[البقرة: ١٧٩]. ففيها يقول الرازي ﵀: ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا.
أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا: فلأنه إذا علم أنه لو قتل قُتل؛ ترك القتل، فلا يقتل فيبقى حيًا. وأما في حق من يراد جعله مقتولًا: فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول. وأما في حق غيرهما: فلأن في شرع القصاص بقاء في من همَّ بالقتل أو من يهم به، وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل؛ فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس. (١)
وبهذا يتبين أن الإيجاز قد يصاحبه غموض، مما يؤدي إلى استشكال الآية لدى البعض.
العاشر: احتمال الإحكام أو النسخ للآية:
وذلك أن المفسر قد تشكل عليه الآية لاختلافها مع آية أخرى، فيبحث عن وجه الجمع، فإن لم يجده يلجأ إلى القول بالنسخ، بينما يكون غيره من المفسرين يعرف وجه الجمع فيذكره ويورده، ويبين أنه لا نسخ في الآية. (٢)
ومن الأمثلة على هذا، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].
قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ففي هذه الآية أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليالي. كما أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي
стр. 1997
أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: يستفاد منه وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها. وذهب مجاهد وعطاء إلى أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة - كما زعمه الجمهور - حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة أشهر وعشرًا، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاية بالزوجات أن يُمَكَّنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخْترْنَ ذلك، ولهذا قال ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي يوصيكم الله بهن وصية، كقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، ولا يمنعن من ذلك لقوله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك بالمنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك، لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس ابن تيمية، وردَّه آخرون منهم ابن عبد البر. (١)
الحادي عشر: تعدد القراءات في الآية:
تعرف القراءات بأنها: علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا مع عزو كل وجه لناقله. (٢)
- واختلاف القراءات لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد. والثاني: اختلاف اللفظ والمعنى جميعًا، مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد، لعدم تضاد اجتماعهما فيه. والثالث: اختلاف اللفظ والمعنى مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد؛ لاستحالة اجتماعهما فيه. (٣)
والذي يعنينا هنا في هذا الباب الأمر الثالث فهو مثار الإشكال عند بعض المفسرين، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد من القراءات في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
стр. 1998
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ففيها أي: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءات: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان. أما الشاذة: فقراءة الرفع وهي قراءة الحسن. (١)
وأما المتواتران: فقراءة النصب، وقراءة الخفض، أما النصب: فهو قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة. (٢)
وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر. (٣)
أما قراءة النصب فلا إشكال فيها؛ لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم.
وأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنه يُفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل وذلك مثل الرأس تمامًا، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد لمن ترك ذلك.
اعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، فإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض، وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما، والعرب تطلق المسح على الغسل أيضًا، وقال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي ﷺ بَيَّن أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف، وعليه فالآية تشير إلى أن المسح على الخف في قراءة الخفض. (٤)
الثاني عشر: تردد معنى الآية بين أن يكون لها مفهوم مخالفة أو لا: ومعنى هذا العنوان هو: أنه قد ترد بعض الآيات وفيها نص على أحد الأحكام، وهذا الحكم يستخرج
стр. 1999
من منطوق النص القرآني. وأحيانًا تدل الآية على حكم من الأحكام بالمفهوم، بمعنى أن الحكم لم يرد في الآية منصوصًا عليه، ولكنه يفهم من معنى الآية.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل بمنطوقه عن النهي عن التأفف، وهو يدل أيضًا بمفهومه على النهي عن الضرب. (١)
ومن الآيات التي تُبَيِّن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، فهذه الآية يفهم منها أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنة نفعه، بدليل ﴿إِنْ﴾ الشرطية.
وقد جاءت آيات كثيرة تدل على الأمر بالتذكير مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢].
وقبل أن نجيب عن هذا الإشكال نبين أولًا أن هذا الاستشكال لا يكون إلا على قول من يقول باعتبار دليل الخطاب - الذي هو مفهوم المخالفة - وأما على قول من لا يعتبر مفهوم المخالفة فلا يعتبر ذلك إشكالًا.
ونجيب عن هذا الإشكال بعدة أجوبة منها:
١ - أن في الكلام حذفًا، أي إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد.
٢ - أنها بمعنى (إذ).
٣ - أن معنى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: الإرشاد إلى التذكير بالأهم، أي: ذكر بالمهم الذي فيه النفع دون ما لا ينفع.
٤ - أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكيرهم.
قلت: والذي يظهر هو بقاء الآية الكريمة على ظاهرها، وأنه ﷺ بعد أن يكرر الذكرى تكريرًا تقوم به حجة الله على خلقه - مأمورٌ بالتذكير عند ظن الفائدة، أما إذا علم عدم
стр. 2000
الفائدة، فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه؛ لأن العاقل لا يسعى إلى مالا فائدة فيه. (١)
الثالث عشر: الاستعارة البديعة:
وتعرف الاستعارة بأنها: ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له. (٢)
ونظيرها قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦]، فالقوارير لا يكون من الفضة، وما كان من الفضة لا يكون قوارير، ولكن للفضة صفة كمال: وهي نفاسة جوهره وبياض لونه، وصفة نقصان: وهي أنها لا تصفوا، ولا تشفُّ وللقارورة صفة كمال أيضًا، وهي الصفاء والشفيف، وصفة نقص وهي خساسة الجوهر. فعرف بعد التأمل أن المراد من كل واحد صفة كماله، وأن معناه أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة في صفاء القوارير وشفيفها. وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]، فاللباس لا يذاق ولكنه يشمل الظاهر، ولا أثر له في الباطن، والإذاقة أثرها في الباطن ولا شمول لها، فاستعيرت الإذاقة لما يصل من أثر الضرر إلى الباطن واللباس بالشمول، فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، أي أثرهما واصلٌ إلى بواطنهم مع كونه شاملًا لهم. (٣)
الرابع عشر: اعتقاد أمر مخالف للكتاب والسنة:
وهذا واقع عند أهل البدع؛ حيث ابتدعوا بعض الاعتقادات، وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم أن يتأولوه على قولهم تأولوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا مُحْكَمًا، وما جاء به الرسول فَرْعًا له، ومُشْكَلًا إذا لم يوافقه، فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في هذه الأمور، ثم يُرَدُّ ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويُبَيِّن ما في الألفاظ المجملة من المعاني الموافقة من الكتاب
стр. 2001
والسنة فتقبل، وما فيها من المعاني المخالفة للكتاب والسنة فَتُرَد. (١)
ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا، فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول: إنها لا تعلم بالعقل يقول: نصوصها مشكلة متشابهة، بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله؛ فإنها عنده محكمة بيِّنَة. وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة.
ومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماء الله الحسنى، ومنكر معاني الأسماء: يجعل نصوصها مشكلة، ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به الجنة والنار: يجعل ذلك مشكلًا
أيضًا، ومنكر القدر: يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان مشكلًا، دون آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، والخائض في القدر بالجبر يجعل نصوص الوعيد، بل ونصوص الأمر والنهي مشكلة فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكله غيره، ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يُبَيِّنها الرسول ﷺ . (٢)
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ونحو ذلك، أشكلت على كثير من الناس إشكالًا ضلَّ بسببه خَلْقٌ لا يحصى كَثرة، فصار قوم إلى التعطيل، وقومٌ أخر إلى التشبيه علوًا كبيرًا عن ذلك كله - والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال. (٣)
وبذلك يتبين أن كون الآية من آيات الصفات لا يجعلها موضع إشكال، ولا ينبغي وصفها بذلك، كما أنه ينبغي على الباحث أن ينظر فيما يشكل عليه، والبحث عما يدفع عنه
стр. 2002
الإشكال، خصوصًا فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد. (١)
الخامس عشر: خفاء المعنى:
أي: إن الإشكال يقع في الآية؛ لغموض المعنى، وخفائه على المفسر. ومن نظائره قوله تعالى: ﴿أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
قال القرطبي: هذه آية مشكلة، ولا سيما وفيها: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب وحرّ الجمر، كما لم يؤمنوا به في الدنيا، ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم، فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا، ونظيرها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ [الغاشية: ٢]، فهذا في الآخرة، ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] في الدنيا.
وقيل: ونقلب في الدنيا، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حِلْنَا بينهم وبين الإيمان أول مرة، لمَّا دَعَوْتَهُم وأَظْهَرْتَ المعجزة، وفي التنزيل ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية، فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم وأبصارهم ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ودخلت الكاف على محذوف، أي: فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي: أول مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا؛ كما لم تؤمن كفار الأمم السالفة لما رأوا ما اقترحوا من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أول مرة ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ يتحيرون. (٢)
* * *
стр. 2003
٤ - شبهة: ادعاؤهم عدم وجود إعجاز في القرآن الكريم .
نص الشبهة:
التشكيك في إعجاز القرآن، بأنه ليس بمعجزة، وليست معجزته متجددة.
الرد على الشبهة من خلال مبحثين:
المبحث الأول: مقدمة مختصرة في الإعجاز.
المبحث الثاني: بيان أوجه إعجاز القرآن:
الوجه الأول: الإعجاز في فصاحة القرآن الكريم.
الوجه الثاني: الإعجاز في حروف القرآن الكريم.
الوجه الثالث: الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم.
الوجه الرابع: الإعجاز في ألفاظ القرآن الكريم.
الوجه الخامس: الإعجاز في المعنى (أي: في معاني الألفاظ في القرآن الكريم).
الوجه السادس: الإعجاز في وفاء اللفظ بالمعنى في القرآن.
الوجه السابع: الإعجاز في التركيب (أي: تركيب مفردات القرآن الكريم).
الوجه الثامن: الإعجاز في النظم.
الوجه التاسع: الإعجاز في كثرة أغراضه.
الوجه العاشر: الإعجاز البلاغي.
الوجه الحادى عشر: الإعجاز الخطابي: في مناسبة القرآن وإرضائه للعامة والخاصة.
الوجه الثاني عشر: الإعجاز في الوحدة الموضوعية (العضوية) للآيات والسور.
الوجه الثالث عشر: الإعجاز في عرضه القصصي.
الوجه الرابع عشر: الإعجاز في ضربه للأمثال.
الوجه الخامس عشر: الإعجاز في التكرار.
الوجه السادس عشر: الإعجاز في تيسير الله القرآن للذكر.
الوجه السابع عشر: الإعجاز النفسي.
стр. 2004
الوجه الثامن عشر: إعجاز القرآن في كثرة علومه ومعارفه.
الوجه التاسع عشر: الإعجاز التشريعي.
الوجه العشرون: الإعجاز العلمي في القرآن.
الوجه الحادى والعشرون: الإعجاز الغيبي.
الوجه الثاني والعشرون: الإعجاز التأثيري.
الوجه الثالث والعشرون: القرآن معجزة متجددة.
الوجه الرابع والعشرون: الإعجاز في هيمنته على الكتب السابقة وجمعه لعلومها.
الوجه الخامس والعشرون: إعجاز القرآن في أسمائه وصفاته.
الوجه السادس والعشرون: إعجاز القرآن في بيانه للحق بالأدلة العقلية والقياس البيّن.
الوجه السابع والعشرون: إعجاز القرآن في حفظ الله له.
الوجه الثامن والعشرون: إعجاز القرآن في عدم المجيء بمثله، وتحديه للبشر.
وإليك التفصيل
المبحث الأول: مقدمة مختصرة في إعجاز القرآن .
الأدلة على إعجاز القرآن:
الدليل من القرآن:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥٠, ٥١].
قال السيوطي: فأخبر أن الكتاب آية من آياته، كافٍ في الدلالة، قائمٌ مقام معجزاتِ غيره، وآياتِ من سواه من الأنبياء، ولما جاء به النبيّ ﷺ إليهم وكانوا أفصح الفصحاء، ومصاقع الخطباء، وتحدّاهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا.
٢ - قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ
стр. 2005
يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣, ١٤].
وقال: فقد تحدّاهم الله على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا: كما قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾، ثم تحدّاهم بعشر سور منه في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. . .﴾ ثم تحدّاهم بسورة في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]، ثم كرّر في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣] فلما عجزوا عن معارضته، والإتيان بسورة تشبهه، على كثرة الخطباء فيهم، والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز، وإعجاز القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
الدليل من السنة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّ، إِلَّا أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ، آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّما كَانَ الّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَىَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (١)
٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا، قال: لم؟ قال: يعطونَكه فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله؛ قال: قد علمت قريشٌ أني أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه منّي، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه
стр. 2006
ليعلو ولا يعلى. قال: والله لا يرضى قومك حتّى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكّر فيه؛ فلما فكر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١]. قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدًا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. (١)
الأدلة العقلية:
قال السيوطي: إن العرب الفصحاء اللدّ: قد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك، ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة، وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: سحر، وتارة قالوا: شعر، وتارة قالوا: أساطير الأولين، كل ذلك من التحيّر والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم، وحرمهم، واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنفَ شيءٍ، وأشدّه حميّة، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم.
