← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

بالمعنى، وتجلية صورته كاملة، حمله ذلك على أن يخرج عن حد القصد في اللفظ راكبًا متن الإسهاب والإكثار حرصًا على أن لا يفوته شيء من المعنى الذي يقصده، ولكن ينذر حينئذ أن يسلم هذا اللفظ من داء التخمة في إسرافه وفضوله، تلك التخمة التي تذهب ببهائه، ورونقه، وتجعل السامع يتعثر في ذيوله، لا يكاد يميز بين زوائد المعنى وأصوله. وإذا افترضنا أن بليغًا كُتب له التوفيق بين هاتين الغايتين وهما القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى في جملة أو جملتين من كلامه، فإن الكلال والإعياء لا بد لاحقًا به في بقية هذا الكلام، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرةً ثانيةً إلا في الفينة بعد الفينة، كما تصادف الإنسان قطعة من الذهب أو الماس في الحين بعد الحين، وهو يبحث في التراب أو ينقب بين الصخور. الوجه السابع: الإعجاز في التركيب (أي: تركيب مفردات القرآن الكريم) بيان المقصود من الإعجاز في التركيب: فالتراكيب العربية منها ما هو حقيقة ومجاز، ومنها متآلف الكلمات ومتنافرها، وواضح المعاني ومعقدها، وموافق للقياس اللغوي والخارج عليه، ومنها الإسمية والفعلية، والخبرية والإنشائية، وفيها النفي والإثبات، والإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل إلى غير ذلك مما هو مفصل في علوم اللغة وكتبها. (١) قال الزملكاني: فوجه الإعجاز في هذا راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبًا وزنة، وعلت مركباته معنى بأن يوضع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى. (٢) الوجه الثامن: الإعجاز في النظم . فمعنى ذلك: أن القرآن خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، مع كون حروفه في كلامهم، ومعانيه في خطابهم، وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيلٌ غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من

стр. 2032

اقتصر على معانيه وغيّر حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته؛ فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه. قال الأصبهاني في تفسيره: فالنظم المخصوص يعتبر صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره. كالخاتم والقرط والسوار فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها، لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد؛ فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتمًا وإن كان العنصر مختلفًا، وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار. من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدًا. قال: فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص. وبيان كون النظم معجزًا يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه. (١) أنواع النظم المختلفة في الكلام عمومًا: قال الباقلاني: وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى: ١ - أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه. ٢ - أنواع الكلام الموزون غير المقفى. ٣ - أصناف الكلام المعدل المسجع. ٤ - الكلام المعدل الموزون غير المسجع. ٥ - ما يرسل إرسالًا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه: وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل فيه ولا يتصنع له. (٢) القرآن يختلف عن جميع هذا النظم:

стр. 2033

قال الباقلاني: فالذي يشتمل عليه بديع نظم القرآن المتضمن للإعجاز: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. وقد علمنا أن القرآن خارج عن جميع النظم، ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب مسجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر؛ لأن من الناس من زعم أنه كلام السجع ومنهم من يدَّعى فيه شعرًا كثيرًا، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع؛ فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة وأنه معجز. وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل في جميعه. (١) طول النظم في القرآن لا يُضاهيه طول نظم آخر: قال الباقلاني: إنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر. وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة. وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف. وقد حصل القرآن - على كثرته وطوله - متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد؛ وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال. (٢)

стр. 2034

النظم في القرآن لا يختلف باختلاف أغراضه من قصص ومواعظ، خلافًا لكلام البشر: قال الباقلاني: فإن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت، ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام. ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل، وسائر أجناس الكلام. ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ؛ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنًى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره. ولذلك ضرب المثل بالذين سمّيتهم، لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم؛ فإذا كان الاختلال يتأتّي في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه؛ ستغنينا عن ذكر من هو دونهم. وكذلك يُستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها، ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر تقصيرًا عجيبًا، ويقع ذلك من رجزه موقعًا بعيدًا، ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز أو يقصر فيه مهما تكلفه أو تعمله. ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانًا بيّنًا ومنهم من يوجد بضد ذلك.

стр. 2035

وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا. وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة؛ فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بيّنًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة؛ فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت؛ بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة؛ فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر؛ لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنّا فيه التفاوت الكثير عند التكرار، وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التي يتضمن: حسن التنقل في القرآن من معنى إلى غيره، مع حسن النظم: فإن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتًا بيّنّا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضمّ والجمع. ألا ترى أن كثيرًا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء؛ وإنّما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى وتنقل يستحسن. وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحول من باب إلى باب، ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبيّن أن القرآن على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبيّن به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف. ومعنى خامس وهو: أن نظم القرآن وقع موقعًا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجنّ، كما يخرج عن عادة كلام الإنس. فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه

стр. 2036

كقصورنا، وقد قال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. (١) الحكمة من اختلاف نظم القرآن عن غيره: فتأليفه العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل، مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان، وحسن العبارة، ولطف الإشارة، وسلامة التركيب، وسلامة الترتيب، فتحيرت فيه عقول العرب العرباء، وفهوم الفصحاء. والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتعسف عنيد مظنة السرقة، ويمتاز هذا الكلام عن كلامهم ويظهر تفوقه؛ لأن البليغ - ناظمًا كان أو ناثرًا - يجتهد في هذه المواضع اجتهادًا كاملًا، ويمدح ويعاب عليه غالبًا في هذه المواضع. اختلاف نظم القرآن عن نظم الشعر خاصة: قال ابن العربي: فمن إعجاز القرآن خروجه عن أنواع كلام العرب، وخصوصًا عن وزن الشعر؛ ولذلك قال أخو أبي ذر لأبي ذر: "لقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها". ولا دخل في بحور العروض الخمسة عشر، ولا في زيادات المتأخرين عليها. ولقد اجتهد المجتهدون في أن يجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه الأوزان فلم يقدروا، فظهر عند الولي والعدو أنه ليس بشعر؛ وذلك قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]. وقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]. (٢) الحكمة من اختلاف نظم القرآن عن نظم الشعر: قال السيوطي: قيل الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره؛ أنَّ القرآن منبع الحق ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل بتصور الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذم، والإيذاء

стр. 2037

دون إظهار الحق، وإثبات الصدق؛ ولهذا نزه الله نبيه عنه. ولأجل شهرة الشعر بالكذب؛ سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية. وقال بعض الحكماء: لم يُر متديّن صادق اللهجة مفلقًا في شعره. وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون، فالجواب عنه: أن ذلك لا يسمى شعرًا؛ لأن شرط الشعر القصد، ولو كان شعرًا لكان كل من اتفق له في كلامه شيء موزون شاعرًا فكان الناس كلهم شعراء؛ لأنه قل أن يخلو كلام أحد عن ذلك. وقد ورد ذلك على ألسنة الفصحاء فلو اعتقدوه شعرًا لبادروا إلى معارضته، والطعن عليه؛ لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام. وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرًا وأقل الشعر بيتان فصاعدًا. وقيل الرجز لا يسمى شعرًا أصلًا. وقيل: أقل ما يكون من الرجز شعرًا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال. (١) التوراة والإنجيل والصحف ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف كالقرآن: - فإن قيل: فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله معجز كالتوراة والإنجيل والصحف؟ قيل: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزًا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار عن الغيوب. وإنما لم يكن معجزًا؛ لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن. (٢) الوجه التاسع: الإعجاز في كثرة أغراضه . اشتمالُ القرآنِ على كثيرٍ من الأغراضِ، مثل: القصصِ، والمواعظِ، والحِكَمِ، والإعذارِ، والإنذارِ، والأحكامِ. وقد جاءَ في أروعِ ما يمكنُ أن يكونَ من براعةِ النظم والتأليف. أما الشاعرُ البليغُ فلا يُجيدُ إلا لونًا واحدًا أو لونينِ، فإذا خرجَ عما اعتادَ عليه وبرَعَ فيه، أساءَ وقصَّرَ. (٣)

