
وقوله "١٢ لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ." إشارة إلى الأذان يخبر به ألوف ألوف في أقطار العالم في الأوقات الخمسة بالجهر.
وقوله "١٣ الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ" يشير إلى مضمون الجهاد إشارةً حسنةً، بأن جهاده وجهاد تابعيه يكون للهّ وبأمره، خاليًا عن حظوظ الهوى النفسانية، ولذلك عبر الله عن خروج هذا النبيّ وخروج تابعيه بخروجه، وبيَّن في الآية الرابعة عشر سبب مشروعية الجهاد وأشار في الآية السادسة عشر إلى حال العرب؛ لأنهم كانوا غير واقفين على أحكام الله، وكانوا يعبدون الأصنام، وكانوا مبتلين بأنواع الرسوم القبيحة الجاهلية، كما قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] وقوله "وَلَا أَتْرُكُهُمْ." إشارة إلى كون أمته مرحومة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وإلى تأييد شريعته.
وقوله "الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا! " وعد بأن عابدي الأصنام والأوثان كمشركي العرب وعابدي الصليب وصور القديسين يحصل لهم الخزي والهزيمة التامة، ووفَّى بما وعد. فإن مشركي العرب، وهرقل عظيم الروم، وكسرى فارس ما
الْحَدَّادَ الَّذِي يَنْفُخُ الْفَحْمَ فِي النَّارِ وَيُخْرِجُ آلَةً لِعَمَلِهِ، وَأَنَا خَلَقْتُ الْمَهْلِكَ لِيَخْرِبَ. "كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لَا تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ".
التعليق على البشارة:
المراد "بالعاقر" في الفقرة الأولى مكة المعظمة؛ لأنها لم يظهر منها نبيٌّ بعد إسماعيل ﷺ ، ولم ينزل فيها وحيٌ بخلاف أورشليم؛ لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي.
وقوله "بَنِي الْمُسْتَوْحِشَةِ" عبارة عن أولاد هاجر؛ لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة من البيت ساكنة في البر، ولذلك وقع - في حق إسماعيل - في وعد الله هاجر (وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا) كما هو مصرح به سفر التكوين (١٦: ١١ - ١٢).
وقوله "بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ" عبارة عن أولاد سارة. فخاطب الله مكة آمرًا لها بالتسبيح والتهليل وإنشاد الشكر، لأجل أن كثيرين من أولاد هاجر صاروا أفضل من أولاد سارة، فحصلت الفضيلة لها بسبب حصول الفضيلة لأهلها، ووفَّى بما وعد بأن بعث محمدًا ﷺ رسولًا أفضل البشر خاتم النبيين من أهلها في أولاد هاجر، وهو المراد بالصائغ الذي ينفخ في النار جمرًا، وهو القَتُول الذي خُلق لإهلاك المشركين، وحصل لها السَّعة بواسطة هذا النبي وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا؛ إذ لا يوجد معبد مثل الكعبة من ظهور محمد ﷺ إلى هذا الحين، والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين في كل سنة من مدة كبيرة، لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين، مرة في عهد سليمان ﵇ لما فرغ من بنائه، ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا، ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء الله كما وعد الله بقوله: (لَا تَخَافِي لأَنَّكِ لَا تَخْزَيْنَ، وَلَا تَخْجَلِي لأَنَّكِ لَا تَسْتَحِينَ.) وبقوله: (برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك) وبقوله: (حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك)، وبقوله: (رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك)، وملك زرعها شرقًا وغربًا وورثوا الأمم وعمروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة، ومثل هذه الغلبة في مثل هذه المدة القليلة، لم يسمع من عهد آدم ﵇ إلى زمان محمد ﷺ -
стр. 1929
لمن يدّعي الدين الجديد. وهذا مفاد قول الله، وزرعك يرث الأمم، ويعمر المدن الخربة سلاطين الإسلام سلفًا وخلفًا اجتهدوا اجتهادًا تامًا في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما، وحفر الآبار والبرك والعيون في مكة ونواحيها إلى الآن.
والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين، سيّما في هذا الزمان، وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة وديار بعيدة، ووفّى بما وعد بقوله كل إناء مجبول بضدك لا ينجح، لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذله الله كما وقع بأصحاب الفيل، . . .، وبحسب الوعد المذكور لا يدخل الأعور الدجال مكة ويرجع خائبًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة. (١)
البشارة رقم (١١)
ورد في سفر إشعياء (٦٥: ١ - ٦):
" ١"أَصْغَيْتُ إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا. وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطلُبُونِي. قُلْتُ: هأَنَذَا، هأَنَذَا. لأُمَّةٍ لم تُسَمَّ بِاسْمِي. بَسَطْتُ يَدَيَّ طُولَ النَّهَارِ إِلَى شَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ سَائِرٍ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ صَالِحٍ وَرَاءَ أَفْكَارِهِ. ٣ شَعْبٍ يُغِيظُنِي بِوَجْهِي. دَائِمًا يَذْبَحُ فِي الْجَنَّاتِ، وَيُبَخِّرُ عَلَى الآجُرِّ. ٤ يَجْلِسُ فِي الْقُبُورِ، وَيَبِيتُ فِي الْمَدَافِنِ. يَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَفي آنِيَتِهِ مَرَقُ لُحُومٍ نَجِسَةٍ. ٥ يَقُولُ: قِفْ عِنْدَكَ. لَا تَدْنُ مِنِّي لأَنِّي أَقْدَسُ مِنْكَ. هؤُلَاءِ دُخَانٌ فِي أَنْفِي، نَارٌ مُتَّقِدَةٌ كُلَّ النَّهَارِ. ٦ هَا قَدْ كُتِبَ أَمَامِي. لَا أَسْكُتُ بَلْ أُجَازِي. أُجَازِي فِي حِضْنِهِمْ."
فالمراد "الَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا" و"الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي" العرب؛ لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه، فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].