قال الجاحظ: بعث الله محمدًا أكثر ما كانت العرب، شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغةً، وأشدّ ما كانت عدةً، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله، وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة؛ فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية، دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له. وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحًا ومساءً، إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا، بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدّيًا لهم بها، وتقريعًا لعجزهم عنها، تكشّف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًّا، فحين لم يجدوا حيلةً، ولا حجةً، قالوا له: أنت
стр. 2007
تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا طمع فيه لتكلفه؛ ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده، ويحامي عليه، ويكايد فيه، ويزعم أنه قد عارض، وقابل، وناقض.
فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمته؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفي على من هو دون قريش، والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع، والمزدوج، واللفظ المنثور، ثم يتحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البيّن، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشدّ الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنةً على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه. (١)
لماذا خص الله القرآن بأنه معجزة هذه الأمة ؟
قال السيوطي: وهي - أي المعجزات - إما حسّية وإما عقلية، وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسّية لبَلادتهم، وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية، لفرط ذكائهم، وكمال أفهامهم؛ ولأن هذه الشريعة لما كانت باقيةً على صفحات الدهر إلى يوم القيامة، خُصّت بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر. (٢)
стр. 2008
اختلاف العلماء في معرفة وجه الإعجاز في القرآن:
قال ابن سراقة: اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوهًا كثيرةً، كلها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءًا واحدًا من عشر معشاره. (١)
أنواع الإعجاز:
قال ابن تيمية: وكون القرآن أنه معجزة، ليس هو من جهة فصاحته، وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط؛ بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه، وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بيّن فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. (٢)
كيفية الوقوف على إعجاز القرآن .
قال الباقلاني: قد لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم، والترك، وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن، إلا بأن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك؛ فإذا عرفوا هذا - بأن علموا، أنهم قد تحدّوا إلى أن يأتوا بمثله، وقُرِّعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبيّنوا أنهم عاجزون عنه، وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز، وكذلك نقول إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة، وما يعدّونه فصيحًا بليغًا بارعًا من غيره - فهو كالأعجمي، في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بيّنا أن يعرف به
стр. 2009
الفارسي، الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان سواء، فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها - فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع ويتجاوز حدود القدرة - فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميّز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميّز بين الشعر الجيّد والرديء، والفصيح والبديع، والنادر والبارع والغريب، وهذا يميّز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزّاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربّما اختلفوا فيه، لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين والقول الرصين، ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه، ويسلس مأخذه ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى، كما قد يختار قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان وسبق إلى البيان، وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ وصف زهيرًا فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه، وقال لعبد بني الحسحاس حين أنشده:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا ... أما إنه لو قلت مثل هذا لأجَزْتُك عليه
ومنهم من يختار الغلو في قول الشِّعر والإفراط فيه حتى ربما قالوا: أحسن الشعر أكذبه، كقول النابغة:
يقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب (١)
فالخلاصة:
إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالًا، وكذلك من ليس ببليغ؛ فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب، وغرائب الصنعة؛ فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه، وعجز غيره عن الإتيان بمثله. (٢)
стр. 2010
المبحث الثاني: بيان أوجه إعجاز القرآن .
الوجه الأول: الإعجاز في فصاحة القرآن الكريم .
قال الإمام فخر الدين: وجه الإعجاز في القرآن: الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب. (١)
وفيه مسائل:
١ - سبب نزول القرآن باللسان العربي:
قال الباقلاني: فإنّا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء ما نعرف من اللغة، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في الاستعارات، والإشارات، ووجوه الاستعمالات البديعة، التي يجيء تفصيلها بعد هذا، ويشهد لذلك من القرآن: أن الله تعالى وصفه بأنه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميًّا؛ فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته، لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة، وأنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله إنه ﴿عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، أنه مما يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم، ولا يحتاجون في تفسيره إلى سواهم، فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضًا كما أفاد بظاهره ما قدّمناهُ.
وبيَّن ذلك أن كثيرًا من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة، وهم من أهل البراعة فيها، وفي العربية، فقد وقفوا على أنه ليس فيها من التفاضل والفصاحة، ما يقع في العربية. ومعنى آخر وهو: أنَّا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادّعوا الإعجاز لكتابهم، ولا ادّعى لهم المسلمون؛ فعُلم أن الإعجاز مما يختص به القرآن. ويبين هذا أن الشعر لا يتأتّى في تلك الألسنة على ما قد اتفق في العربية، وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة، لم يتفق فيها من البديع ما يمكن ويتأتى في العربية، وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التي تتبين فيها الفصاحة على ما يتأتى في العربية.
стр. 2011
٢ - الأعجمي لا يعلم أن القرآن معجز، إلا بأن يعلم عجز العرب عنه، فيعلم أن القرآن معجز بفصاحته استدلالًا .
قال الباقلاني: فالأعجمي لا يعلم أن القرآن معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه، وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة؛ فإذا عرف عجز أهل الصنعة، حل محلهم، وجرى مجراهم في توجه الحجة عليه.
وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة، فربّما حلّ في ذلك محلّ الأعجمي في أن لا تتوجه عليه الحجة، حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه.
وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب، أو الرسائل وحدهما من غور هذا الشأن، ما يعرف من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب، ووجوه الكلام، وطرق البراعة، فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه؛ لعجز البارع في هذه العلوم كلها عنه.
٣ - من كان متناهيًا في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه ضرورة .
فأما من كان متناهيًا في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه، وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي ﷺ لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه. وهذا خطأ من القول، فالبليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة؛ فإنه يعلم من نفسه ضرورة، عجزه عن الإتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه، كما أنه إذا علم الواحد منا أنه لا يقدر على ذلك، فهو يعلم عجز غيره استدلالا.
٤ - النبي ﷺ حين أوحي إليه القرآن؛ عرف كونه معجزًا .