стр. 2038

فإنَّ الشاعر أو الكاتب إذا كرر مضمونًا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول. وقد تكررت قصص الأنبياء، وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية، واختلفت العبارات إيجازًا وإطنابًا وتفننًا في بيانها غيبة وخطابًا، ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا. وفي القرآن إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة. ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب تسعًا أو عشرًا من مسائل الفقه أو العقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والاستعارات الدقيقة يعجز. (١) الوجه العاشر: الإعجاز البلاغي . أنواع البلاغة في اللغة العربية وفي القرآن . قال الباقلاني: ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان. (٢) فالقرآن اشتمل على جميعِ أنواعِ البلاغةِ، ويتجاوزُها إلى ما لم يعرفْه العربُ ولا يستطيعونه. (٣) فإنه مشتمل على جميع فنون البلاغة من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل، وأصناف الاستعارة وحسن المطالع والمقاطع، وحسن الفواصل، والتقديم والتأخير والفصل والوصل اللائق بالمقام، وخلوّه عن اللفظ الرّكيك والشاذّ الخارج عن القياس النافر عن الاستعمال، وغير ذلك من أنواع البلاغات. ولا يقدر أحد من البلغاء والكملاء من العرب العرباء إلا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة، ولو رام غيره في كلامه لم

стр. 2039

يتأت له، وكان مقصرًا. والقرآن محتو عليها كلها فتلك عشرة كاملة، وهذه الوجوه العشرة تدل على أن القرآن في الدرجة العالية من البلاغة الخارجة عن العادة، يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان، وإحاطتهم بأساليب الكلام، ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن. (١) حازت بلاغات القرآن من كل قسم من أقسام البلاغة حصة: قال الخطابي: ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا فيه إلى حكم الذوق. والتحقيق: أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة؛ فمنها: البليغ الرصين الجزل. ومنها: الفصيح الغريب السهل. ومنها: الجائز الطلق الرسل. وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، فالأول أعلاها، والثاني أوسطها، والثالث أدناها وأقربها. فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الإنفراد في نعوتهما كالمتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة؛ والجزالة والمتانة يعالجان نوعًا من الزعورة (٢)؛ فكان اجتماع الأمرين في نظمه - مع نُبُوِّ كل واحد منهما عن الآخر - فضيلة خُصّ بها القرآن؛ ليكون آية بينة لنبيه ﷺ . سبب عدم إتيان البشر بمثل البلاغة في القرآن: قال الخطابي: وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها، وارتباط بعضها ببعض،

стр. 2040

فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا، وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه. وأما معانيه: فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه، والترقي إلى أعلى درجاته. وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام؛ فأمّا أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير. فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم (١) التأليف، مضمنًا أصح المعاني من توحيد لله تعالى، وتنزيهه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعًا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مُثُلات الله بمن مضى وعاند منهم، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهي عنه. ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها؛ حتى تنتظم وتتسق أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم؛ فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. (٢) إعجاز القرآن في علم البديع

стр. 2041

إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة، ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظًا نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه؛ ليكون الكلام واردًا على أمر مبيّن، وباب مقرّر مصوّر. ذكروا أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤]، وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ [يس: ٣٧]، وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥]، وقوله: ﴿نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]. وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وفي الألفاظ الفصيحة: كقوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. وفي الألفاظ الإلهية: كقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات: ٤٩]. (١) أمثلة من القرآن على إتيانه بأنواع البلاغة المختلفة، وبيان سبب إتيان القرآن بها: قال الباقلاني: فأما الإيجاز: فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى؛ فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة، وذلك ينقسم إلى حذف وقصر: فالحذف: الإسقاط للتخفيف: كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١].

стр. 2042

- وحذف الجواب، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ كأنه قيل: لكان هذا القرآن، والحذف أبلغ من الذكر؛ لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب. والإيجاز بالقصر: كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقوله ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. إعجاز القرآن في علم البيان: تعريف علم البيان قال المراكشي: تعريف علم البيان كما اختاره جماعة: فهو ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى، وعن تعقيده وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال. (١) - فالبيان على أربعة أقسام: كلام، وحال، وإشارة، وعلامة. ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال عزّ من قائل: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، ونقيضه العي، ومنه قيل: أعيا من باقلٍ؛ سئل عن ظبية في يده بكم اشتراها، فأراد أن يقول بأحد عشر، فأشار بيديه مادًا أصابعه العشر ثم أدلع لسانه، فأفلتت الظبية من يده. والشيء إذا صدر من أهله، وبدا من أصله، وانتسب إلى ذويه، سلم في نفسه، وبانت فخامته، وشوهد أثر الاستحقاق فيه. وإذا صدر من متكلف، وبدا من متصنع بان أثر الغربة عليه، وظهرت مخايل الاستيحاش فيه وعرف شمائل التحير منه. فالكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة الإلهية يتميز عما لم يكن كذلك، ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان، ولو لم يكن فيه إلا ما منّ به الله على خلقه بقوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، فأما بيان القرآن: فهو أشرف بيان وأهداه وأكمله وأعلاه وأبلغه وأسناه.

стр. 2043

تأمل قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] في شدة التنبيه على تركهم الحق، والإعراض عنه، وموضع امتنانه بالذكر والتحذير. وقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩]، وهذا بليغ في التحسير. وقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨]، وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر، معوَّدين لمخالفة النهي والأمر. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١]، وكذلك قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢]: نهاية في الحجاج، وقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣, ١٤]: نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات، ولا وجه للتطويل؛ فإنَّ بيان الجميع في الرفعة وكِبَر المنزلة على سواء. وقد ذكرنا من قبل أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز وهو معجز من القرآن. وما حكينا عن صاحب الكلام من المبالغة في اللفظ فليس ذلك بطريق الإعجاز، لأن الوجوه التي ذكرها قد تتفق في كلام غيره وليس ذلك بمعجز؛ بل قد يصح أن يقع في المبالغة في المعنى والصفة وجوه من اللفظ تثمر الإعجاز، وتضمين المعاني أيضًا قد يتعلق به الإعجاز إذا حصلت للعبارة طريق البلاغة في أعلى درجاتها. (١) الوجه الحادي عشر: الإعجاز الخطابي: في مناسبة القرآن وإرضائه للعامة والخاصة - إعجاز خاص بالأقوال المحكية في القرآن . قال ابن عاشور: فهو إذا حكى أقوالًا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية. وإذا حكى أقوالًا عربية تصرف فيها تصرفًا يناسب أسلوب المعبر، مثل

