الْمَعْهُود، وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ بَيْن الْقَائِل وَالسَّامِع، وَهِيَ هُنَا إِمَّا بِاتِّصَافِ السَّامِع بِوَصْفِ الْقَائِل بِغَلَبَةِ الرُّوحَانِيَّة وَهُو النَّوْع الْأَوَّل، وَإِمَّا بِاتِّصَافِ الْقَائِل بِوَصْفِ السَّامِع وَهُو الْبَشَرِيَّة وَهُو النَّوْع الثَّانِي، وَالْأَوَّل أَشَدّ بِلَا شَكّ. وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام الْبُلْقِينِيّ: سَبَب ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَام الْعَظِيم لَهُ مُقَدِّمَات تُؤْذِن بِتَعْظِيمِهِ لِلِإهْتِمَامِ بِهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: وَإِنَّمَا كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ لِيَسْتَجْمِع قَلْبه فَيَكُون أَوْعَى لِمَا سَمِعَ اهـ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِل هَكَذَا إِذَا نَزَلَتْ آيَة وَعِيد أَوْ تَهْدِيد، وَهَذَا فِيهِ نَظَر. وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالْقُرْآنِ. وفِي حَدِيث يَعْلَى بْن أمَيَّة فِي قِصَّة لَابِس الْجُبَّة الْمُتَضَمِّخ بِالطِّيبِ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ "رَآهُ ﷺ حَال نُزُول الْوَحْي عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَغِطّ"، وَفَائِدَةُ هَذ الشِّدَّة مَا يَتَرَتَّب عَلَى الْمَشَقَّة مِنْ زِيَادَة الزُّلْفى، وَالدَّرَجَات. (١)
٣ - عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القاري، ست عمر بن الخطاب ﵁ يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدويِّ النحل، وذكر تمام الحديث في نزول ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾. (٢)
٤ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه. (٣)
٥ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم فلما أتلي عنه رفع. (٤)
стр. 2137
٦ - وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ! وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ الله ﵎ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. (١)
٧ - وعن يعلى بن أمية قال: قال لي عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه. وهو يغط كما يغط البَكْر. (٢)
٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا؛ فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ". (٣)
٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ قال: "نعم أسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تفيض منه". (٤)
стр. 2138
١٠ - عن الفلتان بن عاصم ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله . (١)
١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع وغلف رأسه بالحناء. (٢)
١٢ - عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقله تدق عضد الناقة. (٣)
وبعد سرد هذه الأحاديث التي تبين حال النبي ﷺ عند نزول الوحي والتي ليس فيها ما ادعوه على رسول الله ﷺ من صرع، وغير هذه الأمراض المنفرة، يتبين لنا أن ادعاء الكذب هو سبيل هؤلاء للنيل من شخص رسول الله ﷺ ، وإنما الذي كان يعتري النبي ﷺ بسبب ثقل الوحي، وقد أخبرنا رب العالمين بذلك حيث قال ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، وسيأتي معناها مفصلًا كي يزول اللبس بإذن الملك ﷻ .
الوجه الرابع: خصائص الوحي . (٤)
стр. 2139
١ - الوحي حدث مفاجئ:
إنه حدث تلقائي فجائي طرأ على حياة من اصطفاه الله للرسالة أو النبوة دون سابق توقع أو تطلع، فهذا محمد ﷺ في عزلته عن العالم فاجأه ملك الوحي في غار حراء، وأخذ يعتصره بقوة حتى أجهده وأضناه، فعل ذلك به ثلاثًا، حتى ارتجف فؤاده، وخاف على نفسه، فانطلق لتوه إلى زوجته خديجة ﵂ مرتاعًا، فلما سكن أخبرها الخبر مستغربًا وجلًا، ثم انطلق معها ليفسر عنه ويتعرف عليه.
وبينما كان ﷺ ماشيًا طرق سمعه صوت من السماء فرفع بصره إليه، فشاهد جبريل جالسًا على كرسي بين السماء والأرض، ففزع منه ورجع إلى بيته يتزمل ثانيةً، لكن الوحي لم يدعه يركن إلى التزمل والتدثر، فها هو ذا يستنهضه مرّة إثر أخرى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ , ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾، هذا وغيره من صور الوحي، أفاد أن الرسول لم يستشرف الوحي ولم يتأهب له، بل لقد طرق الوحي حياة الرسول ﷺ طروقًا مباغتًا لم يكن في حسبانه، حتى كان يفاجئه ليلًا ونهارًا في سفر أو حضر راكبًا أو جالسًا.
٢ - الوحي حدث إلزامي: ونستبين ذلك من ناحيتين:
أولاهما: الأعراض الجسدية:
ولقد ينزل عليه الوحي فتعتريه أعراض إلزامية، كاحمرار الوجه، وتتابع الأنفاس، مع تحول الوعي عما حوله إلى ملك الوحي، وينجلي عنه الوحي في اليوم القارس البرد، وإن كان العرق ليتقاطر غزيرًا من جبينه، وإن جسم رسول الله ﷺ ليثقل من شدة الوحي، حتى تكاد فخذه ترض فخذ زيد دونها، وحتى تثقل ناقته فتبرك على الأرض، وتزخر أذناه بأصوات حادة كصلصلة الجرس، يجد الصحابة لها دويًا كدوى النحل.
وواضح لكل ذي لب أن هذه الأعراض إلزامية مفاجئة، فليس في طوق أحد من البشر افتعالها، وأن مسببها - بلا مراء - ذات أخرى تغاير الذات المحمدية، ويزيد القضية جلاءً، أن هذه الأعراض غير الإرادية ما كانت تعتري رسول الله ﷺ قط إلا في الفترة
стр. 2140
الوجيزة التي يتلقى فيها القرآن، فاقتران هذه الأعراض العضوية بهذا الحدث الوحي برهان جلي على براءة ظاهرة (الوحي) من شوائب الذات الإنسانية الصحيحة أو العليلة.
ثانيهما: الأحوال النفسية:
لقد انتاب الخوف رسول الله ﷺ من ملك الوحي في جولاته الأولى، حتى خشي على نفسه الهلاك، وكان الأمر مبهمًا بالنسبة إليه حتى راح يستفسر عنه، ثم عرض له فأرعبه حتى لاذ منه بالفرار، والتجأ إلى التدثر والتزمل ليسكن فؤاده، ويدفع عن نفسه مشاهدة الملك، ووميض الوحي، فلم يجده ذلك شيئًا، فإذا بلغ الوحي أشده وقرع صليله مسامع الرسول، اتجه وعيه كلية إلى ملك الوحي، حتى يقتضي مقالته، فمحمد ﷺ أراد أن يتملص طواعية من ملك الوحي، لكن سلطان وحي الله لم يترك له مناصًا من الإذعان والتلقي، إن مقاومته تلك تدل على التعارض بين وجهته التي اتخذها بدافع من سجيته الشخصية وبين حتمية النبوة التي طوقت إرادته وهيمنت على ذاته، وفي هذه القرائن دلائل قوية للنظرة الموضوعية في نبوة محمد ﷺ .
٣ - الوحي مستقل عن ذات النبي ﷺ وإرادته .
يظهر لك من الخصيصتين السابقتين أن الوحي خارج عن ذات رسول الله ﷺ ، فهو تلقائي فجائي إلزامي، والأعراض الجسدية والأحوال النفسية تفيد استقلاله عن إرادة النبي ﷺ وعجزه عن دفعه عن نفسه، وتفيد القرائن أيضًا عجزه عن استحضاره؛ فإن الوحي قد انقطع بعد أن جاءه الملك في غار حراء أول مرة، فلما عرف النبي ﷺ جلية الأمر أقض مضجعَه فتورُ الوحي، فقد خاف أن يكون حُرم نعمة النبوة، فلما شاهد الملك على كرسي بين السماء والأرض فزع إلى أهله يتدثر ويتزمل، وفي فترة الوحي هذه حكم إلهية جلية منها:
١ - أنه ﷺ لما فَجَأَهُ ملك الوحي أول مرة في الغار هاله لقاؤه، ونفر منه طبعه البشري لمخالفته المألوف الإنساني، ولم يتمكن بالتالي من التأمل في تلك الحال، فجاءت فترة الوحي تعطي رسول الله ﷺ فسحة لإنعام النظر، واطمئنانًا إلى تلقي الوحي وألفةً للملك ﵇،
стр. 2141
فيذهب عنه الروع ويحصل له التشوق إلى عودة الوحي، فالله ﵎ يعد الرسول ﷺ ويقويه ويحوطه بعنايته الخاصة، ليتحمل الوحي، لكنه لا يسلخه عن طباعه البشرية.
٢ - أن هذه الفترة قد حملت الرسول ﷺ على التعجب والتساؤل والبحث، وانتشر الخبر بين طائفة يعز عندها محمد بن عبد الله، فخلف انقطاع الوحي يقينًا بأن هذه الظاهرة خارجة عن ذات النبي ﷺ ، فصار مع من حوله متثبتين من إلهية ظاهرة الوحي، وقد استبطأ رسول الله ﷺ جبريل ﵇ فحثه على الإكثار من زيارته، فنزل الجواب آية من القرآن تبين أنه مأمور من الله تعالى، وأن الله لا ينسى رسوله ﷺ ، فعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِجِبْرِيلَ: "مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا" فَنزلَتْ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
ولقد كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه غريزيًا أثناء تلقي الوحي حرصًا على الدقة في استحفاظ القرآن، فأتاه الأمر بالاستسلام الكامل للوحي قلبًا وفكرًا وجارحةً، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وهكذا يجد الباحث أن الوحي ينقطع عن رسول الله ﷺ على الرغم من شدة طلبه وحرارة لهفته إليه، وإنه فجائي إلزامي، يأمره بالتسليم التام، ولهذا دلالة بليغة على أن حدوث الوحي مستقل عن تدخل ذات النبي ﷺ وإرادته، وأنه لا سبيل له إلى دفعه أو استحضاره، وهذا مما يقوي اليقين بصدق صاحبه، والاطمئنان إلى ربانية مصدره.
٤ - حصول الوحي وفق الاصطفاء الإلهي .
اشرأبت أعناق المشركين إلى مقام النبوة بعد أن سمعوا آيات الله الباهرات، ورأوا ما أجراه على يد محمد ﷺ من معجزات قاهرات، وتملك الحسد قلوبهم، كيف تكون النبوة بمحمد ﷺ ، وفيهم من الزعماء من تعظمهم قبائل العرب؟ اندفع أكابر مجرمي مكة يطالبون أن ينزل الله عليهم الوحي كما أنزله على المرسلين فكشفوا عن عنادهم
стр. 2142
واستكبارهم عن الحق المبين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤]، بل بلغ بالقوم الحمق واللجاج بالباطل، أن ابتغى كل منهم حصول الوحي له كما أخبر الله عنهم ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢]، فكبح الله جماح غرورهم ولجاجهم، إذ أشار إلى عظم أمر النبوة، وأنها تكون لصاحب الأهلية واللياقة للتلقي عن الله ، فلا قيمة للاعتبارات الاجتماعية والمالية والسياسية البشرية، وإنما العبرة كل العبرة لنبل الخلق وشرف النفس، وصفاء السريرة، وطيب الطوية، وهذا لا يعلمه علم اليقين إلا الله رب العالمين، فهو يصطفي من يشاء ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ والنبوة رحمة إلهية للناس جميعًا، فلما قضت حكمة الله ظهورها في زمانٍ ما؛ شرف سبحانه بها حسب مشيئته وحكمته من كان أهلًا لها ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]، أما الذين اقترفوا بتجبرهم وتكبرهم جريمة الإعراض عن رسالة الله، ودفعهم الغل والحسد إلى تنفير الناس من رسالة الله، فسلكوا ذلك الأسلوب من المكر والخداع والمراوغة؛ فإنهم لهذه الأوصاف الخسيسة، ليسوا أهلًا للنبوة، ولكنهم جديرون أن يجازوا على تجبرهم، وتطاولهم وتعاليهم بالضد، بالذل والهوان والتحقير ويعاقبوا على مكرهم وكفرهم بالعذاب الأليم ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وتقلب مجرموا مكة بين أنواع الكفر، ومن ذلك زعمهم أن أمر الوحي والنبوة إنما يليق برجل كثير المال، عظيم الجاه من مكة أو الطائف.
٥ - قوة يقين النبي بالوحي:
يجب أن نضيف إلى معارفنا عن الوحي رأي الذات المحمدية نفسها فيه، ولا بد لنا في سبيل ذلك من عودة الذاكرة إلى أوصاف هذه الذات، فإنها أخلاقية رفيعة تنعم بقدر
стр. 2143
عظيم من الفطانة ورجاحة العقل، ذات منزهة عن الصغائر والسفاسف لا ترقى إليها الظنون، وقد سبق الحديث عنها، ثم لننظر عَلَامَ استقر رأي هذه الذات؟ وهل تمت قناعتها اعتباطًا أم باستخدام كامل الطاقة الفكرية؟ .
انطلق فكر محمد ﷺ في دراسة بادرة الوحي إلى غايتها تدريجيًا فرؤى بذلك نزوع عقله الراجح، وإلى رغبته الملحة في الوصول إلى اليقين في هذه الظاهرة، لقد جاءه الملك في غار حراء فجأة يأمره بفعل ما لا يقدر عليه ﴿أَقْرَأ﴾، ثم هو يغطه ويرسله أمر فجائي إلزامي خارج عن ذاته، بعيد كل البعد عن سوانح فكره، راح بحال مضطربة فناجى خديجة ﵂ بالذي جرى، وعبر عن عمق تأثره بقوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسي" أصدر قوله هذا بداهة فجاء إقرارًا عفويًا دالًا على حقيقة أمره، حدث عجيب لم يعرفه ولم تعرفه خديجة! ! أثار في نفسه التساؤل فانطلق معها إلى ورقة، ثم فتر الوحي ويلوح له الملك على كرسي بين السماء والأرض، حدث لم يخطر من قبل بباله، يفزع إلى التدثر والتزمل بعدًا عنه، فيوافيه على الرغم من إرادته، أدى كل ذلك إلى تنشئة يقينه بالوحي، ونموه وتعاظمه، وكانت كل حالة من أحوال الملك شاهدًا جديدًا على حقيقة الوحي، واستقلاله عن ذاته، وشاهدًا على صدوره عن الذات الإلهية العلية. لقد استقر به مطاف التعجب والاستفسار إلى هذه القناعة الذاتية القاطعة، والمعرفة اليقينية، وتتوالى عليها الأيام وأحداث الوحي في تزيدها إلا قوةً ورسوخًا.
٦ - معارف الوحي فوق مطامع الذات الإنسانية وإمكانها. في بيئة الجهالة القاتمة بعث الله محمدًا ﷺ ، فجاء قومَه بعقيدة وأحكام تنافي ما أقاموا عليه من وثنية وتقاليد عفنة نتنة، وقاوم عقائد القوم بحدة وصلابة حتى أزعجهم وأقلقهم، هذا نهج لا ينصرف إليه ذهن متزعم، وإنما يجيء الوحي به إلى النبي ﷺ ويأمره بالتزامه، على الرغم مما يلقى من عنت القوم؛ عرف ورقة بن نوفل هذه الحقيقة قبل وقوعها، فأعلم محمدًا ﷺ بقوله: (إذ يخرجك قومك، فقال: "أوَمخرجِيّ هم؟ " قال: نعم، إذ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا
стр. 2144
عودي. . .)، وها هم أولاء زعماء الشرك قد مشوا إلى أبي طالب فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إنَّ ابْنَ أَخِيك قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا؛ فَإِمّا أَنْ تَكُفّهُ عَنَّا، وَإِمّا أَن تُخلِّي بَيْنَنَا وَبَيْنَه، وإذ لم يكف عن دعوته، عادوا إلى أبي طالب يتذمرون ثانية حتى قالوا: وَإِنّا وَالله لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَاءَنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتَنَا، حَتّى تَكُفّهُ عَنّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ حَتّى يَهْلِكَ أحد الفريقين.
فالوحي يُلْقِي إلى النبي ﷺ عقيدة متميزة ليناهض بها العقيدة الشعبية السائدة الراسخة، ويغير القيم والمفاهيم، ويقلب الأوضاع، وهذا أمر لا تستحسنه الذات الإنسانية، ولا تسعى إليه إن تعلقت بزعامة، أو حرصت على جاه.
وحمي الوحي وتتابع نزوله بالقرآن، فتزاحمت في وعي الرسول الأمين حقائق إلهية، ودينية، وتاريخية، وكونية، واجتماعية، لم يخط منها قبل شيء في لوحة إدراكه وذاكرته، فكانت خارجة عن إطار ذاته، بل عن معلومات عصره أيضًا، وقد اشتمل القرآن على عقيدة الوحدانية الصحيحة ودلائلها، وعلى أركان العقيدة الإسلامية العظيمة، ثم على أحكام الشريعة الغراء، وعلى حقائق من التاريخ ممحصة، تصحح ما ورد في الكتب السماوية الأخرى من زيف وتشويه، وعلى أخبار غيبية مستقبلة صدقتها وقائع الدهر، وعلى وعود أنجزها الله لعباده المسلمين. . . وغير ذلك من أوجه إعجاز القرآن الكريم، وكل ذلك أفكار منتظمة في أسلوب منطقي يسهل استيعابه، وإنّ دراسة هذه الأفكار وصلة بعضها ببعضٍ، ما تقدم في النزول منها وما تأخر؛ لتبرهن على خروجها عن نطاق فعالية الذات المحمدية وعبقريتها، وإن هذه المعلومات والأفكار والأحكام خارجة أيضًا عن حدود الفكر الإنساني عامة في العصر المحمدي؛ بل يستحيل أن ينشئها أي فكر إنساني على كر الدهور ومر العصور، ويكشف ذلك بدون أدنى ريب عن صدورها عن قدرة إلهية خلاقة منظمة.
الوجه الخامس: المراد بالثقل في قوله تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾
قال ابن الجوزي: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وهو القرآن، وفي معنى ثِقَله ستة أقوال:
стр. 2145
أحدها: أنه كان يثقُل عليه إذا أوحي إليه، وهذا قول عائشة قالت: (ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه (يعني يتخلص عنه)، وإِن جبينه ليتفصّد عرقًا.
والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة.
والثالث: أنه يثقل في الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد.
والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد العزيز بن يحيى.
والخامس: أنه ليس بالخفيف ولا السفساف؛ لأنه كلام الرب ، قاله الفراء.
والسادس: أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، وهذا قول وزن: إذا استجدته، ذكره الزجاج. (١)
قال الآلوسي: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ أي سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وهو القرآن العظيم؛ فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين، سيما على الرسول ﷺ ؛ فإنه ﷺ مأمور بتحملها وتحميلها للأمة، وهذه الجملة المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه ﷺ من القيام كأنه قيل: إنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقة، هذا بالنسبة إليها سهل، فلا تبال بهذه المشقة، وتمرن بها لما بعدها.
الوجه السادس: نفي الله عن نبينا محمد ﷺ هذه الأمراض .
أما عن قولهم: إن هذه الأعراض التي كانت تصيب النبي ﷺ فيها دلالة على أنه كان يصاب بالصرع، فقد نفى رب العالمين ذلك كله عن نبيه لما ادعى أعداؤه مثل ذلك، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤].
قال الرازي: واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبون إليه الجنون لوجهين:
الأول: أن فعله ﷺ كان مخالفًا لفعلهم؛ وذلك لأنه ﷺ كان معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة، مشتغلًا بالدعوة إلى الله، فكان العمل مخالفًا لطريقتهم، فاعتقدوا فيه أنه مجنون. (٢)
стр. 2146
قال السعدي: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ محمد ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: أَوَلَمْ يُعْمِلُوا أفكارهم، وينظروا: هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفي عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودلِّه وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. (١)
ولهذا قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب.
لقد كان ﷺ أكمل الرجال عقلًا، وأشدهم فطنة، وأصوبهم قولًا، وأحكمهم فعلًا. وقد تحدى الله المشركين الذين عرفوه وعايشوه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنونًا أو اختلال عقل، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦] ففي قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي جنون، مستأنف منبه لهم على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه؛ والتعبير عنه ﷺ بـ (صاحبهم) للإيماء، أن حاله معروف مشهور بينهم؛ لأنه نشأ بين أظهرهم معروفًا بقوة العقل، ورزانة الحلم، وسداد القول والفعل ﷺ . (٢)
فالآية الكريمة تقول لهم: ها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه، وسننه، وآدابه، وأخلاقه، وشريعته، تحت أنظاركم فانظروا وتفكروا من غير هوى ولا عصبية في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه - ولن تستطيعوا - ما يقيم عوج دعواكم، وإفك أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمدًا ﷺ معصوم بعصمة الله الذي أرسله ليقوض بنيان الكفر والنفاق. (٣)
стр. 2147
الوجه السابع: إجماع الأمة على عصمة وسول الله ﷺ من مثل هذه الأمراض
قَالَ الْقَاضِي: وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة مُجْتَمِعَة عَلَى عِصْمَة النَّبِيّ ﷺ مِنْ الشَّيْطَان فِي جِسْمه وَخَاطِره وَلِسَانه، وسائر الأنبياء قبله من سائر الأمراض المنفرة، فرسول الله ﷺ وكافة الرسل قبله، قد اشتهروا بالتعقل والنباهة والفطنة قبل النبوة وبعدها. (١) وبالجملة: فإن دلائل عصمته ﷺ في عقله وبدنه، يشهد بها كتاب الله والسنة المطهرة، والسيرة العطرة (٢)
الوجه الثامن: أعراض مرض الصرع من الناحية الطبية
الصرع هو: مجموعة من الأمراض المميزة باضطرابات متكررة في الوظائف العصبية للمخ نتيجة اضطراب مستوى الكهربية في المخ، وأسباب الصرع تختلف باختلاف الأعمار وتنقسم إلى:
years infant ٢: ٠
years Child ١٢: ٢
years adolescent ١٨: ١٢
years young adult ٣٥: ١٨
above ٣٥ years old adult, وهذا هو المقصود.
وتتلخص أسباب الصرع في هذا السن فيما يعرف ب cerebrovascular Strock وهى تعرف على أنها فقدان للوعي بصورة جادة نتيجة لانسداد أحد الشرايين المغذية للمخ المتبوعة بشلل أحد الأطراف أو كلها.
وهي في أبسط صورها تنتج عن شلل نصفي، كما أن عدة نوبات من الصرع على مدى ٢٣ عام بدون أي مضاعفات: ككسور أو عض اللسان أو ما شابه شيء لا يصدق كما أن الموت في هذه الحالات بدون علاج يحدث أثناء إحدى النوبات.
إن ثمة فرقًا واضحًا بين صور الوحي الذي كان يتلقاه النبي ﷺ وبين أعراض مرض الصرع الذي زعمه هؤلاء المستشرقون غير المنصفين، فصور الوحي قد وقفتَ عليها من قبل عند الحديث عن كيفياته بما لم أر بك حاجة إلى إعادة الحديث عنها هنا.
стр. 2148
وأما أعراض مرض الصرع، فهو كما جاء في كتاب (الموسوعة العربية الميسرة) أن يرى المريض شبحًا، ويسمع صوتًا، أو يشم رائحة، ويعقب ذلك وقوع المريض صارخًا على الأرض، وفاقدًا وعيه ثم تتملكه رعدة تشنجية، تتصلب فيها العضلات، وقد يتوقف فيها التنفس مؤقتًا، ويعقب النوبة خور في القوى، واستغراق في النوم يصحو منه المريض خالي الذهن من تذكر ما حدث له. (١)
فإذا كان هذا هو الثابت علميًا فهو بخلاف أمر رسول الله ﷺ ، فلا يظهر عليه شيء مما ذكر من أعراض هذا المرض عند نزول الوحي عليه، بل يظل في تمام وعيه، وكامل قوته العقلية، قبل وأثناء وبعد الوحي، كما قال ﷺ ، لما سُئل: كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه علي، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال". (٢)
وقد كان جبريل ﵇ يأتي إلى النبي ﷺ في صورة الرجل فيحادثه أمام جمع من الحضور وهم يشاهدون ذلك، كما ثبت في حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان. . . وكما جاء في حديث ابن عمر من إتيان جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبي ﵁.
لقد عاش النبي ﷺ طيلة حياته في صحة نفسية وعصبية وعقلية دائمة، لم يطرأ عليه أي خلل في عقله أو أعصابه في يوم من الأيام، بل كان ﷺ بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وديعًا صبورًا حليمًا، بل كان عظيم الصبر، واسع الحلم والصدر حتى أنه ﷺ وسع الناس جميعًا ببسطه وخلقه.
وبالجملة: كان كمال عقله وخلقه ﷺ مضرب الأمثال لعصمة الله له، ولكل منصف أن يتساءل: هل يتفق هذا المرض وما هو معروف عن النبي ﷺ من أنه كان أمة وحده، في أخلاقه، وثباته، وحلمه، وسلامة جسمه وقوة بنائه؟ .
стр. 2149
ثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذي أعيا الأطباء، وما انتدب له رسول الله ﷺ من تكوين شموسٍ أبِيّة، وتربيتها على أسمى نواميس الهداية وقوانين الأخلاق، وقواعد النهضة والرقي، مع أنها أمة صحراوية النفوس، صخرية الطباع؟ ! .
أضف إلى ذلك أنه نجح في هذه المحاولة المعجزة، إلى درجة جعلت تلك الأمة، بعد قرن واحد من الزمان، هي أمة الأمم، وصاحبة العلم، وربة السيف والقلم.
فهل المريض المتهوس الذي لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة، ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش؟ .
ثم ما رَأْي هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمي إلى بعض الأديان في أنهم لا ينالون من نبوة وعصمة سيدنا محمد ﷺ وحده؛ وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف، أُوحي بها من عند الله سبحانه.
فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم؟ فما رأيهم فيما جاء في كتب العهد القديم والجديد، من إيحاءات ونبوءات؟ .
وهل يقولون في وحى نبي الله موسى وعيسى ﵉ ما يقولون في وحى نبينا محمد رسول الله ﷺ ؟ .
إن الرسول ﷺ ، ليس بدعًا من الرسل في باب الوحي، إنه أوحي إليه كما أوحي إليهم، وصدق الحق ﵎ حيث يقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
اللهم إن هذا الطعن لا يقول به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرف، وإما رجل مخرب مدمر يريد هدم الأديان. (١)
قلت: فلا نبينا ﷺ ، ولا أحد من إخوانه من الأنبياء أصيب بمثل هذه الأمراض المنفرة، لعصمة ربهم لهم، وإنما المرضى - حقيقة - هم أعداؤهم من كل أمة.
стр. 2150
فالثابت علميًا أن المصروع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلًا تامًا، فلا يدري أثناء نوبته عما يدور حوله، ولا يجيش في نفسه ويغيب عن صوابه، وتعتريه تشنجات تتوقف فيها حركة الشعور عنده، ويصبح المريض بلا إحساس، وأبرز سمة عنده تكون النسيان، ولكن الرسول ﷺ لم يكن يظهر عليه شيء من ذلك، فكان يبقى في تمام وعيه قبل وخلال وبعد حالة الوحي، فكان يفصم عنه وقد وعى كل ما قاله له جبريل ﵇ من آيات بينات وتشريعات محكمات وعظات بليغات وأخلاق عظيمة، وكلام بلغ الغاية القصوى في الفصاحة والبلاغة والإعجاز حتى طأطأ لإعجازه أقدر الناس فصاحة وبلاغة فرادًا أو مجتمعين وفي كل الأزمان.
أسبابه:
أثبتت وسائل الطب الحديث والأجهزة المتقدمة في التشخيص والعلاج أن نوبات الصرع ناتجة عن تغيرات فسولوجية عضوية في المخ، حيث أمكن تسجيل تغيرات كهربائية في المخ أثناء النوبات الصرعية مهما كان مظهرها الخارجي، كما أثبت الطب الحديث أن هناك مظاهر عديدة ومختلفة لنوبات الصرع وذلك تبعًا لمراكز المخ التي تبدأ فيها التغيرات الكهربائية، وتبعًا لطريقة انتشارها وسرعته، وأهم نوبات الصرع، النوبات الصرعية النفسية.
وفي هذه الحالة من نوبات الصرع؛ فإنها تمر بذهن المريض ذكريات قديمة، وأحلام مرئية أو سمعية أو الاثنان معًا، وتسمى (بالهلاوس) وهذه الذكريات يكون قد عاشها المريض نفسه ثم احتفظ بها في مخه في ثناياه، استدعتها للخروج من مكانها الحالة الصرعية التي انتابته، وقد أمكن طبيًا إجراء عملية التنبيه لها بواسطة تيار كهربائي صناعي سُلط على جزء خاص في المخ فشعر المريض بنفس (الهلاوس) التي تنتابه في أثناء نوبة الصرع، وبتطبيق ما قرره الطب الحديث في حقائق الصرع على ما كان يعتري النبي ﷺ ، نجده يردد آيات لم يسمعها من قبل في حياته أخبره بها الله ، ولما كانت هذه الأحاديث والآيات والأحوال لم تمر به ﷺ من قبل، فهي إذا لم تُختزن بالتالي في مخه لتثيرها وتخرجها نوبات صرعية فيتذكرها وينطق بها.
стр. 2151
فيظهر جليًا أن ما كان يعزي رسول الله ﷺ هي حالة نفسية وجسدية لتلقي وحي الله سبحانه، فبالتالي فهناك فرق شاسع بين الحالتين: حالة الصرع التي تنتاب المصروعين، وحالة الوحي التي تعزي أنبياء الله - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا شك أن الطعن في الوحي الذي نزل على محمد ﷺ طعن في كل ما نزل على أنبياء الله من قبل، وهذا لا يكون من مؤمن بالله وأنبيائه، ولا يكون إلا من ملحد لا ديني أحيل بين قلبه وبين الإيمان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١)
يرد فريتهم أن الوحي أثر لمرض الهستريا الذي هو كما بينه الأساتذة (كريكيه)، (الأندوز)، و (شاركو) أنه مرض عصبي عضال، وهو وراثي أكثر إصابته في النساء، ومن أعراضه شذوذ في الخلق، وضيق في التنفس إلى حد الاختناق، ويظهر عليه ضيق في الصدر واضطراب في الهضم، وقد تصحب هذه الأعراض كذلك بحركة واضطراب في اليدين والرجلين إلى حد الشلل في بعض الأعضاء؛ فإذا تابع المرض تقدمه جاء دور التشنج فيسبقه بكاء وعويل، وكرب عظيم وهذيان، ينتهي إلى حد الإغماء، فإذا تجاوز هذه المرحلة فإن المريض يرى أشباحًا تهدده وتسخر منه، وأعداء تحاربه، ويسمع أصواتًا لا وجود لها في الحس والواقع.
وفي هذا الدور يقع المريض بحركة مضطربة، وقفز من مكان لمكان على صورة تلقي الذعر في قلب كل من يراه. (٢)
هذا الوصف لأعراض هذا المرض لم يكن يظهر منه شيء على رسول الله ﷺ الذي كان يتمتع بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء بصحة جيدة، وعقل رصين، ونفس هادئة، وخلق كريم، وحركات متزنة، ويشهد لصحته وقوته صرعه ركانة بن عبد يزيد، الذي كان أقوى عصره (٣)، ويشهد لرجاحة عقله وسلامته فصله في خصومة قريش في شرف
стр. 2152
وضع الحجر الأسود في مكانه (١)، والطب لم يخرج لنا مريضًا واحدًا مصابًا بمثل هذا المرض وقال كلامًا معقولًا وآراء راجحة.
الوجه التاسع: الصرع كان معروفًا عند العرب فما الجاهلية فلماذا لم يتهمه المشركون بمثل هذا ؟ .
فضلًا عن هذا فالصرع كان مرضًا معروفًا لعرب الجاهلية، ولم يكن ليغيب عنهم كون رسول الله ﷺ مصابًا به لو كان حقًا. إذ لو كان مصابًا بمثل هذا لأخذ عليه المشركون مثل هذا، والدليل على هذا رواية المرأة السوداء الشهيرة في الصحيحين عن عَطَاء بْن أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ الله لِي، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ"، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ الله لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ "فَدَعَا لهَا". (٢)
فهذا كله فيه دليل على كون الصرع مرضًا معروفًا للعرب الجاهليين، ولم يكن يخفي عليهم إصابة الرسول ﷺ به لو كان كذلك خاصةً مع وجود العديد من الصحابة ثاقبي النظر المعروفين بالفراسة، ودقة النظر، والذين لم تكن تخفى عليهم أدق الملاحظات كعمر بن الخطاب ﵁ مثلًا.
لو كان النبي ﷺ مصابًا بمرض الصرع، لذكر ذلك أصحابه الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا نقلوها عنه، أو ذكره أعداؤه في ذلك العصر، هؤلاء الذين كانوا يتربصون بالنبي ﷺ الدوائر، ويودون أن يظفروا منه ولو بشيء نذر يسير يعيرونه به.
أليس هم القائلون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ فأقصى ما عابوه فيه - كما ترى - أنه فقير ومثله في نظرهم لا يحق أن يكون نبيًا.
فلو كان ﷺ مريضًا بالصرع كما زعم هؤلاء الحاقدون؛ لوجد أعداؤه في ذلك فرصة سانحة للطعن عليه؛ لكن ما حدث ممن خلصت ضمائرهم بعض الوقت، وكانوا مع أنفسهم صادقين قبل ما يطرأ عليهم من إرهاب فكرى من أمثال الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث الذي نفى في
стр. 2153
إشارة بليغة عن رسول الله ﷺ وما جاء به؛ السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، حيث إنهم يعلمون علم اليقين حقيقة هذه الألفاظ، واعترف النضر بن الحارث بإقرار صناديد قريش، أن رسول الله ﷺ وما جاء به، بعيدان كل البعد عن حقيقة الألفاظ السابقة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا لم يذكر لنا التاريخ أن النبي ﷺ أصيب بهذا النوع من الأمراض المنفرة؛ فليأتنا أعداء الإسلام بما يكذب ذلك؟ ولكن أنّى لهم ذلك! اللهم إلا ما كان من هؤلاء المأفونين من المستشرقين الذين زعموا هذا الزعم بناءً على تصورهم للحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي عليه، وهي حالة واحدة من حالات متعددة كان يأتيه عليها الوحي كما علمت، وبينها وبين ما تصوروه عنها بُعد المشرقين.
يقول المستشرق ماكس مايرهوف (١): أراد بعضهم أن يرى في محمد رجلًا مصابًا بمرض عصبي أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره، ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع والإدارة يناقض هذا القول (٢).
وأتساءل أيضًا: هل الذين آمنوا برسول الله ﷺ منذ خمسة عشر قرنًا، واتبعوا الدين الذي جاء به من قادة الفكر على امتداد العصور، كلهم أغبياء مغرورون لم يميزوا بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والصحة والمرض، والكمال والنقص؟ ! .
الوجه العاشر: حالة الأنبياء عند نزول الوحي كما في الكتاب المقدس .
أولًا: دانيال خاف وخر على وجهه:
وَسَمِعْتُ صَوْتَ إِنْسَانٍ بَيْنَ أُولَاي فَنَادَى وَقَالَ: يَا جِبْرَائِيلُ فَهِّمْ هَذَا الرَّجُلَ الرُّؤْيَا. ١٧ فَجَاءَ إِلَى حَيْثُ وَقَفْتُ. وَلمَّا جَاءَ خِفْتُ وَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ لِي: افْهَمْ (دانيال ٨/ ١٧: ١٦).
ثانيًا: حزن وفزع:
الرد على الشبهات الفرعية المتعلقة بالوحي .
١ - شبهة رقية النبي ﷺ من العين
نص الشبهة:
كان النبي ﷺ يُرْقَى من العين وفي ذلك إثبات أنه كان مصابًا كما رواه ابن إسحاق.
قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبي جعفر قال: كان رسول الله ﷺ تصيبه العين بمكة، فتسرع إليه قبل أن ينزل عليه الوحي، فكانت خديجة بنت خويلد تبعث إلى عجوز بمكة ترقيه، فلما نزل عليه القرآن فأصابه من العين نحو مما كان يصيبه، فقالت له خديجة: يا رسول الله ألا أبعث إلى تلك العجوز فترقيك؟ فقال: "أما الآن فلا". (١)
عن ابن إسحاق قال: كانت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ تحدث أنها أتيت حين حملت بمحمد ﷺ ، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يرود غير رائد فإنه عبد الحميد الماجد حتى أراه قد أتى المشاهد. . . . الحديث. (٢)
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: الحديثان لا يصحان، وعليه فلا يجوز الاحتجاج بهما.
الوجه الثاني: على فرض صحة الحديثين فليس فيهما ما ينافي عصمة النبي ﷺ فكل ما فيهما أنه كان يرقى من العين.
فَعَلَ النبيُّ ﷺ ذلك، وبيَّن أن ذلك سنة الأنبياء.
стр. 2158
ودليلنا في ذلك كما في الحديث عن ابن عباس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحْسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: "إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ" (١).
فها هو إبراهيم ﵇ كان يعيز أولاده بكلمات الله التامة، وليس بهما شيء، وأيضًا فعل النبي ﷺ للحسن والحسين، فذلك من باب الرقية.
٢ - تشبيه الوحي بالجرس
نص الشبهة:
كيف يشبه الوحي بالجرس وهو تشبيه محمود بمذموم كما في حديث عائشة؟ وهو مناقض أيضًا لحديث: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس.
والرد على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل يكفى اشتراكهما في صفة ما.
الوجه الثاني: المقصود هنا بيان الجنس حيث ذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبا لأفهامهم.
فصل ذلك ابن حجر فقال:
فإن قيل: المحمود لا يشبه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي وهو محمود، والمشبه به صوت الجرس وهو مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟ .
والجواب: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، فالمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبا لأفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة وجهة طنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه؛ وعلل بكونه
стр. 2159
مزمار الشيطان، ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور وفيه نظر. قيل: والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي قال الخطابي يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره، ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به دون غيره من الآلات (١).
٣ - شبهة نزول الوحي في ثوب عائشة .
نص الشبهة:
كيف ينزل الوحي على النبي ﷺ وهو في ثوب عائشة، أو في لحافها مخاطبًا أم سلمة ﵂ كما في الحديث: "لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِني وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ".
وفي لفظ: فَإِنَّهُ وَالله مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا" (٢)
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: حرف في بمعنى على . نعلم أولًا أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسنة تفسر بعضها بعضًا، والسنة أيضًا تفسر القرآن كما كان يفعل الرسول ﷺ ، وحرف (في) هو الذي يسبب اللبس عند البعض بسبب ضعفهم اللغوي، فقد قال فرعون عن السحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، ومن الطبيعي ألا يقول عاقل: إن السحرة صلبهم فرعون في داخل النخل، بل (في) هنا تعني على النخل.
الوجه الثاني: كلمة لباس تطلق على الرجل والمرأة .
أطلق القرآن على النساء والرجال لفظ لباس: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولا يعني هذا أن المرأة قميص للرجل أو أن الرجل قميص للمرأة؛ بل إن لفظ (لباس) بمعنى الستر كما تستر الملابس الجسد؛ فإن المرأة تستر زوجها من الزنا والمعاصي، وكذلك الرجل يستر على زوجته ويعفها.
الوجه الثالث: الرواية الأخرى تبين المعنى الصحيح .
стр. 2160
لكي نفهم معنى (في ثوب عائشة) لا بد من البحث عن القصة بكل ملابساتها وظروفها في أحاديث أخرى في النقاش الذي كان بين الرسول ونسائه، وهنا يتضح لنا المقصود والمعنى، فبعض الأحاديث وردت بلفظ لباس، وبعضها بلفظ لحاف، ومن هنا يتضح أن المقصود باللباس هو اللحاف وهو الغطاء أو السترة؛ لأن كل نساء النبي ﷺ لهن سترة، ولكن لم يأت الوحي إلا في بيت عائشة وهذا لفضلها ومن مناقبها ﵂.
الوجه الرابع: بيان فضل عائشة من خلال الحديث .
وعلى هذا نفهم من الحديث أن أم المؤمنين السيدة عائشة هي الوحيدة من زوجات النبي ﷺ التي كان ينزل الوحي عليه وهو نائم بجانبها في الفراش، أو بمعنى آخر في فراشها دون وضع جماع، وفي اللغة العربية من الممكن التعبير بالجزء عن الكل إذا اعتبرنا أن الثياب ملازم للمرء وملامس لجسده، وكذلك الفرش واللحاف لا يستغنى عنه المرء، ودائمًا ما يتردد عليه المرء للنوم، ويكون مهاد ورداء لجسده.
٤ - شبهة موافقة عمر ﵁ لربه .
نص الشبهة: في قول عمر ﵁ (وافقت ربي في ثلاث)، يقولون: إن الوحي ينزل على حسب أهواء الناس، وفي الحديث شبهة أخرى ألا وهي: ادعاؤهم أن عمر ﵁ كان يطلع على عورات نساء النبي ﷺ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الوحي حاشاه أن يوافق أهواء الناس .
من الأسباب في نزول الحجاب ما رواه أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ آيَةِ الْحِجَابِ؛ لمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا الْقَوْمَ فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
стр. 2161
إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فَضُرِبَ الْحِجَابُ وَقَامَ الْقَوْمُ. (١)
وفي رواية عن أنس قال: أَوْلَمَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ الله ﷺ رجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ (٢).
قال ابن حجر: وَمُحَصِّل الْقِصَّة أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَة جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَاسْتَحْيَا النَّبِيّ ﷺ أنْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ، فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ فَتقُومُوا بِقِيَامِهِ، فَلمَّا أَلْهَاهُمْ الْحَدِيث عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ، إِلَّا الثَّلَاثَة الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْل بَالهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْحَدِيث، وَفِي غُضُون ذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُرِيد أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْر مُوَاجَهَتهمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ، فَيُطِيل الْغَيْبَة عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ وَهُمْ فِي شُغْل بَالهمْ، وَكَانَ أَحَدهمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَته فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَوَصَلَ النَّبِيّ ﷺ إلَى مَنْزِله فَرَآهُمَا فَرَجَعَ، فَرَأَيَاهُ لمَّا رَجَعَ، فَحِينَئِذٍ فَطِنَا فَخَرَجَا، فَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ ، وَأُنْزِلَتْ الْآيَة فَأَرْخَى السِّتْر بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَس خَادِمه أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد بِذَلِكَ (٣).
وإنما أوردت هذه الأسباب تبيينًا أن الحجاب لم ينزل موافقًا لرأي عمر وحده، أو أن الوحي يوافق أهواء الناس، بل هناك أسباب أخرى تقتضي مثلًا نزول الحجاب، وهناك أسباب غير ما أشار به عمر فيما وافق فيه ربه، وإنما هذه مجرد كرامات الأولياء يلقيها الله
стр. 2162
على ألسنة أوليائه والملازمين لقرآنه وسنة نبيهم ﷺ جزاءً لهم على ما قدموا للإسلام والمسلمين.
قال في الدليل إلى المتون العلمية: وهي من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه واقتدائهم به، فهذا الطريق نافع على كل تقدير (١). وهذا أولًا.
ثانيًا: أن عمر ﵁ كان ملهمًا مُحدَّثًا، وهذه نعمة من الله ﵎ على عبده الذي دافع عن الإسلام والمسلمين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الأمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ (٢).
ثالثًا: هذا اجتهاد من عمر ﵁ ووافقه الله تعالى بقدره؛ لأنه رأى الصواب وألهمه الله الصواب في ذلك، فليس معنى أن الوحي يوافق كلامه أن الوحي ينزل على هوى الناس، ويؤيد ذلك حديث: (إِنَّ الله جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ)، وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ أَوْ قَالَ (ابْنُ الْخَطَّابِ) فِيهِ - شَكَّ خَارِجَةُ - إِلَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ (٣).
فمن قول ابن عمر أيضًا: (فقالوا فيه. . .) يدل على أن باب الاجتهاد مفتوح، وأنه ليس عمر وحده الذي يجتهد، ولكن تشريفًا لعمر أجرى الله الصواب على لسانه، وما قال عمر كان سينزله الله سواءً قاله عمر أو لم يقله.
رابعًا: أن كلام الله من صفاته تعالى، وهي صفات أزلية، فالله لم يزل ولا يزال متكلمًا، وكلام عمر وفعله حادث لاحق.
стр. 2163
قال الملا علي القاري: قال الطيبي: ما أحسن هذه العبارة وما ألطفها حيث راعى فيها الأدب الحسن ولم يقل وافقني ربي، مع أن الآيات إنما نزلت موافقة لرأيه واجتهاده (١).
الوجه الثاني: المعنى الصحيح للحديث .
عَنْ أَنَسِ ﵁ قال: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَو اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنزلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ؛ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
هذه رواية البخاري، أما رواية مسلم فقال: في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر (٢).
قال ابن حجر: قَوْلُه: (وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث)، أَيْ: وَقَائِع، وَالْمَعْنَى: وَافَقَنِي رَبِّي فَأَنْزَلَ الْقُرْآن عَلَى وَفْق مَا رَأَيْت، لَكِنْ لِرِعَايَةِ الْأَدَب أَسْنَدَ الْمُوَافَقَة إِلَى نَفْسه، أو أشَارَ بِهِ إِلَى حُدُوث رَأْيه وَقِدَم الْحُكْم، وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصه الْعَدَد بِالثَّلَاثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَة عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ المُوَافَقَة فِي أَشْيَاء غَيْر هَذِهِ مِنْ مَشْهُورهَا قِصَّة أسَارَى بَدْر، وَقِصَّة الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهُمَا فِي الصَّحِيح.
وقال ابن رشيد: اجْتَهَدَ عُمَر فِي أَنْ اخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمُصَلَّى إِلَى مَقَام إِبْرَاهِيم الَّذِي هُوَ فِي وَجْه الْكَعْبَة، فَاخْتَارَ إِحْدَى جِهَات الْقِبْلَة بِالِاجْتِهَادِ، وَحَصَلَتْ مُوَافَقَته عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى تَصْوِيب اجْتِهَاد الْمُجْتَهِد إِذَا بَذَلَ وُسْعه وَلَا يَخْفي مَا فِيهِ (٣).
قال النووي ﵀: هَذَا مِنْ أَجَلِّ مَنَاقِب عُمَر وَفَضَائِله، وَلَيْسَ فِي لَفْظه مَا يَنْفِي زِيَادَة الْمُوَافَقَة. وَالله أَعْلَمُ، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة: (وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاثٍ)، وَفَسَّرَهَا بِهَذِهِ الثَّلَاث. وَجَاءَ فِي رِوَايَة أخْرَى فِي الصَّحِيح: (اِجْتَمَعَ نِسَاء رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ فِي الْغَيْرَة. . .)،
стр. 2164
وَجَاءَ فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا مُوَافَقَته فِي مَنْعِ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَنُزُول الْآيَة بِذَلِكَ (١)، وَجَاءَتْ مُوَافَقَته فِي تَحْرِيم الْخَمْر (٢).
قال ابن رجب: وقول عمر: (وافقت ربي في ثلاث)، ليس بصيغة حصر، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع. ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: النهي عن الصلاة على المنافقين (٣). وقوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية.
وقوله للنبي ﷺ لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، إن كنت طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك (٤).
قال عمر: وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] (٥).
وهذا من الموافقة من باب المفاعلة التي تدل على مشاركة اثنين في فعلٍ يُنسب إلى أحدهما متعلقًا بالآخر، والمعنى في الأصل: وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنه راعى الأدب فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب جل وعز، والتخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد (٦).
الوجه الثالث: فضائل عمر بن الخطاب ﵁، وإبطال ما رُمِيَ به من أنه يطلع على عورات زوجات النبي ﷺ -.
عمر بن الخطاب الملهم:
لعمر فضائل جمة ومناقب لا تحصى، تكفيه أن يصل إلى هذه المرتبة وهي أن يوافق كلامه كلام الوحي من الله تعالى بإذن الله ، وليس في هذا اتهام للوحي أنه ينزل موافقًا
وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ أَوْ قَالَ ابْنُ الْخَطَّابِ فِيهِ - شَكَّ خَارِجَةُ - إِلَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ (١). قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون (٢).
وقال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم، وقال النووي: وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء (٣).
عمر بن الخطاب ﵁ وما له في الجنة:
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ. وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لِعُمَرَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ عُمَرُ بِأَبِي وأمي يَا رَسُولَ الله أَعَلَيْكَ أَغَارُ" (٤).
وهذه شهادة من النبي ﷺ بأن عمر في الجنة، وقد قال في حديث العشرة (وعمر في الجنة) (٥).
عمر بن الخطاب ﵁ العالم:
عن عروة أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ شَرِبْتُ يَعْنِي اللَّبَنَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيِّ يَجْرِي فِي ظُفُرِي أوْ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ نَاوَلْتُ عُمَرَ فَقَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يا رسول الله؟ قال: الْعِلْمَ (٦). وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسولَ الله؟ قَالَ: الدِّينَ (٧).
стр. 2167
قَالَ أَهْل الْعِبَارَة: الْقَمِيصُ فِي النَّوْم الدِّين، وَجَرُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاء آثَاره الْجَمِيلَة وَسُنَنه الْحَسَنَة فِي الْمُسْلِمِينَ بَعْد وَفَاته لِيُقْتَدَى بِهِ. وَأَمَّا تَفْسِير اللَّبَن بِالْعِلْمِ فَلِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَثْرَة النَّفْع، وَفِي أَنَّهُمَا سَبَب الصَّلَاح، فَاللَّبَن غِذَاء الْأَطْفَال، وَسَبَب صَلَاحهمْ، وَقُوتٌ لَلْأَبَدَانِ بَعْد ذَلِكَ، وَالْعِلْم سَبَبٌ لِصَلَاحِ الْآخِرَة وَالدُّنْيَا (١).
الشيطان يخاف من عمر ﵁ -:
عن سعد بن أبي وقاص: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ (٢).
فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه (٣).
العزة بعمر ﵁: قال عَبْدُ الله بن مسعود ﵁: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ (٤).
لزومه للنبي ﷺ : يقول ابن عباس ﵁: وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٥).
عمر ﵁ الشهيد:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ.
توفي عنه النبي ﷺ وهو راض عنه: قال ابن عباس وكأنه يجزعه لما طعن: لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ (٦).
فهل يقال في مثل ذلك الرجل: أنه يطلع على عورات زوجات النبي ﷺ ؟ .
стр. 2168
الوجه الرابع: عمر حاشاه أن يطلع على عورات زوجات النبي ﷺ -.
إن في الحديث نفسه ما يدل على غيرة عمر ﵁ على نساء النبي ﷺ ، فكيف يطلع على العورات؟ حيث قال: (يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَو أمرت أمهات الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ الله آيَةَ الْحِجَابِ) (١).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتْ امْرَأةً جَسِيمَةً لَا تَخْفي عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ ، قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ (٢).
قال ابن حجر: وَالْحَاصِل أَنَّ عُمَر ﵁ وَقَعَ فِي قَلْبه نُفْرَة مِنْ اِطِّلَاع الْأَجَانِب عَلَى الْحَرِيم النَّبَوِيّ، حَتَّى صَرَّحَ بقوله لَهُ ﷺ : "احْجُبْ نِسَاءَك"، وَأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب، ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُبْدِينَ أَشْخَاصهنَّ أَصْلًا وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَات، فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَ مِنْهُ، وَأَذِنَ لَهُنَّ فِي الْخرُوج لِحَاجَتِهِنَّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ (٣).
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعُمَر اِبْن الْخَطَّاب ﵁، وَفِيهِ تَنْبِيه أَهْل الْفَضْل وَالْكِبَار عَلَى مَصَالحِهمْ، وَنَصِيحَتهمْ، وَتَكْرَار ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (٤).
стр. 2169
٥ - شبهة: ادعاؤهم انقطاع الوحي بسبب جرو .
نص الشبهة: انقطاع الوحي بسبب جرو فأنزلت الآية ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾
فجوابه من وجوه:
الوجه الأول: بيان ضعف حديث الجرو الذي ذكر أنه سبب في نزول هذه الآية
عن خولة، وكانت خادمة رسول الله ﷺ ، أن جروًا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله ﷺ أيامًا لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيتي؟ جبريل ﵇ يأتيني، قالت خولة: لو هيأتُ البيت وكنستُه، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء ثقيل، فلم أزل حتى أخرجته فإذا هو جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله ﷺ ترعد لحياه، وكان إذا نزل الوحي استقبلته الرعدة فقال: يا خولة دثريني، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. (١)
قال ابن حجر: وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب بل شاذ مردود بما في الصحيح والله أعلم. (٢)
الوجه الثاني: بيان السبب الصحيح للآية
ورد للآية أكثر من سبب نزول صحيح منها:
١ - عن جندب البجلي قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقل ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. (٣)
стр. 2170
٢ - وعنه أيضًا: قالت امرأة يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأك فنزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. (١)
٣ - وعنه أيضًا: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد؛ فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (٢)
الوجه الثالث: بيان أن الوحي تأخر ولم ينقطع مع ذكر سبب تأخره .
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ الله ﷺ جِبْرِيلُ ﵇ في سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ، وَفي يَدِهِ عَصًا فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: "مَا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ"، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَا هُنَا؟ "، فَقَالَتْ: وَالله مَا دَرَيْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ؛ فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَاعَدْتَنِى فَجَلَسْتُ لَكَ فَلَمْ تَأْتِ". فَقَالَ: منعني الْكَلْبُ الذي كَانَ في بَيْتِكَ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. (٣)
قال النووي: قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى. وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب؛ لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطانا كما جاء به الحديث، والملائكة ضد الشياطين، ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة، ولأنها منهي عن اتخاذها؛ فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته، وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها عليه وفي بيته، ودفعها أذى للشيطان.
وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم، وكتابتها. قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع
стр. 2171
والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي. والأظهر أنه عام في كل كلب، وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ﷺ تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر؛ فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل ﵇ من دخول البيت، وعلل بالجرو، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل. والله أعلم (١).
٦ - شبهة امتحان خديجة للوحي:
نص الشبهة:
أن النبي ﷺ كان لا يعرف من يأتيه، واستُدل على ذلك بامتحان خديجة للوحي عن طريق خلع خمارها كما في الحديث، قالت: "قلت: يا رسول الله يا ابن عمي، هل تستطيع إذا جاءك الذي يأتيك أن تخبرني به؟ فقال لي رسول الله ﷺ : نعم يا خديجة، قالت خديجة: فجاءه جبريل ذات يوم وأنا عنده فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة هذا صاحبي الذي يأتيني قد جاء، فقلت له: قم فاجلس على فخدي الأيمن فقام فجلس على فخدي الأيمن، فقلت له: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت له: تحول فاجلس على فخدي الأيسر فجلس، فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت له: فتحول فاجلس في حجري فجلس، فقلت له: هل تراه؟ قال: نعم، قالت خديجة: فتحسرت وطرحت خماري، وقلت له: هل تراه؟ قال: لا، فقلت له: هذا والله ملك كريم لا والله ما هذا شيطان، قالت خديجة: فقلت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي ذلك كما أخبرني به محمد رسول الله، فقال ورقة: حقًا يا خديجة". (٢)
الجواب على ذلك من وجوه
الوجه الأول: الحديث لا يصح . (٣)
стр. 2172
الوجه الثاني: افتراض أن القصة ثابتة:
هذا شيء كانت خديجة ﵂ تصنعه تستثبت به الأمر احتياطًا لدينها وتصديقها، فأما النبي ﷺ فقد كان قد وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه، وما كان من إجابة الشجر لدعائه، وذلك بعدما كذبه قومه وشكاهم إلى جبريل ﵇ فأراد أن يطيب قلبه. (١)
* * *
стр. 2173
١٣ - شبهة: ادعاؤهم أن القرآن من تأليف النبي محمد ﷺ -.
نص الشبهة:
هذا الطعن من أقدم الطعون وقد ذكر في القرآن كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل: ١٠١] أي أنك متقول على الله تعالى.
وكما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣]، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٨]، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ [سبأ: ٤٣].
ولا زال الطاعنون يرددون هذه الشبهة إلى اليوم (١):
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرد الصريح من القرآن على هذه الفرية.
الوجه الثاني: عجز البشر أن يأتوا بمثله دليلٌ أنه من عند الله.
الوجه الثالث: آيات العتاب.
الوجه الرابع: تبرؤ محمد ﷺ من نسبة القرآن إليه ليس ادعاء يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه.
الوجه الخامس: موقف الرسول ﷺ من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها.
الوجه السادس: ما نزل بعد طول انتظار.
стр. 2174
الوجه السابع: حال النبي ﷺ لتثبيت القرآن عند نزوله.
الوجه الثامن: عجز الرسول ﷺ عن الإتيان ببدل له.
الوجه التاسع: نسبة محمد ﷺ القرآن إلى الله لا تكون احتيالًا منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله.
الوجه العاشر: آية المباهلة.
الوجه الحادي عشر: توقف الرسول ﷺ أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان.
الوجه الثاني عشر: الغيبيات التي ذكرت في القرآن.
الوجه الثالث عشر: بقاء القرآن محفوظًا دليلٌ على أنه من عند الله.
الوجه الرابع عشر: أوقات نزول القرآن على النبي ﷺ .
الوجه الخامس عشر: الآيات التي تجرد الرسول ﷺ من نسبتها إليه.
الوجه السادس عشر: الفرق بين كلام الله وبين كلام النبي محمد ﷺ .
وإليك التفصيل (١)
الوجه الأول: الرد الصريح من القرآن على هذه الفرية كقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .
فَصَلَ الله تعالى هذه القضية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ [يونس: ٣٧].
قال ابن كثير: هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحَلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في
стр. 2175
ذاته ولا صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل.
وقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام، بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مرية فيه من الله رب العالمين. (١)
لقد علم الناس أجمعون - علمًا لا يخالطه شك - أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي، ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ ، هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض.
أما بعد؛ فمن أين جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ؟ أَمنْ عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من معلم؟ ومَن هو ذلك المعلم؟
نقرأ في هذا الكتاب أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثَمَّ أمين: ذلكم هو جبريل ﵇، تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ ، فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصًا من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا:
١) الوعي والحفظ. ٢) ثم التبليغ.
٣) ثم البيان والتفسير. ٤) ثم التطبيق والتنفيذ.
أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء إن هو إلا وحيٌ يوحى.