فصحّ من هذا الوجه أن النبي ﷺ حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزًا، أو عرف بأن قيل له: إنه دلالةٌ، وعلَمٌ على نبوتك؛ أنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره، أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا: إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى
стр. 2012
سمع القرآن عرف أنه معجز؛ لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو. وإن كان يحتاج بعد هذا إلى استدلال آخر، على أنه علَم على نبوته، ودلالة على رسالته؛ بأن يقال له: إن هذه آية لنبي، وإنها ظهرت عليه، وادّعاها معجزةً له وبرهانًا على صدقه.
٥ - متى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره عنه .
فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه، فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن، فهو يخفي عليه عجز غيره.
قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم؛ فإنه يعلم أن الناس لا ينفكُّون من وجود الشعراء فيهم، ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن، علم عجز غيره عنه، وأنه كهو؛ لأنه يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواءٌ.
٦ - نقض العادة يقع موقع المعجزة في القول أو الفعل .
إذ ليس في العادة مَثَلٌ للقرآن يجوز أن يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه؛ فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة، وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مباينًا لها؛ علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يُجوِّزه من نفسه، وكذلك لا يُجوِّز وقوعه من غيره إلا على وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه موقع المعجزة. وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه؛ بكونه ناقضًا للعادة من غير تأمل شديد ولا نظر بعيد، ومما يبين ما قلناه من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة، يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه إذا تُحدّي إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره، وما الذي يصنع ذلك بالغير فهو: ما رُوي في الحديث أن جبير بن مطعم وَرد على النبيّ ﷺ في حليف له أراد أن يفاديه، فدخل والنبي ﷺ : "يقرأ سورة ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:
стр. 2013
١ - ٨] قال: خشيت أن يدركني العذاب، فأسلمَ. (١) وفي حديثٍ آخر أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع سورة طه فأسلمَ (٢)، وقد رُوي أن قوله في أول حم السجدة - أي سورة فصلت - إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] نزلت في شيبة، وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبى جهل، وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان، بليغ الكلام، وأرادوا أن يأتيهم بما عنده، فقرأ النبي ﷺ سورة حم السجدة من أولها حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣]؛ فوثب مخافة العذاب فاستحكوه ما سمع، فذكر أنه لم يفهم منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه، ولو كان ذلك من جنس كلامهم، لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد، فقال له عثمان بن مظعون ﵁: لتعلموا أنه من عند الله إذا لم يهتد لجوابه. (٣)
وأبْيَنُ من ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]؛ فجعل سماعه حجة عليه بنفسه فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.
فإن قيل: لو كان كذلك على ما قلتم، لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي ﷺ على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه؟ قيل له لا يجب ذلك؛ لأن صوارفهم كانت كثيرة، وبيان ذلك في الوجه السابع.
стр. 2014
٧ - بيان سبب عدم إسلام جميع فصحاء العرب في عهد النبي ﷺ -.
لأنهم كانوا يشكُّون؛ ففيهم من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد، وفيهم من يشك في النبوة، ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول الله ﷺ ليسلم عام الفتح، قال له النبي ﷺ : "أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، فشهد. قال: أما آن لك أن تشهد أني رسول الله؟ قال: أمّا هذه ففي النفس منها شيء".
فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلت شبههه، وتأمل الحجة حق تأملها، ولم يستكبر فأسلم. ومنهم من كثرت شبهه أو أعرض عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله؛ فلذلك وقف أمره، ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
٨ - بيان سبب أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات .
فإن قيل: فلِمَ زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله، مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرفهم في أجناس الفصاحات؟ وهلّا قلتم: إنَّ من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة، كان على مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما يصرفه الله عنه ضربًا من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربًا من المنع، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه، ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة؛ لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة؟ .
فالجواب: أنه لو صح ذلك لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت أن ينظم القصائد، ويقول الأشعار، وصح لكل ناطق قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة، نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة، ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن، على أن ذلك لو لم يكن معجزًا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه
стр. 2015
ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صُرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا من معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب، على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادّعاه أيكن مَن قَبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة، والبلاغة وحسن النظم، وعجيب الرصف؛ لأنهم لم يتحدوا إليهن ولم تلزمهم حجته، فلما لم يوجد في كلام مَن قَبله مثله عُلم أنَّ ما ادعاه القائل بالصِرفة ظاهر البطلان.
وفيه معنى آخر وهو: أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلامًا مطمعًا لم يخف عليهم، ولم يشتبه لديهم، ومن كان متناهيًا في فصاحته، لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال، فإن قال: صاحب السؤال إنه قد يطمع في ذلك.
قيل له: أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي يضارع القرآن، وقد يزيد عليه في الفصاحة، ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظًا ومعنًى؛ ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه، ويحسبه ظان من أمره، والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد، ونحن نبيّن بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب؛ ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط، وأن هذا التقدير من جنس مَن حكي الله - تعالى - قولُه في محكم كتابه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٥]؛ فهم يعبرون عن دعواهم أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله، وأن ذلك من قول البشر؛ لأن ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته. (١)
٩ - سبب انصراف الفصحاء عن نقد القرآن: ولولا أن القرآن له وجوه الإعجاز، لما تحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل - أي التصنع - للمقابلة، والتصنع
стр. 2016
للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم، ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضًا في معارضته ويتوقفون لها، فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور؛ لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه، ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعًا فيهم، ولا متقدّمًا في الفصاحة منهم، هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره، إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا، ولم يشتغلوا بذلك تحققًا بظهور العجز وتبينًا له. (١)
١٠ - فصاحة القرآن في جميع الفترات الإنسانية .
قال حازم القرطاجني في منهاج البلغاء: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه، استمرارًا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحدٌ من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه، إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه بل توجد في تفاريق وأجزاء منه. (٢)
١١ - السر في أن القرآن له أسلوب خاص، وأن الأساليب تختلف باختلاف المتكلمين .
فإعجاز القرآن الكريم في أسلوبه هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه، واختيار ألفاظه؛ فإن لكل كلام إلهي أو بشري أسلوبه الخاص به، وأساليب المتكلمين وطرائقهم في عرض كلامهم من شعر أو نثر، تتعدد بتعدد أشخاصهم بل تتعدد في الشخص الواحد بتعدد الموضوعات التي يتناولها، والفنون التي يعالجها.
- فالأسلوب هو الطريقة التي انتهجها المؤلف في اختيار المفردات والتراكيب لكلامه.