стр. 2044

ما يحكيه عن العرب، فإنه لا يلتزم حكاية ألفاظهم، بل يحكي حاصل كلامهم، وللعرب في حكاية الأقوال اتساع مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ، فالإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية. (١) قال الزركشي: ومن الإعجاز ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه في صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة، ومخاطبة أخرى لخلقه، لا في صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قُذف في قلبه وأُوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه، فهو يأتي بالمعاني التي ألهمها بألفاظه التي يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة. (٢) ومعنى هذا أن القرآن الكريم إذا قرأته على العامة أو قرئ عليهم، أحسوا جلاله، وذاقوا حلاوته وفهموا منه على قدر استعدادهم ما يرضي عقولهم وعواطفهم. وكذلك الخاصة إذا قرؤوه أو قرئ عليهم أحسوا جلاله وذاقوا حلاوته وفهموا منه أكثر مما يفهم العامة، ورأوا أنهم بين يدي كلام ليس كمثله كلام، لا في إشراق ديباجته، ولا في امتلائه وثروته، ولا كذلك كلام البشر؛ فإنه إن أرضى الخاصة والأذكياء لجنوحه إلى التجوز والإغراب والإشارة، لم يرض العامة؛ لأنهم لا يفهمونه. وإن أرضى العامة لجنوحه إلى التصريح والحقائق العارية المكشوفة لم يرض الخاصة؛ لنزوله إلى مستوى ليس فيه إمتاع لأذواقهم ومشاربهم وعقولهم. (٣) الوجه الثاني عشر: الإعجاز في الوحدة الموضوعية (العضوية) للآيات والسور: الأغلب أنه إذا انتقل الكلام من مضمون إلى مضمون آخر، واشتمل على بيان أشياء مختلفة لا يبقى حسن ربط الكلام ويسقط عن الدرجة العالية للبلاغة. والقرآن يوجد فيه الانتقال من قصة إلى قصة أخرى، والخروج من باب إلى باب، والاشتمال على أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد وعيد، وإثبات النبوة، وتوحيد الذات، وتفريد الصفات،

стр. 2045

وترغيب وترهيب، وضرب مثال، وبيان حال. ومع ذلك يوجد فيه كمال الربط والدرجة العالية للبلاغة الخارجة عن العادة فتحير فيها عقول بلغاء العرب. (١) ومعنى هذا أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه، وتماسك كلماته وجمله وآياته وسوره مبلغًا لا يداينه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه وتنوع مقاصده وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد. وآية ذلك أنك إذا تأملت في القرآن الكريم وجدت منه جسمًا كاملًا، تربط الأعصاب والجلود والأغشية بين أجزائه، ولمحت فيه روحًا عامًا يبعث الحياة والحس على تشابك وتساند بين أعضائه؛ فإذا هو وحدة متماسكة متآلفة، على حين أنه كثرة متنوعة متخالفة فبين كلمات الجملة السورة الواحدة من التناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب، وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة صغيرة متآخذة الأجزاء، متعانقة الآيات. وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابًا سويّ الخلق، حسن السمت ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] فكأنما هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار وتلعب بالعقول والأفكار، على حين أنها مؤلفة من حلقات، لكل حلقة منها وحدة مستقلة في نفسها ذات أجزاء، ولكل جزء موضع خاص من الحلقة، ولكل حلقة وضع خاص من السبيكة؛ لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد، جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة وحدة بديعة متآلفة، تُريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء، ثم بين كل حلقة وحلقة، ثم بين أوائل السبيكة وأواخرها وأواسطها. يَعرف هذا الإحكام والترابط في القرآن كلُّ من ألقى باله إلى التناسب الشائع فيه من غير تفكك ولا تخاذل ولا انحلال ولا تنافر، بينما الموضوعات مختلفة متنوعة؛ فمن تشريع إلى قصص إلى جدل إلى وصف إلى غير ذلك. وكتب التفسير طافحة ببيان المناسبات فنحيلك عليها، ونكتفي بمثال واحد نضربه مع الاختصار والاقتصار. الوجه الثالث عشر: الإعجاز في عرضه القصصي .

стр. 2046

قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣]. قال ابن تيمية: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: قيل: المعنى نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم، ونبين لك أحسن البيان. قال الزجاج: نحن نبين لك أحسن البيان. والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها، قال: وقوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي بوحينا إليك هذا القرآن، ومن قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: نَقْرَأُ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقِرَاءَةِ، وَنَتلُوا عَلَيْك أَحْسَنَ التِّلَاوَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ مَا يُقَصُّ، أَيْ أَحْسَنَ الْأَخْبَارِ الْمَقْصُوصَاتِ، كَمَا قَالَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥] وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، المُرَادُ خَبَرُهُمْ وَنَبَؤُهُمْ وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ المُرَادُ مُجَرَّدَ الْمَصْدَرِ. وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي الْمَعْنَى. (١) الوجه الرابع عشر: الإعجاز في ضربه للأمثال . تعريف التمثيل . قال ابن تيمية: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ يُعَبَّرُ فِي اللُّغَةِ بِضَرْبِ الْمَثَلِ أَوْ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ التَّعْبِيرُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِن اللُّغَةِ؛ لَكِنْ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْحُكْمِ كَأَمْثَالِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ قَالَ كَلِمَةً مَنْظُومَةً أَوْ مَنْثُورَةً لِسَبَبِ اقْتَضَاهُ فَشَاعَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى يُصَارَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ كُلِّ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لَهَا، فَكَأَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ المثلية نُقِلَتْ بِالْعُرْفِ مِن الْمَعْنَى الْخَاصِّ إلَى الْعَامِّ، كَمَا تُنْقَلُ الْأَلْفَاظُ المُفْرَدَةُ فَهَذَا نَقْلٌ فِي الْجُمْلَةِ، مِثْلُ قَوْلهِمْ: "يَدَاك أَوْكَتَا وَفُوك نَفَخَ" هُوَ مُوَازٍ لِقَوْلِهمْ: "

