الآجَامَ، ١٦ وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلَا أَتْرُكُهُمْ. ١٧ قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا! ".
التعليق على البشارة:
المقصود بقوله "أُغْنِيَةً جَدِيدَةً" عبارة عن العبادة على النهج الجديد التي هي في الشريعة المحمدية، وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر وأهل المدن والبراري، إشارة إلى عموم نبوته ﷺ ، ولفظ "قِيدَار" أقوى إشارة إليه؛ لأن محمدًا ﷺ في أولاد قيدار بن إسماعيل.
وقوله "مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا" إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في أيام الحج، يصيح ألوف ألوف من الناس بلبيك اللهم لبيك.
وقوله "١٢ لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ." إشارة إلى الأذان يخبر به ألوف ألوف في أقطار العالم في الأوقات الخمسة بالجهر.
وقوله "١٣ الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ" يشير إلى مضمون الجهاد إشارةً حسنةً، بأن جهاده وجهاد تابعيه يكون للهّ وبأمره، خاليًا عن حظوظ الهوى النفسانية، ولذلك عبر الله عن خروج هذا النبيّ وخروج تابعيه بخروجه، وبيَّن في الآية الرابعة عشر سبب مشروعية الجهاد وأشار في الآية السادسة عشر إلى حال العرب؛ لأنهم كانوا غير واقفين على أحكام الله، وكانوا يعبدون الأصنام، وكانوا مبتلين بأنواع الرسوم القبيحة الجاهلية، كما قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] وقوله "وَلَا أَتْرُكُهُمْ." إشارة إلى كون أمته مرحومة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وإلى تأييد شريعته.
وقوله "الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا! " وعد بأن عابدي الأصنام والأوثان كمشركي العرب وعابدي الصليب وصور القديسين يحصل لهم الخزي والهزيمة التامة، ووفَّى بما وعد. فإن مشركي العرب، وهرقل عظيم الروم، وكسرى فارس ما
الْحَدَّادَ الَّذِي يَنْفُخُ الْفَحْمَ فِي النَّارِ وَيُخْرِجُ آلَةً لِعَمَلِهِ، وَأَنَا خَلَقْتُ الْمَهْلِكَ لِيَخْرِبَ. "كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لَا تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ".
التعليق على البشارة:
المراد "بالعاقر" في الفقرة الأولى مكة المعظمة؛ لأنها لم يظهر منها نبيٌّ بعد إسماعيل ﷺ ، ولم ينزل فيها وحيٌ بخلاف أورشليم؛ لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي.
وقوله "بَنِي الْمُسْتَوْحِشَةِ" عبارة عن أولاد هاجر؛ لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة من البيت ساكنة في البر، ولذلك وقع - في حق إسماعيل - في وعد الله هاجر (وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا) كما هو مصرح به سفر التكوين (١٦: ١١ - ١٢).
وقوله "بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ" عبارة عن أولاد سارة. فخاطب الله مكة آمرًا لها بالتسبيح والتهليل وإنشاد الشكر، لأجل أن كثيرين من أولاد هاجر صاروا أفضل من أولاد سارة، فحصلت الفضيلة لها بسبب حصول الفضيلة لأهلها، ووفَّى بما وعد بأن بعث محمدًا ﷺ رسولًا أفضل البشر خاتم النبيين من أهلها في أولاد هاجر، وهو المراد بالصائغ الذي ينفخ في النار جمرًا، وهو القَتُول الذي خُلق لإهلاك المشركين، وحصل لها السَّعة بواسطة هذا النبي وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا؛ إذ لا يوجد معبد مثل الكعبة من ظهور محمد ﷺ إلى هذا الحين، والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين في كل سنة من مدة كبيرة، لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين، مرة في عهد سليمان ﵇ لما فرغ من بنائه، ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا، ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء الله كما وعد الله بقوله: (لَا تَخَافِي لأَنَّكِ لَا تَخْزَيْنَ، وَلَا تَخْجَلِي لأَنَّكِ لَا تَسْتَحِينَ.) وبقوله: (برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك) وبقوله: (حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك)، وبقوله: (رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك)، وملك زرعها شرقًا وغربًا وورثوا الأمم وعمروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة، ومثل هذه الغلبة في مثل هذه المدة القليلة، لم يسمع من عهد آدم ﵇ إلى زمان محمد ﷺ -
стр. 1929
لمن يدّعي الدين الجديد. وهذا مفاد قول الله، وزرعك يرث الأمم، ويعمر المدن الخربة سلاطين الإسلام سلفًا وخلفًا اجتهدوا اجتهادًا تامًا في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما، وحفر الآبار والبرك والعيون في مكة ونواحيها إلى الآن.
والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين، سيّما في هذا الزمان، وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة وديار بعيدة، ووفّى بما وعد بقوله كل إناء مجبول بضدك لا ينجح، لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذله الله كما وقع بأصحاب الفيل، . . .، وبحسب الوعد المذكور لا يدخل الأعور الدجال مكة ويرجع خائبًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة. (١)
البشارة رقم (١١)
ورد في سفر إشعياء (٦٥: ١ - ٦):
" ١"أَصْغَيْتُ إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا. وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطلُبُونِي. قُلْتُ: هأَنَذَا، هأَنَذَا. لأُمَّةٍ لم تُسَمَّ بِاسْمِي. بَسَطْتُ يَدَيَّ طُولَ النَّهَارِ إِلَى شَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ سَائِرٍ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ صَالِحٍ وَرَاءَ أَفْكَارِهِ. ٣ شَعْبٍ يُغِيظُنِي بِوَجْهِي. دَائِمًا يَذْبَحُ فِي الْجَنَّاتِ، وَيُبَخِّرُ عَلَى الآجُرِّ. ٤ يَجْلِسُ فِي الْقُبُورِ، وَيَبِيتُ فِي الْمَدَافِنِ. يَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَفي آنِيَتِهِ مَرَقُ لُحُومٍ نَجِسَةٍ. ٥ يَقُولُ: قِفْ عِنْدَكَ. لَا تَدْنُ مِنِّي لأَنِّي أَقْدَسُ مِنْكَ. هؤُلَاءِ دُخَانٌ فِي أَنْفِي، نَارٌ مُتَّقِدَةٌ كُلَّ النَّهَارِ. ٦ هَا قَدْ كُتِبَ أَمَامِي. لَا أَسْكُتُ بَلْ أُجَازِي. أُجَازِي فِي حِضْنِهِمْ."