- وهذا هو السر في أن الأساليب مختلفة باختلاف المتكلمين، من ناثرين وناظمين، مع أن المفردات التي يستخدمها الجميع واحدة، والتراكيب في جملتها واحدة، وقواعد صوغ المفردات وتكوين الجمل واحدة، وهذا هو السر أيضًا في أن القرآن لم يخرج عن معهود
стр. 2017
العرب في لغتهم العربية من حيث ذوات المفردات، والجمل، وقوانينها العامة، بل جاء كتابًا عربيًا جاريًا على مألوف العرب من هذه الناحية. (١)
الوجه الثاني: الإعجاز في حروف القرآن الكريم
١ - طبيعة تنوع الحروف في القرآن:
قال الباقلاني: إن الحروف التي بُنيَ عليها كلام العرب تسعةٌ وعشرون حرفًا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورةً. وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفًا؛ ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظمٌ من الحروف التي ينظمون بها كلامهم، والذي تنقسم إليه هذه الحروف، على ما قسمه أهل العربية وبنوا عليها وجوهها أقسامٌ نحن ذاكروها، فمن ذلك: أنهم قسموها إلى حروف مهموسة، وأخرى مجهورة.
فالمهموسة منها عشرة: وهى: الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، والثاء، والفاء، والتاء، والصاد، والسين. وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة.
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور.
وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء، لا زيادة ولا نقصان.
(والمجهور) معناه: أنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع أن يُجرى معه النفس حتى ينقضي الاعتماد، ويُجرى الصوت.
(والمهموس) كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس.
وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبنى عليه أصول العربية.
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقولون: إنها على ضربين: أحدهما حروف الحلق، وهى ستة أحرف: العين، والحاء، والهمزة، والهاء، والخاء، والغين.
والنصف الآخر من هذه الحروف: مذكور في جملة الحروف التي تشتمل عليها الحروف المثبتة في أوائل السور، وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق.
стр. 2018
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما: حروف غير شديدة، وحروف شديدة، وهى التي تمنع الصوت أن يجرى فيه، وهى الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والظاء، والذال، والطاء، والباء.
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضًا هي مذكورة في جملة تلك الحروف التي بني عليها تلك السور.
ومن ذلك الحروف المطبقة، وهي أربعة أحرف، وما سواها منفتحة.
فالمطبقة: الطاء، والظاء، والصاد، والضاد.
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور.
وإذا كان القوم - الذين قسموا الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية، وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي ﷺ رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر، على حد التنصيف الذي وصفنا - دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه - بعد العهد الطويل - لا يجوز أن يقع إلا من الله ؛ لأن ذلك يجرى مجرى علم الغيوب، وإن كان إنما تنبهوا على ما بني عليه اللسان في أصله، ولم يكن لهم في التقسيم شيء، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان، فذلك أيضًا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة، التي يقصر عنها اللسان. فإن كان أصل اللغة توقيفًا فالأمر في ذلك أَبْينُ.
وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيبٌ أيضًا! ! لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمرٍ من عند الله تعالى.
وكلّ ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حدّ يتعلق به الإعجاز من وجه، ويشبه أن يكون التنصيف وقع في هذه الحروف دون الألف؛ لأن الألف قد تلغى، وقد تقع الهمزة وهى موقعًا واحدًا. (١)
٢ - إعجاز في مخارج الحروف بتناسق مخارجها:
стр. 2019
إذا استمعت إلى حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة، تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات. هذا يُنقر، وذاك يُصفر، وهذا يخفى، وذاك يُظهر، وهذا يُهمس، وذاك يجهر إلى غير ذلك مما هو مقرر في باب مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد، ومن هنا يتجلّى لك جمال لغة القرآن حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة الجامعة بين اللين، والشدة، والخشونة، والرقة، والجهر، والخفية على وجه دقيق محكم، وضع كلًا من الحروف وصفاتها المتقابلة في موضعه بميزان، حتى تألف من المجموع قالب لفظي مدهش، وقشرة سطحية أخّاذة، امتزجت فيها جزالة البداوة في غير خشونة برقة الحضارة، من غير ميوعة، وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة. (١)
٣ - إعجاز في وضع الحروف: بمراعاة وضعها في مكان دون الآخر:
مثال: يقول الخطيب الإسكافي عن سر التعبير بالفاء في لفظ ﴿كُلُوا﴾ من قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، وعن سر التعبير بالواو لا بالفاء في لفظ ﴿كُلُوا﴾ أيضًا من قوله سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١] مع أن القصة واحدة ومدخول الحرف واحد قال ﵀: الأصل أن كل فعل عطف عليه ما تعلق به، تعلق الجواب بالابتداء، وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء، فالأصل فيه عطف الثاني على الأول بالفاء، ومنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ فإن وجود الأكل متعلق بالدخول، والدخول موصل إلى الأكل؛ فالأكل وجوده معلق بوجوده بخلاف ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا﴾ لأن السكنى مقام مع طول لبث، والأكل لا يختص وجوده بوجوده؛ لأن من يدخل بستانًا قد يأكل منه مجتازًا فلما لم يتعلق الثاني بالأول، تعلق الجواب بالابتداء وجب العطف بالواو دون الفاء. (٢)
стр. 2020
الوجه الثالث: الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم .
قال السكاكي: إنه ليُدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة، إلا بإتقان علمَي المعاني والبيان والتمرين فيهما. (١)
قال الزركشي: فمن الإعجاز الروعة التي للقرآن في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقر والجاحد. ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًّا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. (٢)
ونريد بنظام القرآن الصوتي اتساق القرآن وائتلافه في حركاته، وسكناته، ومدّاته، وغُنّاته، واتصالاته، وسكتاته اتساقًا عجيبًا، وائتلافًا رائعًا، يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور. وبيان ذلك: أن من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الصوتية وهي مرسلة على وجه السذاجة في الهواء مجردة من هيكل الحروف والكلمات؛ كأن يكون السامع بعيدًا عن القارئ المجود؛ بحيث لا تبلغ إلى سمعه الحروف والكلمات متميزًا بعضها عن بعض، بل يبلغه مجرد الأصوات الساذجة المؤلفة من المدّات، والغُنّات، والحركات، والسكنات، والاتصالات، والسكتات. نقول: إن من ألقى سمعه إلى هذه المجموعة الصوتية الساذجة، يشعر من نفسه ولو كان أعجميًا لا يعرف العربية؛ بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر؛ لأن الموسيقى تتشابه أجراسها، وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملّها، والطبع أن يمجها؛ ولأن الشعر تتّحد فيه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبًا، وإن طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل، بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يمل؛ لأنه يتنقل فيه دائمًا بين ألحان متنوعة، وأنغام متجددة، على أوضاع مختلفة، يهزّ كلّ وضع منها أوتار القلوب وأعصاب الأفئدة.
وهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي، هو أول شيء أحسَّته الآذان العربية أيام نزول القرآن، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام، سواء أكان مرسلًا أم
стр. 2021
مسجوعًا، حتى خُيل إلى هؤلاء العرب أن القرآن شعر؛ لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذة، وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع والترجيع هزّة لم يعرفوا شيئًا قريبًا منها إلا في الشعر، ولكن سرعان ما عادوا على أنفسهم بالتخطئة فيما ظنّوا، حتى قال قائلهم وهو الوليد بن المغيرة: وما هو بالشعر معلّلًا ذلك؛ بأنه ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيدة بيد أنه تورط في خطأ أفحش من هذا الخطأ، حين زعم في ظلام العناد. (١)
الوجه الرابع: الإعجاز في ألفاظ القرآن الكريم .
وبيانه كما يلي:
١ - ترتيب الألفاظ .
قال ابن عطية: فإذا ترتبت اللفظة من القرآن، عُلم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره. (٢)
٢ - صفة الألفاظ .
قال الزركشي: فمن إعجاز القرآن جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر؛ لأن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها من القوة، وبعض الوعورة والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة، فمن نحا نحو الصورة الأولى، فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم، ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في السماع أعذب وأشهى وألذ، مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين المتأخرين، وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين، وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز. (٣)
فالكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديًا غامرًا سائر ما تقرن به كالدُّرّة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد،
стр. 2022
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جميعه وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله. (١)
٣ - عدم وجود لفظة مُستكرهة:
فالقرآن ليس فيه لفظ مسخوط، ومعنًى مدخول، ولا تناقض، ولا اختلاف تضادّ، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد، وكلام العباد لا يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة، والمعاني الفاسدة، والتناقض في المعاني، وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام الناس من أهل سائر اللغات، لا يختص باللغة العربية دون غيرها، فجائز أن يكون التحدي واقعًا للعجم بمثل هذه المعاني في الإتيان بها، عارية مما يعيبها ويهجنها من الوجوه التي ذكرناها، ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات، وإن كانت لغة العرب أفصحها، وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة، فجائز أن يكون التحدي للعجم واقعًا؛ بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها. (٢)
فمفردات اللغة العربية منها متآلف في حروفه، ومتنافر، وواضح مستأنس، وخفي غريب، ورقيق خفيف على الأسماع، وثقيل كريه تمجه الأسماع، وموافق لقياس اللغة، ومخالف له ثم من هذه المفردات: عام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، ومعرف ومنكر، وظاهر ومضمر، وحقيقة ومجاز. (٣)
٤ - مناسبة الألفاظ لجميع الأجيال:
فألفاظ القرآن اختيرت اختيارًا يتجلى فيه وجه الإعجاز من هذا الاختيار، وذلك في الألفاظ التي نمر بها على القرون والأجيال، منذ نزل القرآن إلى اليوم؛ فإذا بعض الأجيال يفهم منها ما يناسب تفكيره، ويلائم ذوقه ويوائم معارفه، وإذا أجيال أخرى تفهم من هذه الألفاظ عينها غير
стр. 2023
ما فهمته تلك الأجيال، ولو استبدلت هذه الألفاظ بغيرها لم يصلح القرآن لخطاب الناس كافة، وكان ذلك قدحًا في أنه كتاب الدين العام الخالد، ودستور البشرية في كل عصر ومصر. (١)
أمثلة:
إن القرآن في أغلب المواضع يأتي بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير، ويكون اللفظ أعذب، ومن تأمل في سورة (ص) علم ما قلت، كيف صدرها وجمع فيها من أخبار الكفار وخلافهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، ومن تكذيبهم لمحمد ﷺ ، وتعجبهم مما أتى به، والخبر عن إجماع ملإهم على الكفر، وظهور الحسد في كلامهم، وتعجيزهم وتحقيرهم ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم، ووعيد قريش وأمثالهم مثل مصابهم. وحمل النبي على الصبر على أذاهم وتسليته في قصص الأنبياء مثل داود وسليمان وأيوب وإبراهيم ويعقوب وغيرهم ﵈. وكل هذا الذي ذكر من أولها إلى آخرها في ألفاظ يسيرة متضمنة لمعان كثيرة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] فإن هذا القول لفظه يسير ومعناه كثير. ومع كونه بليغًا مشتملًا على المطابقة بين المعنيين المتقابلين، وهما القصاص والحياة. وعلى الغرابة، بجعل القتل الذي هو مفوت للحياة ظرفًا لها، وأولى من جميع الأقوال المشهورة عند العرب في هذا الباب؛ لأنهم عبروا عن هذا المعنى بقولهم: (قتل البعض إحياء الجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقل القتل) وقولهم: (القتل أنفى للقتل). وأجود الأقوال المنقولة القول الأخير.
ولفظ القرآن أفصح منه بستة أوجه:
أحدها: أنه أخصر من الكل؛ لأن قوله ﴿وَلَكُمْ﴾ لا يدخل في هذا الباب؛ لأنه لا بد من تقدير ذلك في الكل؛ لأن قول القائل - قتل البعض إحياء للجميع - لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم - القتل أنفى للقتل.
стр. 2024
وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل، ظاهره يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يقتضي أن نوعًا من القتل - وهو القصاص - سبب لنوع من أنواع الحياة.
وثالثها: أن قولهم الأجود تكرير لفظ القتل بخلاف لفظ القرآن.
ورابعها: أن قولهم الأجود لا يفيد إلا الردع عن القتل، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يفيد الردع عن القتل، والجرح فهو أفيد.
وخامسها: أن قولهم الأجود دال على ما هو المطلوب بالتبع، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه دال على ما هو مقصود أصلي؛ لأن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة الذي هو مطلوب أصالة.
وسادسها: أن القتل ظلمًا أيضًا قتل، مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فظاهر قولهم باطل، وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهرًا وباطنًا. (١)
الوجه الخامس: الإعجاز في المعنى (أي في معاني الألفاظ في القرآن الكريم) .
