← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

مَوْسُوعَةُ مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ اللِئَامِ (٤)

стр. 1962

حُقُوق الطبع مَحفُوظة الطَّبْعَةُ الأُولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دَارُ العِلمِ للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ١١٥٨٩٨٠٥٨٠.

стр. 1963

شبهات علوم القرآن

стр. 1964

وفيها: ١ - شبهة: ادعاؤهم وجود آيات متعارضة في القرآن الكريم. ٢ - شبهة حول حفظ الله للقرآن، وحديث الداجن. ٣ - شبهة حول المتشابه بين آيات القرآن الكريم. ٤ - شبهة: ادعاؤهم عدم وجود إعجاز في القرآن الكريم. ٥ - شبهة: ادعاؤهم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن. ٦ - شبهة: التكرار في القرآن. ٧ - اختلاف المسلمين في أول ما نزل، وآخر ما نزل من القرآن. ٨ - اختلاف المسلمين في المكي والمدني من آيات وسور القرآن. ٩ - اختلاف المسلمين في أسباب النزول. ١٠ - اختلاف المسلمين في ترتيب السور. ١١ - اختلاف المسلمين في عدد سور وآيات القرآن. ١٢ - شبهة: الوحي. ١٣ - شبهة: القرآن من تأليف النبي ﷺ . ١٤ - شبهة: اقتباس القرآن من الشعر. ١٥ - شبهة: اقتباس القرآن من ورقة بن نوفل. ١٦ - شبهة: اقتباس القرآن من بحيرى. ١٧ - شبهة: اقتباس القرآن من التوراة والإنجيل. ١٨ - شبهات: الناسخ والمنسوخ. ١٩ - الأحرف السبعة، والقراءات. ٢٠ - شبهات: جمع القرآن.

стр. 1965

١ - شبهة: ادعاؤهم وجود آيات متعارضة في القرآن الكريم . نص الشبهة: يدَّعون وجود تعارض واختلاف بين آيات القرآن الكريم. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: قواعد وتنبيهات مهمة . الوجه الثاني: طرق دفع الإشكال عن آيات القرآن الكريم. وإليك التفصيل الوجه الأول: قواعد وتنبيهات مهمة. قبل الخوض في مباحث هذا الفصل نذكر بعض القواعد والتنبيهات والتقييدات المهمة. أولًا: المقطوع به أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره فلا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه (١). وهذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وتيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير: إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم. الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال، ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب، لم يكن ميسرًا له، بل كان معسرًا عليه. (٢) ثانيًا: المطلوب ممن وقع له إشكال في آيات الكتاب أن يبذل الوسع في دفع الإشكال ورفع الاشتباه، وليحذر من العجلة أو الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى بالرأي والقول فيه بلا علم. (٣) ثالثًا: أشار ابن القيم: إلى أن آيات الأحكام قد تشكل على الناس، ثم قال: وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية، ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى

стр. 1966

سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ حتى بين لهم بقوله: (من الفجر) ولم يشكل عليه ولا غيره قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وأمثالها من آيات الصفات. وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد، وآخر الحشر، وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات. (١) الوجه الثاني: طرق دفع الإشكال عن آيات القرآن الكريم . الأول: تحرير وجه الإشكال: إن أول أمر ينبغي أن يسلكه من استشكل عليه آية أن يقف على السبب الذي استشكلت الآية لأجله، ثم يحرره، وذلك بالتعرف على سبب وروده على الآية، وجعلها مشكلة؛ فإذا تبين أن الآية مشكلة فعلًا، بحثنا عن الطريق التي يدفع بها هذا الإشكال. (٢) الثاني: معرفة سبب النزول: فمعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب (٣) والوقوف على المعنى يزيل الإشكال (٤)، والجهل بأسباب التنزيل موقع في الشُبه والإشكالات ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَورِدَ الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع، ويوضح هذا المعنى ما روي أبو عبيد عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه: "كيف تختلف هذه الأمة، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: إنا أُنزل علينا القرآن، فقرأناه، وعلمنا فيما نزل، وأنه سيكون بعدنا أقوامٌ، يقرؤن القرآن، ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. (٥)

стр. 1967

الثالث: رد المتشابه المشكل إلى المحكم، وإلى العالم به مع الإيمان والتصديق: فلقد أخبرنا الله تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب أي: بينات، واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فمن ردَّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وأحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس. (١) فما كان من عند الله لا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره، وهذه هي طريقة الصحابة والتابعين في التعامل مع المحكم والمتشابه. (٢) الرابع: اعتبار طريقة القرآن وعادته في دفع الإشكال: ففي كل موضوع يسوق الله فيه حكمًا من الأحكام، أو خبرًا من الأخبار، فيتشوف الذهن إلى شيء آخر، إلا وجدت الله قرن به ذلك الأمر الذي يعلق في الأذهان، فيبينه أحسن بيان، وهذا أعلى أنواع التعليم، الذي لا يُبقي إشكالًا إلا أزاله، ولا احتمالًا إلا أوضحه، وهذا يدل على سعة علم الله وحكمته، وذلك في القرآن الكريم كثير جدًا (٣)، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات الحقيقة. ومنها قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ [الأعراف: ٤٢]. فرفع توهم السامع أن المكلفين عملوا جميع الصالحات المقدورة والمعجوز عنها، كما يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق، رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره يزيل الإشكال. (٤) الخامس: جمع الآيات ذات الموضوع الواحد:

стр. 1968

وهذا مسلك مهم في دفع الإشكال، ذلك أن ما أُجمل في موطن فإنه قد فسر في موطن آخر، وما اختصر في موضع، فقد بسط في موضع آخر، وقد كان هذا المسلك أحد المناهج النبوية في دفع الإشكال عن الآيات. فمنه ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٢): شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه، قال: ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. (١) فالآيتان أشارتا إلى الظلم، وفسرت إحداهما بالأخرى. سادسًا: النظر في السياق: فهذا مما يعين على فهم المعنى عند الإشكال، فإنَّ دلالة السياق ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته، وانظر إلى قوله تعالى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]. (٢) ومن هذا الباب ما أورده الشوكاني في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٥] حيث يقول: وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فإن هذه الآية تدل على أنه ينبذ بالعراء. وأجاب النحاس وغيره بأن الله سبحانه أخبر ها هنا أنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم،