فالمراد "الَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا" و"الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي" العرب؛ لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه، فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
٤٣ وَبِمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ بِنَسْلِ النَّاسِ، وَلكِنْ لَا يَتَلَاصَقُ هذَا بِذَاكَ، كَمَا أَنَّ الْحَدِيدَ لَا يَخْتَلِطُ بِالْخَزَفِ. ٤٤ وَفِي أَيَّامِ هؤُلَاءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. ٤٥ لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لَا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. الله الْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هذَا. الْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ"."
التعليق على البشارة:
" فالمراد بالمملكة الأولى سلطنة بُختنصَّر، وبالمملكة الثانية سلطنة الماديين (١) الذين تسلطوا بعد قتل بلشاصر بن بختنصر (٢) كما هو مصرح به في الإصحاح الخامس من نفس هذا السفر (٥: ٣٠ - ٣١) "٣٠ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قُتِلَ بَيْلْشَاصَّرُ مَلِكُ الْكَلْدَانِيِّينَ، ٣١ فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً."، وسلطنتهم كانت ضعيفة بالنسبة إلى سلطنة الكلدانيين.
والمراد بالمملكة الثالثة سلطنة الكيانيين (٣) لأن قورش ملك إيران الذي هو بزعم القسيسين كيخسر، وتسلط على بابل قبل ميلاد المسيح بخمسمائة وست وثلاثين سنةً، ولما كان الكيانيون على السلطنة القاهرة فكأنهم كانوا متسلطين على جميع الأرض.
والمراد بالمملكة الرابعة سلطنة اسكندر بن فيلقوس الرومي. (٤) الذي تسلط على ديار فارس قبل ميلاد المسيح بثلثمائة وثلاثين سنةً، فهذا السلطان كان في القوة بمنزلة الحديد ثم
стр. 1932
جعل هذا السلطان سلطنة فارس منقسمة على طوائف الملوك فبقيت هذه السلطنة ضعيفة إلى ظهور الساسانيين. (١) ثم صارت قويةً بعد ظهورهم، فكانت ضعيفةً تارةً وقويةً تارةً وفي عهد أنوشروان (٢) ولد محمد بن عبد الله ﷺ وأعطاه الله السلطنة الظاهرية والباطنية، وقد تسلط متبعوه في مدّةٍ قليلةٍ شرقًا وغربًا على جميع ديار فارس التي كانت هذه الرؤيا وتفسيرها متعلقين بها، فهذه هي السلطنة الأبدية التي لا تنقضي وملكها لا يعطى لشعب آخر، وسيظهر كمالها عن قريب في زمان الإمام المهدي ﵁ لكن الوهن والضعف يقع قبل ظهوره بمدة قليلة كما يشاهد بعض علاماته الآن، ثم يزول بظهوره، ويكون الدين كله لله، فهذا الحجر الذي انقطع لا بيدين من جبل، وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب، وصار جبلًا عظيمًا، وملأ الأرض بأسرها هو محمد ﷺ ." (٣)
البشارة رقم (١٣)
ورد في رسالة يهوذا (١٤ - ١٥):
"١٤ وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلَاءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا: "هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، ١٥ لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ"."
التعليق على البشارة:
قوله (الرَّبُّ): معناه المخدوم والمعلم، وهذا شائع استخدامه.
ولفظ (القديس): يطلق في العهدين على المؤمن الموجود في الأرض إطلاقًا شائعًا. (٤)
فإذا تقرر هذا نقول:
стр. 1933
إن المراد (بالرب) محمد ﷺ و (بالربوات المقدسة) الصحابة ﵃.
والتعبير عن مجيئه (بقد جاء) لكونه أمرًا يقينيًا فجاء محمد ﷺ في ربواته المقدسة فَدَانَ الكُفّارَ، وبكَّتَ المنافقين والخُطاة على أعمال النّفاق وعلى أقوالهم القبيحة في الله ورسله، فبكَّت المشركين لعدم تسليم توحيد الله ورسالة رسله مطلقًا وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبكَّت اليهود على تفريطهم في حق عيسى ومريم ﵉ وبعض عقائدهم الواهية، وبكَّت أهل التثليث مطلقًا على تفريطهم في توحيد الله وإفراطهم في حق عيسى ﵇، وبكَّت أكثرهم على عبادة الصليب والتماثيل وبعض عقائدهم الواهية. (١)
البشارة رقم (١٤)
ورد في سفر التكوين (١٦: ١١):
"١١ وَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: "هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ابْنًا وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ. ١٢ وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ"."
التعليق على البشارة:
في هذا النص يتحدث الملاك مع هاجر، ويخبرها بأنها ستلد ابنًا، ستكون يده العليا ويد من سواه السفلى.
ويبين لنا المهتدي عبد الأحد داود أن عبارة (١٢ وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا) مُحرّفة وتصحيحها كالآتي (وسوف يصبح إسماعيل ذا ذريةٍ كثيرةٍ) ويقول: لقد قام المسيحيون بترجمة نفس هذه الكلمة التي تعني (وفير أو كثير) من الفعل (para) الذي يرادفه بالعربية لفظ (وفير) ترجموها إلى معنى مغاير لحقيقة اللفظ ألا وهو (الحمار الوحش)؟ ! أليس من العار والكفر أن ينعت إسماعيل بالحمار المتوحش وهو النبي الذي كرمه الله فنعته
стр. 1934
(بصاحب الذرية الخصبة الكثيرة العدد)؟ ! . (١)
البشارة رقم (١٥) .
ورد في سفر التكوين (١٧: ٢٠):
"وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً."
التعليق على البشارة:
قوله "وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً" يشير إلى محمد ﷺ ؛ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره، وقد قال الله تعالى ناقلًا دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه ﵈ في كلامه المجيد أيضًا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. (٢)
ولقد علم الموالف والمخالف، والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل من ظهرت بركته ونمت أمته، وأعطي الشعب الجليل سوى محمد رسول الله ﷺ فلقد ملؤا الأرض برحبها، وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها، ودوّخوا الآفاق وأربَوْا في العدد على أولاد إسحاق، وهم والحمد لله لا يزدادون على مر الأيام إلا نماء وكثرة، وهذا بالغ في شرف إسماعيل؛ إذ فخر الولد يكسب الوالد فخرًا، ويرفعه دنيا وأخرى. . ." (٣)
البشارة رقم (١٦)
ورد في سفر التثنية (١٨: ١٥):
"١٥ "يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ."