стр. 2047

أَنْتَ جَنَيْت هَذَا"، لِأَنَّ هَذَا الْمَثَلَ قِيلَ ابْتِدَاءً لِمَنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِالْإِيكَاءِ وَالنَّفْخِ، ثُمَّ صَارَ مَثَلًا عَامًّا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "الصَّيْفَ ضَيَّعْت اللَّبَنَ" مِثْلُ قَوْلِك "فَرَّطْت وَتَرَكْت الْحَزْمَ، وَتَرَكْت مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَقْتَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَ" وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ قِيلَتْ لِلْمَعْنَى الْخَاصِّ. وَكَذَلِكَ "عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا" أَيْ أَتَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الظَّاهِرِ الْحَسَنِ بَاطِنٌ رَدِيءٌ؟ فَهَذَا نَوْعٌ مِن الْبَيَانِ يَدْخُلُ فِي اللُّغَةِ وَالْخِطَابِ، فَالمُتَكَلِّمُ بِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المُبَيِّنِ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا إذْ قَدْ يَتَمَثَّلُ بِهِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَهَذَا تَطَلُّبُهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ جِنْسِ تَطَلُّبِ الْأَلْفَاظِ الْعُرْفِيَّةِ، فَهُوَ نَظَرٌ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لَا نَظَرٌ فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَلَيْسَ هُوَ المُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ يَجْلُو عَنْك شُبْهَةً لَفْظِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً. وَهَذِهِ الْأَمْثَالُ اللُّغَوِيَّةُ أَنْوَاعٌ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا أَجْنَاسُهَا، وَهِيَ مُعْلِنَةٌ بِبَلَاغَةِ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَبَرَاعَةِ بَيَانِهِ اللَّفْظِيِّ. وَالَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ يَتَكَلَّمُونَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ صَارَتْ مَثَلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تَصِيرُ الْكَلِمَةُ مَثَلًا حَتَّى يَتَمَثَّلَ بِهَا الضَّارِبُ؛ فَيَكُونُ هَذَا أَوَّلَ مَنْ تَمَثَّلَ بِهَا كَقَوْلِهِ ﷺ : "الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ" (١). وَكَقَوْلِهِ: "مُسَعِّرُ حَرْبٍ" (٢) وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ النَّفْيَ بِصِيغَةِ الاِسْتِفْهَامِ المُضَمَّنِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ هُوَ نَفْيٌ مُضَمَّنٌ دَلِيلَ النَّفْيِ؛ فَلَا يُمْكِنُ مُقَابَلَتُهُ بِمَنعٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْفِي بِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ إلَّا مَا ظَهَرَ بَيَانُهُ أَوْ اُدُّعِيَ ظُهُورُ بَيَانِهِ، فَيَكُونُ ضَارِبُهُ إمَّا كَامِلًا فِي اسْتِدْلَالِهِ وَقِيَاسِهِ، وَإِمَّا جَاهِلًا كَالَّذِي قَالَ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. الحكمة من ذكر الأمثال في القرآن: ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات إلى أن بلغت الألف؛ لأن في التمثيل سرًا لطيفًا وحكمة عالية؛ إذ به يصير الوهم مغلوبًا للعقل، والخيال مجبورًا للانقياد للفكر، وبه

стр. 2048

يتحول الغائب حاضرًا، والمعقول محسوسًا، والمعنى مجسمًا، وبه يجعل المتفرق مجموعًا، والمختلط ممتزجًا، والمختلف متّحدًا، والمنقطع متصلًا، والأعزل مسلّحًا. (١) قال الجرجاني: اعلم أن مما اتفق العقلاء عليه: أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبةً، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبةً وشغفًا. فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة للمادح، وأقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسيرَ على الألسن واذكرَ، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدرَ. وإن كان ذمًا كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمه ألذَع، ووقعه أشدَّ، وحدُّه أحدَّ. وإن كان حجاجًا كان برهانه أنورَ، وسلطانه أقهرَ، وبيانه أبهَر. وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعدَ، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدَّ. وإن كان اعتذارًا كان إلى القلوب أقربَ، وللقلوب أخلبَ، وللسخائم اسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عُقَد العقود أنفثَ، وعلى حسن الرجوع أبعثَ. وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يَجْلي الغياية، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل. . . وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه. (٢) الوجه الخامس عشر: الإعجاز في التكرار. سواء تكرار العبارات أو الكلمات: ففي كتاب: أسرار التكرار في القرآن لابن نصر الكرماني، ذكر أمثلة كثيرة في القرآن، ووضح الهدف من هذا التكرار، وأبان بأنه لا يُخل بالمعنى؛ بل يُعد صورةً جديدةً من إعجاز القرآن.

стр. 2049

فمثال ذلك: قال الكرماني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقال في (الحج: ١٧): ﴿وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾، وقال في (المائدة: ٦٩) ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾؛ لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة، والصابئون مقدَّمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج، وراعى في المائدة بين المعنيين فقدّمهم في اللفظ، وأخّرهم في التقدير؛ لأن تقديره والصابئون في كذلك، قال الشاعر: فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب (١) الوجه السادس عشر: الإعجاز في تيسير الله القرآن للذكر فمن إعجاز القرآن أن قارئه لا يملّه، وسامعه لا يمجّه؛ بل الإكباب على تلاوته يُزيده. (٢) قلت: وسبب ذلك تيسيرُ الله القرآنَ للذّكرِ. قال الباقلاني: فقد سهل الله سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة. وجعله قريبًا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس. وهو مع ذلك ممتنعُ المطلب، عسيرُ المتناول، غير مُطمِع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوّه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به. فأمّا الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع، أو يوضع فيه الإعجاز. ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف - لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر، أو يعيب ويقرع، ولكنه أوضح مناره، وقرّب منهاجه، وسهّل سبيله، وجعله في ذلك متشابهًا متماثلًا، وبين مع ذلك إعجازهم فيه.

стр. 2050

وقد علمت أن كلام فصحائهم، وشِعْرَ بُلغائهم لا ينفكّ من تصرفٍ في غريب مستنكر، أو وحشي مستكره، ومعانٍ مستبعدة. ثم عدولهم إلى كلامٍ مبتذلٍ وضيعٍ لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرّف بين المنزلتين. فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس: قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل. (١) الوجه السابع عشر: الإعجاز النفسي . قال القاضي عياض: مشيرًا إلى تأثير القرآن في النفوس وهو يَعُدُّ وجوه الإعجاز، ومنها: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيئة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله، وإنافة خَطَره، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورًا، كما قال تعالى، ويودّون انقطاعه لكراهتهم له، . . .، وأمّا المؤمن فلا تزال روعته به، وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابًا، وتكسبه هشاشةً لميل قلبه إليه، وتصديقه به). (٢) وقد مات جماعةٌ عند سماع آيات منه أُفرِدُوا بالتصنيف (٣) قال السيوطي: وقد قلت في إعجاز القرآن وجهًا ذهب عنه الناس؛ وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الزمر: ٢٣]. (٤) فمن أمثلة التأثير المفضي إلى الإيمان ما أخرجه البخاري من حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ

стр. 2051

هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. (١) الوجه الثامن عشر: إعجاز القرآن في كثرة علومه ومعارفه . قال السيوطي: فهذه ثمانون نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة، وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة وقفتُ على كثير منها. (٢) قال الزركشي: واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله؛ فإنَّ الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير! (٣) وقد احتوى على علوم أخرى من علوم الأوائل مثل: الطبّ، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك: - أما الطبّ فمداره على حفظ نظام الصحة، واستحكام القوة؛ وذلك إنما باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى: ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب وشفاء الصدور. - وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السموات والأرض وما بثّ في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات. - وأما الهندسة ففي قوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾ [المرسلات: ٣٠].

стр. 2052

- وأما الجدل فقد حوت آياته من البراهين، والمقدمات، والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة، وغير ذلك شيئًا كثيرًا، ومناظرة إبراهيم نمرود، ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة، فقد قيل: إن أوائل السور فيها ذكر مدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض. وأما النِّجامة ففي قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] فقد فسّره بذلك ابن عباس - وفيه أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها: كالخياطة في قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. والحدادة ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]، والغزْل ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢]، والنسج ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، والفلاحة ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، والصيد في آيات، والغوص: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤] والصياغة: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. (١) الوجه التاسع عشر: الإعجاز التشريعي . أ - لا تعارض بين التشريع والعقل: قال الباقلاني: واعلم أن من قال من أصحابنا: إن الأحكام معلّلة بعلل موافقة لمقتضى العقل، جعل هذا وجهًا من وجوه الإعجاز، وجعل هذه الطريقة دلالةً فيه، كنحو ما يعلّلون به الصلاة، ومعظم الفروض وأصولها. ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة، ووجوه تستحسن. (٢) - إعجاز القرآن في كونه صالحًا ومُصلحًا لكل زمان ومكان:

стр. 2053

ومعنى هذا أن القرآن الكريم جاء بهدايات تامة كاملة تفي بحاجات البشر في كل عصر ومصر، وفاء لا تظفر به في أي تشريع، ولا في أي دين آخر، ويتجلى لك هذا إذا استعرضت المقاصد النبيلة التي رمى إليها القرآن في هدايته، والتي نعرض عليك من تفاصيلها ما يأتي: أولًا: إصلاح العقائد عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد، وما بينهما تحت عنوان الإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر. ثانيًا: إصلاح العبادات عن طريق إرشاد الخلق إلى ما يزكي النفوس، ويغذي الأرواح ويقوم الإرادة، ويفيد الفرد والمجموع منها. ثالثًا: إصلاح الأخلاق: عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلهم، وتنفيرهم من رذائلها في قصد واعتدال، وعند حدٍّ وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط. رابعًا: إصلاح الاجتماع: عن طريق إرشاد الخلق إلى توحيد صفوفهم، ومحو العصبيات، وإزالة الفوارق التي تباعد بينهم. وذلك بإشعارهم أنهم جنس واحد، من نفس واحدة، ومن عائلة واحدة، أبوهم آدم، وأمهم حواء، وأنه لا فضل لشعب على شعب، ولا لأحد على أحد إلا بالتقوى؛ وأنهم متساوون أمام الله، ودينه، وتشريعه. متكافئون في الأفضلية، وفي الحقوق، والتبعات من غير استثناءات، ولا امتيازات. وأن الإسلام عقد إخاءً بينهم أقوى من إخاء النسب والعصب. وأن لسانهم العام هو لسان هذا الدين، ولسان كتابه لغة العرب. وأنهم أمة واحدة، يؤلف بينها المبدأ، ولا تفرقها الحدود الإقليمية، ولا الفواصل السياسية والوضعية ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥٢]. خامسًا: إصلاح السياسة أو الحكم الدولي: عن طريق تقرير العدل المطلق، والمساواة بين الناس، ومراعاة الفضائل في الأحكام والمعاملات؛ من الحق والعدل والوفاء بالعهود والرحمة

стр. 2054

والمواساة والمحبة واجتناب الرذائل من الظلم والغدر ونقض العهود والكذب والخيانة والغش وأكل أموال الناس بالباطل: كالرشوة والربا والتجارة بالدين والخرافات. سادسًا: الإصلاح المالي: عن طريق الدعوة إلى الاقتصاد، وحماية المال من التلف والضياع، ووجوب إنفاقه في وجوه البر، وأداء الحقوق الخاصة والعامة والسعي المشروع. سابعًا: الإصلاح النسائي: عن طريق حماية المرأة واحترامها وإعطائها جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية. ثامنًا: الإصلاح الحربي: عن طريق تهذيب الحرب، ووضعها على قواعد سليمة لخير الإنسانية في مبدئها، وغايتها، ووجوب التزام الرحمة فيها، والوفاء بمعاهداتها، وإيثار السلم عليها، والاكتفاء بالجزية عند النصر، والظفر فيها. تاسعًا: محاربة الاسترقاق في المستقبل وتحرير الرقيق الموجود بطرق شتى: منها الترغيب العظيم في تحرير الرقاب، وجعله كفارة للقتل، وللظهار، ولإفساد الصيام بطريقة فاحشة، ولليمين الحانثة، ولإيذاء المملوك باللطم أو الضرب. عاشرًا: تحرير العقول والأفكار، ومنع الإكراه، والاضطهاد، والسيطرة الدينية القائمة على الاستبداد والغطرسة ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. ب - إعجاز في أن تشريعاته؛ مهما حاولت التشريعات الوضعية أن تأتي بمثلها فلن تستطيع . والدليل على هذا الوجه من إعجاز القرآن: أن غير المسلمين كانوا ولا يزالون حائرين يبحثون عن النور، وينقبون عما يفي بحاجتهم في كثير من نواحي حياتهم حتى اضطّروا تحت ضغط هذه الحاجة، وبعد طول المطاف، وقسوة التجارب أن يرجعوا إلى هداية القرآن من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وإليك شواهد على ذلك: ١ - أمريكا حرّمت الخمر أخيرًا، ولكنها فشلت ولم تنجح؛ لأنها لم توفق إلى الطريقة الحكيمة التي اتبعها الإسلام في تحريم الخمر. ٢ - أمريكا أباحت الطلاق، وإن كانت قد أسرفت فيه إلى درجة ضارّة.

стр. 2055

٣ - أسبانيا أصدرت حكومتها قانونًا بمنع البغاء الرسمي في بلادها، وبمنع النساء من البروز على الشواطئ في ثياب الاستحمام. ٤ - مصلحوا أوروبا يرفعون أصواتهم بضرورة الرجوع إلى مبدأ تعدد الزوجات حتى بعض نسائهم طالبن بهذا. ٥ - اليهود يطالبون أيضًا بتعدد الزوجات، وقد تزعَّم هذه الحركة يهودي اسمه: مورشه ليكفر مان، وبرهن على أن ذلك من أحكام الدين اليهودي. وطلب إلى اليهود إلغاء قرار الحاخام غرشون الذي تعدى حدود الدين اليهودي؛ بإبطاله الزواج بأكثر من واحدة، وأصبح له أتباع كثيرون. ٦ - زعيم فرنسا نادى غداة هزيمتها في حرب من الحروب يقول: إن سبب انهيار دولتهم هو انغماسهم في الشهوات الجنسية، وإسرافهم في المفاسد والمفاتن. (١) ج - عرض التشريع في القرآن فيه حث للقلوب على الخضوع له، لا أنها قوانين صارمة: جمع القرآن في أسلوبه ونظمه بين مقصدين: مقصد الموعظة، ومقصد التشريع؛ فنظمه يفيد بظاهره السامع ما يحتاج إلى علمه، وهو في ذلك يشبه خطب العرب. ومع ذلك فقد ضم معناه ما يستخرج منه العلماء الأحكام الكثيرة في التشريع، وفي الآداب وغيرها. (٢) الوجه العشرون: الإعجاز العلمي في القرآن . - فمن إعجاز القرآن أنه تكلم في لغة العلم قبل كشفه، كما أنه استعمل كلمات وتعبيرات لم يستوحشها أذواق الأقدمين، ولا معارفهم علي حين أحاطت بكشوف العصر الحديث! (٣) - وحكي أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا سأل الحسين بن علي الواقدي: لماذا لم ينقل شيء في كتابكم عن علم الطب. . . والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان؟ . فقال الحسين: إن الله بيّن علم الطب كلّه في نصف آية، فسأل الطبيب النصراني عن هذه الآية. فقال: هي