وبيان ذلك كما يلي:
١ - الأعجمي إن لم يحدث له تحد عن طريق ألفاظ القرآن؛ فإنه يتحداه من جهة المعاني وترتيبها .
قال الجصاص: معلوم أن العجم لا يُتحدون من طريق النظم، فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ (٢).
قلت: فمن طلب العُلا في الأخلاق وجد القرآن يُرشد إلى معانٍ نبيلة، يعجز البشر عن الإتيان بمثلها، وهذا في باب الحقوق وغير ذلك.
٢ - القرآن مشتمل على الفصيح والأفصح والمليح والأملح:
قال السيوطي: قال البارزي في أول كتابه أنوار التحصيل في أسرار التنزيل:
اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني
стр. 2025
الجمل أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال؛ وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى؛ فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح.
- ولذلك أمثلة منها: قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، لو قال مكانه وثمر الجنتين قريب، لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يُجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أحسن من التعبير بـ تقرأ لثقله بالهمزة. ومنها قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أحسن من - لاشك فيه - لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب، ومنها: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ [محمد: ٣٥] أحسن من - ولا تضعفوا - لخفته، و ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] أحسن من - ضعف - لأن الفتحة أخف من الضمة، ومنها ﴿آمَنَ﴾ [غافر: ٣٠] أخفّ من - صدق - ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق، و ﴿آثَرَكَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٩١] أخفّ من - فضّلك، وآتى من قوله: ﴿آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أخف من - أعطى - وأَنْذِر من قوله: ﴿أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] أخفّ من - خوّف و ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أخفّ من - أفضل لكم - والمصدر في نحو ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أخف من - مخلوق - وتَنْكِحَ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أخف من - تتزوج - لأن تفْعل أخفّ من تفعَّل ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.
ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ الرحمة والغضب، والرضا، والحب، والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام؛ كأن يقال: يعامله معاملة المحب والماقت؛ فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفّته، واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ فإن قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا
стр. 2026
انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥] أحسن من - فلما عاملونا معاملة المغضب، أو فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب. (١)
٣ - القرآن يُورد المعنى الواحد بألفاظ وبطرق مختلفة بمقدرة فائقة:
فيورد القرآن المعنى الواحد بألفاظ وبطرق مختلفة، بمقدرة فائقة خارقة، تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء والبلغاء، ولسنا هنا بسبيل الاستيعاب والاستقراء، ولكنها أمثلة تهديك، ونماذج تكفيك. (٢)
- منها تعبيره عن طلب الفعل من المخاطبين بالوجوه الآتية:
١ - الإتيان بصريح مادة الأمر نحو قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
٢ - والإخبار بأن الفعل مكتوب على المكلفين نحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
٣ - والإخبار بكونه على الناس نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. . .﴾ [آل عمران: ٩٧].
٤ - والإخبار عن المكلف بالفعل المطلوب منه، نحو ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: مطلوب منهن أن يتربصن.
٥ - والإخبار عن المبتدأ بمعنى يطلب تحقيقه من غيره نحو: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي مطلوب من المخاطبين تأمين من دخل الحرم.
٦ - وطلب الفعل بصيغة فعل الأمر نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أو بلام الأمر نحو: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
٥ - ووصفه بأنه ليس برًا، نحو: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
٦ - ووصفه بأنه شرّ، نحو: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
٧ - وذكر الفعل مقرونًا بالوعيد، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
٨ - وذكر الفعل منسوبًا إليه الإثم، نحو: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١].
٩ - ونظم الأمر في سلك ما هو بالغ الإثم والحرمة.
١٠ - والإخبار عن الفعل بأنه رجس.
١١ - ووصفه بأنه من عمل الشيطان.
١٢ - والأمر باجتنابه.
١٣ - ورجاء الفلاح في تركه.
١٤ - وترتيب مضار مؤذية على فعله.
١٥ - والأمر بالانتهاء عنه في صورة الاستفهام، ونمثل لهذه الطرق كلها بتحريم الخمر والميسر في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠, ٩١].
وهكذا تجد القرآن يفتنّ في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددةٍ، بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، وتكلم وغيبة وخطاب، ومضي وحضور واستقبال، واسمية، وفعلية، واستفهام، وامتنان، ووصف، ووعد ووعيد إلى غير ذلك. ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمطٍ إلى نمطٍ كثيرًا ما تجده سريعًا لا يجارى في سرعته. ثم هو على هذه
стр. 2029
السرعة الخارقة لا يمشي مكبًّا على وجهه، مضطربًا أو متعثرًا، بل هو محتفظ دائمًا بمكانته العليا من البلاغة ﴿يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
ولقد خلع هذا التصرف والافتنان، لباسًا فضفاضًا من الجدّة والروعة على القرآن، ومسحه بطابع من الحلاوة والطلاوة، حتى لا يملّ قارئهُ، ولا يسأم سامعه، مهما كثرت القراءة والسماع. بل ينتقل كل منهما من لون إلى لون، كما ينتقل الطائر في روضة غنّاء من فنن إلى فنن، ومن زهر إلى زهر.
واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنًّا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى، وكان في الوقت نفسه منّة يمنّها الله على الناس؛ ليستفيدُوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن والإقبال عليه قراءةً وسماعًا، وتدبرًا وعملًا، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفه نفسه. اقرأ إن شئت قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ [الإسراء: ٨٩]. (١)
الوجه السادس: الإعجاز في وفاء اللفظ بالمعنى في القرآن .
وبيانه كما يلي:
١ - براعة اللفظ في المعنى البارع:
إنَّ المعاني التي تضمنها القرآن في أصل وضع الشريعة، والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.
وذلك أنه قد عُلم أن تخيّر الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس أسهلُ وأقربُ من تخيّر الألفاظ لمعانٍ مبتكرةٍ، وأسباب مؤسسةٍ مستحدثةٍ؛ فإذا برعَ اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور.
стр. 2030
ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بانَ - ظهر - التفاضل في البراعة والفصاحة؛ ثم إذا وجدت الألفاظ وِفْقَ المعنى، والمعاني وِفْقَهَا لا يفضُل أحدهما على الآخر؛ فالبراعة أظهر، والفصاحة أتمّ.
٢ - الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه وواسطة عقده:
فالكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته؛ بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديًا غامرًا سائر ما تقرن به كالدّرّة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد، وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غُرّة جميعه، وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله (١).
٣ - عدم زيادة اللفظ على المعنى: عن طريق القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى .
قصد القرآن في اللفظ مع وفائه بالمعنى؛ ومعنى هذا إنك في كل من جمل القرآن، تجد بيانًا قاصدًا مقدرًا على حاجة النفوس البشرية من الهداية الإلهية، دون أن يزيد اللفظ على المعنى، أو يقصر عن الوفاء بحاجات الخلق من هداية الخالق، ومع هذا القصد اللفظي البريء من الإسراف والتقتير، تجده قد جلي لك المعنى في صورة كاملة، لا تنقص شيئًا يعتبر عنصرًا أصليًّا فيها، أو حليةً مكملةً لها، كما أنها لا تزيد شيئًا يعتبر دخيلًا فيها وغريبًا عنها، بل هو كما قال الله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
ولا يمكن أن تظفر في غير القرآن بمثل هذا الذي تظفر به في القرآن، بل كل مِنطِيق (٢) بليغ مهما تفوق في البلاغة والبيان، تجده بين هاتين الغايتين، كالزوج بين ضرّتين، بمقدار ما يرضي إحداهما يغضب الأخرى؛ فإن ألقى البليغ باله إلى القصد في اللفظ، وتخليصه مما عسى أن يكون من الفضول فيه، حمله ذلك في الغالب على أن يغضّ من شأن المعنى، فتجيء صورته ناقصة خفية ربما يصل اللفظ معها إلى حد الإلغاز والتعمية؛ وإذا ألقى البليغ باله إلى الوفاء
стр. 2031
بالمعنى، وتجلية صورته كاملة، حمله ذلك على أن يخرج عن حد القصد في اللفظ راكبًا متن الإسهاب والإكثار حرصًا على أن لا يفوته شيء من المعنى الذي يقصده، ولكن ينذر حينئذ أن يسلم هذا اللفظ من داء التخمة في إسرافه وفضوله، تلك التخمة التي تذهب ببهائه، ورونقه، وتجعل السامع يتعثر في ذيوله، لا يكاد يميز بين زوائد المعنى وأصوله.
وإذا افترضنا أن بليغًا كُتب له التوفيق بين هاتين الغايتين وهما القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى في جملة أو جملتين من كلامه، فإن الكلال والإعياء لا بد لاحقًا به في بقية هذا الكلام، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرةً ثانيةً إلا في الفينة بعد الفينة، كما تصادف الإنسان قطعة من الذهب أو الماس في الحين بعد الحين، وهو يبحث في التراب أو ينقب بين الصخور.
الوجه السابع: الإعجاز في التركيب (أي: تركيب مفردات القرآن الكريم)
بيان المقصود من الإعجاز في التركيب:
فالتراكيب العربية منها ما هو حقيقة ومجاز، ومنها متآلف الكلمات ومتنافرها، وواضح المعاني ومعقدها، وموافق للقياس اللغوي والخارج عليه، ومنها الإسمية والفعلية، والخبرية والإنشائية، وفيها النفي والإثبات، والإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل إلى غير ذلك مما هو مفصل في علوم اللغة وكتبها. (١)
قال الزملكاني: فوجه الإعجاز في هذا راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبًا وزنة، وعلت مركباته معنى بأن يوضع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى. (٢)
الوجه الثامن: الإعجاز في النظم .
فمعنى ذلك: أن القرآن خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، مع كون حروفه في كلامهم، ومعانيه في خطابهم، وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيلٌ غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من
стр. 2032
اقتصر على معانيه وغيّر حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته؛ فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه.
قال الأصبهاني في تفسيره: فالنظم المخصوص يعتبر صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره. كالخاتم والقرط والسوار فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها، لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد؛ فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتمًا وإن كان العنصر مختلفًا، وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار.
من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدًا. قال: فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص.
وبيان كون النظم معجزًا يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه. (١)
أنواع النظم المختلفة في الكلام عمومًا:
قال الباقلاني: وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى:
١ - أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه.
٢ - أنواع الكلام الموزون غير المقفى.
٣ - أصناف الكلام المعدل المسجع.
٤ - الكلام المعدل الموزون غير المسجع.
٥ - ما يرسل إرسالًا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه: وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل فيه ولا يتصنع له. (٢)
القرآن يختلف عن جميع هذا النظم:
стр. 2033
قال الباقلاني: فالذي يشتمل عليه بديع نظم القرآن المتضمن للإعجاز: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.
وقد علمنا أن القرآن خارج عن جميع النظم، ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب مسجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر؛ لأن من الناس من زعم أنه كلام السجع ومنهم من يدَّعى فيه شعرًا كثيرًا، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع؛ فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة وأنه معجز. وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل في جميعه. (١)
طول النظم في القرآن لا يُضاهيه طول نظم آخر:
قال الباقلاني: إنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر. وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة. وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف.
وقد حصل القرآن - على كثرته وطوله - متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد؛ وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال. (٢)
стр. 2034
النظم في القرآن لا يختلف باختلاف أغراضه من قصص ومواعظ، خلافًا لكلام البشر:
قال الباقلاني: فإن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت، ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها.
ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام. ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل، وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ؛ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنًى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره. ولذلك ضرب المثل بالذين سمّيتهم، لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم؛ فإذا كان الاختلال يتأتّي في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه؛ ستغنينا عن ذكر من هو دونهم. وكذلك يُستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها، ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر تقصيرًا عجيبًا، ويقع ذلك من رجزه موقعًا بعيدًا، ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز أو يقصر فيه مهما تكلفه أو تعمله. ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانًا بيّنًا ومنهم من يوجد بضد ذلك.
стр. 2035
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا. وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة؛ فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بيّنًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة؛ فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت؛ بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة؛ فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر؛ لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنّا فيه التفاوت الكثير عند التكرار، وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التي يتضمن:
حسن التنقل في القرآن من معنى إلى غيره، مع حسن النظم:
فإن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتًا بيّنّا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضمّ والجمع.
ألا ترى أن كثيرًا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء؛ وإنّما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى وتنقل يستحسن.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحول من باب إلى باب، ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبيّن أن القرآن على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبيّن به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف.
ومعنى خامس وهو: أن نظم القرآن وقع موقعًا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجنّ، كما يخرج عن عادة كلام الإنس. فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه