← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فبذلك نكون قد استبعدنا القول الثالث وهو أن آخر آية نزلت ﴿يَسْتَتَفْتُونَكَ. .﴾ ويكون الجمع بين القولين الأولين من وجوه: أولًا: أنَّ آية الربا هي ختام الآياتِ المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن. ثانيًا: أن ابن عباس والبراء لم ينقلا هذين القولين، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ. ثالثًا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة. وقال ابن حجر: وَأَصَحُّ الْأَقْوَال فِي آخِرِيَّةِ الْآيَة قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. (١). وهذا هو الراجح إن شاء الله! لأن آية الربا هي آخر ما نزل بالنسبة لآيات الربا، أو لعلهما نزلتا جميعًا وتكون ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ بعدها. وأما القول في آخرية ما نزل من السور فقلنا أن هذا القول يدور حول قولين: سورة براءة، وسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال ابن حجر: وَأَمَّا سُورَة (براءة) فَالْمُرَاد بَعْضهَا أَوْ مُعْظَمهَا، وَإِلَّا فَفِيهَا آيَات كَثِيرَة نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَة الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّل بَرَاءَة نَزَلَ عَقِبَ فَتْح مَكَّة فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْر، وَقَدْ نَزَلَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وَهِيَ فِي الْمَائِدَة فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مُعْظَمُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَة تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَات النَّبِيّ ﷺ . (٢) فيكون الجمع بين القولين: أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه. (٣)

стр. 2102

ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده، وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب. (١) الخلاصة: نقول إن القول في آخر ما نزل ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وما قاله الصحابة هو ضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، وقد رجح ابن حجر بأن آخر ما نزل ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. وقلنا أنه يمكن الجمع بين هذه الآية، وآية الربا كما تقدم. والله أعلم. * * *

стр. 2103

٨ - شبهة: حول اختلاف المسلمين في المكي والمدني . نص الشبهة: يوجد اختلاف بين المسلمين في المكي والمدني. والرد من وجوه: الوجه الأول: معرفة المكي والمدني وفوائده، وأن الاختلاف في ذلك لا يضر . الوجه الثاني: سبب الاختلاف في المكي والمدني. الوجه الثالث: اختلاف العلماء ليس منهيًا عنه في مثل هذه الأمور. وإليك التفصيل الوجه الأول: معرفة المكي والمدني وفوائده، وأن الاختلاف في ذلك لا يضر. أولًا: اصطلاحات العلماء في معنى المكي والمدني: اعلم أن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة: أشهرها: أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح أو عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار (وهو الراجح من الأقوال). الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، وعلى هذا نثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكي ولا مدني. الثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة. (١) ثانيًا: فوائد معرفة المكي والمدني: قال الزرقاني: من فوائد العلم بالمكي والمدني: ١ - تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفًا للحكم في غيرها، ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرًا إلى تأخر المدني عن المكي. ٢ - ومن فوائده أيضًا معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.

стр. 2104

٣ - ومن فوائده أيضًا الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالمًا من التغيير والتحريف. ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام؛ حتى لَيَعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر، وما نزل بالنهار وما نزل بالليل، وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف، إلى غير ذلك. فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدًا يمسُّه ويعبث به، وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به أو يحتف بنزوله إلى هذا الحد! . (١) وقال مناع القطان: وللعلم بالمكي والمدني فوائد، أهمها: ١ - الاستعانة به في تفسير القرآن الكريم. فإنّ معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية، وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم. ٢ - تذوق أساليب القرآن، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص الأسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله بما يلائم نفسية المخاطب، ويمتلك عليه لبه ومشاعره، ويعالج فيه دخيلته بالحكمة البالغة، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم وأحوال بيئتهم، ويبدو هذا واضحًا جليًا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب. ٣ - الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية. فإن تتابع الوحي على رسول الله ﷺ ساير تاريخ الدعوة بأحداثها في العهد المكي والعهد النبوي منذ بدَأ الوحي إلى آخر آية نزلت، والقرآن الكريم هو المرجع الأصيل لهذه السيرة الذي لا يدع مجالًا

стр. 2105

للشك فيما رُوي عن أهل السير موافقًا له، ويقطع دابر الخلاف عند اختلاف الروايات. (١) الوجه الثاني: سبب الاختلاف في المكي والمدني . قال القاضي أبو بكر بن العربي: إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين، وكما أنه لا بد في العادة من معرفة معظِّمي العالِم والخطيب، وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولًا وآخرًا، وحال القرآن في ذلك أمثل والحرص عليه أشد، غير أنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا وفصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر؛ وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذي تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني، وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته. وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية، فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه. (٢) فمما سبق يتبين أن سبب الاختلاف هو: ١ - أنه لم يرد نص عن النبي ﷺ في تحديد ذلك.

стр. 2106

٢ - لم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ. ٣ - وعلى ذلك الصحابة والتابعون لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته. فائدة: أن القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل مفرقًا . أن القرآن لم ينزل جملةً واحدة، وإنما نزل مفرقًا على دفعات، فبذلك لم ينزل في مكان واحد، وإنما كان يتعايش مع المسلمين في حياتهم وغزواتهم ومواقفهم، فلا يعقل مثلًا أن تحدث حادثة الإفك في المدينة ثم ينزل القرآن فيها بمكة، فهذا من سوائغ الاختلاف مع سائغ أن النبي ﷺ لم ينص نصًا في تحديد المكي والمدني. الوجه الثالث: أن اختلاف العلماء ليس منهيًا عنه في هذه الأمور . فإن قيل: إن هناك سورًا بعضها مكي وبعضها مدني، فنقول: إن السورة تشتمل على أكثر من موضوع وموقف وعلى أكثر من حكاية، فلا مانع أن تكون هذه الحادثة حدثت بالمدينة، وحادثة أخرى بمكة وجمعتا في سورة واحدة بأمر من الله للنبي ﷺ ، فتكون بعض الآياتِ مدنية والأخرى مكية، وهذا في قليل من سور القرآن. مثال: إن البقرة سورة مدنية إلا ما ذُكر فيها من قصة آدم ﵇، لأن الغالب على المكي أنه يذكر فيه قصص السابقين، وهناك بعض السور والآيات قد تنزل مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة، مثل الفاتحة، فمن الأقوال فيها أنها نزلت مرتين. * * *