стр. 1969

ولولا رحمته لنبذ بالعراء وهو مذموم. (١) سابعًا: تلمس الأحاديث والآثار الصحيحة الدافعة للإشكال: فلا تخفى منزلة السنة من القرآن الكريم، فهي شارحة للقرآن وموضحة له، ودافعة للإشكال الذي يتوهم في آياته. (٢) فمما ينبغي أن يُعلم أن القرآن والحديث إذا عُرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك أقوال أهل اللغة (٣) ولطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن رسول الله ﷺ وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنه كثير. (٤) فمن هذا الباب الإشكال الحاصل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. حيث يحتمل أن يكون قوله تعالى (سبعًا) من السور، ويحتمل من الآيات، لكن النبي ﷺ قد كشف قناع الإشكال، وأوضح شعاع البيان، ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق، أنها أم الكتاب، والقرآن العظيم حسبما تقدم من قول النبي ﷺ لأبي بن كعب: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت. (٥) وبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكل محتمل، والنص قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكليف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير، وليس للمتعرض إلى غيره إلا النكير، وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرر في ذلك مقالًا وجيزًا، وأسبك من سنام

стр. 1970

المعارف إبريزًا إلا أن الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى. (١) وحيث تقررت أهمية تفسير النبي ﷺ للقرآن الكريم في دفع الإشكال ورفعه، فلا بد من التحقق من صحة الأحاديث الواردة في ذلك، كما يتعين طرح الضعيف منها، فمن ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره قال: حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا رَجُلٌ سَمَّاهُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: " ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَمَرَ الله بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قَالَ: "فَاطِمَةُ، وَوَلَدَاهَا ﵈". (٢) وهذا إسناد ضعيف مبهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي متحرق، وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد، فإنها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية للهجرة. (٣) ثامنًا: استخدام الإعراب في بيان المشكل: الإعراب به تُميز المعاني ويُوقف على أغراض المتكلمين، وذلك أن قائلًا لو قال: "ما أحسنْ زيد" غيرَ معرب، أو "ضرب عمرْ زيد" غيرَ معرب - لم يوقف على مراده. فإذا قال: "ما أحسنَ زيدًا"، أو: "ما أحسنُ زيدٍ"، أو: "ما أحسنَ زيدٌ"، أبان بالإعراب عن المعنى الذي أراده. (٤) واستخدم بعض المفسرين الإعراب في بيان المشكل ودفعه، فمن ذلك ما ورد عنهم في قوله تعالى ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. "فمغفرة" أشكلت على جماعة من المفسرين وفيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها مغفرة من المسئول، واختلف في توجيهها على قولين: ١ - أنها إحسان من المسئول بترك المؤاخذة، أو مقابلة إساءة السائل، إذا وجد منه بعض الجفوة.

стр. 1971

٢ - أن المغفرة بمعنى ستر المسئول على سوء حالة السؤال. الثاني: إنها مغفرة من السائل، والمعنى: مغفرة، وعفو من السائل إذا رُدّ وتعذر المسئول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. الثالث: أنها مغفرة من الله تعالى، والمعنى مغفرة لكم من الله تعالى بسبب القول المعروف خير من صدقة يتبعها أذى. قال النحاس: وهذا مشكل يبينه الإعراب (١) أما كيفية بيان الإعراب لهذا الإشكال فيتضح فيما يلي: - إن قلنا أن كلمة ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ معطوفة على ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فإن المعنى الأول هو الصحيح، فإن المغفرة على هذا صادرة من المسئول. - وإن قلنا إن كلمة "مغفرة" مبتدأ، فيتعين المصير إلى القول الثاني أو الثالث؛ لأنه لا وجه للابتداء إلا ذلك، إذا لو كان المراد أن المغفرة صادرة عن المسئول لقلنا بالعطف. (٢) تاسعًا: الجمع بين الآيات بإعمال قواعد الترجيح: فالجمع بين الآيات لا بد منه، ومن طرق الجمع: إعمال قواعد الترجيح، وهذا الترجيح ليس بين الآيات قطعًا، وإنما هو ترجيح بين أقوال المفسرين بحيث نختار القول الراجح، ونترك القول المرجوح. (٣) وعلى العبد أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أراه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف؛ فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف؛ لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسَلِّم من غير اعتراض" (٤) * * *

стр. 1972

٢ - شبهة: حول حفظ الله للقرآن، وحديث الداجن . نص الشبهة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فأثبت الله حفظه للقرآن الكريم كما في الآية، وفي الحديث عن عائشة ﵂: أن الداجن دخلت فأكلت صحيفة كُتِبَ فيها آية الرجم والرضاع. فكيف يكون الحفظ؟ . والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث لا يصح، فلا تعارض حينئذ . الوجه الثاني: على القول بتحسينه، فالجواب عليه من هذه الوجوه: الأول: الحفظ كان في صدور الرجال، وعائشة ليست وحدها عندها الأوراق. الثاني: تفسير أهل العلم لمعنى الحفظ في الآية. الثالث: أن الله هو الذي تولى حفظ القرآن بنفسه دون سائر الكتب. الوجه الثالث: إثبات أن كتبهم محرفة بالزيادة والنقص. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن الحديث لا يصح، فلا تعارض حينئذ. ونصه: (لما نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا، فَلَقَدْ كَانَتْ في صَحِيفَةٍ تَحْتَ سريري، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ الله ﷺ شُغِلْنَا بِمَوْتِهِ، فَدَخَلَ الدَّاجِنُ فَأَكَلَهَا) (١).

стр. 1973

وقد تكلم أهل العلم على هذا الحديث، وإليك بعض من تكلم فيه: قال ابن قتيبة: بعد ما ذكر حديث الداجن: وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم الناس بعده وأخذ بذلك الفقهاء. وأما رضاع الكبير عشرًا، فنراه غلطًا من محمد بن إسحاق، ولا نأمن أيضًا أن يكون الرجم الذي ذكر أنه في هذه الصحيفة كان باطلًا؛ لأن رسول الله ﷺ قد رجم ماعز بن مالك، وغيره قبل هذا الوقت، فكيف ينزل عليه مرة أخرى، ولأن مالك بن أنس

стр. 1974

روى هذا الحديث بعينه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن)، إلى أن قال: "وألفاظ حديث مالك خلاف ألفاظ حديث محمد بن إسحاق. ومالك أثبت عند أصحاب الحديث من محمد بن إسحاق (١). قال السرخسي: وحديث عائشة لا يكاد يصح؛ لأنه قال في ذلك الحديث: وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله ﷺ ، فدخل داجنٌ البيتَ فأكله، ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى؛ فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث". (٢) وقال أيضًا: أما حديث عائشة ﵂ فضعيف جدًا؛ لأنه إذا كان متلوا بعد رسول الله ﷺ ، ونسخ التلاوة بعد رسول الله ﷺ لا يجوز فلماذا لا يتلى الآن؟ ! وذُكر في الحديث (فدخل داجن البيت فأكله)، وهذا يقوي قول الروافض الذين يقولون: كثير من القرآن ذهب بعد رسول الله ﷺ فلم يثبته الصحابة ﵃ في المصحف وهو قول باطل بالإجماع (٣). قال ابن حزم: وقد غلط قوم غلطًا شديدًا، وأتوا بأخبار ولَّدها الكاذبون والملحدون، منها أن الداجن أكل صحيفة فيها آية متلوة فذهب البتة. إلى أن قال: وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده، وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فمن شك في هذا كفر، ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين، ووصفهن بتضييع ما يتلى في بيوتهن؛ حتى تأكله الشاة فيتلف، مع أن هذا كذب ظاهر، ومحال ممتنع؛ لأن الذي أكل الداجن لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون رسول الله ﷺ حافظًا له، أو كان قد أنسيه، فإن كان في حفظه، فسواء أكل الداجن الصحيفة أو تركها، وإن كان رسول الله ﷺ قد أنسيه، فسواء أكله الداجن أو تركه قد

стр. 1975

رفع من القرآن، فلا يحل إثباته فيه. كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. فنص تعالى على أنه لا ينسى أصلا شيئا من القرآن، إلا ما أراد تعالى رفعه بإنسائه، فصح أن حديث الداجن إفك وكذب وفرية، ولعن الله من جوّز هذا أو صدَّق به، بل كل ما رفعه الله تعالى من القرآن فإنما رفعه في حياة النبي ﷺ ، قاصدًا إلى رفعه، ناهيًا عن تلاوته إن كان غير منسي، أو ممحوًا من الصدور كلها. ولا سبيل إلى كون شيء من ذلك بعد موت رسول الله ﷺ ، ولا يجيز هذا مسلم؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ولكان ذلك أيضًا تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولكان ما يرفع منه بعد موت رسول الله ﷺ خرما في الدين، ونقصًا منه، وإبطالا للكمال المضمون. ولكان ذلك مبطلًا لهذه الفضيلة التي خصصنا بها، والفضائل لا تنسخ. (١). قال القرطبي: وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة، كانت في صحيفةٍ في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض. (٢). قال ابن عاشور: ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف، فإنه لو صدق هذا؛ لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبي ﷺ أو بعده، والصحابة متوافرون، وحفاظ القرآن كثيرون، فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ، وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي بالقرآن وقر بعير (٣). الوجه الثاني: على القول بتحسين الحديث، أو من قال بصحته فيجاب عليه أيضًا بهذه الوجوه: الأول: أن عائشة ليست وحدها عندها الأوراق، والحفظ كان في صدور الرجال: وهذا أيضًا لا حجة فيه؛ فإن مصاحف المسلمين كثيرة، والدواجن إذا أكلت ورقة لا

стр. 1976

نستطيع إذهاب آيات القرآن من صدور مئات آلاف المسلمين، وليست عائشة وحدها عندها أوراق من القرآن، ولم تكن من كتبة الوحي المتخصصين في كل آية تنزل على النبي ﷺ . قال ابن حزم: وهذا حديث صحيح، وليس هو على ما ظنوا؛ لأن آية الرجم إذ نزلت حفظت، وعرفت، وعمل بها رسول الله ﷺ إلا أنه لم يكتبها نساخ القرآن في المصاحف، ولا أثبتوا لفظها في القرآن. وقد سأله عمر بن الخطاب ذلك كما أوردنا، فلم يجبه رسول الله ﷺ إلى ذلك فصح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة ﵂: فأكلها الداجن، ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق، وبرهان هذا أنهم قد حفظوها كما أوردنا، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم. فبيقين ندري أنه لا يختلف مسلمان في أن الله تعالى افترض التبليغ على رسوله ﷺ ، وأنه ﷺ قد بلغ كما أُمر، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فصح أن الآيات التي ذهبت لو أُمر رسول الله ﷺ بتبليغها لبلَّغها، ولو بلَّغها لحُفظت، ولو حفظت ما ضرها موته، كما لم يضر موته ﷺ كل ما بلغ فقط من القرآن، وإن كان ﷺ لم يبلغ، أو بلغه فأنسيه هو والناس أو لم ينسوه، لكن لم يأمر ﵇ أن يُكتب في القرآن، فهو منسوخ بيقين من عند الله تعالى لا يحل أن يضاف إلى القرآن (١). الثاني: تفسير أهل العلم لمعنى الحفظ في الآية . قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه، والهاء في قوله: (لَهُ) من ذكر الذكر.

стр. 1977

ثم ذكر بإسناده إلى قتادة ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو ينقص منه حقا، وقيل: الهاء في قوله ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من ذكر محمد ﷺ بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه (١). قال ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق (٢). قال الماوردي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وقال الحسن والضحاك يعني: القرآن. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فيه قولان: أحدهما: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه، حكاه ابن جرير. الثاني: وإنا للقرآن لحافظون. وفي هذا الحفظ ثلاثة أوجه: أحدها: حفظه حتى يجزى به يوم القيامة، قاله الحسن. الثاني: حفظه من أن يزيد فيه الشيطان باطلًا، أو يزيل منه حقًا، قاله قتادة. الثالث: إنا له لحافظون في قلوب من أردنا به خيرًا، وذاهبوان به من قلوب من أردنا به شرًّا (٣). قال القنوجي: ثم أنكر سبحانه على الكفار استهزاءهم برسول الله ﷺ بقولهم المذكور، فقال سبحانه: "إنا نحن نزلنا الذكر" الذي أنكروه، ونسبوك بسببه إلى الجنون وهو القرآن، واعتقدوا أنه مختلق من عندك، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عن كل ما لا يليق به من تصحيف، وتحريف، وزيادة، ونقص، ونحو ذلك. فالقرآن محفوظ من هذه الأشياء كلها، لا يقدر واحد من جميع الخلق من الإنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا أو كلمة واحدة.

стр. 1978

وهذا مختص بالكتاب العزيز بخلاف سائر الكتب المنزلة، فإنه قد دخل على بعضها تلك الأشياء، ولما تولَّى الله حفظ ذلك الكتاب بقي مصونًا على الأبد، محروسًا من الزيادة والنقصان وغيرهما، وفيه دليل على أنه مُنزّل من عنده آية إذ لو كان من البشر لتطرق إليه الزيادة والنقصان كما يتطرق إلى كل كلام سواه، وقيل: المعنى نزله محفوظًا من الشياطين، وقيل: حفظه بأن جعله معجزة باقية إلى آخر الدهر، وقيل: حفظه من المعارضة، فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارض ولو بأقصر آية. وقيل: أعجز الله الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه، فقيض له العلماء الراسخين يحفظونه، ويذبون عنه إلى آخر الدهر، لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده، فلم يقدروا على ذلك بحمد الله. ومن أسباب حفظه حدوث العلوم الكثيرة الآلية التي تذب عن الدخول في أبواب إفساده، وإبطاله، وتحريفه، وتصحيفه، وزيادته، ونقصانه كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الحديث والفقه والتفسير، وغير ذلك مما له مدخل في هذا الشأن. وعن عياض عن النبي ﷺ عن ربه تعالى: وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاء (١). (٢) قال الرازي: وفيه مسائل: المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: القول الأول: أنه عائد إلى الذكر، يعني: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 1979

والقول الثاني: أن الكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ راجعة إلى محمد ﷺ ، والمعنى: وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء، وقوّى ابن الأنباري هذا القول فقال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل دل ذلك على المنزل عليه؛ فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمرًا معلومًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] فإنَّ هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره، وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم. المسألة الثالثة: إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ قال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر؛ فعجز الخلق عن الزيادة فيه، والنقصان عنه؛ لأنهم لو زادوا فيه، أو نقصوا عنه؛ لتغير نظم القرآن، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن، فصار كونه معجزًا، كإحاطة السور بالمدينة؛ لأنه يحصنها ويحفظها. وقال آخرون: إنه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته. وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف. وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحدًا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى، حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير، إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات. وأيضًا أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظًا عن التغيير والتحريف، وانقضى الآن قريبًا من ستمائة سنة فكان هذا إخبارًا عن الغيب، فكان ذلك أيضًا معجزًا قاهرًا (١).

стр. 1980

الثالث: أن الله هو الذي تولى حفظ القرآن الكريم بنفسه، دون سائر الكتب . فإن الله سبحانه لم يحفظ كتابًا من الكتب كذلك، بل استحفظها جل وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه، فلم يزل محفوظًا أولًا وآخرًا، فقد أنزل الله القرآن على قلب النبي- ﷺ ، وتكفل الله بجمعه في قلب النبي ﷺ وعدم نسيانه إياه، وأرشده إلى عدم الاستعجال في هذا الأمر، قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]. قال ابن كثير: هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه (١). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ أَخْذَهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ لَهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أَنْ نُبيِّنَهُ بِلِسَانِكَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ الله (٢). وتكفل الله بعدم نسيانه إياه، قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، والمعنى: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه إلا ما شاء الله، ومعنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه وتذكره، وهذا ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته، وقيل: معنى النسيان في هذا الموضع الترك، والمعنى:

стр. 1981

سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه إلا ما شاء الله أن تترك العمل به مما ننسخه. قال الطبري: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلا أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه؛ وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه (١). هذا في جانب القرآن الكريم وحفظه من رب العالمين، أما سائر الكتب فقد وكّل الله حفظها لأهلها فحرفوا فيها وغيروا، وهذا شأنهم، قال تعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. قال ابن كثير: قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه. والصحيح أنها نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرَّفوا، واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك (٢). وفي الصحيحين من حديث عَبْدِ الله بْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَءُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ مَعَ

стр. 1982

رَسُولِ الله ﷺ : مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنْ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ (١). فهذا دليل واضح في التحريف والتبديل، فلأجل ذلك تكفل رب العزة سبحانه بحفظ كتابه الكريم. وقد أخرج القرطبي بسنده إلى يحيى بن أكثم قال: كان للمأمون - وهو أمير إذ ذاك - مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما أن تقوض المجلس، دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت مع ما تراني حَسَنُ الخَطِّ، فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها، ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت منى، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها، ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُريت منى، وعمدت إلى القرآن، فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان؛ رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ، قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: "بما استحفظوا من كتاب الله"، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال : "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، فحفظه الله علينا فلم يضع (٢). الوجه الثالث: إثبات أن كتبهم مليئة بالتحريف إما بالزيادة أو النقصان .

стр. 1983

١ - إثبات التحريف بالزيادة: ما ورد في قصة شفاء المسيح ﵇ للرجل المجنون، فيلاحظ أن هذه القصة وردت بنفس التفاصيل في مرقس وفي لوقا وفي متّى، إلا أن متّى قد زاد فيها، فجعل بدلًا من كونه مجنونًا واحدًا فقد ضاعفه إلى اثنين. وفيما يلي نص هذه الشواهد: مرقس (٥/ ٢): وَلمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلَا بِسَلَاسِلَ. (لوقا ٨/ ٢٧): وَلمَّا خَرَجَ إِلَى الأَرْضِ اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيل، وَكَانَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلَا يُقِيمُ فِي بَيْتٍ، بَلْ فِي الْقُبُورِ. (متى ٨/ ٢٨): وَلمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ. وفي قصة الأعمى الذي طلب الشفاء فشُفي وعاد إليه بصره، وقد تكررت هذه القصة في كل من مرقس ولوقا ومتّى، ولكن متّى قد زاد العدد، فجعل بدلًا من الأعمى الواحد أعميين اثنين، وهذه هي النصوص: (مرقس ١٠/ ٤٦): وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلَامِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. (لوقا ١٨/ ٣٥): وَلمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. (متى ٢٠/ ٢٩): وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ. وعندما سأل المسيح التلاميذ عن الكيفية التي يعرّفون الناس به اختلفت الألفاظ بالزيادة، وإليك النصوص: (مرقس ٨/ ٣٠: ٢٧): ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ. وَفِي الطَّرِيقِ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا لَهُمْ: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا؟ " فَأَجَابُوا: "يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ". فَقَالَ لَهُمْ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أنا؟ " فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ! " فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لَا يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ.

стр. 1984

(متى ١٦/ ٢٠: ١٣): ٣ وَلمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ " فَقَالُوا: "قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْميَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ" قَالَ لَهُمْ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ " فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله الْحَيِّ! ". ٢ - إثبات التحريف بالنقصان: (سفر التكوين ٧/ ١٧): وَكَانَ الطُّوفَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى الأَرْضِ. وهذه الجملة في كثير من نسخ اللاتينية، وفي الترجمة اليونانية هكذا: وصار الطوفان أربعين وليلة على الأرض. (سفر الخروج ٦/ ٢٠): فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُونَ وَمُوسَى. وفي النسخة السامرية والترجمة اليونانية هكذا: فولدت له هارون وموسى ومريم أختهما. (سفر التكوين ٣٥/ ٢٢): وَحَدَثَ إِذْ كَانَ إِسْرَائِيلُ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الأَرْضِ، أَنَّ رَأُوبَيْنَ ذَهَبَ وَاضْطَجَعَ مَعَ بِلْهَةَ سُرِّيَّةِ أَبِيهِ، وَسَمِعَ إِسْرَائِيلُ. قال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن اليهود يسلمون أن شيئا سقط من هذه الفقرة، وتتمته من الترجمة اليونانية هكذا: (وكان قبيحًا في نظره). فاليهود أيضًا معترفون بالسقوط، فسقوط الجملة من النسخة العبرانية ليس بمستبعد عند أهل الكتاب فضلًا عن سقوط حرف أو حرفين. (١) * * *

стр. 1985

٣ - شبهة: حول المتشابه بين آيات القرآن . والباعث على البحث في هذا هو الجواب على شبهة: (أن القرآن إنما أنزل للهدى والبيان، فكيف اشتمل على المتشابه؟ والجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: فوائد وجود المتشابه إن كان مما يمكن علمه . الوجه الثاني: فوائد وجود المتشابه إن كان مما لا يمكن علمه. الوجه الثالث: الأسباب الموهمة للاختلاف في القرآن الكريم. وإليك التفصيل الوجه الأول: فوائد وجود المتشابه إن كان مما يمكن علمه. أولًا: يحُث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه، والبحث عن دقائق معانيه، فإنَّ استدعاء الهمم؛ لمعرفة ذلك من أعظم القرب، وحذرًا مما قال المشركون ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] (١)، فإنه مع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة. (٢) ثانيًا: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله؛ ليحصل له درجة الفضل، والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله. (٣) إذ لو كان القرآن كله محكمًا لا يحتاج إلى تأويل ونظر؛ لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالم على غيره. (٤) ثالثًا: تحقيق إعجاز القرآن، لأن كلَّ ما استتبع فيه شيئًا من الخفاء المؤدي إلى التشابه، له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان. فالبحث في مشكل القرآن يظهر بلاغة القرآن، وإحكامه، واتساق معانيه، وروعة ألفاظه. (٥)

стр. 1986

رابعًا: إنَّ البحث في الشكل يوجب المشقة في الوصول إلى المراد، وزيادة المشقة توجب مزيدًا من الثواب. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]. (١) خامسًا: أنه لما كان القرآن مشتملًا على المحكم والمتشابه، افتقر العلماء إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة. (٢) سادسًا: تربية المسلم على التواضع ولين الجانب، فإنه عندما يرى غيره يعلم ما لا يعلمه هو، فإن هذا يدعوه إلى التعلم والاعتراف بالعجز. (٣) وفي هذا يقول عمرو بن مرة ﵁: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. (٤) سابعًا: أن القرآن إذا كان مشتملًا على المحكم والمتشابه، افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيِّنة، أما لو كان كله محكمًا لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية؛ فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد. (٥) ثامنًا: أنه لو كان القرآن محكمًا بالكلية لما كان مطابقًا إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلًا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه. فالانتفاع به إنما حصل لمَّا كان مشتملًا على المحكم والمتشابه؛ فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب

стр. 1987

المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله، ويصل إلى الحق. (١) تاسعًا: تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه؛ لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء، دال على معانٍ كثيرة زائدة على ما يستفاد من أصل الكلام، ولو عُبِّر عن هذه المعاني الثانوية الكثيرة بألفاظ؛ لخرج القرآن في مجلدات واسعة ضخمة يتعذر معها حفظه والمحافظة عليه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وكذلك يدرك القارئ لدقة القرآن، وعلو أسلوبه روعة ولذة تغريه على قراءته، وتشجعه على استظهاره وحفظه. (٢) الوجه الثاني: فوائد وجود المتشابه إن كان مما لا يمكن علمه . ١ - إنزاله ابتلاء وامتحانًا لعباده، فأما المؤمن فلا يداخله فيه شك ولا يعتريه ريب، وهو بين أمرين: إما قادر على رده إلى المحكم، وإما قائل: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، عندما لم يتبيّن معناه، فأمره كله خير وتعظم بذلك مثوبته، وتزيد عند الله تعالى درجته. وأما المنافق فيرتاب ولا يزيده القرآن إلا خسارًا، وأما من كان في قلبه زيغ - كأهل البدع - فيتبعون المتشابه؛ ليفتنوا الناس عن القرآن، وصحيح السنة، ويُنزلوه على مقتضى بدعتهم. وسياق الآية وما بعدها دالٌ على أن هذا من حكمة إنزال المتشابه، إذ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧, ٨]، وقد ذكر الله في القرآن أنه

стр. 1988

يُنَزِّل ما يمتحن الله به عباده؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويضل غيرهم من أهل الضلال. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. (١) ٢ - لرحمة الله بالإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء، وإذا كان الجبل حين تجلى له ربه جعله دكًا، وخرَّ موسى صعقًا، فكيف لو تجلى سبحانه بذاته، وحقائق صفاته للإنسان؟ ومن هذا القبيل أخفى الله عن الناس معرفة الساعة رحمة بهم؛ كيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، وكيلا يفتك بهم الخوف والهلع لو أدركوا بالتحديد شدة قربها منهم، ولمثل هذا حجب الله عن العباد معرفة آجالهم؛ ليعيشوا في بحبوحة من أعمارهم، فسبحانه من إله حكيم، رحمن رحيم. ٣ - إقامة الدليل على عجز الإنسان وجهالته، مهما عظم استعداده وغزر علمه، وإقامة شاهد على قدرة الله الخالق، وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما، وأن الخلق جميعًا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهنالك يخضع العبد ويخشع. (٢) الوجه الثالث: الأسباب الموهمة للاختلاف في القرآن الكريم . قبل الدخول في ذكر الأسباب التي أدت إلى ادعاء التناقض في القرآن الكريم؛ ينبغي أن نعلم أن هناك سببًا رئيسيًا مشتركًا في كل الأسباب التي سأوردها، وهذا السبب يتعلق بالقارىء لكتاب الله تعالى، ألا وهو مقدار العلم والمعرفة، فبالعلم يتفاوت الناس في هذا الباب، ما بين مقل ومستكثر، وإلا فإنَّ التدبر التام للقرآن الكريم كفيلٌ بدفع الإشكال عن النفس، كيف لا يكون كذلك وقد وصف الله كتابه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ

стр. 1989

جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. (١) ولقد قال ابن القيم ﵀ كلامًا قريبًا من هذا المعنى حول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس: ٩٤]. حيث قال: وقد أشكلت هذه الآية على كثير من الناس، وأورد اليهود والنصارى على المسلمين فيها إيرادًا، وقالوا: كان في شك فأُمر أن يسألنا. وليس فيها بحمد الله إشكال، وإنما أُتى أشباه الأنعام من سوء قصدهم، وقلة فهمهم، وإلا فالآية من أعلام نبوته ﷺ ، وليس في الآية ما يدل على الشك ولا السؤال أصلًا، فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط، بل ولا على إمكانه. (٢) ويقول ابن تيمية: نعم قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب. (٣) ولنشرع الآن في ذكر هذه الأسباب: الأسباب التي جعلت وجود متشابه في القرآن: الأول: وقوع المخبَر به على أحوالِ مختلفة وتطويرات شتى: وهو أن ترد عدد من الآيات تتحدث عن شيء واحد، وتكون ألفاظها مختلفة، مما يوقع الإشكال لدى قارئ القرآن الكريم، بينما الصواب أنها مجتمعة ومتجانسة، وإنما الواقع أنها تحكي أحوالًا أو أطوارًا لهذا الشيء الذي تتحدث عنه. (٤)

стр. 1990

ونضرب مثالين لهذا السبب: الأول: قوله تعالى في خلق آدم أنه: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ومرة: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]، ومرة: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، ومرة: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، وهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها في أحوال مختلفة؛ لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهرٍ وهو التراب، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال. والثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، وفي موضع ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، والجانُّ: الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها، وذلك لأن خلقها خلقُ الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته. (١) الثاني: لاختلاف الموضع والمكان والآيات: ويُقصدُ بهذا السبب أن قارئ القرآن الكريم قد يرسخ إليه أحد الأحكام، أو المعاني عند قراءته لبعض الآيات، ثم يقرأ آيات أخرى، فيظهر له حكم أو معنى يتوهم تعارضه مع ما سبق أن ترسخ إليه فيستشكل الآية، بينما الحق أن الآية أو الآيات الأولى تتحدث عن الموضوع ذاته، ولكن موضعها ومكانها يختلف عن موضع ومكان الآية أو الآيات الأخرى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] مع قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه. وحمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش، وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ - وهم الكفار - وموضع آخر لا يعنف - وهم المؤمنون -. (٢)

стр. 1991

الثالث: لاختلاف جهة الفعل: وهو أن تأتي آيات تبين الفعل وفاعله، ثم تأتي آيات أخرى أو حتى نفس الآية - تذكر نفس الفعل وتثبت فاعلًا آخر وهذا يعني اختلاف جهة الفعل، مع أنه نفس الفعل، فمن هنا يظهر الإشكال ويبرز أهمية دفعه. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. حيث نفي الرمي عن رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ ثم أثبته له بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وتوجيه ذلك أن الله تعالى لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى - كما تظنه طائفة من الغالطين - فإن ذلك لو كان صحيحًا؛ لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب، ومن قال مثل هذا: فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين، ولكن معنى الآية: أن النبي ﷺ يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم، فإنه إذ رماهم بالتراب وقال: "شاهت الوجوه". (١) لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم بقدرته، فيكون معنى الآية: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، فإن هذا مستلزم للجمع بين النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء. وكذلك إذا رمي سهمًا فأوصله الله إلى العدو إيصالًا خارقًا للعادة: كان الله هو الذي أوصله بقدرته. (٢) الرابع: لاختلافهم في الحقيقة والمجاز: ويعرف المجاز بأنه: إسنادُ الفعل أو معناه إلى ملابس له، غير ما هو له بتأولٍ، أي بقرينة صارفة له عن إرادة الظاهر (٣)، وذلك كقوله

стр. 1992

تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أي: وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال يوم القيامة مجازًا، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار لجواز قولهم: نظرت إليه فلم أبصره. (١) الخامس: بوجهين واعتبارين، وهو الجامع للمفترقات: وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. قال قطربُ: في قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي: علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم: بصر بكذا وكذا - أي: علم، وليس المراد رؤية العين، قال الفارسي ويدل على ذلك قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ وصف البصر بالحدة. وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] مع قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة، وجوابه: أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك. وقد جمع بينهما في قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك. (٢) السادس: تفهم تعارض الآية أو الآيات مع الأحاديث النبوية: فقد يتوهم قارئ القرآن الكريم حين القراءة أن هذه الآية أو الآيات التي يقرؤها تتعارض مع حديث أو أحاديث يعرفها، وباعتبار أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما

стр. 1993

المصدر الأساسي للتشريع، فيلزم النظر وإعمال الفكر للوصول إلى التوجيه الصحيح والمعنى الصحيح لهذا التعارض المتوهم. ومن هذا ما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. مع ما ورد عن النبي ﷺ "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله". (١) فظاهر الحديث يخالف الآية مما جعل أهل الحديث يبحثون في وجه الجمع بينهما، وممن قام بالجمع بينهما شيخ الإسلام ابن القيم ﵀ حيث يقول: ها هنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة تدخل برحمة الله تعالى، وليس عمل العبد مستقلًا بدخولها، وإن كان سببًا. ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونفي رسول الله ﷺ دخولها بالأعمال في قوله "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"، ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال: كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ "أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم". (٢) والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابل للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلًا بحصوله، وقد جمع النبي ﷺ بين الأمرين بقوله "سددوا وقاربوا وأبشروا، واعلموا أن أحدًا منكم لن ينجو بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". (٣)

стр. 1994

ومن عرف الله تعالى، وشهد مشهد حقه عليه، ومشهد تقصيره وذنوبه، وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به، والله المستعان. (١) وقد ذكر ابن تيمية قريبًا من هذا الجمع فقال: وليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سبب، ولهذا قال النبي ﷺ : "أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﷺ باء المقابلة كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات. (٢) السابع: توهم استحالة المعنى: ويقصد بهذا أن يتوهم القارئ للقرآن الكريم أن معنى الآية مستحيل، فيستشكل الآية بذلك، ويكون مخطئًا في توهمه، ويكون قد فهم من الآية شيئًا ليس مرادًا، أو أنه مراد وهو غير مستحيل. (٣) ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]. اختلف العلماء في معنى ﴿إِنْ﴾ هو في هذه الآية الكريمة: ١ - فقالت جماعة من أهل العلم أنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ابن جرير الطبري، والذين قالوا أنها شرطية، اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ فقال بعضهم: فأنا أول العابدين لهذا الولد. وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله على فرض أن له ولدًا.

стр. 1995

وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله جازمين بأن لا يمكن أن يكون له ولد. ٢ - وقالت جماعة آخرون: إن لفظ ﴿إِنْ﴾ في الآية نافية، والمعنى: ما كان لله ولدٌ، وعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ثلاثة أوجه: - الأول. وهو أقربها: أن المعنى ما كان لله ولد فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. - والثاني: أن معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أي الآنفين المستنكفين من ذلك يعني القول الباطل المفترى على ربنا الذي هو ادعاء الولد له. - والثالث: أن معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أي الجاحدين النافين أن يكون لله ولد عن ذلك علوًا كبيرًا (١). التاسع: الإيجاز والاختصار: للعرب أساليبهم في كلامهم، ومن أبدع هذه الأساليب: الإيجاز؛ وقد جاء القرآن الكريم بلغة العرب، فلا ريب أن يرد الإيجاز في آياته، ونبدأ الآن بتعريف الإيجاز، وهل بينه وبين الاختصار فرق؟ ولماذا كان الإيجاز لاستشكال بعض الآيات؟ ذهب البعض من العلماء إلى أن الإيجاز والاختصار بمعنى واحد، وفرق البعض الآخر بينهما، فقال أبو الحسن الرماني: الإيجاز: تقليل الكلام من غير الإخلال بالمعنى، وإن كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة، ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز. والإيجاز عل وجهين: حذف وقصر. فالحذف: إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف. (٢) ونأخذ مثالًا لهذا النوع وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

стр. 1996

[البقرة: ١٧٩]. ففيها يقول الرازي ﵀: ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا. أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا: فلأنه إذا علم أنه لو قتل قُتل؛ ترك القتل، فلا يقتل فيبقى حيًا. وأما في حق من يراد جعله مقتولًا: فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول. وأما في حق غيرهما: فلأن في شرع القصاص بقاء في من همَّ بالقتل أو من يهم به، وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل؛ فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس. (١) وبهذا يتبين أن الإيجاز قد يصاحبه غموض، مما يؤدي إلى استشكال الآية لدى البعض. العاشر: احتمال الإحكام أو النسخ للآية: وذلك أن المفسر قد تشكل عليه الآية لاختلافها مع آية أخرى، فيبحث عن وجه الجمع، فإن لم يجده يلجأ إلى القول بالنسخ، بينما يكون غيره من المفسرين يعرف وجه الجمع فيذكره ويورده، ويبين أنه لا نسخ في الآية. (٢) ومن الأمثلة على هذا، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ففي هذه الآية أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليالي. كما أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي

стр. 1997

أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: يستفاد منه وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها. وذهب مجاهد وعطاء إلى أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة - كما زعمه الجمهور - حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة أشهر وعشرًا، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاية بالزوجات أن يُمَكَّنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخْترْنَ ذلك، ولهذا قال ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي يوصيكم الله بهن وصية، كقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، ولا يمنعن من ذلك لقوله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك بالمنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك، لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس ابن تيمية، وردَّه آخرون منهم ابن عبد البر. (١) الحادي عشر: تعدد القراءات في الآية: تعرف القراءات بأنها: علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا مع عزو كل وجه لناقله. (٢) - واختلاف القراءات لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد. والثاني: اختلاف اللفظ والمعنى جميعًا، مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد، لعدم تضاد اجتماعهما فيه. والثالث: اختلاف اللفظ والمعنى مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد؛ لاستحالة اجتماعهما فيه. (٣) والذي يعنينا هنا في هذا الباب الأمر الثالث فهو مثار الإشكال عند بعض المفسرين، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد من القراءات في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 1998

قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ففيها أي: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءات: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان. أما الشاذة: فقراءة الرفع وهي قراءة الحسن. (١) وأما المتواتران: فقراءة النصب، وقراءة الخفض، أما النصب: فهو قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة. (٢) وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر. (٣) أما قراءة النصب فلا إشكال فيها؛ لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم. وأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنه يُفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل وذلك مثل الرأس تمامًا، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد لمن ترك ذلك. اعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، فإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض، وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما، والعرب تطلق المسح على الغسل أيضًا، وقال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي ﷺ بَيَّن أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف، وعليه فالآية تشير إلى أن المسح على الخف في قراءة الخفض. (٤) الثاني عشر: تردد معنى الآية بين أن يكون لها مفهوم مخالفة أو لا: ومعنى هذا العنوان هو: أنه قد ترد بعض الآيات وفيها نص على أحد الأحكام، وهذا الحكم يستخرج

стр. 1999

من منطوق النص القرآني. وأحيانًا تدل الآية على حكم من الأحكام بالمفهوم، بمعنى أن الحكم لم يرد في الآية منصوصًا عليه، ولكنه يفهم من معنى الآية. فمثلًا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل بمنطوقه عن النهي عن التأفف، وهو يدل أيضًا بمفهومه على النهي عن الضرب. (١) ومن الآيات التي تُبَيِّن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، فهذه الآية يفهم منها أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنة نفعه، بدليل ﴿إِنْ﴾ الشرطية. وقد جاءت آيات كثيرة تدل على الأمر بالتذكير مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢]. وقبل أن نجيب عن هذا الإشكال نبين أولًا أن هذا الاستشكال لا يكون إلا على قول من يقول باعتبار دليل الخطاب - الذي هو مفهوم المخالفة - وأما على قول من لا يعتبر مفهوم المخالفة فلا يعتبر ذلك إشكالًا. ونجيب عن هذا الإشكال بعدة أجوبة منها: ١ - أن في الكلام حذفًا، أي إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد. ٢ - أنها بمعنى (إذ). ٣ - أن معنى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: الإرشاد إلى التذكير بالأهم، أي: ذكر بالمهم الذي فيه النفع دون ما لا ينفع. ٤ - أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكيرهم. قلت: والذي يظهر هو بقاء الآية الكريمة على ظاهرها، وأنه ﷺ بعد أن يكرر الذكرى تكريرًا تقوم به حجة الله على خلقه - مأمورٌ بالتذكير عند ظن الفائدة، أما إذا علم عدم

стр. 2000

الفائدة، فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه؛ لأن العاقل لا يسعى إلى مالا فائدة فيه. (١) الثالث عشر: الاستعارة البديعة: وتعرف الاستعارة بأنها: ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له. (٢) ونظيرها قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦]، فالقوارير لا يكون من الفضة، وما كان من الفضة لا يكون قوارير، ولكن للفضة صفة كمال: وهي نفاسة جوهره وبياض لونه، وصفة نقصان: وهي أنها لا تصفوا، ولا تشفُّ وللقارورة صفة كمال أيضًا، وهي الصفاء والشفيف، وصفة نقص وهي خساسة الجوهر. فعرف بعد التأمل أن المراد من كل واحد صفة كماله، وأن معناه أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة في صفاء القوارير وشفيفها. وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]، فاللباس لا يذاق ولكنه يشمل الظاهر، ولا أثر له في الباطن، والإذاقة أثرها في الباطن ولا شمول لها، فاستعيرت الإذاقة لما يصل من أثر الضرر إلى الباطن واللباس بالشمول، فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، أي أثرهما واصلٌ إلى بواطنهم مع كونه شاملًا لهم. (٣) الرابع عشر: اعتقاد أمر مخالف للكتاب والسنة: وهذا واقع عند أهل البدع؛ حيث ابتدعوا بعض الاعتقادات، وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم أن يتأولوه على قولهم تأولوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا مُحْكَمًا، وما جاء به الرسول فَرْعًا له، ومُشْكَلًا إذا لم يوافقه، فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في هذه الأمور، ثم يُرَدُّ ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويُبَيِّن ما في الألفاظ المجملة من المعاني الموافقة من الكتاب
следующие страницы →