стр. 2056

قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا. . .﴾ [الأعراف: ٣١] ما أحل الله لكم من المطعومات والمشروبات ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي لا تتعدوا إلى الحرام، ولا تكثروا الإنفاق المستقبح، ولا تناولوا مقدارًا كثيرًا يضركم ولا تحتاجون إليه. ثم سأل الطبيب: أقال نبيكم أيضًا شيئًا في هذا الأمر؟ ، فقال الحسين: إن نبيَّنا أيضًا جمع الطب في ألفاظ يسيرة، فسأل الطبيب عنها، فقال الحسين: هي هذه: "المعدة بيت الداء. والحمية رأس كل دواء. وأعط كل بدن ما عودته" (١) فقال الطبيب: الإنصاف أن كتابكم ونبيكم ما تركا حاجة إلى جالينوس، يعني بينا الأمر الذي هو رأس حفظ الصحة وإزالة المرض وأصلهما ومضارهما. (٢) - فالقرآن حضّ على معرفة علوم الكون، وصنائع العالم، وحث على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود. قال : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال جلّت حكمته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣]. فلا يليق بالمسلمين وهم المخاطبون بهذا أن يفرّوا من وجه هذه المنافع العامة، ولا أن يزهدوا في علوم الكون، ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتع بثمرات هذه القوى العظيمة التي أودعها الله لخلقه في خزائن سمواته وأرضه. ولهذا نَصَّ علماؤنا على أن تعلم تلك العلوم الكونية، وحذق هذه الصناعات الفنية فرض من فروض الكفايات، ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع. (٣) الوجه الحادي والعشرون: الإعجاز الغيبي - فمن وجه إعجاز القرآن الغيبي: ١ - ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب. ٢ - ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين، وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحَضَرها.

стр. 2057

٣ - ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل: كقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]. (١) ٤ - ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب. فإن هذا لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه الوجه الثاني والعشرون: الإعجاز التأثيري . لقد أشار القرآن نفسه إلى هذه الوجه من وجوه إعجازه حين سمى الله كتابه روحًا من أمره بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وحين سماه نورًا بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] وفي قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. تأثيره في أعدائه: أما أعداؤه المشركون، فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة، نذكر بعضها على سبيل التمثيل: المظهر الأول: أن هؤلاء المشركين مع حربهم له، ونفورهم مما جاء به، كانوا يخرجون في جنح الليل البهيم يستمعون إليه والمسلمون يرتلونه في بيوتهم. فهل ذاك إلا لأنه استولى على مشاعرهم، ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم وكراهتهم للحق أن يؤمنوا به ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ [المؤمنون: ٧٠]

стр. 2058

المظهر الثاني: أن أئمة الكفر منهم كانوا يجتهدون في صد رسول الله ﷺ عن قراءته في المسجد الحرام وفي مجامع العرب وأسواقهم، وكذلك كانوا يمنعون المسلمين من إظهاره، حتى لقد هالهم من أبي بكر أن يصلي به في فناء داره، وذلك لأن الأولاد والنساء كانوا يجتمعون عليه يستمتعون بلذة هذا الحديث ويتأثرون به ويهتزون له! . المظهر الثالث: أنهم ذعروا ذعرا شديدا من قوة تأثيره ونفوذه إلى النفوس على رغم صدهم عنه واضطهادهم لمن أذعن له فتواصوا على ألا يسمعوه، وتعاقدوا على ان يلغوا فيه إذا سمعوه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. المظهر الرابع: أن بعض شجعانهم وصناديدهم، كان الواحد منهم يحمله طغيانه وكفره وتحمسه لموروثه، على أن يخرج من بيته شاهرا سيفه، معلنا غدره، ناويا القضاء على دعوة القرآن ومن جاء به، فلا يلبث حين تركه لمحة من لمحات العناية، وينصت إلى صوت القرآن في سورة أو آية، أن يذل للحق ويخشع، ويؤمن بالله ورسوله وكتابه ويخضع. وإن أردت شاهدا على هذا فاستعرض قصة إسلام عمر وهي مشهورة. أو فتأمل كيف أسلم سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس هو وابن أخيه أسيد بن حضير ﵃ وإليك كلمة قصيرة عن إسلام سعد وأسيد فيها نفع كبير: تروي كتب السيرة أن رسول الله ﷺ وهو في مكة قبل الهجرة، أرسل مع أهل المدينة الذين جاءوا وبايعوه بيعة العقبة، مبعوثين جليلين يعلمانهم الإسلام وينشرانه في المدينة هما: مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم ﵄ وقد نجح هذان في مهمتهما أكثر نجاح، وأحدثا في المدينة ثورة فكرية أو حركة تبشيرية جزع لها سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس، حتى قال لابن أخيه أسيد بن حضير: ألا تذهب إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما. فلما انتهى إليهما أسيد قال لهما: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ ثم هددهما، وقال: اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة - رضي الله عن مصعب - فقد تغاضى عن هذا التهديد، وقال لأسيد في وقار المؤمن وثباته: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن

стр. 2059

كرهته كفَفْنا عنك ما تكره. ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع، فما قام من مجلسه حتى أسلم، ثم كر راجعًا إلى سعد؛ فقال له: والله ما رأيت بالرجلين بأسًا. فغضب سعد وذهب هو نفسه ثائرًا مهتاجًا، فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدًا وانتهى الأمر بإسلامه - أيضًا - ثم كرّ راجعًا فجمع قبيلته، وقال لهم: ما تعدونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا؛ فقال سعد: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا أجمعين! . تأثير القرآن في نفوس أوليائه: تلك مظاهر لفعل القرآن بنفوس شانئيه، فهل تدري ماذا فعل بهم بعد أن دانوا له وآمنوا به وأصبحوا من تابعيه ومحبيه؟ لعلك لم تنس ما فعل القرآن بعمر وسعد وأسيد الذين نوّهنا بهم بين يديك. ألم يعودوا من خيرة جنود الإسلام ودعاته من يوم أسلموا بل من ساعة أسلموا؟ وهناك مظاهر أربعة لهذا الضرب أيضًا: المظهر الأول: تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة، حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيذ منامهم من أجل تهجّدهم به في الأسحار، ومناجاتهم العزيز الغفار. وما كان هذا حالًا نادرًا فيهم؛ بل ورد أن المارّ على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دويًا كدوي النحل بالقرآن! وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن! وكانت المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إيّاها زوجها من القرآن؟ . المظهر الثاني: عملهم به وتنفيذهم لتعاليمه في كل شأن من شؤونهم، تاركين كل ما كانوا عليه مما يخالف تعاليمه ويجافي هداياته. طيبةً بذلك نفوسُهم، طيّعةً أجسامُهم، سخيّةً أيديهم وأرواحهم، حتى صهرهم القرآن في بوتقته، وأخرجهم للعالم خلقًا آخر، مستقيم العقيدة، قويم العبادة، طاهر العادة، كريم الخلق، نبيل المطمح! . المظهر الثالث: استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه وعن هدايته. فأخلصوا له وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه وهو مدافع عنه، ومنهم من انتظر حتى أتاه اليقين وهو مجاهد في سبيله مضحّ بنفسه ونفيسه. ولقد بلغ الأمر إلى حدّ أن الرسول ﷺ كان يردّ بعض من يتطوع بالجندية من الشباب لحداثة أسنانهم وكان كثير من

стр. 2060

ذوي الأعذار يؤلمهم التخلف عن الغزو حتى يضطرّ الرسول ﷺ أن يتخلّف معهم جبرًا لخاطرهم، ويرسل سراياه وبعوثه بعد أن ينظمها ويزودها بما تحتاجه ولا يخرج معهم. روى مالك والشيخان أن رسول الله ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ الله أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو في سَبِيلِ الله فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ". (١) المظهر الرابع: ذلك النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن في هداية العالم. فقد وجد قبل النبي ﷺ أنبياء ومصلحون، وعلماء ومشترعون، وفلاسفة وأخلاقيون، وحكام ومتحكمون، فما تسنّى لأحد من هؤلاء، بل ما تسنى لجميعهم أن يحدثوا مثل هذه النهضة الرائعة التي أحدثها محمد ﷺ في العقائد والأخلاق، وفي العبادات والمعاملات، وفي السياسة والإدارة، وفي كافة نواحي الإصلاح الإنساني. وما كان لمحمد ولا لألف رجل غير محمد أن يأتوا بمثل هذا الدستور الصالح الذي أحيا موات الأمة العربية في أقل من عشرين سنة، ثم نفخ فيهم من روحه فهبّوا بعد وفاته ينقذون العالم؛ ففتحوا ملك كسر وقيصر، ووضعوا رِجلًا في الشرق ورِجلًا في الغرب، وخفقت رايتهم على نصف المعمور في أقل من قرن ونصف قرن من الزمان. (٢) الوجه الثالث والعشرون: القرآن معجزة متجددة إن إحدى أهم أوجه إعجاز القرآن الكريم، أن معجزته متجددة وعجائبه لا تنقضي، فالقرآن معجزة باقية على طول الزمان من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به، ويُتلى قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، و ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٨].

стр. 2061

وإخبار رسول الله ﷺ بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق؛ دليلٌ على أنّه كان خارقًا يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء. وها هو القرآن الكريم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال إنّه مثله، وهذا يعرفه كلّ أحدٍ. (١) الوجه الرابع والعشرون: الإعجاز في هيمنته على الكتب السابقة وجمعه لعلومها قال الزركشي: ومن وجوه الإعجاز جعله آخر الكتب غنيًا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يُرجع فيه إليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل: ٧٦]. (٢) قال ابن تيمية: وَهَكَذَا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ قَرَّرَ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ الله، وَعَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَزَادَ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا. وَبَيَّنَ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَرَّرَ نُبُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَرِسَالَةَ الْمُرْسَلِينَ، وَقَرَّرَ الشَّرَائِعَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي بُعِثَتْ بِهَا الرُّسُلُ كُلُّهُمْ. وَجَادَلَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ بِأَنْوَاعِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَبَيَّنَ عُقُوبَاتِ الله لَهُمْ وَنَصْرَهُ لِأَهْلِ الْكُتُبِ المُتَّبِعِينَ لَهَا، وَبَيَّنَ مَا حُرِّفَ مِنْهَا وَبُدِّلَ، وَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبَيَّنَ أَيْضًا مَا كَتَمُوهُ مِمَّا أَمَرَ الله بِبَيَانِهِ. وَكُلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّاتُ بِأَحْسَنِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فَصَارَتْ لَهُ الْهَيْمَنَةُ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَهُوَ شَاهِدٌ بِصِدْقِهَا وَشَاهِدٌ بِكَذِبِ مَا حُرِّفَ مِنْهَا، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِقْرَارِ مَا أَقَرَّهُ الله، وَنَسْخِ مَا نَسَخَهُ فَهُوَ شَاهِدٌ فِي الْخَبَرِيَّاتِ حَاكِمٌ فِي الْأَمْرِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى "الشَّهَادَةِ" و"الْحُكْمِ" يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ مَا أَثْبَتَهُ الله مِنْ صِدْقٍ وَمُحْكَمٍ، وَإِبْطَالِ مَا أَبْطَلَهُ مِنْ كَذِبٍ وَمَنْسُوخٍ، وَلَيْسَ الْإِنْجِيلُ مَعَ التَّوْرَاةِ وَلَا الزَّبُورِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بَلْ هِيَ مُتَّبَعَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ إلَّا يَسِيرًا نَسَخَهُ الله بِالْإِنْجِيلِ؛ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ. (٣)

стр. 2062

الوجه الخامس والعشرون: إعجاز القرآن في أسمائه وصفاته لا يوجد كتاب على وجه الأرض له من الأسماء والصفات ما كان للقرآن. قال ابن تيمية: أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ: الْفُرْقَانُ، الْكِتَابُ، الْهُدَى، النُّورُ، الشِّفَاءُ، الْبَيَانُ، الْمَوْعِظَةُ، الرَّحْمَةُ، بَصَائِرُ، الْبَلَاغُ، الْكَرِيمُ، الْمَجِيدُ، الْعَزِيزُ، الْمُبَارَكُ، التَّنْزِيلُ، المُنَزَّلُ، الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، حَبْلُ الله، الذِّكْرُ، الذِّكْرَى، تَذْكِرَةٌ ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨]، ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٤, ٥٥]، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] و ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، المُتَشَابِهُ، الْمَثَانِي، الْحَكِيمُ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، مُحْكَمٌ، المُفَصَّلُ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، الْبُرْهَانُ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. الْحَقُّ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨]، عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، أَحْسَنَ الْقَصَصِ عَلَى قَوْلٍ. كَلَامُ الله ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، الْعِلْمُ ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، الْعَلِيُّ، الْحَكِيمُ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، الْقَيِّمُ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢, ٣]، ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١, ٢] وَوَحَيٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، حِكْمَةٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٤, ٥] وَحُكْمًا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وَنَبَأٌ عَلَى قَوْلٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]، وَنَذِيرٌ عَلَى قَوْلٍ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَشَاهِدًا

стр. 2063

مُصَدِّقًا، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ "حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك" (١)، وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ عَنْ عِليٍّ "عِصْمَةٌ لِمَنْ اسْتَمْسَكَ بِهِ" (٢). وَأَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّهُ يَقُصُّ، وَيَنْطِقُ، وَيَحْكُمُ، وَيُفْتِي، وَيُبَشِّرُ، وَيَهْدِي فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧] أَيْ يُفْتِيكُمْ أَيْضًا ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ. . .﴾ [الإسراء: ٩]. (٣) الوجه السادس والعشرون: إعجاز القرآن في بيانه للحق بالأدلة العقلية والقياس البين . وَهَكَذَا غَالِبُ مَا بَيَّنَهُ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَالصِّدْقَ وَيَذْكُرُ أَدِلَّتَهُ وَبَرَاهِينَهُ؛ لَيْسَ يُبَيِّنُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأَمْرِ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ المُتَكَلِّمَةِ والمتفلسفة أَنَّ دَلَالَتَهُ سَمْعِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِصِدْقِ الْمُخْبِرِ؛ بَلْ دَلَالَتُهُ أَيْضًا عَقْلِيَّةٌ بُرْهَانِيَّةٌ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى أَحْسَنِهَا وَأَتَمِّهَا بِأَحْسَنِ بَيَانٍ لِمَنْ كَانَ لَهُ فَهْمٌ وَعَقْلٌ؛ بِحَيْثُ إذَا أَخَذَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَلَامُ الله، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَ الرَّسُولِ، أَوْ يَظُنَّ فِيهِ ظَنًّا مُجَرَّدًا عَنْ مَا يَجِبُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْمُخْبِرِ كَانَ فِيهِ مَا يُبَيِّنُ صِدْقَهُ وَحَقَّهُ وَيُبَرْهِنُ عَنْ صِحَّتِهِ. (٤) الوجه السابع والعشرون: إعجاز القرآن في حفظ الله له ١ - تكفل الله بحفظه. قال القاضي عياض: ومن وجوه إعجازه كونه آيةً باقيةً لا يعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفّل الله بحفظه. (٥) ٢ - إبطال حِيل من أراد تحريفًا للقرآن. ٣ - نقل القرآن بالتّواتر من جيلٍ لجيلٍ.

стр. 2064

قال الباقلاني: القرآن الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف هو الذي جاء به النبي ﷺ ، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثًا وعشرين سنةً. (١) الوجه الثامن والعشرون: إعجاز القرآن في عدم المجيء بمثله، وتحديه للبشر . قال الرماني: وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة والتحدّي للكافة. (٢) فجعل الله عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله دليلًا على أنه منه، ودليلًا على وحدانيته. وذلك يدلّ عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تُعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل؛ لأن القرآن كلام الله ، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أولًا. فقلنا: إذا ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذي أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم، وأنه صدق، وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقًا، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من طريق القرآن؛ بل يمكن عندنا أن يعرف من قوله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣, ٣٤]، فقد ثبت بما بيناه أنه تحدّاهم إليه ولم يأتوا بمثله. وفي هذا أمران: أحدهما: التحدّي إليه، والآخر: أنهم لم يأتوا له بمِثلٍ، والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين. (٣) * * *

стр. 2065

٥ - شبهة: ادعاؤهم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم نص الشبهة: يقولون: كيف توجد ألفاظ أعجمية في القرآن مع أن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾؟ والجواب على ذلك في مبحثين المبحث الأول: هل في القرآن ألفاظ أعجمية؟ المبحث الثاني: على فرض وجود ألفاظ أعجمية فالجواب عليه من وجوه: الوجه الأول: إن لسان العرب أوسع من أن يحيط به أحد. الوجه الثاني: ليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر، فلعل ما وصف أنه عجمي يكون عربي الأصل. الوجه الثالث: لم يرد أن أحدًا من سكان مكة أو غيرها قال: بأنها غريبة عنه لا يعرفها. الوجه الرابع: هذه المفردات غير العربية هي عربية باستعمال العرب لها فتكلّمت به العرب حتى صار كاللغة. الوجه الخامس: لا يمتنع أن يتفق لسان العرب مع لسان العجم في بعض الألفاظ فتكون عربية وأعجمية، فالقرآن فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به، وليس معنى هذا أن اللفظ أصله أعجمي. الوجه السادس: إن كل مما في القرآن من كلمات غير عربية الأصل إنما هي كلمات مفردات. الوجه السابع: إن وجود مفردات أجنبية في أي لغة سواء كانت اللغة العربية أو غير العربية لا يخرج تلك اللغة عن أصالتها. الوجه الثامن: وجود عدد وإن كان نادرًا جدًا من الألفاظ ذات الأصل غير العربي، ومن مختلف اللغات القديمة، يحمل إشارة إلى عالمية الدعوة الإسلامية. الوجه التاسع: يخلو القرآن الكريم من تراكيب، أو جُمل، أو أشباه جُمل، غير عربية. الوجه العاشر: ذكر الأعجمي على فرض أنه ذكر للإعجاز. وإليك التفصيل

стр. 2066

المبحث الأول: هل في القرآن ألفاظ أعجمية؟ والجواب: في ذلك خلاف، والراجح عدم وجود ألفاظ أعجمية. وإليك تفصيل الكلام . القول الأول: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ غَيْرُ عَلَمٍ إلَا عَرَبِيٌّ . اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الإمام الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدة، وَابْنُ جَرِير، وَالْبَاقِلَانِيّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ. (١)

стр. 2067

أدلة القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧]. وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. ونفى عنه جل ثناءه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بأن هذا القرآن عربي لا يشارك العربية فيه كلام أمة أخرى. قال الزركشي: اعلم أن القرآن أنزله الله بلغة العرب، فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ الآية، يدل على أنه

стр. 2068

ليس فيه غير العربي؛ لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه ﵊، ودلالة قاطعة لصدقه، وليتحدى العرب العرباء به، ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة. (١) القول الثاني: أنَّ في القرآن أَلْفَاظًا غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ: وَذَهَبَ إليه ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَغَيْرُهُمْ. أما أدلة المذهب الثاني فهي كما يلي: أولًا: ذهب من قال بالوقوع بأن في القرآن خاصًا يجهله بعض العرب. ثانيًا: وجود من كان ينطق من العجم بالشيء من لسان العرب. ثالثًا: أن جميع الرسل كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، أما محمد ﷺ بُعث إلى الناس كافة، فليكن في القرآن عموم في اللغات كعموم المنزل عليه إلى العالم. (٢) القول الثالث: وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ تَصْدِيقُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الأَحْرُفَ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ، فَعُرِّبَتْ بألسنتها، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ - فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ. (٣) ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون. (٤) لا خلاف بين العلماء في أنه ليس في القرآن كلام مركب من ألفاظ أعجمية تعطي معنى مستفادًا حسب هذا التركيب.

стр. 2069

كما أنه لا خلاف بينهم أن في القرآن أعلام أعجمية كنوح، وإسرائيل، ولوط من غير لسان العرب. والخلاف إنما هو في ألفاظ مفردة ليست من هذا ولا ذاك، فهل من لسان العرب أم من لسان غير العرب؟ . (١) المبحث الثاني: على فرض وجود ألفاظ أعجمية فالجواب عليه من وجوه الوجه الأول: ان لسان العرب أوسع من أن يحيط به أحد . نعم، فلسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنّة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء. (٢) قال السيوطي: وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدًّا، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح. وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك إنما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب؛ لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظًا، ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ. (٣) لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساعَ العرب؛ ألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها، وتصلَ مقطوعها، وتُظهرَ مَسْتُورها؛ فتقول: إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد، فخِفْت منهم خيانةً ونقضًا، فأعْلمهم أنك قد نقضتَ ما شرطته لهم، وآذنْهم بالحرب؛ لتكونَ أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾. (٤)

стр. 2070

الوجه الثاني: ليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر، فلعل ما وصف أنه عجمي يكون عربي الأصل . قال الطبري: لم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما وجدنا اتفاقًا كثيرًا منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم، والدينار، والدواة، والقلم، والقرْطاس، وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ويُمِلّ تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها. فلو أن قائلًا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره -: ذلك كله فارسيّ لا عربيّ، أو ذلك كله عربيّ لا فارسيّ، أو قال: بعضه عربيّ وبعضه فارسيّ، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته كان مستجهَلًا؛ لأن العربَ ليست بأولى من أن يكون مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقّ أن يكون مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذا كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين. وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج أصل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبرٍ يوجب العلم، ويزيل الشكّ، ويقطع العذرَ صحتُه؛ بل الصواب في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذا كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما، بأولى أن يكون إليها منسوبًا منه. فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها، ووُجد ذلك مستعملًا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم، التي اتفقت ألسن
следующие страницы →