التعليق على البشارة:
стр. 1935
فإن قيل: فلعل هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره، أو يوشع خادمه ومشيره، قلنا: التوراة تأبى ذلك؛ إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده، وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول (مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي) ولم يقل من أنفسهم، والتوراة أيضًا قد سدّت هذا الباب ففي سفر التثنية (٣٤: ١٠) "وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ".
ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله، ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم.
أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنَّه ما أحيا ميتًا قط ولا أبرأ أبرص. وأما النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم.
فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى.
وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبيٌّ كريمٌ غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "مِنْ إِخْوَتِكَ" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّدًا ﷺ ضرورة الوفاء بقول الله تعالى. (١)
البشارة رقم (١٧):
البشارة بـ (محمد) مشتهى الأمم.
مناسبة هذه البشارة:
"سقطت مملكة إسرائيل وعاصمتها شكيم (نابلس الحالية) بيد الآشوريين عام (٧٢١ ق. م) وتم نفي سكانها من بقايا أسباط إسرائيل العشرة إلى بلاد الآشوريين ثم بعد ذلك بأقل من قرن ونصف (٥٨٦ ق. م) سقطت مملكة يهوذا، وعاصمتها القدس بيد الكلدانيين بقيادة نبوخذ نصر، وتم تدمير معبد سليمان تدميرًا تامًا، وأعمل القتل في سلالة سبطي يهوذا وبنيامين الذين كانوا يشكلون مملكة يهوذا، ونفى من سلم منهم إلى بلاد بابل
стр. 1936
حيث بقوا في المنفى حتى سيطر قورش ملك الفرس على بابل عام (٥٣٨ ق. م) وسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين كما سمح لهم بإعادة بناء القدس والهيكل.
وعندما وضعت الأساسات لبناء المعبد الجديد ارتفعت صيحات الفرح بين اليهود، بينما استولى النحيب والبكاء المرير على كبار السن الذين سبق أن شاهدوا معبد سليمان قبل تدميره، وفي تلك المناسبة بعث الله النبي (حجي) ليعزي المجتمعين بهذه الرسالة الهامة" (١):
"٦ لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، ٧ وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. ٨ لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلَامَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ"." (سفر حجي ٢: ٦ - ٩).
التعليق على البشارة:
وهذه النبوءة لا ريب تتحدث عن القادم الذي وعد به إبراهيم، وبشر به يعقوب وموسى ثم داود عليهم الصلاة والسلام.
قوله "فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، ٧ وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ."
إشارة إلى حروب المسلمين وانتصاراتهم السريعة الباهرة على الظالمين وإنقاذهم اليهود من ظلم النصارى وتأمينهم لهم في أورشليم، ثم بعد ذلك أعطُوا السلام للناس جميعًا الذين يقصدون البيت من جميع الأمم ومن سائر البقاع.
وقوله "مُشْتَهَى" هنا بالعبرية "حمدوت"، أي: محمود كل الأمم، وهذا صريح في محمد ﷺ ، ولا ينطبق على أحد سواه.
وفي قوله "أُعْطِي السَّلَامَ" إشارة لتحية المسلمين، وهي "السلام عليكم" التي كانوا يقولونها بعد أن عمروا بيت أورشليم في زمن عمر ﵁ وأعادوا إليه مجدًا أعظم من مجده
стр. 1937
الأول، حتى صار يعظمه اليهود والنصارى والمسلمون الذين عاشوا حوله في أمن وسلام في حمى الإسلام، ويفدون عليه من جميع الجهات مع اختلافهم في الدين والمعتقدات لزيارته وتكريمه إلى اليوم.
وقد تحقق السلام تحققًا تامًا بمجئ عمر ﵁ بنفسه إلى أورشليم بعد الحصار، وتأمين أهلها وعقده شروط الصلح معهم، وبذلك خضعوا وسلّموا بدون سفك دم وأعطاهم عمر السلم والأمان وفتحت المدينة بالصلح لا بالحرب، كما قال ربُّ الجنود، مع أن المسلمين زلزلوا الأمم الأخرى والأرض والجبال. (١)
ثانيًا: البشارات بالنبي ﷺ في العهد الجديد
تمهيد .
أسفارُ العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) حافلةٌ بالنصوص التي يتعين أن تكون "بشارات" برسول الإسلام ﷺ .
تلك البشارات تعلن أحيانًا في صورة الوعد بملكوت الله أو ملكوت السماوات. وأحيانًا أخرى بالروح القدس. ومرات باسم المعزي أو الفارقليط، وهي كلمة يونانية سيأتي فيما بعد معناها.
البشارة رقم (١): البشارة بالملكوت
ورد في إنجيل متى (٣: ٢): "١ وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ ٢ قَائِلًا: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ."
وورد أيضًا في متّى (٤: ١٧): "مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: "تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ"."
وورد أيضًا في متّى (٦: ١٠): "١٠ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ."
стр. 1938
وورد أيضًا في متّى (١: ٧): "وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ."
وورد في إنجيل لوقا (٩: ١ - ٢): "١ وَدَعَا تَلَامِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَأَعْطَاهُمْ قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَشِفَاءَ أَمْرَاضٍ، ٢ وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ الله وَيَشْفُوا الْمَرْضَى."
وورد أيضًا في إنجيل لوقا (١٠: ١ - ١١): "١ وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ,. . .، ٨ وأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَقَبِلُوكُمْ، فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ، ٩ وَاشْفُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا، وَقُولُوا لَهُمْ: قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ الله. ١٠ وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: ١١ حَتَّى الْغُبَارَ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلكِنِ اعْلَمُوا هذَا إنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ الله."
التعليق على البشارة:
" ظهر من مجموع هذه النصوص أن كلًا من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات، وبشر عيسى ﵇ بالألفاظ التي بشر بها يحيى ﵇، فعلم أن هذا الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى ﵇ فكذلك لم يظهر في عهد عيسى ﵇ ولا في عهد الحواريين والسبعين؛ بل كل منهم مبشر به، ومخبر عن فضله، ومترجّ لمجيئه، فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى ﵇، وإلا لما قاله عيسى ﵇ والحواريون والسبعون "أن ملكوت السماوات قد اقترب"، ولما علم التلاميذُ أن يقولوا في الصلاة: "وليأت ملكوتك" لأن هذه الطريقة قد ظهرت بعد ادعاء عيسى ﵇ النبوة بشريعته، فهو - أي الملكوت - عبارة عن طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ ، فهؤلاء كانوا يبشرون بهذه الطريقة الجليلة، ولفظ "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ "بحسب الظاهر يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة السلطنة لا في صورة المسكنة، وأن المحاربة والجدال فيه مع المخالفين يكونان لأجله، وأن مبنى قوانينه لا بد أن يكون كتابًا سماويًا. وكل من هذه الأمور يصدق على الشريعة المحمدية.
стр. 1939
وما قال علماء المسيحية: إن المراد بهذا الملكوت، شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول عيسى ﵇، فتأويل ضعيف خلاف الظاهر، وترده التمثيلات المنقولة عن عيسى ﵇.
ففي إنجيل متّى (١٣: ٢٤، ٣١، ٣٣) قال: ": "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا فِي حَقْلِهِ."
": "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ"
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وخَبّأَتْهَا فِي ثَلَاثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ"."
فشبّه ملكوت السماوات بإنسان زارع لا بنمو الزراعة وحصادها، وكذلك شبّه بحبّة خردل لا بصيرورتها شجرة عظيمة، وشبّه بخميرة لا باختمار جميع الدقيق. وكذا يردّ هذا التأويل قولُ عيسى ﵇ بعد بيان التمثيل المنقول في الإصحاح الحادي والعشرين من إنجيل متّى هكذا: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ الله يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.".
فإن هذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها لا شيوعها في جميع العالم وإحاطتها كل العالم، وإلّا لَا معنى لنزع الشيوع والإحاطة من قوم وإعطائهما لقوم آخرين، فالحق أن المراد بهذا الملكوت هي المملكة التي أخبر عنها دانيال في الإصحاح الثاني من السفر المنسوب إليه (١).
فمصداق هذا الملكوت وتلك المملكة نبوة محمد ﷺ . والله أعلم. (٢)
البشارة رقم (٢)
ورد في رؤيا يوحنا اللاهوتي (٢: ٢٦ - ٢٩):
فيقرر عيسى ﵇ قرار الرب بانتزاع النبوة والكتاب من ذرية إسحاق إلى ذرية من؟ " (١)
قال لهم يسوع: "٣٣ "اِسْمَعُوا مَثَلًا آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ - رَبُّ بَيْتٍ - غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. ٣٤ وَلمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. ٣٥ فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. ٣٦ ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ. فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلًا: يَهَابُونَ ابْنِي! ٣٨ وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ! ٣٩ فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. ٤٠ فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟ " ٤١ قَالُوا لَهُ: "أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلَاكًا رَدِيًّا، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا". ٤٢ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا! ٤٣ لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ الله يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. ٤٤ وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ! " ٤٥ وَلمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ." (متّى ٢١: ٣٣ - ٤٥).
التعليق على البشارة:
أقول: إن قوله "رَبُّ بَيْتٍ" كناية عن الله، "والكرْم" كناية عن الشريعة، و"وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا" كنايات عن بيان المحرمات والمباحات والأوامر والنواهي، وإن "الكرامين الأردياء" كناية عن اليهود، كما فهم رؤساء الكهنة، والفريسيون، أنه تكلم عليهم.
و"أَرْسَلَ عَبِيدَهُ" كناية عن الأنبياء ﵈، و"الابن" كناية عن عيسى ﵇. . .، وقد قتله اليهود أيضًا في زعمهم. والحجر الذي رفضه البناءون كناية عن محمد ﷺ ، والأمة التي تعمل أثماره كناية عن أمته ﷺ ، وهذا هو الحجر الذي كل من
стр. 1944
سقط عليه ترضض، وكل من سقط هو عليه سحقه.
وما ادعاه علماء المسيحية بزعمهم، أن هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇، فغير صحيح لوجوه:
(الأول): أن داود ﵇ قال في الزبور المائة والثامن عشر هكذا: "٢٢ الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. ٢٣ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا".
فلو كان هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇ وهو من اليهود من آل يهوذا من آل داود ﵇، فأي عجب في أعين اليهود عمومًا لكون عيسى ﵇ رأس الزاوية سيما في عين داود ﵇ خصوصًا؛ لأن مزعوم المسيحيين، أن داود ﵇ يعظم عيسى ﵇ في مزاميره تعظيمًا بليغًا، ويعتقد الألوهية في حقه بخلاف آل إسماعيل؛ لأن اليهود كانوا يحقرون أولاد إسماعيل غاية التحقير، وكان كون أحد منهم رأسًا للزاوية عجيبًا في أعينهم.
(والثاني): أنه وقع في وصف هذا الحجر: وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ! ".
ولا يصدق هذا الوصف على عيسى ﵇؛ لأنه قال: وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلَامِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لَا أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. (إنجيل يوحنا ١٢: ٤٧)، وصدقه على محمد ﷺ غير محتاج إلى البيان؛ لأنه كان مأمورًا بتنبيه الفجار الأشرار، فإن سقطوا عليه ترضّضوا، وإن سقط هو عليهم سحقهم.
(الثالث) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ مَثِلى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ.) (١)
فهذا الحديث يوافق في معناه معنى هذه البشارة.
(والرابع) أن المتبادر من كلام المسيح أن هذا الحجر غير الابن، أي أن صيغة كلام المسيح
стр. 1945
تدل على أنه لم يتكلم عن نفسه وإنما عن آخر سيأتي بعده؛ لأن الابن أخذه الكرامون وقتلوه ثم يأتي بعد ذلك الحجر الذي يسحق الخصوم، فكيف يكون الابن هو الحجر؟
فالتفريق واضحٌ بين نفسه وبين الحجر، ويدل غضب الكهنة كذلك على أن هذا الابن ليس من بني إسرائيل، وأن الأمة المقصودة هي غيرهم، ولو كان النبي منهم لم يغضبوا؛ لأنه لم يخالف إرادتهم وهواهم. (١)
البشارة رقم (٥)
وأعظم البشارات في العهد الجديد هي البشارة "بالبارقليط" وحسب النسخة الرهبانية اليسوعية "سيد هذا العالم".
ورد في إنجيل يوحنا (١٤: ١٥ - ٣٠): "١٥ "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، ١٦ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، ١٧ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. ١٨ لَا أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. ١٩ بَعْدَ قَلِيل لَا يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. ٢٠ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ. ٢١ الَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي".
٢٢ قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ: "يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟ " ٢٣ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا. ٢٤ الَّذِي لَا يُحِبُّنِي لَا يَحْفَظُ كَلَامِي. وَالْكَلَامُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. ٢٥ بِهذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. ٢٦ وَأَمَّا الْمَعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.
٢٧ "سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ. ٢٨ سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي
стр. 1946
لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي. ٢٩ وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ."
وفي نفس الإنجيل (١٥: ٢٦ - ٢٧):
"٢٦ "وَمَتَى جَاءَ الْمَعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. ٢٧ وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ."
وفي نفس الإنجيل أيضا (١٦: ٧ - ١٤):
"٧ لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمَعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. ٨ وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وعَلَى دَيْنُونَةٍ: ٩ أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِي. ١٠ وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلَا ترَوْنَنِي أَيْضًا. ١١ وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.
١٢ "إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. ١٣ وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ؛ لأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ؛ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ١٤ ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ."
ففي هذه النصوص يتحدث المسيح ﵇ عن صفات الآتي بعده، فمن هو هذا الآتي؟
أولًا: البارقليط عند النصارى:
لقد اختلف النصارى في (الفارقليط) في لغتهم فذكروا فيه أقوالًا ترجع إلى ثلاثة:
الأول: أنه الحامد والحماد أو الحمد، . . .، ورجحت طائفة هذا القول.
والثاني: وعليه أكثر النصارى أنه المخلص والمسيح نفسه يسمونه المخلص.
قالوا: وهذه كلمة سريانية ومعناها المخلص قالوا: وهو بالسريانية فاروق فجعل (فارق)، قالوا و (ليط) كلمة تزاد، ومعناها كمعنى قول العرب: رجل هو، وحجر هو، وفرس هو، قالوا: فكذلك معنى (ليط) في السريانية.
стр. 1947
والثالث: وقالت طائفة أخرى من النصارى معناه بالسريانية "المعزي" قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني. (١)
ويجيبون أيضًا بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك "١ وَلمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ٢ وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، ٣ وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. ٤ وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. (أعمال ٢: ١ - ٤).
ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئًا - سوى ما سبق - عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح.
يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: "البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي "الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي" (يوحنا ١٤: ٢٦)، وهو الذي نزل عليهم يوم الخمسين (أعمال ٢: ١ - ٤) "فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد". (٢)
ثانيًا: البارقليط عند المسلمين
ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا ﷺ ، وذلك يظهر من أمور:
أولا: أن لفظة "المعزي" لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (١٨٢٠ م، ١٨٢١ م، ١٨٢٣ م، ١٨٣١ م، ١٨٤٤ م، وترجمة الخوري يوسف عون بلفظ "فارقليط" و"بارقليط" و"روح الحق".
وفي طبعة سنة ١٨٢٥ م، وسنة ١٨٢٦ م بلفظ "المعزي" و"روح الصدق".
стр. 1948
وفي طبعة سنة ١٨٦٥ م وسنة ١٩٧٠ م و ١٩٧١ م و ١٩٧٦ م ١٩٨٣ م ١٩٨٥ م بلفظ "المعزي" و"روح الحق".
وفي طبعة دار المشرق ببيروت سنة ١٩٨٢ م بالمطبعة الكاثوليكية بإذن بولس باسيم النائب الرسولي للاتين بلفظ "المؤيد" و"روح الحق". (١)
فهذا دليل واضح على أن اليهود والنصارى يسعون إلى إخفاء البشارات بالنبيّ ﷺ من كتبهم المقدسة لديهم أو تحريف معناها. وذلك مما أخبرنا الله عنهم فقال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
فما معنى كلمة: (فارقليط) التي اختلف النصارى في معناها؟
إن (فارقليط) معربة من كلمة: (بيركليتوس) اليونانية (PERIQLYTOS) التي تعني اسم: أحمد، صيغة المبالغة من الحمد. والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ - شهادة العلامة علي بن ربنّ الطبري - الذي كان مسيحيًا فأسلم - في القرن الثالث الهجري بذلك في كتابه: الدين والدولة.
٢ - أن هذه الكلمة كانت سببًا في إسلام القس الأسباني: أنسلم تورميدا في القرن التاسع الهجري بعدما أخبره أستاذه القسيس (نقلًا ومرتيل) - بعد إلحاح منه - أن الفارقليط هو اسم من أسماء محمّد ﷺ . فكان ذلك سببًا في إشهار إسلامه وتغيير اسمه إلى عبد الله الترجمان وتأليف كتابه: تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب، وذكر فيه قصته مفصلة.
٣ - شهادة القسيس (دافيد بنجامين كلداني) - الذي هداه الله إلى الإسلام وغيّر اسمه إلى: (عبد الأحد داود) - في كتابه القيم: (محمّد في الكتاب المقدس) بذلك فقد وضح فيه أن الفارقليط ليس هو الروح القدس وليس أي شيء يدَّعيه النصارى، وإنما هو اسم محمّد ﷺ
стр. 1949
وبيّن ذلك بأدلة من نصوص الأناجيل وقواميس اللغة اليونانية.
٤ - ذكر الأستاذ عبد الوهّاب النجار في كتابه "قصص الأنبياء" أنه كان في سنة ١٨٩٤ م زميل دراسة اللغة العربية للمستشرق الإيطالي. (كارلو نالينو) وقد سأله النجار في ليلة ٢٧: ٧: ١٣١١ هـ ما معنى: (بيريكلتوس)؟ . فأجابه قائلًا: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها: (المعزي). فقال النجار: إني أسأل الدكتور كارلونالينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود باللغة اليونانية القديمة. ولست أسأل قسيسًا. فقال: إن معناها: "الذي له حمد كثير". فقال النجار: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال الدكتور: نعم. فقال النجار: إن رسول الله ﷺ من أسمائه (أحمد) فقال الدكتور: يا أخي أنت تحفظ كثيرًا ثم افترقا. (١)
ثانيًا: أن عيسى ﵇ قال أولًا: "١٥ "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ" ثم أخبر عن معزي (فارقليط). فمقصوده ﵇، أن يعتقد السامعون بأن ما يلقى عليهم يعد ضروري واجب الرعاية، فلو كان فارقليط عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كانت الحاجة إلى هذه الفقرة؛ لأنه ما كان مظنونًا أن يستبعد الحواريون نزول الروح عليهم مرة أخرى؛ لأنهم كانوا مستفيضين به من قبل أيضًا؛ بل لا مجال للاستبعاد أيضًا؛ لأنه إذا نزل على قلب أحد وحل فيه يظهر أثره لا محالة ظهورًا بينًا، فلا يتصوّر إنكار المتأثر منه، وليس ظهوره عندهم في صورة يكون فيه مظنة الاستبعاد، فهو عبارة عن النبي المبشر به، فحقيقة الأمر أن المسيح ﵇ لما علم بالتجربة وبنور النبوّة أن الكثيرين من أمته ينكرون النبي المبشر به عند ظهوره، فأكد أولًا بهذه الفقرة، ثم أخبر عن مجيئه.
ثالثًا: أن هذا الروح متحد بالأب مطلقًا وبالابن، نظرًا إلى لاهوته اتحادًا حقيقيًا فلا يصدق في حقه (فارقليط آخر) بخلاف النبي المبشر به فإنه يصدق هذا القول في حقه بلا تكلُّف.
رابعًا: أن الوكالة والشفاعة من خواص النبوّة لا من خواص هذا الروح المتحد بالله،
стр. 1950
فلا يصدقان على الروح ويصدقان على النبي المبشر به بلا تكلُّف.
خامسًا: أن عيسى ﵇ قال: "وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ."
ولم يثبت في رسالة من رسائل العهد الجديد، أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى ﵇، وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إياه.
سادسًا: أن عيسى ﵇ قال: "وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ."
وهذا يدل على أن المراد به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول أنه ما كان عدم الإيمان مظنونًا منهم وقت نزوله؛ بل لا مجال للاستبعاد أيضًا، فلا حاجة إلى هذا القول، وليس من شأن الحكيم العاقل أن يتكلم بكلام فضول فضلًا عن شأن النبي العظيم الشأن. فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله، وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرةً ثانيةً.
سابعًا: أن عيسى ﵇ قال: "فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" وهذا الروح ما شهد لأجله بين يدي أحد؛ لأن تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة؛ لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضًا، فلا فائدة للشهادة بين أيديهم، والمنكرون الذين كانوا محتاجين للشهادة، فهذا الروح ما شهد بين أيديهم بخلاف محمد ﷺ فإنه شهد لأجل المسيح ﵇، وصدقه، وبرأه عن ادعاء الألوهية الذي هو أشد أنواع الكفر والضلال، وبرأ أمه عن تهمة الزنا، وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة (١)، وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة.
ثامنًا: أن عيسى ﵇ قال: "وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ."
وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ هكذا: (وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم كنتم معي من الابتداء). فيوجد في هذه التراجم لفظ أيضًا، وكذلك يوجد اللفظ في طبعة سنة ١٨٢٥ م وسنة ١٨٢٦ م وسنة ١٨٦٥ م و ١٩٧٠ م و ١٩٧١ و ١٩٧٦ و ١٩٨٣ م
стр. 1951
وسنة ١٩٨٥ م، وطبعة دار المشرق وترجمة يوسف عون، ولم يسقط إلا من الطبعة العربية المطبوعة سنة ١٨٢٣ م و ١٨٤٤ م، ونص المتن منقول عنهما.
فلفظ "أيضًا" سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهوًا أو قصدًا، فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة فارقليط، فلو كان المراد به الروح النازل يوم الدار فلا توجد مغايرة بين الشهادتين؛ لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين؛ بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها؛ لأن هذا الروح مع كونه إلهًا متحدًا بالله اتحادًا حقيقيًا بريئًا من النزول والحلول والاستقرار والشكل التي هي من عوارض الجسم والجسمانيات، نزل مثل ريح عاصفة، وظهر في أشكال ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم يوم الدار، فكان حالهم كحال من عليه أثر الجن، فكما أن قول الجن يكون قوله في تلك الحالة فكذلك كانت شهادة الروح هي شهادة الحواريين، فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر به، فإن شهادته غير شهادة الحواريين.
تاسعًا: أن عيسى ﵇ قال: "لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمَعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ."
فعلق مجيئه بذهابه - أي علق مجئ المعزي بذهاب عيسى - وهذا الروح عندهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فنزوله ليس بمشروط بذهابه، فلا يكون مرادًا بالمعزي؛ بل المراد به شخص لم يستفض منه أحد من الحواريين قبل زمان صعوده، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى ﵇، ومحمد ﷺ كان كذلك؛ لأنه جاء بعد ذهاب عيسى ﵇، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى ﵇؛ لأن وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر مطيعًا لشريعة الأول، أو يكون كل من الرسولين مطيعًا لشريعة واحدة؛ لأنه يجوز في هذه الصورة وجود
стр. 1952
اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد، كما ثبت وجودهم ما بين زمان موسى وعيسى ﵉.
عاشرًا: أن عيسى ﵇ قال: "يُبَكِّتُ الْعَالَمَ".
فهذا القول بمنزلة النص الجلي لمحمد ﷺ ؛ لأنه بكّت العالم - لا سيما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى ﵇ توبيخًا لا يشك فيه إلا معاند بحت، وسيكون ابنه الرشيد محمد المهدي رفيقًا لعيسى ﵇ في زمان قتل الدجال الأعور ومتابعيه، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإن تبكيته لا يصح على أصول أحد، وما كان التوبيخ منصب الحواريين بعد نزوله أيضًا؛ لأنهم كانوا يدعون إلى الملة بالترغيب والوعظ.
الحادي عشر: أن عيسى ﵇ قال: "أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِي."
وهذا يدل على أن المعزي يكون ظاهرًا على منكري عيسى ﵇ موبخًا لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار ما كان ظاهرًا على الناس موبخًا لهم.
الثاني عشر: قال عيسى ﵇: ""إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ."
وهذا ينافي إرادة الروح النازل يوم الدار؛ لأنه ما زاد حكمًا على أحكام عيسى ﵇، لأنه على زعم أهل التثليث كان أمر الحواريين بعقيدة التثليث وبدعوة أهل العالم كله، فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم إلى زمان صعوده؟ !
الثالث عشر: أن عيسى ﵇ قال: "لأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ".
وهذا يدل على أن المعزي (فارقليط) يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل، فاحتاج عيسى ﵇
أن يقرر حال صدقه فقال هذا القول، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار،
على أن هذا الروح عندهم عين الله فلا معنى لقوله "بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتكَلَّمُ بِهِ". فمصداقه
محمد ﷺ ، فإنه كان في حقه مظنة التكذيب وليس هو عين الله، وكان يتكلم بما يوحى إليه كما
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣, ٤].
стр. 1953
وقال ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. (١)
الرابع عشر: ومما يدل أيضًا على أن المعزي غير الروح القدس أن يوحنا استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالًا حسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله: "بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتكَلَّمُ بِهِ" وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين؛ إذ لم ينقل أن الألسنة النارية تكلمت يومذاك بشيء، وأما الروح فغاية ما يصنعه إنما هو الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية.
وقد فهم أوائل النصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادَّعى مونتنوس في القرن الثاني (١٨٧ م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعَّى أنه البارقليط، وتشبه بالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذًا وسبعين أسقفًا أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى. (٢)
البشارة رقم (٦)
ورد في متّى (١٧: ١٠ - ١٢): "١٠ وَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ قَائِلِينَ: "فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟ " "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. ١٢ وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ".
التعليق على البشارة:
وقد فسروا إلياء بأنه نبيّ. وقد ذكر: "إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ". فلا بدَّ من الوفاء بقول المسيح ﵇ إن إلياء يأتي ويُعلِّم الناس كلّ شيء، ولم يأتِ بعد المسيح من علَّم الناس كلّ شيء من أمر الدنيا والآخرة سوى محمّد رسول الله ﷺ . (٣)
стр. 1954
البشارة رقم (٧)
ورد في متى (١١: ١١ - ١٥): "١١ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. ١٢ وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. ١٣ لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. ١٤ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمَزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. ١٥ مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ."
التعليق على البشارة:
قوله "الأَصْغَرَ في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" هو إيلياء المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به الأنبياء، نبيًا تلو نبي، وكان آخرهم يوحنا المعمدان.
فمن هو إيليّا، الأصغر في ملكوت السماوات؟
إنه محمدٌ رسول الله ﷺ الذي صغُر بتأخره في الزمان عن سائر الأنبياء، لكنه فاقهم جميعًا باكتمال رسالته ورضا الله بدينه دينًا خاتمًا إلى قيام الساعة، فإن لم يكن محمدًا ﷺ فمن ذا يكون؟
ولا يمكن لنصرانّي أن يدّعي بأن عيسى هو آخر الرسل والأنبياء؛ لإيمانهم برسالة تلاميذه؛ بل وغيرهم كبولس، كما لم تكمل رسالته ﵇ بدليل التعديل والنسخ الذي أجراه الحواريّون عليها في المجمع الأورشليمي الأول بزعم التيسير على المتنصّرين، فأبطلوا الختان، وأحلوا بعض محرمات التوراة.
وعليه فلا تصدق على المسيح ﵇ كلمة "الأصغر"، لأنه ليس آخر الأنبياء، كما أنه لم يصرح ولا يفهم أنه كان يتحدث عن نفسه حين قال: "وَلكِنَّ الأَصْغَرَ في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. . . . ١٣ لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. ١٤ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمَزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. ١٥ مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ. (متّى ١١: ١١ - ١٥).
وهذا الأصغر إنما يأتي في ملكوت السماوات التي لم تكن قد قامت يومذاك، وهو مزمع
стр. 1955
أن يأتي ولمّا يأتِ بعدُ، إنه محمدٌ ﷺ . (١)
البشارة رقم (٨)
قال يحيى بن زكريا ﵇ لأصحابه: "١١ أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ." (متّى ٣: ١١، مرقص ١: ٧، لوقا ٣: ١٦، يوحنا ١: ٢٦ - ٢٧).
التعليق على البشارة:
وما ذلك إلّا محمّد ﷺ . ولا يليق أن يكون المسيحُ أصلًا؛ لأن المسيح جاء مع يحيى لا بعده. فيحيى أكبر منه بستة أشهر لا غيرُ كما نطق به الإنجيل. (٢)
البشاره رقم (٩)
ورد في إنجيل يوحنّا (٤: ١٩ - ٢١):
"١٩ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: "يَا سَيِّدُ، أَرَى أنَكَ نَبِيٌّ! ٢٠ آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ". ٢١ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: "يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لَا فِي هذَا الجْبَلِ، وَلَا فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ."
التعليق على البشارة:
وهذا القول من المسيح ﵇ تنويهٌ بأمر الكعبة. فإن التوجه إليها على يد محمّد ﷺ نسخُ مَا عدَاها. وصار السجود لله تعالى لا في أورشليم ولا في غيرها؛ بل إلى جهة الكعبة لا غيرُ، قال تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]. (٣)
البشارة رقم (١٠)
стр. 1956
ورد في إنجيل متى (٨: ١١ - ١٢): "١١ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، ١٢ وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ".
التعليق على البشارة:
وذلك القول من المسيح تنويهٌ بأمة محمّد ﷺ ؛ إذ ليسُوا من الذين خاطبهم المسيح ﵇ بهذا الكلام، فهم الذين يكونون في رفقة إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. (١)
البشارة رقم (١١)
ورد في رسالة يوحنّا الأولى (٤: ١ - ٤): "١ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لَا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ الله؟ لأَنَّ أنبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. ٢ بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ الله: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ الله، ٣ وَكُلُّ رُوحٍ لَا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ الله. وَهذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ."
