← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

المبحث الأول: هل في القرآن ألفاظ أعجمية؟ والجواب: في ذلك خلاف، والراجح عدم وجود ألفاظ أعجمية. وإليك تفصيل الكلام . القول الأول: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ غَيْرُ عَلَمٍ إلَا عَرَبِيٌّ . اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الإمام الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدة، وَابْنُ جَرِير، وَالْبَاقِلَانِيّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ. (١)

стр. 2067

أدلة القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧]. وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. ونفى عنه جل ثناءه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بأن هذا القرآن عربي لا يشارك العربية فيه كلام أمة أخرى. قال الزركشي: اعلم أن القرآن أنزله الله بلغة العرب، فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ الآية، يدل على أنه

стр. 2068

ليس فيه غير العربي؛ لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه ﵊، ودلالة قاطعة لصدقه، وليتحدى العرب العرباء به، ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة. (١) القول الثاني: أنَّ في القرآن أَلْفَاظًا غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ: وَذَهَبَ إليه ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَغَيْرُهُمْ. أما أدلة المذهب الثاني فهي كما يلي: أولًا: ذهب من قال بالوقوع بأن في القرآن خاصًا يجهله بعض العرب. ثانيًا: وجود من كان ينطق من العجم بالشيء من لسان العرب. ثالثًا: أن جميع الرسل كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، أما محمد ﷺ بُعث إلى الناس كافة، فليكن في القرآن عموم في اللغات كعموم المنزل عليه إلى العالم. (٢) القول الثالث: وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ تَصْدِيقُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الأَحْرُفَ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ، فَعُرِّبَتْ بألسنتها، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ - فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ. (٣) ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون. (٤) لا خلاف بين العلماء في أنه ليس في القرآن كلام مركب من ألفاظ أعجمية تعطي معنى مستفادًا حسب هذا التركيب.

стр. 2069

كما أنه لا خلاف بينهم أن في القرآن أعلام أعجمية كنوح، وإسرائيل، ولوط من غير لسان العرب. والخلاف إنما هو في ألفاظ مفردة ليست من هذا ولا ذاك، فهل من لسان العرب أم من لسان غير العرب؟ . (١) المبحث الثاني: على فرض وجود ألفاظ أعجمية فالجواب عليه من وجوه الوجه الأول: ان لسان العرب أوسع من أن يحيط به أحد . نعم، فلسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنّة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء. (٢) قال السيوطي: وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدًّا، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح. وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك إنما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب؛ لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظًا، ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ. (٣) لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساعَ العرب؛ ألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها، وتصلَ مقطوعها، وتُظهرَ مَسْتُورها؛ فتقول: إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد، فخِفْت منهم خيانةً ونقضًا، فأعْلمهم أنك قد نقضتَ ما شرطته لهم، وآذنْهم بالحرب؛ لتكونَ أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾. (٤)

стр. 2070

الوجه الثاني: ليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر، فلعل ما وصف أنه عجمي يكون عربي الأصل . قال الطبري: لم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما وجدنا اتفاقًا كثيرًا منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم، والدينار، والدواة، والقلم، والقرْطاس، وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ويُمِلّ تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها. فلو أن قائلًا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره -: ذلك كله فارسيّ لا عربيّ، أو ذلك كله عربيّ لا فارسيّ، أو قال: بعضه عربيّ وبعضه فارسيّ، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته كان مستجهَلًا؛ لأن العربَ ليست بأولى من أن يكون مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقّ أن يكون مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذا كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين. وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج أصل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبرٍ يوجب العلم، ويزيل الشكّ، ويقطع العذرَ صحتُه؛ بل الصواب في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذا كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما، بأولى أن يكون إليها منسوبًا منه. فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها، ووُجد ذلك مستعملًا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم، التي اتفقت ألسن

стр. 2071

الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماعٌ واقترانٌ. (١) الوجه الثالث: لم يرد أن أحدًا من سكان مكة أو غيرها قال بأنها غريبة عنه لا يعرفها . فكيف يتهمون محمدًا ﷺ بأنه قد أدخل كلمات، عرَفها الناس وتداولوها قبل أن يولد بعقود. ولو وجد العرب حرفًا واحدًا من غير لسانهم في القرآن لراموا التطاول على هاتين الآيتين اللتين احتجتا عليهم بعدم العذر لفهم هذا القرآن بأسلوب توكيدي كما يرى الإمام الشافعي. والقوم كما يعلم كل ذي بصيرة في التاريخ في سيرة النبي ﷺ في حواره معهم، وفي أساليب القرآن وتحديه لهم؛ جادلوا النبي ﷺ في كل جليلة وحقيرة، لا يفوتون فرصة قامت لهم في هذا الميدان. وكيف تُتلى عليهم ألفاظٌ رومية وفارسية ونبطية وحبشية ولا يتحركون ويستسلمون؟ ! . وهل نقل أنهم عارضوا هذه الألفاظ على أنها عجمية؟ ! (٢) الوجه الرابع: هذه المفردات غير العربية هي عربية باستعمال العرب لها، فتكلّمت به العرب حتى صار كاللغة . قال الجوهري: تعريبُ الاسم الأعجميّ أن تتفوَّه به العرب على مِنْهاجها، تقول: عرَّبَتْه العرب وأَعَرَبته أيضًا. (٣) إن هذه المفردات غير العربية التي وردت في القرآن الكريم، وإن لم تكن عربية في أصل الوضع اللغوي، فهي عربية باستعمال العرب لها قبل عصر نزول القرآن وفيه، وكانت سائغة ومستعملة بكثرة في اللسان العربي قبيل نزول القرآن، وبهذا الاستعمال فارقت أصلها غير العربي، وعُدَّتْ عربية نطقًا واستعمالًا وخطًا. بل إنَّ للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم، فعلَّقت من لغاتهم ألفاظًا غيرت بعضها بالنقص من حروفها، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها؛ حتى جرت مجرى العربيّ الفصيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. (٤)

стр. 2072

وقال الجواليقي في المعرَّب: إن العرب كثيرًا ما يجترئون على الأسماء الأعجمية فيغيِّرونها بالإبدال، قالوا: إسماعيل، وأصلُه إشْمائيل، فأبدلوا لقُرْب المَخْرج. (١) قال ابن دريد: باب ما تكلّمت به العرب من كلام العجم، حتى صار كاللغة، من ذلك: الدَّيابوذ، وهو دُوابُوذ بالفارسية، أي ثوب يُنسج على نِيرَين. قال الشاعر: كأنها وابنَ أيامٍ تُرَبِّبه ... من قُرّةً العين مجتابًا دَيابُودِ يعني ظبية وولدَها أنهما في خِصْب وسَعَة فقد حَسُنَت شَعرتُهما فكأنما عليهما ثوبٌ ذو نِيرَين. ومن ذلك القُرْدُمانيّ، أي الكَرْدَمانُذ، أي عُمِلَ فبَقِيَ. والمُهْرَق، وهي خِرَق كانت تُصقل ويُكتب عليها، وتفسيرها مُهْرَ كرْد، أي صُقلت بالخَرَز. والسَّبيجة: البَقيرة، وأصلها شَبيّ، وهو القميص. وأنشد: كالحَبَشيِّ التفَّ أو تسَّبجا. والكرْد: العُنُق، وهي كَرْدَن بالفارسية. قال الفرزدق: وكنّا إذا القيسي نَبَّ عَتُوده. . . ضربناه تحت الأنثَيَيْن على الكَرْدِ. والفَصافِص فارسية معرَّبة: إسْفِست، وهي الرَّطْبة. والبُوصِيّ: السفينة، وهي بُوذيّ. والأَرَنْدَج: الجلود التي تدبغ بالعَفْص حتى تسوادَّ؛ أرَنْدَه. قال الراجز: كأنّه مُسَرْوَلٌ أَرندَجا ... كما رأيتَ في المُلاء البَرْدَجا أي البَرْدَه، وهم العبيد. وقال الراجز: عَكْفَ النَّبيطِ يلعبون الفَنْزَجا يقال: هو الفَنْجَكان. قال أبو حاتم: وهو الدَّسْتَبَنْد. وقال أبو حاتم: الزِّنديق فارسيّ معرَّب، كأن أصله زَنْده كَر، أي يقول بدوام بقاء الدهر. قال بكر: زِنْدَهُ: الحياة، والكَرْ: العمل بالفارسية. (٢) الوجه الخامس: لا يمتنع أن يتفق لسان العرب مع لسان العجم في بعض الألفاظ، فتكون عربية وأعجمية، فالقرآن فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به وليس معنى هذا أن اللفظ أصله أعجمي .

стр. 2073

قال ابن قتيبة: وخبَّرني - يعني أباه - عن أبي عبيدة أنَّه رُبَّما وافق الأعجميُّ العَرَبيَّ. قالوا: غَزْل سَخْت، أي: صُلْب. والزُّور: القوّة. والدست: الصحراء وهي بالفارسية: دَشْت. ولم يكن ذهب إلى أنَّ في القرآن شيئًا من غير لغة العرب. وكان يقول: هو اتّفاق بين اللسانين. وخبَّرنا بمثل ذلك عن أبي عبيدة عبد الله بن محمد بن هانئ. وكان غيره يزْعُم أن القُسْطاس: الميزان بلغة قوم من الروم. والمِشْكاة: الكُوَّة بلسان الحبَشة، والسِّجَيل بالفارسية: سَنْك وكَلِ. والطُور: الجَبَل بالسّريانية. واليمُّ: البحر بالسريانية. (١) وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك؛ إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد. (٢) الوجه السادس: إن كل ما في القرآن من كلمات غير عربية الأصل؛ إنما هي كلمات مفردات . نعم، أسماء أعلام مثل: إبراهيم، يعقوب، إسحاق، فرعون، وهذه أعلام أشخاص، أو صفات مثل: طاغوت، حبر، إذا سلمنا أن كلمة طاغوت أعجمية. قال القرطبي: لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلامًا لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل، وجبريل، وعمران، ونوح، ولوط. (٣) بالنظر إلى الكلمات المذكورة تجد أن عددًا منها كان أسماء شخصيات وأماكن - وما يتعلق بها - لا يمكن إلا أن تُسمَّى باسمها، ولا يوجد عاقل يطلب تسميتها بغير اسمها، بل لو فعل القرآن الكريم ذلك، لعدَّه خصومه مثلبة! (٤) الوجه السابع: إن وجود مفردات أجنبية في أي لغة سواء كانت اللغة العربية أو غير العربية لا يخرج تلك اللغة عن أصالتها .

стр. 2074

فمن المعروف أن الأسماء لا تترجم إلى اللغة التي تستعملها حتى الآن. فالمتحدث بالإنجليزية، إذا احتاج إلى ذكر اسم من لغة غير لغته، يذكره برسمه ونطقه في لغته الأصلية، ومن هذا ما نسمعه الآن في نشرات الأخبار باللغات الأجنبية في مصر، فإنها تنطق الأسماء العربية نُطقًا عربيَّا. ولا يقال: إن نشرة الأخبار ليست باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مثلًا، لمجرد أن بعض المفردات فيها نطقت بلغة أخرى. فالكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًا، والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية. وأجاب القائلون بذلك عن قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟ واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة. ورُد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها موجه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس، وأقوى ما رأيته للوقوع وهو اختياري ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان. (١) الوجه الثامن: وجود عدد وإن كان نادرًا جدًا من الألفاظ ذات الأصل غير العربي، ومن مختلف اللغات القديمة، يحمل إشارة إلى عالمية الدعوة الإسلامية . قال السيوطي: فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن؛ ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب، ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال: من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير. وأيضا النبي مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى:

стр. 2075

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو. (١) الوجه التاسع: يخلو القرآن الكريم من تراكيب، أو جُمل، أو أشباه جُمل، غير عربية. فكل ما ذكروه من المعرب، مجرد لفظٍ لأدواتٍ حسية، ليست معنوية. (٢) الوجه العاشر: ذكر الأعجمي على فرض أنه ذكر للإعجاز . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٣, ٢٤]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٨, ٣٩]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود ١٣, ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٨, ٨٩]. قال السيوطي: وقد رأيت الخويِّي ذكر لوقوع المعرب في القرآن فائدة أخرى، فقال: إن قيل: إن "استبرق" ليس بعربي، وغيرُ العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك؛ وذلك لأن الله تعالى إذا حث عباده على الطاعة، فإن لم يرغبهم بالوعد الجميل ويخوفهم بالعذاب الوبيل لا يكون حثه على وجه الحكمة،

стр. 2076

فالوعد والوعيد نظرًا إلى الفصاحة واجب. ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء، وذلك منحصر في أمورٍ: الأماكن الطيبة، ثم المآكل الشهية، ثم المشارب الهنية، ثم الملابس الرفيعة، ثم المناكح اللذيذة، ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع، فإذن ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح، ولو تركه لقال من أُمر بالعبادة ووعد عليها بالأكل والشرب: إن الأكل والشرب لا ألتذ به إذا كنت في حبس أو موضع كريه، فإذن ذكَر الله الجنة ومساكن طيبة فيها، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير، وأما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب. ثم إن الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن الثقيل، وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن، وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع؛ فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن، ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحث والدعاء. ثم هذا الواجب الذكر، إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح، أولا يذكر بمثل هذا؛ ولا شك أن الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى؛ لأنه أوجز وأظهر في الإفادة؛ وذلك "إستبرق"، فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه؛ لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظًا واحدًا يدل عليه؛ لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عهد، ولا وُضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عرَّبوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لقلة وجوده عندهم ونزْرة تلفظهم به، وأما إن ذكره بلفظين فأكثر، فإنه يكون قد أخل بالبلاغة؛ لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظٍ تطويلٌ، فعلم بهذا أن لفظ "إستبرق" يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه، وأي فصاحة أبلغ من أن لا يوجد غيره مثله! (١) * * *

стр. 2077

٦ - شبهة: حول التكرار في القرآن . نص الشبهة: قد تكررت ألفاظ في القرآن بعينها، وكذلك أعيد ذكر قصص في أكثر من موضع، وهذا لا فائدة منه إلا تكثير الآيات والإطناب لغير فائدة، في حين أنه لو حذفت هذه المكررات لأتى القرآن بحجم أصغر من ذلك بكثير ولأدى نفس الفائدة. . . ألا يعدُّ هذا عيبًا يعاب به القرآن ويشينه ويُضعف من إعجازه؟ ! والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى التكرار في اللغة . الوجه الثاني: التكرار في كلام العرب. الوجه الثالث: وسائل التكرار. الوجه الرابع: التكرار في عموم القرآن كمنهج عام. الوجه الخامس: التكرار في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى التكرار في اللغة. كَرَّرَ الشيء وكَرْكَره: أَعاده مرة بعد أُخرى، والكَرّةُ المَرَّةُ، والجمع الكَرَّات، ويقال: كَرَّرْتُ عليه الحديث وكَرْكَرْتُه إِذا ردّدته عليه، وكَركَرْتُه عن كذا كَرْكَرةً إِذا رَدَدْته، والكَرُّ الرجوع على الشيء، ومنه التَّكْرارُ. (١) و(تَكْرِيرُ) الشيء وهو إعادته مرارًا، والاسم (التَّكْرارُ). (٢) فالتكرار هو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ والمعنى، والمراد بذلك تأكيد الوصف، أو المدح، أو الذم، أو التهويل، أو الوعيد، أو الإنكار، أو التوبيخ، أو الاستبعاد، أو أي غرض من الأغراض. (٣)

стр. 2078

الوجه الثاني: التكرار في كلام العرب . لقد وقع التكرار للتأكيد في كلام العرب كثيرًا كما في قول الشاعر: فَأَيْنَ إلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي ... أَتَاكَ أَتَاكَ اللَّاحِقُّون احْبِسِ احْبِس وقول الآخر: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَكُمْ ... كَمْ كَمْ وكم كانَتْ وَكَمْ إلى غير ذلك ما وقع في كلامهم مما لا تأخذه الإحاطة. (١) وقال ابن عادل: والتكرير حسن في مثل هذا، وقال الشاعر (من البسيط): لا تَقْتُلِي مُسْلِمًا إن كُنْتِ مُسْلمَةً ... إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ وقال آخر (من المنسرح): لا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ ولا تمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجَّة. (٢) قال الفراء: إن القرآن نزل بلغة العرب ومن عادتهم تكرار الكلام للتأكيد والإفهام فيقول المجيب: بلى بلى، الممتنع: لَا لا، وعليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، وأنشد قوله (من الطويل): كائن وكم عندي لهم من صنيعة ... أيدي سنوها عليّ وأوجبوا وقوله (من الرجز): نعق الغراب ببين ليلى غدوة ... كم كم وكم بفراق ليلى ينعق وهو كثير نظمًا ونثرًا. (٣) الوجه الثالث: وسائل التكرار .

стр. 2079

يكون التكرار بإعادة اللفظ بعينه اسمًا كان أو فعلًا أو حرفًا كقولك مثلا: زيدٌ زيدٌ لمهذب، وكقولك: جاء جاء النذير، وكقولك: إنَّ إنَّ محمدًا آتٍ، وتارة يكون التكرار بإعادة المعنى وإن اختلف اللفظ كإعادة قصة في أكثر من مكان لفائدة كتكرار قصة موسى ﵇ في القرآن الكريم. وقد بين القزويني أن التكرير يأتي لفائدة: كتأكيد الإنذار كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٣، ٤] وكزيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقى الكلام بالقبول كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩]، وقد يكرر اللفظ لطولٍ في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ [النحل: ١١٩]، وقد يكرر لتعدد المتعلق كما كرره الله تعالى من قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣]؛ لأنه تعالى ذكر نعمة بعد نعمة، وعقب كل نعمة بهذا القول. ومعلوم أن الغرض من ذكره عقيب نعمة غير الغرض من ذكره عقيب نعمة أخرى. (١) الوجه الرابع: التكرار في عموم القرآن كمنهج عام، وفيه مباحث: أولًا: من أمثلة التكرار في القرآن: كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١، ٢]، وكقوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١، ٢] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ١، ٢] وقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾ [الواقعة: ٨، ٩]، وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧] وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

стр. 2080

(١٣)﴾ [الرحمن: ١٣]، فقد تكررت في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [المرسلات: ١٥]، فقد ذكرت في سورة المرسلات عشر مرات. ثانيًا: من أمثلة التكرار في السنة: كقول النبي ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِر. ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ "وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَكِئًا، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ". (١) - وقوله ﷺ : "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ". قَالهَا ثَلَاثًا. (٢) - وقوله للرجل الذي قال: له أوصني فقال: "لَا تَغْضَبْ". فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ "لَا تَغْضَبْ". (٣) - وقوله: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (٤) - وقوله: "هل بلغت؟ ثلاثا" (٥)، - وكان من هديه ﷺ "أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ". (٦) ثالثًا: فوائد التكرار في القرآن: قال الزركشي: وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنًا أنه لا فائدة له وليس كذلك؛ بل هو من محاسنها لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا اهتمت بشيء إرادةً لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدًا، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض. وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة، وعلى ذلك يحمل ما ورد من

стр. 2081

تكرار المواعظ والوعد والوعيد؛ لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. قال الزمخشري: قوله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ أي: سهلناه للادكار والاتعاظ؛ بأن شحناه بالمواعظ الشافية، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ﴿فَهَلْ مِنْ﴾ متعظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه. (١) ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩, ٢٠]، وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤, ٣٥]، وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣, ٤] وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦, ٧]، وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن: فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١]، وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. وحقيقة التكرار: إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الأول لطول العهد به، فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥] فأعاد قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ بعد: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾؛ لأنه لم يأتِ لتقرير الأول، بل لغرض آخر؛ لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها. ومعنى الثاني أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص، ولذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني.

стр. 2082

واعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل. أما إذا وافق الأصل فلا، ولهذا لا يتجه سؤالهم لمَ كرر إياك في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فقيل: إنما كررت للتأكيد. فوائد التكرار بوجه عام: أحدها: التأكيد. واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد؛ لأنه وقع في تكرار التأسيس وهو أبلغ من التأكيد؛ فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز؛ فإن الثانية تأسيس لا تأكيد؛ لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء. الثاني: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول. الثالث: إذا طال الكلام وخشي تناسى الأول أعيد ثانيًا تطرية له وتجديدًا لعهده، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] ثم أعاد فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ [النحل: ١١٩]، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. . .﴾ ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فهذا تكرار للأول. الرابع: في مقام التعظيم والتهويل كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢]، وقال: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١، ٢]، وقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨، ٩]، وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر: ٣١]. الخامس: في مقام الوعيد والتهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣, ٤]، وذكر ﴿ثُمَّ﴾ في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ

стр. 2083

من الأول، وفيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير بل هو مستمر دائمًا. السادس: التعجب. كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ١٩, ٢٠] فأعيد تعجبًا من تقديره وإصابته الغرض على حد قولهم: قاتله الله ما أشجعه. السابع: لتعدد المتعلق. كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣]، فإنها وإن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله، وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن، وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلًا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم بالشكر عليها، وهي أنواع مختلفة وصور شتى. فإن قيل: فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها فما معنى قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] وأي نعمة هنا، وإنما هو وعيد؟ قيل: إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها، فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده وبشر من ثوابه على طاعته؛ ليرغبوا فيها ويحرصوا عليها، وإنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضده والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيت على ملاك الأمر منها. وعليه يحمل قول بعض حكماء الشعراء: والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها وإنما ذكرنا هذا؛ لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة، ولو كان عائدًا لشيء واحد لما زاد على ثلاثة؛ لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة، فإن قيل: فإذا كان المراد بكلٍ ما قبله، فليس ذلك بإطناب، بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر! قلت: إن قلنا: العبرة بعموم اللفظ؛ فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر. وقد تكلف لتوجيه العدّة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة، قال الكرماني: جاءت آية واحدة في هذه السورة كررت نيفًا وثلاثين مرة؛ لأن ست عشرة راجعة إلى الجنان لأن لها ثمانية أبواب، وأربعة عشر منها راجعة إلى النعم والنقم، فأعظم النقم جهنم ولها سبعة

стр. 2084

أبواب، وجاءت سبعة في مقابلة تلك الأبواب، وسبعة عقب كل نعمة ذكرها للثقلين. وقال غيره: نبه في سبع منها على ما خلقه الله للعباد من نعم الدنيا المختلفة على عدة أمهات النعم، وأفرد سبعًا منها للتخويف وإنذارًا على عدة أبواب المخوف منه، وفصل بين الأول والسبع الثواني بواحدة سوّى فيها بين الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء حيث اتصلت بقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]، فكانت خمس عشرة أُتبعت بثمانية في وصف الجنان وأهلها على عدة أبوابها، ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأوليين لذلك أيضًا، فاستكملت إحدى وثلاثين. ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [المرسلات: ١٥]، فقد ذكرت في سورة المرسلات عشر مرات؛ لأنه سبحانه ذكر قصصًا مختلفة، وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة: ويل للمكذبين بهذه القصة، وكل قصة مخالفة لصاحبتها، فأثبت الويل لمن كذب بها. ويحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها، جعل للكفار في مقابلة كل مثل من الثواب ويلًا. ومنه قوله في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٦٧]، ومنه تكرار الإضراب. واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب، وهو إما أن يقع في كلام الخلق؛ ومعناه: إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم؛ وإما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان: أحدهما: أن يكون ما فيها من الرد راجعًا إلى العباد، كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. والثاني: أن يكون إبطالًا، ولكنه على أنه قد انقضى وقته، وأن الذي بعده أولى بالذكر، كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]، و: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، وزعم ابن مالك في شرح الكافية أن ﴿بَلْ﴾ حيث وقعت في القرآن، فإنها

стр. 2085

للاستئناف لغرض آخر، لا لإبطال الأول؛ وهو مردود بما سبق وبقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فأضرب بها عن قولهم وأبطل كذبهم. وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] إن أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك الأزواج. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. ومنه تكرار القصص في القرآن كقصة إبليس في السجود لآدم، وقصة موسى وغيره من الأنبياء. قال بعضهم: ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعًا من كتابه. قال ابن العربي في "القواصم": ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية، وقصة موسى في سبعين آية؛ وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر وهي أمور: أحدها: أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا، ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى ﵇ وذكرها في موضع آخر ثعبانًا، ففائدته أن ليس كل حية ثعبانًا، وهذه عادة البلغاء أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة. الثانية: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن، ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولين، وكان أكثر من آمن به مهاجريًا فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى آخرين، وكذلك سائر القصص، فأراد الله اشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة لآخرين وهم الحاضرون، وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره. الثالثة: تسليته لقلب النبي ﷺ مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. الرابعة: إن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة. الخامسة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام، فلهذا كررت القصص دون الأحكام.

стр. 2086

السادسة: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد ﷺ ، ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم؛ بأن كرر ذكر القصة في مواضع، إعلامًا بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا بأي عبارة عبروا. قال ابن فارس: وهذا هو الصحيح. السابعة: أنه لما سخر العرب بالقرآن قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال في موضع آخر: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، فلو ذكر قصة آدم مثلًا في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي بما قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إيتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعًا لحجتهم من كل وجه. الثامنة: أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون - وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى - فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ، فإن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه، لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها، فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء، ثم قسم تلك الأجزاء على تارات التكرار؛ لتوجد متفرقة فيها، ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة، من انفراد كل قصة منها بموضع كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف ﵇ خاصة. فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة: منها: أن التكرار فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة ولا أحدث مللًا، فباين بذلك كلام المخلوقين. ومنها: أنه ألبسها زيادة ونقصانًا وتقديمًا وتأخيرًا؛ ليخرج بذلك الكلام أن تكون ألفاظه واحدة بأعيانها فيكون شيئًا معادًا، فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات. (١) وقال الرازي: إن فائدة التكرير التقرير، وأما هذا العدد الخاص، فالأعداد توقيفية لا تطلع على تقدير المقدرات أذهان الناس. والأولى أن لا يبالغ الإنسان في استخراج الأمور البعيدة في

стр. 2087

كلام الله تعالى تمسكًا بقول عمر ﵁ حيث قال مع نفسه عند قراءته سورة عبس: كل هذا قد عرفناه فما الأبُّ؟ ، ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لَعمْرُ الله هو التكلُّف، وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأبُّ؟ ، ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه. (١) وقال سعيد النورسي: إن قلت: إن في القرآن الموجز المعجز أشياء مكررة تكرارًا كثيرًا في الظاهر كـ (البسملة)، و ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ وقصة موسى وأمثالها، مع أن التكرار يُمِلُّ وينافي البلاغة. قيل لك: مَا كُلُّ مَا يَتَلأْلأُ يُحْرِقُ، فإن التكرار قد يُمِلُّ لا مطلقًا، بل قد يُستحسن وقد يُسأم، فكمَا أن في غذاء الإنسان ما هو قُوت كلما تكرر حلا وكان آنس، وما هو تفكّه إن تكرر مُلَّ وإن تجدد استُلِذّ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة وقوت وقوّة للأفكار وغذاء للأرواح كلما استعيد استحسن واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس، وفيه ما هو من قبيل الزينة والتفكه لذتُه في تجدّد صورتِه وتلوّن لباسه. إذا عرفت هذا فاعلم أنه كما أن القرآن بمجموعه قوتٌ وقوّة للقلوب لا يُمَلُّ على التكرار، بل يُستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ما هو روح لذلك القوت كلما تكرر تلألأ، وفارت أشعة الحق والحقيقة من أطرافه، وفي ذلك البعض ما هو أسُّ الأساس والعقدة الحياتية والنور المتجسد بجسدٍ سرمدي كـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. . . هذا بناء على تسليم التكرار، وإلا فيجوز أن تكون قصة موسى مثلًا مذكورة في كل مقامٍ لوجهٍ مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها، فإنّ قصة موسى أجدى من تفاريق العصا، أخذَها القرآن بيده البيضاء فضةً فصاغتها ذهبًا، فخرت سحرةُ البيان ساجدين لبلاغته وكذا في (البسملة) جهات: من الاستعانة، والتبرك، والموضوعية، بل الغايتية، والفهرستية للنقط الأساسية في القرآن. وأيضًا فيها مقامات: كمقام التوحيد، ومقام التنزيه، ومقام الثناء، ومقام الجلال والجمال، ومقام الإحسان وغيرها.

стр. 2088

وأيضًا فيها أحكام ضمنية: كالإشارة إلى التوحيد والنبوة والحشر والعدل أعني المقاصد الأربعة المشهورة، مع أن في أكثر السور يكون المقصود بالذات واحدًا منها والباقي استطراديًا، فلِمَ لا يجوز أن يكون لجهة أو حُكمٍ أو مقام منها مناسبة مخصوصة لروح السورة وتكون موضوعًا للمقام! ، بل فهرسته إجمالية باعتبار تلك الجهات والمقامات؟ (١). وبعد: فلقد جاء التكرار في القرآن الكريم محكمًا، وقد ورد فيه كثيرًا فليس فيه موضع قد أخذ عليه. دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله، فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدى وظيفتين أولاهما: من الناحية الدينية. ثانيهما: من الناحية الأدبية. فالناحية الدينية: باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير الكرر وتوكيده وإظهار العناية به؛ ليكون في السلوك أمثَل وللاعتقاد أبْيَن. أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد، وإن كان الهدف منه في جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعاني وإبرازها في معرض الوضوح والبيان. (٢) الوجه الخامس: التكرار في الكتاب المقدس . إن تكرار القرآن جاء محكمًا مؤديًا غرضه في أبلغ صورة على الإطلاق، لكن عندما ننظر إلى التكرار في الكتاب المقدس نجد شيئًا مغايرًا تمامًا. لنبدأ بسفر الجامعة فقد تكررت فيه كلمة: (تَحْتَ الشَّمْسِ) ثلاثين مرة في السفر وبطريقة لا تمت إلى البلاغة بصلة وإليك أمثلة: (مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ. رأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ وَلَا مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ ولا جديد تحت الشمس) سفر الجامعة (٢/ ٤٨٨). وهكذا أكثر من ثلاثين مرة. وهنا لنا كلمة عن سفر الجامعة هذا وهو من الكتب الغريبة في العهد القديم، ويختلف في موضوعه وفى روحه الدينية عن بقية الأسفار ويقدم

стр. 2089

رؤية فكرية مختلفة، بل مضادة للدين، ويعكس موقفًا سلبيًا من الحياة الإنسانية، ويفسر هذه الحياة في ضوء نظرية عبثية ترى كل الأشياء باطلة، ولا معنى للأشياء سوى التكرار الممل للأحداث فلا جديد تحت الشمس التي تتكرر بطريقة سمجة ثلاثين مرة. وهذه كلمة سلاه تكررت أكثر من ٧٠ مرة في المزامير (٢/ ٣٦٧)، والكارثة هنا أن هذه الكلمة ليس لها معنى على الإطلاق أو كما يقول القاموس معناها مشكوك فيه. والآن قاصمة الظهر يتحدثون عن التكرار انظر الملوك الثاني الإصحاح ١٩ من بدايته الإصْحَاح التاسِع عَشَرَ ١١٩ فَلمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ حَزَقِيَّا ذلِكَ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ. ٢ وَأَرْسَلَ أَلِيَاقِيمَ الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ وَشَبْنَةَ الْكَاتِبَ وَشُيُوخَ الْكَهَنَةِ مُتَغَطِّينَ بِمُسُوحٍ إِلَى إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ النَّبِيِّ. ٣ فَقَالُوا لَهُ: "هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لأَنَّ الأَجِنَّةَ دَنَتْ إِلَى الْمَوْلِدِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْوِلَادَةِ. ٤ لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَسْمَعُ كَلَامَ رَبْشَاقَى الَّذِي أَرْسَلَهُ مَلِكُ أَشُّورَ سَيِّدُهُ لِيُعَيِّرَ الإِلهَ الْحَيَّ، فَيُوَبِّخَ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي سَمِعَهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. فَارْفَعْ صَلَاةً لأَجْلِ الْبَقِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فجاء عبيد الملك حزقيا إلى أشعياء ٥ فَجَاءَ عَبِيدُ الْمَلِكِ حَزَقِيَّا إِلَى إِشَعْيَاءَ. ٦ فَقَالَ لَهُمْ إِشَعْيَاءُ: "هكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِكُمْ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: لَا تَخَف)، وقارن مع أشعيا الإصحاح ٣٧ من أوله: فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ حَزَقِيَّا ذلِكَ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ. ٢ وَأَرْسَلَ أَلِيَاقِيمَ الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ وَشَبْنَةَ الْكَاتِبَ وَشُيُوخَ الْكَهَنَةِ مُتَغَطِّينَ بِمُسُوحٍ إِلَى إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ النَّبِيِّ. ٣ فَقَالُوا لَهُ: "هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لأَنَّ الأَجِنَّةَ دَنَتْ إِلَى المُوْلِدِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْوِلَادَةِ. ٤ لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَسْمَعُ كَلَامَ رَبْشَاقَى الَّذِي أَرْسَلَهُ مَلِكُ أَشُّورَ سَيِّدُهُ لِيُعَيِّرَ الإِلهَ الْحَيَّ، فَيُوَبِّخَ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي سَمِعَهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. فَارْفَعْ صَلَاةً لأَجْلِ الْبَقِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ".

стр. 2090

فَجَاءَ عَبِيدُ الْمَلِكِ حَزَقِيَّا إِلَى إِشَعْيَاءَ. ٦ فَقَالَ لَهُمْ إِشَعْيَاءُ: "هكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِكُمْ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: لَا تَخَفْ بِسَبَبِ الْكَلَامِ الَّذِي سَمِعْتَهُ، الَّذِي جَدَّفَ عَلَيَّ بِهِ غِلْمَانُ مَلِكِ أَشُّورَ (سفر أشعياء ٣٧/ ٦: ١). بماذا يفسر تطابق السفرين هذا التطابق كلمة بكلمة وحرف بحرف؟ هل نسي كاتب سفر أشعيا أن كاتبًا آخر كان قد سبقه إلى تدوين نفس الكلام في سفر الملوك؟ ! ! ، وإليك أيضًا الكلام المتكرر، فقد تكررت الجملة: (لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ.) في مزمور (١٣٦) تحديدًا ٢٦ مرةً. ١ اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢ احْمَدُوا إِلهَ الآلِهَةِ، لأَنَّ إِلى الأَبَدِ رَحْمتَهُ. ٣ احْمَدُوا رَبَّ الأَرْبَابِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٤ الصَّانِعَ الْعَجَائِبَ الْعِظَامَ وَحْدَهُ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٥ الصَّانِعَ السَّماوَاتِ بِفَهْمٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٦ الْبَاسِطَ الأَرْضَ عَلَى الْمِيَاهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٧ الصَّانِعَ أَنْوَارًا عَظِيمَةً، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٨ الشَّمْسَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٩ الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٠ الَّذِي ضَرَبَ مِصْرَ مَعَ أَبْكَارِهَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١١ وَأَخْرَجَ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَسَطِهِمْ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٢ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمدُودَةٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٣ الَّذِي شَقَّ بَحْرَ سُوفٍ إِلَى شُقَق، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٤ وَعَبَّرَ إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٥ وَدَفَعَ فِرْعَوْنَ وَقُوَّتَهُ فِي بَحْرِ سُوفٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٦ الَّذِي سَارَ بِشَعْبِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٧ الَّذِي ضَرَبَ مُلُوكًا عُظَمَاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٨ وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ١٩ سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٠ وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢١ وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٢ مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ عَبْدِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٣ الَّذِي فِي مَذَلَّتِنَا ذَكَرَنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٤ وَنَجَّانَا مِنْ أَعْدَائِنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٥ الَّذِي يُعْطِي خُبْزًا لِكُلِّ بَشَرٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢٦ احْمَدُوا إِلهَ السَّماوَاتِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. * * *

стр. 2091

٧ - شبهة: حول اختلاف المسلمين في أول ما نزل، وآخر ما نزل من القرآن الكريم . نص الشبهة: اختلف علماء المسلمين حول أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن. والرد من وجوه: الوجه الأول: المقدمة. وتحتوي على (اختلاف علماء المسلمين جائز شرعًا وعقلًا، ولا يضر؛ لأنه من النوع غير المنهي عنه). الوجه الثاني: فوائد معرفة أود وآخر ما نزل. الوجه الثالث: ذكر الأقوال في أول ما نزل، وبيان الراجح منها. الوجه الرابع: ذكر الأقوال في آخر ما نزل، وبيان الراجح منها. وإليك التفصيل الوجه الأول: الاختلاف بين العلماء . إنّ الأصل المتفق عليه والمرجوع إليه أصل واحد، لا يختلف، هو ما جاء عن صاحب الشرع ﷺ ؛ إما في القرآن أو في قوله وفعله ﷺ . وأنه المعصوم وحده ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. وإن هؤلاء العلماء ﵏ بشر ينسون كما ينسى بقية البشر، وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه. وقد يذكر الفقيه الآية أو الحديث، لكن يتأول فيهما تأويلًا من خصوص نسخ أو معنى ما. ولقد كتب العلماء في أسباب الخلاف قديمًا وحديثًا وكان من أجلِّهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في رسالته القيمة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، قال في مقدمته: وَبَعْدُ: فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ - بَعْدَ مُوَالَاةِ الله تعالى وَرَسُولِهِ ﷺ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ، الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الله بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إذْ كَلُّ أُمَّةٍ - قَبْلَ مَبْعَثِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ، والمُحيون لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ. بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا.

стр. 2092

وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ - الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا - يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ الله ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ. فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ الله ﷺ ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بذَلِكَ الْقَوْلِ. وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ. وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَن لا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ. وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُوجَبِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُ - وَقَدْ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِمُوجَبِ ظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ؛ أَوْ بِمُوجَبِ قِيَاسٍ؛ أَوْ مُوجَبِ اسْتِصْحَابٍ - فَقَدْ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ تَارَةً وَيُخَالِفُهُ أُخْرَى. وَهَذَا السَّبَبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ. فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَّةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ، أَوْ يُفْتِي؛ أَوْ يَقْضِي؛ أَوْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ؛ فَيَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مَنْ يَكُونُ حَاضِرًا، وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ فَهَذَا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ قَطُّ. وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِأُمُورِ رَسولِ الله ﷺ وَسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِه. السَّبَبُ الثانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، إمَّا لِأَنَّ مُحَدِّثَهُ أَوْ مُحَدِّثَ مُحَدِّثِه أَوْ غَيْرَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ أَوْ مُتَّهَمٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ. وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مُسْنَدًا، بَلْ مُنْقَطِعًا؛ أَوْ لَمْ يَضبطْ لَفْظَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ لِغَيْرِهِ بِإِسْنَادِ مُتَّصِلٍ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ مِنْ الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ الثِّقَةَ، أَوْ يَكُونُ قَدْ

стр. 2093

رَوَاهُ غَيْرُ أُولَئِكَ الْمَجْرُوحِينَ عِنْدَهُ؛ أَوْ قَدْ اتَّصَلَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الْمُنْقَطِعَة وَقَدْ ضَبَطَ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْحُفَّاظِ؛ أَوْ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ مِنْ الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ مَا يُبَيِّنُ صِحَّتَهَا. السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره. وقد شرح ﵀ أسباب الخلاف كلها كما ذكر الأمثلة على ذلك. (١) الوجه الثاني: فوائد معرفة أول وآخر ما نزل من القرآن . قال الزرقاني: من فوائد الإلمام بأول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن فوائد، ومنها: أولًا: تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى. ثانيًا: معرفة تاريخ التشريع الإسلامي، ومراقبة سيره التدريجي، والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته في أخذه الناس بالهوادة والرفق والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف سواء في ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق. ثالثًا: هي إظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم حتى عرف فيه أول ما نزل وآخر ما نزل، كما عرف مكيه ومدنيه وسفريه وحضريه إلى غير ذلك، ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثقة به ودليل على سلامته من التغيير والتبديل ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] (٢). الوجه الثالث: ذكر الأقوال فما أول ما نزل، وبيان الراجح منها . اختلف المسلمون في أول ما نزل من القرآن على أقوال: القول الأول: أن أول ما نزل قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . . .﴾. فعن عائشة قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ

стр. 2094

فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ - قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ. . . . . - حَتَّى بَلَغَ -، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ حتى بلغ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. .﴾ ". (١) وقوله: "ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ هَذَا دَلِيل صَرِيح فِي أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن ﴿اقْرَأْ﴾، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عليهِ الْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف. (٢) وقال ابن بطال في شرحه: وقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يدل على أنها أول ما نزل من القرآن. (٣) وعن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقًا عليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ قال: هذه أول سورة أنزلت على محمد ﷺ (٤)، وهو قول مجاهد (٥)، وقول عبيد بن عمير. (٦) القول الثاني: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. عن يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ فَقُلْتُ: أَوْ اقْرَأْ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

стр. 2095

(١)﴾، فَقُلْتُ: أَوْ اقْرَأْ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي فَصَبُّوا علىّ مَاءً، فَأَنْزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]. (١) وعن جابر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ". (٢) قال النووي: وأما قول من قال: إِنَّ أَوَّل مَا أُنْزِلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾: فضعِيف، بَلْ بَاطِل، وَالصَّوَاب أَنَّ أَوَّل مَا أَنْزَلَ عَلَى الْإِطْلَاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂. (٣) وَأَمَّا ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، فَكَانَ نُزُولهَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر، وَالدَّلَالَة صَرِيحَة فِيهِ فِي مَوَاضِع مِنْهَا: قَوْله: (وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وَمِنْهَا، قَوْله ﷺ : "فَإِذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ"، ثُمَّ قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. وَمِنْهَا قَوْله: "ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْي "يَعْنِي بَعْد فَتْرَته. فَالصَّوَاب أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ ﴿اقْرَأْ﴾ وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. (٤)

стр. 2096

وقال السيوطي: أما قول من قال إن أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فأجابوا عنه بأجوبة: أولًا: أن السؤال في حديث جابر كان عن نزول سورة كاملة، فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة: (اقرأ)، فإنها أول ما نزل منها صدرها. ثانيًا: أن مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي لا أولية مطلقة. ثالثًا: أن المراد أولية مخصوصة بالإنذار، وعبر بعضهم عن هذا بقوله: أول ما نزل للنبوة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وأول ما نزل للرسالة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. رابعًا: إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم. خامسًا: أن جابرًا استخرج ذلك باجتهاده وليس هو من روايته، فتقدم عليه رواية عائشة. (١) وجمع بعضهم بين القولين الأولين بأن قال: يمكن أن يقال أول ما نزل من التنزيل في تنبيه الله على صفة خلقه ﴿اقْرَأْ﴾. وأول ما نزل من الأمر بالإنذار: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. (٢) القول الثالث: سورة الفاتحة . واستدلوا بحديث عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا، فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأفق، فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. (٣)

стр. 2097

ويُجاب عنه: بأن الحديث ضعيف لا يثبت ولا يقاوم ما ثبت في الصحيح كما تقدم. قال النووي: وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: أَوَّل مَا نَزَلَ الْفَاتِحَة، فَبُطْلَانه أَظْهَر مِنْ أَنْ يُذْكَر، وَالله أَعْلَم. (١) وأبعد من قال أن أول ما نزل الفاتحة، بل هو شاذ. (٢) القول الرابع: سورة من المفصل . واستدلوا بحديث عائشة قالت: (أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ). (٣) هَذَا ظَاهِره مُغَايِر لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّل شَيْء نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار، فَلَعَلَّ "مِنْ" مُقَدَّرَة أَيْ مِنْ أَوَّل مَا نَزَلَ، أَوْ الْمُرَاد سُورَة الْمُدَّثِّر فَإِنَّهَا أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي وَفِي آخِرهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار، فَلَعَلَّ آخِرهَا نَزَلَ قَبْل نُزُول بَقِيَّة سُورَة اِقْرَأْ، فَإِنَّ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْ اِقْرَأْ كَمَا تَقَدَّمَ خَمْس آيَات فَقَطْ. (٤) الخلاصة: من تحرير الأقوال السابقة يتضح أن القول في أول ما نزل هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى الآية الخامسة، ثم فتر الوحي، ثم أنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وقد بينا ذلك بالأدلة وكلام العلماء عليها، والله أعلم. الوجه الرابع: ذكر الأقوال في آخر ما نزل، وبيان الراجح منها . القول الأول: آخر ما نزل آية الربا

стр. 2098

عن ابن عباس ﵁ قال: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا. (١) أورد البخاري هذا الحديث هنا؛ لأنه أَرَادَ أَنْ يَجْمَع بَيْن قَوْلَيْ اِبْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْه، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر: آخِر آيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]. (٢) (٣) وَاعْتَرَضَهُ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُون وَهْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُون اِخْتِلَافًا عَنْ اِبْن عَبَّاس، لِأَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. الْآيَةَ، قَالَ: فَلَعَلَّ النَّاقِلَ وَهِمَ لِقُرْبِهَا مِنْهَا. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ هُوَ الْوَاهِمُ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْآيَاتِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. (٤)، وَهِيَ آخِر آيَةٍ ذَكَرَهَا لِقَوْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ أُنْزَلَتْ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِير قَوْل عَائِشَة: (لمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِر سُورَةِ الْبَقَرَةِ). (٥) القول الثاني: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] . عن ابن عباس ﵁ قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. (٦) واعترض الداودي على القول الأول وقال: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُون وَهْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُون اِخْتِلَافًا عَنْ اِبْن عَبَّاس، لِأَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ

стр. 2099

آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَلَعَلَّ النَّاقِلَ وَهِمَ لِقُرْبِهَا مِنْهَا. اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ هُوَ الْوَاهِمُ. لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْآيَاتِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَهِيَ آخِر آيَةٍ ذَكَرَهَا لِقَوْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ. (١) القول الثالث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾: عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. (٢) قال ابن حجر: أَمَّا الْآيَة فَتَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأَنَّ آخِر آيَة نَزَلَتْ آيَة الرِّبَا، وَيُجْمَع بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بحَسَبِ مَا اِطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة، وَأَمَّا السُّورَة فَالْمُرَاد بَعْضهَا أَوْ مُعْظَمهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَات كَثِيرَة نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَة الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّل بَرَاءَة نَزَلَ عَقِبَ فَتْح مَكَّة فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْر وَقَدْ نَزَلَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وَهِيَ فِي الْمَائِدَة فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد: مُعْظَمهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَة تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَات النَّبِيّ ﷺ . (٣) القول الرابع: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، قَالَ: صَدَقْتَ. (٤)

стр. 2100

قال ابن حجر: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير بَرَاءَة أَنَّهَا آخِر سُورَة نَزَلَتْ. وَالْجَمْع بَيْنهمَا: أَنَّ آخِرِيَّة سُورَة النَّصْر نُزُولَهَا كَامِلَة، بِخِلَافِ بَرَاءَة كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. (١) فائدة: الجمع بين الأقوال: مما سبق يتبين أن القول في آخر آية نزلت يدور حوله ثلاثة أقوال: الأول: آية الربا. الثاني: آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. الثالث: آية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. وأما السور فالقول يدور حول قولين: الأول: سورة براءة. الثاني: سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾. وطريقة الجمع هي: أولًا: بالنسبة للآيات: وطريق الجمع بين قول: (آية الربا)، وآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. أن آية الربا هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن. وأما آية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن قَوْل اِبْن عَبَّاس بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا، فَيَصْدُق أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِر بِالنِّسْبَةِ لمَا عَدَاهُمَا، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآخِرِيَّةُ فِي آيَة النِّسَاء مُقَيَّدَة بِمَا يَتَعَلَّق بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا، بِخِلَافِ آيَة الْبَقَرَة، وَيَحْتَمِل عَكْسه، وَالْأَوَّل أَرْجَح لِمَا فِي آيَة الْبَقَرَة مِنْ الْإِشَارَة إِلَى مَعْنَى الْوَفَاة الْمُسْتَلْزِمَة لِخَاتِمةِ النُّزُول. (٢) وَيُجْمَع أيضًا بين القولين الأولين: بأنهما لَمْ يَنْقُلَاهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بِحَسَبِ مَا اِطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة. (٣)

стр. 2101

فبذلك نكون قد استبعدنا القول الثالث وهو أن آخر آية نزلت ﴿يَسْتَتَفْتُونَكَ. .﴾ ويكون الجمع بين القولين الأولين من وجوه: أولًا: أنَّ آية الربا هي ختام الآياتِ المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن. ثانيًا: أن ابن عباس والبراء لم ينقلا هذين القولين، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ. ثالثًا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة. وقال ابن حجر: وَأَصَحُّ الْأَقْوَال فِي آخِرِيَّةِ الْآيَة قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. (١). وهذا هو الراجح إن شاء الله! لأن آية الربا هي آخر ما نزل بالنسبة لآيات الربا، أو لعلهما نزلتا جميعًا وتكون ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ بعدها. وأما القول في آخرية ما نزل من السور فقلنا أن هذا القول يدور حول قولين: سورة براءة، وسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال ابن حجر: وَأَمَّا سُورَة (براءة) فَالْمُرَاد بَعْضهَا أَوْ مُعْظَمهَا، وَإِلَّا فَفِيهَا آيَات كَثِيرَة نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَة الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّل بَرَاءَة نَزَلَ عَقِبَ فَتْح مَكَّة فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْر، وَقَدْ نَزَلَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وَهِيَ فِي الْمَائِدَة فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مُعْظَمُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَة تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَات النَّبِيّ ﷺ . (٢) فيكون الجمع بين القولين: أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه. (٣)

стр. 2102

ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده، وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب. (١) الخلاصة: نقول إن القول في آخر ما نزل ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وما قاله الصحابة هو ضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، وقد رجح ابن حجر بأن آخر ما نزل ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. وقلنا أنه يمكن الجمع بين هذه الآية، وآية الربا كما تقدم. والله أعلم. * * *

стр. 2103

٨ - شبهة: حول اختلاف المسلمين في المكي والمدني . نص الشبهة: يوجد اختلاف بين المسلمين في المكي والمدني. والرد من وجوه: الوجه الأول: معرفة المكي والمدني وفوائده، وأن الاختلاف في ذلك لا يضر . الوجه الثاني: سبب الاختلاف في المكي والمدني. الوجه الثالث: اختلاف العلماء ليس منهيًا عنه في مثل هذه الأمور. وإليك التفصيل الوجه الأول: معرفة المكي والمدني وفوائده، وأن الاختلاف في ذلك لا يضر. أولًا: اصطلاحات العلماء في معنى المكي والمدني: اعلم أن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة: أشهرها: أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح أو عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار (وهو الراجح من الأقوال). الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، وعلى هذا نثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكي ولا مدني. الثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة. (١) ثانيًا: فوائد معرفة المكي والمدني: قال الزرقاني: من فوائد العلم بالمكي والمدني: ١ - تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفًا للحكم في غيرها، ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرًا إلى تأخر المدني عن المكي. ٢ - ومن فوائده أيضًا معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.

стр. 2104

٣ - ومن فوائده أيضًا الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالمًا من التغيير والتحريف. ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام؛ حتى لَيَعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر، وما نزل بالنهار وما نزل بالليل، وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف، إلى غير ذلك. فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدًا يمسُّه ويعبث به، وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به أو يحتف بنزوله إلى هذا الحد! . (١) وقال مناع القطان: وللعلم بالمكي والمدني فوائد، أهمها: ١ - الاستعانة به في تفسير القرآن الكريم. فإنّ معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية، وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم. ٢ - تذوق أساليب القرآن، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص الأسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله بما يلائم نفسية المخاطب، ويمتلك عليه لبه ومشاعره، ويعالج فيه دخيلته بالحكمة البالغة، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم وأحوال بيئتهم، ويبدو هذا واضحًا جليًا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب. ٣ - الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية. فإن تتابع الوحي على رسول الله ﷺ ساير تاريخ الدعوة بأحداثها في العهد المكي والعهد النبوي منذ بدَأ الوحي إلى آخر آية نزلت، والقرآن الكريم هو المرجع الأصيل لهذه السيرة الذي لا يدع مجالًا

стр. 2105

للشك فيما رُوي عن أهل السير موافقًا له، ويقطع دابر الخلاف عند اختلاف الروايات. (١) الوجه الثاني: سبب الاختلاف في المكي والمدني . قال القاضي أبو بكر بن العربي: إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين، وكما أنه لا بد في العادة من معرفة معظِّمي العالِم والخطيب، وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولًا وآخرًا، وحال القرآن في ذلك أمثل والحرص عليه أشد، غير أنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا وفصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر؛ وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذي تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني، وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته. وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية، فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه. (٢) فمما سبق يتبين أن سبب الاختلاف هو: ١ - أنه لم يرد نص عن النبي ﷺ في تحديد ذلك.
следующие страницы →