стр. 2107

٩ - شبهة: اختلاف المسلمين في أسباب النزول . قالوا: بأن الآية الواحدة قد يرد عليها أكثر من سبب نزول، وادَّعَوا أن هذا من التناقض. والرد من وجوه: الوجه الأول: لا نحتج إلا بالحديث الصحيح في أسباب النزول وغيرها. الوجه الثاني: لا إشكال في تعدد أحاديث أسباب النزول وذلك من وجوه: الوجه الثالث: فوائد معرفة أسباب النزول. وإليك التفصيل الوجه الأول: لا يُحتج إلا بالحديث الصحيح . نحن لا نأخذ بكل حديث يُروى لنا في كتب التفسير لا في أسباب النزول ولا في غيرها. قال الواحدي: لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا علي الأسباب، وبحثوا عن علمها، وقد قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل الله القرآن. وقال غيره: معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْر. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَالله إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. (١) وإذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنما نزلت في كذا، فإنه حديث مسند، مثال: عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. (٢)

стр. 2108

الوجه الثاني: لا إشكال في تعدد أحاديث أسباب النزول . وفي هذا الوجه مسائل: المسألة الأولى: وهي: التعدد قد يكون في التفسير وليس في السبب . أن يعبر أحدهم بقوله: نزلت في كذا، والآخر: نزلت في كذا، وذكر أمرًا آخر. فهذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول، فلا منافاة بين قولهما إذا كان اللفظ يتناولهما (١). المسألة الثانية: قد يكون الأول تفسيرًا والآخر سببًا . كأن يعبر واحد بقوله: نزلت في كذا، ويصرح آخر بذكر سبب خلافه، فهو المعتمد وذاك استنباط، مثاله: عن ابن عمر ﵁ قال: أنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في إتيان النساء في أدبارهن، وعن جابر التصريح بذكر سبب خلافه، فالمعتمد حديث جابر؛ لأنه نقل، وقول ابن عمر استنباط منه، فحديث جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. (٢) المسألة الثالثة: قد يكون أحدهما صحيحًا والآخر ضعيفًا . أن يذكر واحد سببًا وآخر سببًا غيره، فإن كان إسناد أحدهما صحيحًا دون الآخر فالصحيح المعتمد، مثال: عن جندب: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣). وعن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وكانت خادم رسول الله ﷺ : أن جروًا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ ؟ جبريل لا يأتيني، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت

стр. 2109

وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله ﴿فَتَرْضَى﴾ (١). قال ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يعرف فالمعتمد ما في الصحيح (٢). مثال آخر: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهرًا وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وعن ابن عمر قال: نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوّع. ومن حديث عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. فالحديث الأول صحيح الإسناد وهو الذي صرح فيه بذكر السبب فهو المعتمد (٣). المسألة الرابعة: أن يستوي الإسنادان في الصحة: فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات. مثال: عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لو سألتموه! فقالوا: حدثنا عن الروح. فقام ساعة ورفع رأسه، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 2110

الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] (١). وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْش لِيَهُودَ أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ هَذَا الرَّجُلَ! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فَأَنْزَلَ الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ. . .﴾ (٢). فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة والأول خلافه، وقد رجح بأن ما رواه البخاري أصح من غيره وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة (٣). المسألة الخامسة: أن يكون نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة، بشرط ألا تكون معلومة التباعد: مثال: عن ابن عباس أن هلال ابن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البينة أو حَدٌّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] " (٤). وعن سهل بن سعد قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله ﷺ : أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ ، فغاب السائل، فأخبر عاصم عويمرًا فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ فأسألنه، فأتاه فقال: أنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن. . . . الحديث) (٥)، فجمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا فنزلت في شأنهما معًا (٦). المسألة السادسة: تعدد النزول . ألا يمكن نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة فيحمل على تعدد النزول وتكرره:

стр. 2111

مثال: عن المسيب قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال: أي عم قل لا إله إلا الله أُحاجُّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] (١). وعن علي ﵁ قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت (٢). فنجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول (٣). المسألة السابعة: قد يكون في إحدى القصتين (فتلا) فَيَهِمُ الراوي فيقول (فنزل)، أو تكون بلفظ (فقرأ) وتأتي في الرواية الأخري (فنزل) . مثال: عن ابن عباس قال: مر يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (٤). والحديث في الصحيح بلفظ: (فتلا رسول الله ﷺ ) وهو الصواب فإن الآية مكية (٥). وهذا الحديث عند البخاري بلفظ: (فقرأ رسول الله ﷺ ). الوجه الثالث: فوائد معرفة أسباب النزول . قال الزرقاني: لأسباب النزول فوائد متعددة لا فائدة واحدة، ومن تلك الفوائد:

стр. 2112

الأولى: معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل، وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن؛ أما المؤمن فيزداد إيمانًا على إيمانه، ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام الله، والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام ومن أجلها جاء هذا التنزيل. وأما الكافر فتسوقه تلك الحِكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفًا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم والطغيان، خصوصًا إذا لاحظ سير ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد، وحسبك شاهدًا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه. الثانية: الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها. حتى لقد قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالمسبب يورث العلم بالسبب. الثالثة: دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر نحو قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الرابعة: تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب، وبدون معرفة السبب تصير الآية معطلة خالية من الفائدة. الخامسة: معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها، وذلك لقيام الإجماع على أن حكم السبب باق قطعًا، فيكون التخصيص قاصرًا على ما سواه، فلو لم يعرف سبب النزول، لجاز أن يفهم أنه مما خرج بالتخصيص مع أنه لا يجوز إخراجه قطعًا للإجماع المذكور. السادسة: معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره؛ فيتهم البريء ويبرأ المريب مثلًا؛ ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر

стр. 2113

بأنه الذي نزلت فيه آية ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته إلى آخر تلك القصة. السابعة: تيسير الحفظ وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها؛ وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر (١). * * *

стр. 2114

١٠ - شبهة: اختلاف المسلمين في ترتيب السور نص الشبهة: يقولون: إن ترتيب سور القرآن اختلف فيها المسلمون. والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: ذكر الأقوال في ترتيب السور . الوجه الثاني: الجمع بين الأقوال، وأنه لا تعارض بينها. الوجه الثالث: مما ورد عن الصحابة من اختلافٍ في ترتيب المصاحف، وتوجيه ذلك. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الأقوال في ترتيب السور. وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن، فاختُلف: هل هو توقيف من النبي ﷺ ، أو من فعل الصحابة، أو بعضه توقيف من النبي ﷺ وبعضه اجتهادي؟ على ثلاثة أقوال: (١) القول الأول: وهو مذهب الجمهور: أن النبي ﷺ فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده، يعني أن هذا الترتيب من فعل الصحابة . ومِمَّن ذهب هذا الْمذهب الإمام مالكٌ، والقاضي أبو بكر الباقلاني فيما استقر عليه رأيه من قوليه. (٢) قال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب "المسائل الخمس": جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال، وتعقيبها بالْمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة. (٣)

стр. 2115

وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها: أولًا: أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي ﷺ لظهر وفشا ونقل مثله، وفي العلم بعدم ذلك النقل دليلٌ على أنه لم يكن منه ﷺ توقيف فيه. ثانيًا: أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولًا عن النبي ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه. (١) فمن ذلك أن مصحف أُبَيِّ بن كعب قدمت فيه النساء على آل عمران، ثم تلت آل عمران سورة الأنعام، ثم الأعراف ثم المائدة. . .، ومصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأعراف، ثم الأنعام. . . الخ ما فيهما من خلاف مصاحفنا اليوم، وروي أن مصحف علي كان مرتبًا على النزول، فأوله سورة العلق، ثم المدثر، ثم ق، ثم المزمل ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني. (٢) ثالثًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي

стр. 2116

السَّبْعِ الطِّوَالِ. (١) فقول عثمان: "فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا" صريحٌ في عدم التوقيف. (٢) فهذا الحديث يدل عندهم على أن ترتيب السور لم يكن بتوقيف من النبي ﷺ ، بل كان باجتهاد من الصحابة. رابعًا: عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، إِذْ جَاءهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟ ! قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ . . . قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ. (٣) ووجه الدلالة فيه أن السائل كان يسأل عن ترتيب السور، بدليل قول عائشة له: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ لأن السلف متفقون على المنع من قراءة القرآن منكوسًا، بأن يقرأ من آخر السورة إلى أولِها، ولو كان السائل يسأل عن ترتيب الآي لأنكرت عليه عائشة قراءة القرآن غير مؤلف. (٤) القول الثاني: أن هذا الترتيب توقيف من النبي ﷺ ، وبه قالت طائفة من أهل العلم . (٥) قال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ . (٦)

стр. 2117

وقال الكِرْماني: ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ. (١) وقال أبو بكر بن الأنباري: أنزل القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرِّق في بضعٍ وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويقف جبريلُ النبيَّ ﷺ على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآياتِ والحروف، كله عن النبي ﷺ ، فمن قَدَّم سورة أو أخَّرَها، فقد أفسد نظم الآيات. (٢) واستدلوا على ذلك: أولًا: بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان، ولم يُخالف منهم أحد، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بِمخالفتهم، ولكنهم عدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعًا. (٣) واستدلوا بأحاديث، منها: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كان يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطه وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. (٤) فذكرها نسقًا كما استقر ترتيبها. ثانيًا: عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: أُعْطِيتُ مكانَ التَّوْراة السَّبْعَ الطِّوالَ، وأُعْطِيتُ مكان الزبور الْمِئِينَ، وأُعْطِيتُ مكان الإنجيل المثانيَ، وفُضِّلْت بالمفصَّلِ. (٥) قال ابن النحاس: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي ﷺ ، وأنه مؤلف من ذلك الوقت. (٦)

стр. 2118

ثالثًا: عَنْ أَوْسِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ أَسْلَمُوا مِنْ ثَقِيفٍ. . . الحديث، وفيه: قُلْنَا مَا أَمْكَثَكَ عَنَّا يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَرَدْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَه. قَالَ: فَسَأَلْنَا أَصْحَابَ رسول الله ﷺ حِينَ أَصبَحْنَا، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: نُحَزِّبُهُ ثَلَاثَ سُوَرٍ وَخَمْسَ سُوَرٍ وَسَبْعَ سُوَرٍ وَتِسْعَ سُوَرٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً وَحِزْبَ الْمُفَصَّلِ مِنْ قَافْ حَتَّى يُخْتَمَ. (١) قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي ﷺ . (٢) قال السيوطي: ومِمَّا يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءً، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاءً، بل فصل بين سورها، وفصل بين (طسم) الشعراء و (طسم) القصص بـ (طس) مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لذكرت المسبحات ولاءً، وأُخِّرت (طس) عن القصص. وقد سئل ربيعة: لم قُدِّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضعٌ وثمانون سورة بمكة، وإنَّما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا، وأُلِّف القرآن على علم ممن ألَّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مِمَّا يُنْتَهى إليه، ولا يُسْأل عنه. (٣) القول الثالث: أن ترتيب كثير من السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة . واستدلوا على ذلك بورود أحاديث تفيد ترتيب بعض السور، كالأدلة التي احتج بِها الفريق القائل بالقول الثاني، وورود آثار تصرح باجتهاد الصحابة في ترتيب بعض السور كحديث ابن عباس عن عثمان السابق.

стр. 2119

واختلف القائلون بِهذا القول في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف، والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد: فقال القاضي أبو محمد بن عطية: إن كثيرًا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي ﷺ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل. وأنّ ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده. وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مِمَّا نصَّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليلٌ يُمكن أن يجري فيها الخلاف، واحتج بأحاديث منها: حديث عبد الله بن مسعود، وحديث عبد الله بن عباس السابقة في أدلة القول الأول. (١) قال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعض، أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا، وإن كان بعضه من اجتهاد بعض الصحابة، واحتج بحديث ابن عباس السابق. الوجه الثاني: الجمع بين الأقوال . قال الزركشي: والذي يمال إلى ترجيحه هو القول الثاني القائل بأن ترتيب سور الكتاب العزيز كلها توقيفيٌّ، بما سبق من الأدلة عند حكاية هذا القول. أما أدلة الفريق القائل بأن ترتيب السور اجتهادي فمردودة بما يأتي: ١ - أما دعواهم أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي ﷺ لظهر وفشا ونقل مثله، وأن في العلم بعدم ذلك النقل دليلًا على عدم التوقيف، فيجاب بأن عدم النقل ليس دليلًا على عدم وجود النص؛ بل إن إجماع الصحابة على هذا الترتيب دليلٌ على وجود النص بالتوقيف؛ لأنهم لا يُجمعون على خلاف السنة. ٢ - أما حديث ابن عباس عن عثمان. (٢) وهو أقوى حججهم، فهو أوهاها إذا نظر إليه بعين التمحيص، ففيه ضعف لا يُنكر سندًا، وفيه الرد على شبهتهم متنًا:

стр. 2120

أما من ناحية السند فإن مدار الحديث على يزيد الفارسي. قال الشيخ أحمد شاكر: وفي إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف جدًّا، بل هو حديث لا أصل له. (١) وقد اختلف الْمُحدِّثُون في يزيد هذا، اختلافًا كثيرًا: قال البخاري في ترجمة يزيد بن هرمز: قال عبد الرحمن بن مهدي: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء. (٢) وقال ابن أبي حاتم: يزيد بن هرمز، اختلفوا فيه، هل هو يزيد الفارسي أم لا؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي، فيما سمعت أبي يَحكي عن علي بن الْمديني عنه أنه قال: يزيد الفارسي، هو يزيد بن هرمز، وكذا قاله أحمد بن حنبل. . .، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، فعن علي بن المديني قال: ذكرت ليحيى قول عبد الرحمن بن مهدي: إن يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، فلم يعرفه. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا، ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، وكان يزيد بن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة، وليس هو بيزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس، روى عنه عوف الأعرابي. (٣) وأثبته البخاري في الضعفاء بالاسمين: ابن هرمز والفارسي، (٤) فهما ضعيفان عنده. فعلى هذا فالحديث ضعيف، إما لضعف يزيد بن هرمز إن كان هو نفسه يزيد الفارسي، أو لجهالة أو ضعف يزيد الفارسي إن كان غير ابن هرمز. قال العلامة أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث، يكاد يكون مجهولًا، حتى شُبِّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو

стр. 2121

غيره. . . فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي. . . وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك. ثم قال: فلا علينا إذا قلنا إنه حديث لا أصل له. . . فلا عبرة في هذا الموضع بتحسين الترمذي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بموافقة الذهبي، وإنَّما العبرة للحجة والدليل. (١) وأما متنًا، فإنه يَحمل تناقضَا ظاهرًا، ويحمل طعنًا في التوقيف في ترتيب الآي. أما التناقض، فلأنه أثبت للأنفال وبراءة اسمين مختلفين، وفيه مع ذلك أن عثمان ظن أن براءة من الأنفال فقرنَها بِها، وكان الأولى أن يقول: إنهما سورة واحدة. قال الباقلاني: وقد تضمن ذلك أنَّهما سورتان؛ لأنه سمى كل واحدة باسمها. وأما الطعن في التوقيف في ترتيب الآي، فلأن قول عثمان: "فظننا أنَّها منها" يدل على أن النبي ﷺ لم يفصح بأمر براءة، فأضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادًا منه. وهذا مخالف لِما لا يُحصى من الأخبار الصحيحة الدالة على التوقيف في ترتيب آي السور، ومخالف للإجماع المنقول عن أهل العلم على أن ترتيب آي السور ليس محلًا للاجتهاد، وإنَّما كان بتوقيف من النبي ﷺ . كما أن قول ابن عباس: "عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ. . . فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ" يحمل ما يرد احتجاج هؤلاء بِهذا الحديث، فهو ذا يذكر أن الأنفال من المثاني، وأن براءة من المئين، ويقول: فوضعتموهما في السبع الطوال، وهذا يدل على أن السبع الطوال كانت معلومة توقيفًا قبل الجمع، وكذلك المثاني، وكذلك المئون، وإلا في وجه استنكار ابن عباس هذا الترتيب؟ ! ٣ - أما حديث يوسف بن ماهك عن عَائِشَةَ ﵂ فيرد عليه بأن هذا العراقي إنَّما سأل عن ترتيب السور، وكان مِمَّن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف

стр. 2122

عثمان إلى الكوفة، لم يوافق أول الأمر على الرجوع عن قراءته، ولا على إعدام مصحفه، وكان تأليف مصحفه مغايرًا لتاليف مصحف عثمان، فلذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف. (١) وأما الفريق الثالث القائل بالتفصيل، فيجاب بنفس الأجوبة، إذ لم يأت بدليل جديد، كما يرد عليهم أيضًا بأن العلم بتوقيف البعض يدل على التوقيف في الكل، إذ لو علم الصحابة التوقيف لمَا فاتَهم أن يسألوا عن كل سورة بعينها، والنبي ﷺ حَيٌّ بين أظهرهم، وإلا لكانوا - وحاشاهم - مقصرين في حفظ القرآن. الوجه الثالث: ما ورد من اختلاف في ترتيب مصاحف الصحابة . فإن قيل: كيف يكون الصحابة مجمعين على هذا الترتيب مع أن مصاحفهم كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولًا عن النبي ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه، وهو دليلهم الثاني؟ (٢) فيجاب عليه بهذه الوجوه: الوجه الأول: أن هذا الاختلاف كان قبل العلم بالتوقيف فيه . بأنهم اختلفوا فيما اختلفوا قبل أن يعلموا التوقيف فيه، ولما جمع عثمان القرآن على هذا الترتيب علموا ما لم يكونوا يعلمونه، ولذلك تركوا ترتيب مصاحفهم وأخذوا بترتيب عثمان. (٣) قال السيوطي: وقد من الله عليّ بجواب لذلك نفيس وهو أن القرآن وقع فيه النسخ كثيرًا للرسم، حتى لسور كاملة وآيات كثيرة، فلا بِدع أن يكون الترتيب العثماني هو الذي استقر في العرضة الأخيرة، كالقراءات التي في مصحفه، ولم يبلغ ذلك أبيًّا وابن مسعود، كما لم يبلغهما نسخ ما وضعاه في مصاحفهما من القراءات التي تخالف المصحف العثماني، ولذلك كتب أبيٌّ في مصحفه سورة الحفد والخلع، وهما منسوختان فالحاصل أني أقول:

стр. 2123

ترتيب كل المصاحف بتوقيف، واستقر التوقيف في العرضة الأخيرة على القراءات العثمانية، ورتب أولئك على ما كان عندهم، ولم يبلغهم ما استقر، كما كتبوا القراءات المنسوخة المثبة في مصاحفهم بتوقيف، واستقر التوقيف في العرضة الأخيرة على القراءات المنسوخات، ولم يبلغهم النسخ (١). الوجه الثاني: أن الاختلاف كان في مصاحف فردية . أن الأمر في اختلاف مصاحفهم أنها كانت مصاحف فردية، لم يكونوا يكتبونها للناس؛ إنما كانوا يكتبونها لأنفسهم، فبَدهي أن الواحد منهم لم يثبت فيها إلا ما وصل إليه بمجهوده الفردي، وقد يفوته ما لم يفت سواه من تحقيق أدق أو علم أوسع. ولهذا كان يوجد بتلك المصاحف الفردية بعض آيات قد تكون منسوخة، وربما لم يبلغ صاحب ذاك المصحف نسخها. وقد يهمل صاحب المصحف إثبات سورة لشهرتها وغناها بهذه الشهرة عن الإثبات، كما ورد أن مصحف ابن مسعود لم تكن به الفاتحة. وقد يكتب صاحب المصحف ما يرى أنه بحاجة إليه من غير القرآن في نفس المصحف كما تقدم ذلك في قنوت الحنفية الذي روي أن بعض الصحابة كان قد كتبه بمصحفه وسماه سورة الخلع والحفد. (٢) الوجه الثالث: أن هذا الاختلاف زال بما اتفقوا عليه في مصحف عثمان . قال ابن تيمية: ترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية، فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف زمن عثمان ﵃ جميعًا صار هذا مما سنّه الخلفاء الراشدين، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب إتباعها. (٣) * * *

стр. 2124

١١ - شبهة: اختلاف المسلمين في عدد سور وآيات القرآن . نص الشبهة: اختلاف المسلمين في عدد سور وآيات القرآن، أما سوره فمائة وأربع عشرة سورة بإجماع من تعبد به، وقيل وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، هل تتماشى تلك الأخبار مع آية في سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى قول الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . الوجه الثاني: سبب اختلاف المسلمين، وهذا الاختلاف لا يضر في القرآن الكريم. الوجه الثالث: تقسيم القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى قول الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله؟ ، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم؛ لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض. (١) وقال ابن كثير: يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيًا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضادّ ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو

стр. 2125

كان مفتعلًا مختلقًا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أي: اضطرابًا وتضادًّا كثيرًا، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم، حيث قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أي: محكمه ومتشابهه حق؛ فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا؛ ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين. (١) عن أَبي عِمْرَانَ الجَوْنِيّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الله بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمًا قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ". (٢) وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرُ النَّعَمِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسولِ الله ﷺ جُلُوسٌ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَتَمَارَوْا فِيهَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُغْضَبًا قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ وَيَقُولُ: "مَهْلًا يَا قَوْمِ بِهَذَا أُهْلِكَتْ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمْ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالمِهِ". (٣) ودلت هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التدبر للقرآن؛ ليعرف معناه. والمعنى: أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفًا غير مختلف، صحيح المعاني، قوي المباني، بالغًا في البلاغة إلى أعلى درجاتها ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ

стр. 2126

غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ أي: تفاوتًا وتناقضًا، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات والسور؛ لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال، وتعرّض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحًا مطابقًا للواقع إلا القليل النادر. (١) الوجه الثاني: سبب هذا الاختلاف . سبب هذا الاختلاف: أن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي تعليمًا لأصحابه أنها رءوس آي، حتى إذا علموا ذلك وصل ﷺ الآية بما بعدها طلبًا لتمام المعنى، فيظن بعض الناس أن ما وقف عليه النبي ﷺ فاصلة، فيصلها بما بعدها معتبرًا أن الجميع آية واحدة، والبعض يعتبرها آية مستقلة فلا يصلها بما بعدها، وقد علمت أن الخطب في ذلك سهل؛ لأنه لا يترتب عليه في القرآن زيادة ولا نقص. وأيضًا البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة، فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها. (٢) وقيل: وسبب الاختلاف في عد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة، ومجاز، ولفظ، ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز، وتقدم عن ابن عباس عدد حروفه، وفيه أقوال أخر. والاشتغال باستيعاب ذلك مما لا طائل تحته، وقد قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد؛ فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك. (٣) وعن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. (٤)

стр. 2127

الوجه الثالث: سور القرآن على ثلاثة أقسام . قال الموصلي: ثم سور القرآن على ثلاثة أقسام: قسم لم يختلف فيه لا في إجمالٍ ولا في تفصيلٍ، وقسم اختلف فيه تفصيلًا لا إجمالًا، وقسم اختلف فيه إجمالًا وتفصيلًا. فالقسم الأول: أربعون سورة: يوسف مائة وإحدى عشرة، الحجر تسع وتسعون، النحل مائة وثمانية وعشرون، الفرقان سبع وسبعون، الأحزاب ثلاث وسبعون، الفتح تسع وعشرون، الحجرات والتغابن ثمان عشرة، ق خمس وأربعون، الذاريات ستون، القمر خمس وخمسون، الحشر أربع وعشرون، الممتحنة ثلاث عشرة، الصف أربع عشرة، الجمعة والمنافقون والضحى والعاديات إحدى عشرة، التحريم ثنتا عشرة، ن اثنتان وخمسون، الإنسان إحدى وثلاثون، المرسلات خمسون، التكوير تسع وعشرون، الانفطار وسبّح تسع عشرة، البروج اثنتان وعشرون، الغاشية ست وعشرون، البلد عشرون، الليل إحدى وعشرون، ألم نشرح والتين وألهاكم ثمان، الهمزة تسع، الفيل والفلق وتبت خمس، الكافرون ست، الكوثر والنصر ثلاث. والقسم الثاني: أربع سور وهم الذين اختلف فيهم تفصيلًا لا إجمالًا، أربع سور: القصص ثمان وثمانون، عد أهل الكوفة (طسم)، والباقون بدلها ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، العنكبوت تسع وستون، عد أهل الكوفة (الم)، والبصرة بدلها ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، والشام ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، الجن ثمان وعشرون عد المكي ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، والباقون بدلها ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، والعصر ثلاث، عد المدني الأخير ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ﴾ ودون (والعصر) وعكس الباقون. والقسم الثالث: الذي اختلف فيه إجمالًا وتفصيلًا، وهم سبعون سورة الباقية من القرآن الكريم. (١) ويترتب على معرفة الآي وعدها وفواصلها أحكام فقهية:

стр. 2128

منها: اعتبارها في الخطبة، فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة، ولا يكفي شطرها إن لم تكن طويلة، وكذا الطويلة على ما أطلقه الجمهور. ومنها: اعتبارها في السورة التي تقرأ في الصلاة أو ما يقوم مقامها، ففي الصحيح أنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة. (١) ومنها: اعتبارها في قراءة قيام الليل، ففي أحاديث عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَم يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ". (٢) ومنها: اعتبارها في الوقف. وهناك فوائد أخرى منها: العلم بأن كل ثلاث آيات قصار معجزة للنبي ﷺ وفي حكمها الآية الطويلة التي تعدل بطولها تلك الثلاث القصار، ومنها: حسن الوقف على رءوس الآي عند من يرى أن الوقف على الفواصل سنة. (٣) * * *

стр. 2129

١٢ - شبهة: الوحي . نص الشبهة دارت شبهات الوحي حول هذه الأمور: ١ - كيفية نزول الوحي وما فيها من تناقضات وأمور غريبة. فهذا غير حال أنبياء التوراة الكرام، الذين تكلموا بالحِكَم الإلهية، وأعلنوا الحق أمام الملوك والأمراء والعلماء والفلاسفة، وهم بصحة عقلٍ وجسمٍ وفهم. ولم يرِدْ أن نبيًا منهم كان عند نزول الوحي يُغشى عليه، أو يصير كالسكران، أو تحمرّ عيناه، أو تجزّع الناس من منظره، أو يغط كغطيط البَكر. ٢ - حالة النبي ﷺ عند نزول الوحي؛ حيث ادعوا أنه كان إذا نزل عليه الوحي تغير حاله حتى يشبه المصروع. ٣ - حال النبي ﷺ قبل نزول الوحي حيث ورد أنه كان يُرقى من العين. ٤ - كيف يُشَبِّه الوحي بالجرس وهو تشبيه محمود بمذموم؟ ٥ - سؤالهم كيف ينزل الوحي في ثوبِ أو في لحاف عائشة؟ . ٦ - ادعاؤهم نزول الوحي حسب الأهواء كما كان حال عمر ﵁. ٧ - ادعاؤهم أن الوحي انقطع بسبب جروٍ (كلب). ٨ - ادعاؤهم أن النبي ﷺ لم يكن يتأكد من الوحي فكانت خديجة تختبره له. ٩ - ثمَّ شبهات أخرى تتعلق بالوحي تم الرد عليها مستقلة مفصلة؛ مثل شبهة تفكير النبي ﷺ في الانتحار بسبب انقطاع الوحي، وشبهة شك النبي ﷺ في الوحي، وشبهة نسيان النبي ﷺ للوحي. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: مقدمة لا بد منها. الوجه الثاني: مراتب الْوَحْي مراتب عديدة. الوجه الثالث: حال النبي ﷺ عند نزول الوحي عليه، وبيان كذب ما يدّعون. الوجه الرابع: خصائص الوحي. الوجه الخامس: المراد بالثقل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.

стр. 2130

الوجه السادس: نفي الله عن نبينا محمد ﷺ هذه الأمراض. الوجه السابع: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ من مثل هذه الأمراض. الوجه الثامن: أعراض مرض الصرع من الناحية الطبية. الوجه التاسع: الصرع كان معروفًا عند العرب في الجاهلية، فلماذا لم يتهمه المشركون بمثل هذا! الوجه العاشر: الرد على الشبهات الفرعية المتعلقة بالوحي. الوجه الحادي عشر: حالة الأنبياء عند نزول الوحي كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: مقدمة لا بد منها . تعريف الوحي في اللغة والشرع . قال ابن منظور: الوَحْيُّ الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام وأَوْحَيْتُ ووَحَى وَحْيًا وأَوْحَى أيضًا، أي: كتب. والوحي: المكتوب والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وَحِيٌّ مثل حَلْيٌّ وحُلِيٌّ. (١) وقال الراغب: معنى الوحي الإشارة السريعة، ولتضمنّ السرعة قيل: أمر وَحْيٌ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي. (٢) أما الوحي فمعناه في لسان الشرع: أن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر. (٣) الوحي الإلهي: هو كلمة الله إلى عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور وهو أصل الدين، إذ يتعلق بكتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ . والوحي في الإسلام ثابت محفوظ بحفظ الله تعالى. والأمة مهيأة لخدمة نصوصه كما تقتضيه ظروف الحياة العلمية لها.

стр. 2131

والوحي: أهم عنصر يميز شخصية النبي أو الرسول، وأكبر الدعائم التي ترتكز عليها حقيقة النبوة، وقد دلت نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والسيرة العطرة على عصمة سيدنا محمد ﷺ ، في تبليغ وحي الله تعالى إلى الأمة، وانعقد إجماع علماء الأمة على ذلك. إلا أنه يوجد في كل أمة، وفي كل زمان ومكان، من يطعن في عصمة رسول الله ﷺ في تبليغ وحى الله تعالى؛ من أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين، ومن أذيالهم المتسترين بعباءة القرآن الكريم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيين). أما المستشرقون: فشبهاتهم حول الوحي الإلهي قائمة على إنكار نبوة رسول الله ﷺ ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية، ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، فنفذوا بشيء من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعًا مقصودًا للإيقاع بنبوته، وحملوا حملًا مغرضًا لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة. فزعموا تارة أن الوحي الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر ذاتي من داخل نفسه الصافية، وعقله العبقري. وتارة ثانية، يزعمون أنه عبارة عن أمراض عقلية ونفسية، وهم بذلك يتناقضون مع أنفسهم؛ إذ كيف يجتمع الضدان، صفاء النفس، والعقل العبقري، مع الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية؟ ! وتارة ثالثة، يزعمون أن الوحي الذي جاء به رسول الله ﷺ مقتبس من اليهودية والنصرانية، أو أنه وحي شيطاني بناءًا على فرية الغرانيق، وهذه الطعون في الوحي الإلهي، هي رأي معظم المستشرقين الذين يدرسون ظاهرة الوحي والنبوة، ويخلطون عن عمد بين النبوة والعبقرية، ومعاني البطولة، ومعاني الرسالة، إذا استثنينا أولئك المستشرقين الذين ينحون بتفكيرهم نحو المادية والعلمانية، وينكرون الوحي كله جملة وتفصيلًا. إن المستشرقين هنا فيما يزعمون كالببغاوات يرددون شبهة إخوانهم أعداء الأنبياء والرسل الذين جعلوا ما يحصل لأنبياء الله مثل الذي يحصل للمجانين والسحرة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ وهي عين الفرية التي رمت بها قريش رسول الله ﷺ ، فبرأه الله مما قالوا بقوله سبحانه:

стр. 2132

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ أرأيت كيف يردد المستشرقون شبهة عفا عليها الدهر، وطوتها السنون، وبيَّن الله فسادها قبل خمسة عشر قرنًا من الزمن، ثم جاءوا يلوكونها ويدندنون بها تشويهًا للإسلام، وتشكيكًا في عصمة رسول الله ﷺ في عقله وبدنه. (١) الوجه الثاني: مَرَاتِب الْوَحْيِ مَرَاتِب عَدِيدَة بيّن القرآن الكريم أنواع الوحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيًا يوحي الله إليه كيف شاء، أو إلهامًا، وإما غيره ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كلم موسى نبيه ﵇ ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولًا إما جبرائيل ﵇، وإما غيره ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء، يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي، وغير ذلك من الرسالة والوحي. (٢) وقد بينت لنا السنة هذه المراتب. إِحْدَاهَا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَكَانَتْ مَبْدَأَ وَحْيِهِ ﷺ وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الوحي الرُّؤيا الصَّالِحةُ في النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُو التَّعَبُّدُ - الليالي ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ؟ قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ". قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أرسلني" فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فغطني الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أرسلني فَقَالَ:

стр. 2133

اقْرَأْ؟ فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ فأخَذَني فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرسلني فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾، فَرَجَعَ بِهَا رَسولُ الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نفسي". فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَالله مَا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ العبرانيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى ﵇ يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَمُخْرِجِي هُمْ"؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عودي، وَإِنْ يدركني يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّي وَفَتَرَ الوحي. (١) الثَّانِيَةُ: مَا كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ فِي رَوْعِهِ وَقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ كَمَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتّقُوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ الله، فَإِنَّ مَا عِنْدَ الله لَا يُنَالُ إلَّا بِطَاعَتِهِ". (٢) الثَّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ يَتَمَثّلُ لَهُ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُخَاطِبَهُ حَتَّى يَعِيَ عَنْهُ مَا يَقُولُ لَهُ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ كَانَ يَرَاهُ الصَّحَابَةُ أَحْيَانًا. عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا

стр. 2134

أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النبي ﷺ فأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أخبرني عَنِ الإِسْلَامِ. . . . الحديث وفيه: ثُمَّ قَالَ لي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟ ". قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ". (١) الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي مِثْلِ صَلْصلَةِ الْجَرَسِ، وَكَانَ أَشَدّهُ عَلَيْهِ فَيَتَلَبّسُ بِهِ الْمَلَكُ حَتّى إنّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصّدُ عَرَقًا فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ يَأْتِيكَ الوحي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَحْيَانًا يأتيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ - وَهُو أشَدُّهُ عَلَىَّ - فَيُفْصَمُ عَنِّى وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لي الْمَلَكُ رَجُلًا فيكلمني فَأَعِى مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوحي في الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. (٢) قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَفَرَّغَ سَمْعُهُ ﷺ ، وَلَا يَبْقَى فِيهِ وَلَا فِي قَلْبه مَكَان لِغَيْرِ صَوْت الْمَلَك. (٣) قال ابن الجوزي: إنما شبهه بالجرس؛ لأنه صوت متدارك لا يفهمه في أول وهلة حتى يتثبت ولذلك قال: "وهو أشده علي"، وقوله: "فيفصم عني" أي يقلع عني وينجلي ما يغشاني منه. وأصله من الفصم وهو القطع، وقولها: (وإن جبينه) للإنسان جبينان والجبهة بينهما، وقوله: (ليتفصد) بمعنى: يسيل عرقًا كما يفصد العرق، وكان ﷺ يلقى مشقة شديدة لثقل ما يلقى عليه من القرآن، فيعتريه ما يعتري المحموم، وكان ذلك من هيبة الكلام، وتعظيم المتكلم، وجمع الفهم للوعي، وخوف التحريف لنقص العقول من غير

стр. 2135

قصد، وقد خُوِّف من هذا بقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤]، إلى غير ذلك من الأمور المزعجة التي تضعف عن إطاقتها البشرية. (١) الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَرَى الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ الّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا فَيُوحِي إلَيْهِ مَا شَاءَ الله أَنْ يُوحِيَهُ وَهَذَا وَقَعَ لَهُ مَرّتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَ الله ذَلِكَ فِي النَّجْمِ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]. السَّادِسَةُ: مَا أَوْحَاهُ الله وَهُوَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. السَّابِعَةُ: كَلَامُ الله لَهُ مِنْهُ إلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ كَمَا كَلَّمَ الله مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَثُبُوتُهَا لِنَبِيِّنَا ﷺ هُوَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ. (٢) الوجه الثالث: حال النبي عند نرول الوحي عليه وبيان كذب ما يدَّعون . ١ - في قصة الإفك، قالت عائشة: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء؛ حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شاتٍ، من ثقل الوحي الذي نزل عليه. (٣) ٢ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ يَأْتِيكَ الوحي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَحْيَانًا يأتيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ - وَهُو أشَدُّهُ عَلَىَّ - فَيُفْصَمُ عَنِّى وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لي الْمَلَكُ رَجُلًا فيكلمني فأعي مَا يَقُولُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوحي في الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. (٤) قال ابن حجر: يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْوَحْي كُلّه شَدِيد، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصِّفَة أَشَدَّهَا، وَهُوَ وَاضِح؛ لِأَنَّ الْفَهْم مِنْ كَلَامٍ مِثْل الصَّلْصَلَة أَشْكَل مِنْ الْفَهْم مِنْ كَلَام الرَّجُل بِالتَّخَاطُبِ

стр. 2136

الْمَعْهُود، وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ بَيْن الْقَائِل وَالسَّامِع، وَهِيَ هُنَا إِمَّا بِاتِّصَافِ السَّامِع بِوَصْفِ الْقَائِل بِغَلَبَةِ الرُّوحَانِيَّة وَهُو النَّوْع الْأَوَّل، وَإِمَّا بِاتِّصَافِ الْقَائِل بِوَصْفِ السَّامِع وَهُو الْبَشَرِيَّة وَهُو النَّوْع الثَّانِي، وَالْأَوَّل أَشَدّ بِلَا شَكّ. وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام الْبُلْقِينِيّ: سَبَب ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَام الْعَظِيم لَهُ مُقَدِّمَات تُؤْذِن بِتَعْظِيمِهِ لِلِإهْتِمَامِ بِهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: وَإِنَّمَا كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ لِيَسْتَجْمِع قَلْبه فَيَكُون أَوْعَى لِمَا سَمِعَ اهـ. وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِل هَكَذَا إِذَا نَزَلَتْ آيَة وَعِيد أَوْ تَهْدِيد، وَهَذَا فِيهِ نَظَر. وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالْقُرْآنِ. وفِي حَدِيث يَعْلَى بْن أمَيَّة فِي قِصَّة لَابِس الْجُبَّة الْمُتَضَمِّخ بِالطِّيبِ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ "رَآهُ ﷺ حَال نُزُول الْوَحْي عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَغِطّ"، وَفَائِدَةُ هَذ الشِّدَّة مَا يَتَرَتَّب عَلَى الْمَشَقَّة مِنْ زِيَادَة الزُّلْفى، وَالدَّرَجَات. (١) ٣ - عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القاري، ست عمر بن الخطاب ﵁ يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدويِّ النحل، وذكر تمام الحديث في نزول ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾. (٢) ٤ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه. (٣) ٥ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم فلما أتلي عنه رفع. (٤)

стр. 2137

٦ - وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ! وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ الله ﵎ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. (١) ٧ - وعن يعلى بن أمية قال: قال لي عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه. وهو يغط كما يغط البَكْر. (٢) ٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا؛ فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ". (٣) ٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ قال: "نعم أسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تفيض منه". (٤)

стр. 2138

١٠ - عن الفلتان بن عاصم ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله . (١) ١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع وغلف رأسه بالحناء. (٢) ١٢ - عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقله تدق عضد الناقة. (٣) وبعد سرد هذه الأحاديث التي تبين حال النبي ﷺ عند نزول الوحي والتي ليس فيها ما ادعوه على رسول الله ﷺ من صرع، وغير هذه الأمراض المنفرة، يتبين لنا أن ادعاء الكذب هو سبيل هؤلاء للنيل من شخص رسول الله ﷺ ، وإنما الذي كان يعتري النبي ﷺ بسبب ثقل الوحي، وقد أخبرنا رب العالمين بذلك حيث قال ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، وسيأتي معناها مفصلًا كي يزول اللبس بإذن الملك ﷻ . الوجه الرابع: خصائص الوحي . (٤)

стр. 2139

١ - الوحي حدث مفاجئ: إنه حدث تلقائي فجائي طرأ على حياة من اصطفاه الله للرسالة أو النبوة دون سابق توقع أو تطلع، فهذا محمد ﷺ في عزلته عن العالم فاجأه ملك الوحي في غار حراء، وأخذ يعتصره بقوة حتى أجهده وأضناه، فعل ذلك به ثلاثًا، حتى ارتجف فؤاده، وخاف على نفسه، فانطلق لتوه إلى زوجته خديجة ﵂ مرتاعًا، فلما سكن أخبرها الخبر مستغربًا وجلًا، ثم انطلق معها ليفسر عنه ويتعرف عليه. وبينما كان ﷺ ماشيًا طرق سمعه صوت من السماء فرفع بصره إليه، فشاهد جبريل جالسًا على كرسي بين السماء والأرض، ففزع منه ورجع إلى بيته يتزمل ثانيةً، لكن الوحي لم يدعه يركن إلى التزمل والتدثر، فها هو ذا يستنهضه مرّة إثر أخرى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ , ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾، هذا وغيره من صور الوحي، أفاد أن الرسول لم يستشرف الوحي ولم يتأهب له، بل لقد طرق الوحي حياة الرسول ﷺ طروقًا مباغتًا لم يكن في حسبانه، حتى كان يفاجئه ليلًا ونهارًا في سفر أو حضر راكبًا أو جالسًا. ٢ - الوحي حدث إلزامي: ونستبين ذلك من ناحيتين: أولاهما: الأعراض الجسدية: ولقد ينزل عليه الوحي فتعتريه أعراض إلزامية، كاحمرار الوجه، وتتابع الأنفاس، مع تحول الوعي عما حوله إلى ملك الوحي، وينجلي عنه الوحي في اليوم القارس البرد، وإن كان العرق ليتقاطر غزيرًا من جبينه، وإن جسم رسول الله ﷺ ليثقل من شدة الوحي، حتى تكاد فخذه ترض فخذ زيد دونها، وحتى تثقل ناقته فتبرك على الأرض، وتزخر أذناه بأصوات حادة كصلصلة الجرس، يجد الصحابة لها دويًا كدوى النحل. وواضح لكل ذي لب أن هذه الأعراض إلزامية مفاجئة، فليس في طوق أحد من البشر افتعالها، وأن مسببها - بلا مراء - ذات أخرى تغاير الذات المحمدية، ويزيد القضية جلاءً، أن هذه الأعراض غير الإرادية ما كانت تعتري رسول الله ﷺ قط إلا في الفترة

стр. 2140

الوجيزة التي يتلقى فيها القرآن، فاقتران هذه الأعراض العضوية بهذا الحدث الوحي برهان جلي على براءة ظاهرة (الوحي) من شوائب الذات الإنسانية الصحيحة أو العليلة. ثانيهما: الأحوال النفسية: لقد انتاب الخوف رسول الله ﷺ من ملك الوحي في جولاته الأولى، حتى خشي على نفسه الهلاك، وكان الأمر مبهمًا بالنسبة إليه حتى راح يستفسر عنه، ثم عرض له فأرعبه حتى لاذ منه بالفرار، والتجأ إلى التدثر والتزمل ليسكن فؤاده، ويدفع عن نفسه مشاهدة الملك، ووميض الوحي، فلم يجده ذلك شيئًا، فإذا بلغ الوحي أشده وقرع صليله مسامع الرسول، اتجه وعيه كلية إلى ملك الوحي، حتى يقتضي مقالته، فمحمد ﷺ أراد أن يتملص طواعية من ملك الوحي، لكن سلطان وحي الله لم يترك له مناصًا من الإذعان والتلقي، إن مقاومته تلك تدل على التعارض بين وجهته التي اتخذها بدافع من سجيته الشخصية وبين حتمية النبوة التي طوقت إرادته وهيمنت على ذاته، وفي هذه القرائن دلائل قوية للنظرة الموضوعية في نبوة محمد ﷺ . ٣ - الوحي مستقل عن ذات النبي ﷺ وإرادته . يظهر لك من الخصيصتين السابقتين أن الوحي خارج عن ذات رسول الله ﷺ ، فهو تلقائي فجائي إلزامي، والأعراض الجسدية والأحوال النفسية تفيد استقلاله عن إرادة النبي ﷺ وعجزه عن دفعه عن نفسه، وتفيد القرائن أيضًا عجزه عن استحضاره؛ فإن الوحي قد انقطع بعد أن جاءه الملك في غار حراء أول مرة، فلما عرف النبي ﷺ جلية الأمر أقض مضجعَه فتورُ الوحي، فقد خاف أن يكون حُرم نعمة النبوة، فلما شاهد الملك على كرسي بين السماء والأرض فزع إلى أهله يتدثر ويتزمل، وفي فترة الوحي هذه حكم إلهية جلية منها: ١ - أنه ﷺ لما فَجَأَهُ ملك الوحي أول مرة في الغار هاله لقاؤه، ونفر منه طبعه البشري لمخالفته المألوف الإنساني، ولم يتمكن بالتالي من التأمل في تلك الحال، فجاءت فترة الوحي تعطي رسول الله ﷺ فسحة لإنعام النظر، واطمئنانًا إلى تلقي الوحي وألفةً للملك ﵇،
следующие страницы →