التعليق على البشارة:
لقد شهد الحواريّ بأنّ محمّدًا ﷺ من عند الله؛ لأنّ محمّدًا قد آمن أن المسيح قد جاء وكان جسدانيًا، فأما اليهود فلم يؤمنوا بالمسيح ولا كثير من أهل ذلك الزمان. واليهود إلى الآن في انتظار مسيح آخر. ولا مسيح يأتي سوى المسيح الدجّال الكذّاب الذي حذرت منه الأنبياء ﵈.
فهذا الحواريّ يوحنّا قد شهد بصدق محمّد ﷺ وأمته، وأن اعتقادهم في المسيح هو الاعتقاد الحقّ، وقد أكذب النصارى بقوله هذا في دعوى ربوبية المسيح؛ إذ فرَّق في قوله بين الله وبين المسيح. وشهد أن الله غيرُه وأنهُ غيرُ الله. (٢)
стр. 1957
البشارة رقم (١٢) .
ورد في رسالة بطرس الأولى (٤: ١٧):
"١٧ لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ الله."
التعليق على البشارة:
فبيت الله الذي ذكره الحواريُّ هو الكعبة شرّفها الله. ومنها كان ابتداء الحكم الجديد. ولا يحسُن تنْزيل هذا الكلام على بيت المقدس؛ لأن حكم ذاك كان مستمرًا عند صدور هذا الكلام من شمعون. ولا يليق إلّا بشرع جديد ولا يقال فيما كان مستمرًا إنه قد حان أن يبتدأ. (١)
البشارة رقم (١٣) .
ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية (٤: ٢٢ - ٢٦): "٢٢ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. ٢٣ لكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. ٢٤ وَكُلُّ ذلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ، الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. ٢٥ لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَلكِنَّهُ يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ الْحْاضِرَةَ، فَإِنَّها مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. ٢٦ وَأَمَّا أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا، الَّتِي هِيَ أُمُّنَا جميعًا، فَهِيَ حُرَّةٌ."
التعليق على البشارة:
لقد أفاد قول بولس هذا أمورًا:
١ - أن إسماعيل وأمه هاجر قد كانا أُوطِنا أرض العرب.
٢ - أن جبل سيناء متّصل بوادي العرب.
٣ - أن بيت مكّة نظير بيت المقدس بشهادة بولس.
٤ - أن كلَا الولدين صاحبُ ناموسٍ وشريعةٍ وأحكامٍ وفرائضَ. (٢)
وختامًا: هذا خطاب للعقول السليمة أن تتفكّر وتتأمّل قبل أن تُكذِّب هذا الرسول ﷺ ، فهو
стр. 1958
المبعوث بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فكمل الله به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينًا عميًا، وآذانا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء، فبين عن طريقه ﷺ الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقين من الفجار، فهو المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين. ولقد نوه الله ﷻ في كتابه الكريم بهذه النعمة العظمى التي امتن بها على هذه الأمة في آيات كثيرة - كما أسلفنا - منها: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وإنما كان إرساله ﷺ إلى الناس أعظم منة امتن بها على عباده؛ لأن في ذلك تخليص من وفقه الله وهداه منهم من العذاب السرمدي، وذلك بسبب الإيمان بالله ورسوله والابتعاد عن كل ما يوجب دخول النار والخلود فيها.
ولذلك فإن الناس أحوج ما يكونون إلى الإيمان بالرسول ﷺ والأخذ بما جاء به من الدين فهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب؛ بل ومن نفس الهواء الذي يتنفسونه، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] أي كذب به وتولى عن طاعته، فهم محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته، والأخذ بما جاء به والالتزام بذلك في كل مكان وزمان ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، سرًا وعلانية. فاللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمي وصحبه أجمعين.
* * *
حُقُوق الطبع مَحفُوظة
الطَّبْعَةُ الأُولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة
لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دَارُ العِلمِ
للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ١١٥٨٩٨٠٥٨٠.
стр. 1963
شبهات علوم القرآن
стр. 1964
وفيها:
١ - شبهة: ادعاؤهم وجود آيات متعارضة في القرآن الكريم.
٢ - شبهة حول حفظ الله للقرآن، وحديث الداجن.
٣ - شبهة حول المتشابه بين آيات القرآن الكريم.
٤ - شبهة: ادعاؤهم عدم وجود إعجاز في القرآن الكريم.
٥ - شبهة: ادعاؤهم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن.
٦ - شبهة: التكرار في القرآن.
٧ - اختلاف المسلمين في أول ما نزل، وآخر ما نزل من القرآن.
٨ - اختلاف المسلمين في المكي والمدني من آيات وسور القرآن.
٩ - اختلاف المسلمين في أسباب النزول.
١٠ - اختلاف المسلمين في ترتيب السور.
١١ - اختلاف المسلمين في عدد سور وآيات القرآن.
١٢ - شبهة: الوحي.
١٣ - شبهة: القرآن من تأليف النبي ﷺ .
١٤ - شبهة: اقتباس القرآن من الشعر.
١٥ - شبهة: اقتباس القرآن من ورقة بن نوفل.
١٦ - شبهة: اقتباس القرآن من بحيرى.
١٧ - شبهة: اقتباس القرآن من التوراة والإنجيل.
١٨ - شبهات: الناسخ والمنسوخ.
١٩ - الأحرف السبعة، والقراءات.
٢٠ - شبهات: جمع القرآن.
стр. 1965
١ - شبهة: ادعاؤهم وجود آيات متعارضة في القرآن الكريم .
نص الشبهة:
يدَّعون وجود تعارض واختلاف بين آيات القرآن الكريم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قواعد وتنبيهات مهمة .
الوجه الثاني: طرق دفع الإشكال عن آيات القرآن الكريم.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: قواعد وتنبيهات مهمة.
قبل الخوض في مباحث هذا الفصل نذكر بعض القواعد والتنبيهات والتقييدات المهمة.
أولًا: المقطوع به أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره فلا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه (١).
وهذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وتيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير:
إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم.
الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال، ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب، لم يكن ميسرًا له، بل كان معسرًا عليه. (٢)
ثانيًا: المطلوب ممن وقع له إشكال في آيات الكتاب أن يبذل الوسع في دفع الإشكال ورفع الاشتباه، وليحذر من العجلة أو الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى بالرأي والقول فيه بلا علم. (٣)
ثالثًا: أشار ابن القيم: إلى أن آيات الأحكام قد تشكل على الناس، ثم قال:
وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية، ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى