والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي. والأظهر أنه عام في كل كلب، وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ﷺ تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر؛ فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل ﵇ من دخول البيت، وعلل بالجرو، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل. والله أعلم (١).
٦ - شبهة امتحان خديجة للوحي:
نص الشبهة:
أن النبي ﷺ كان لا يعرف من يأتيه، واستُدل على ذلك بامتحان خديجة للوحي عن طريق خلع خمارها كما في الحديث، قالت: "قلت: يا رسول الله يا ابن عمي، هل تستطيع إذا جاءك الذي يأتيك أن تخبرني به؟ فقال لي رسول الله ﷺ : نعم يا خديجة، قالت خديجة: فجاءه جبريل ذات يوم وأنا عنده فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة هذا صاحبي الذي يأتيني قد جاء، فقلت له: قم فاجلس على فخدي الأيمن فقام فجلس على فخدي الأيمن، فقلت له: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت له: تحول فاجلس على فخدي الأيسر فجلس، فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت له: فتحول فاجلس في حجري فجلس، فقلت له: هل تراه؟ قال: نعم، قالت خديجة: فتحسرت وطرحت خماري، وقلت له: هل تراه؟ قال: لا، فقلت له: هذا والله ملك كريم لا والله ما هذا شيطان، قالت خديجة: فقلت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي ذلك كما أخبرني به محمد رسول الله، فقال ورقة: حقًا يا خديجة". (٢)
الجواب على ذلك من وجوه
الوجه الأول: الحديث لا يصح . (٣)
стр. 2172
الوجه الثاني: افتراض أن القصة ثابتة:
هذا شيء كانت خديجة ﵂ تصنعه تستثبت به الأمر احتياطًا لدينها وتصديقها، فأما النبي ﷺ فقد كان قد وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه، وما كان من إجابة الشجر لدعائه، وذلك بعدما كذبه قومه وشكاهم إلى جبريل ﵇ فأراد أن يطيب قلبه. (١)
* * *
стр. 2173
١٣ - شبهة: ادعاؤهم أن القرآن من تأليف النبي محمد ﷺ -.
نص الشبهة:
هذا الطعن من أقدم الطعون وقد ذكر في القرآن كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل: ١٠١] أي أنك متقول على الله تعالى.
وكما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣]، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٨]، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ [سبأ: ٤٣].
ولا زال الطاعنون يرددون هذه الشبهة إلى اليوم (١):
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرد الصريح من القرآن على هذه الفرية.
الوجه الثاني: عجز البشر أن يأتوا بمثله دليلٌ أنه من عند الله.
الوجه الثالث: آيات العتاب.
الوجه الرابع: تبرؤ محمد ﷺ من نسبة القرآن إليه ليس ادعاء يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه.
الوجه الخامس: موقف الرسول ﷺ من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها.
الوجه السادس: ما نزل بعد طول انتظار.
стр. 2174
الوجه السابع: حال النبي ﷺ لتثبيت القرآن عند نزوله.
الوجه الثامن: عجز الرسول ﷺ عن الإتيان ببدل له.
الوجه التاسع: نسبة محمد ﷺ القرآن إلى الله لا تكون احتيالًا منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله.
الوجه العاشر: آية المباهلة.
الوجه الحادي عشر: توقف الرسول ﷺ أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان.
الوجه الثاني عشر: الغيبيات التي ذكرت في القرآن.
الوجه الثالث عشر: بقاء القرآن محفوظًا دليلٌ على أنه من عند الله.
الوجه الرابع عشر: أوقات نزول القرآن على النبي ﷺ .
الوجه الخامس عشر: الآيات التي تجرد الرسول ﷺ من نسبتها إليه.
الوجه السادس عشر: الفرق بين كلام الله وبين كلام النبي محمد ﷺ .
وإليك التفصيل (١)
الوجه الأول: الرد الصريح من القرآن على هذه الفرية كقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .
فَصَلَ الله تعالى هذه القضية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ [يونس: ٣٧].
قال ابن كثير: هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحَلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في
стр. 2175
ذاته ولا صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل.
وقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام، بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مرية فيه من الله رب العالمين. (١)
لقد علم الناس أجمعون - علمًا لا يخالطه شك - أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي، ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ ، هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض.
أما بعد؛ فمن أين جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ؟ أَمنْ عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من معلم؟ ومَن هو ذلك المعلم؟
نقرأ في هذا الكتاب أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثَمَّ أمين: ذلكم هو جبريل ﵇، تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ ، فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصًا من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا:
١) الوعي والحفظ. ٢) ثم التبليغ.
٣) ثم البيان والتفسير. ٤) ثم التطبيق والتنفيذ.
أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء إن هو إلا وحيٌ يوحى.
стр. 2176
هكذا سماه القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني، ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، ﴿وَاتْلُ﴾ [الكهف: ٢٧]، ﴿وَرَتِّلِ﴾ [المزمل: ٤] فانظر كيف عبر بالقرآن بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون الكلام عربيًا، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة.
القرآن إذًا صريح في أنه "لا صنعة فيه لمحمد ﷺ ، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه"، والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد ﷺ (١).
الوجه الثاني: عجز البشر أن يأتوا بمثله دليلٌ أنه من عند الله .
لو كان القرآن من تأليف النبي ﷺ ، لاستطاع العرب أن يأتوا بمثله، مع حرصهم الشديد على معارضته، لكن النبي ﷺ كان يتحداهم دائمًا ويكرره عليهم كثيرًا، ومع هذا لم يطق أحد منهم معارضته.
قال الشوكاني: قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إن كان الأمر كما تزعمون من أن محمدًا افتراه، فأتوا أنتم على جهة الافتراء بسورة مثله في البلاغة، وجودة الصناعة، فأنتم مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن وبلاغة الكلام ﴿وَادْعُوا﴾ بمظاهريكم ومعاونيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دعاءه والاستعانة به، من قبائل العرب، ومن آلهتكم التي تجعلونهم شركاء لله. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَادْعُوا﴾: أي ادعوا
стр. 2177
من سوى الله من خلقه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أن هذا القرآن مفترى.
وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها، وأظهرها للعقول، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية، قال لهم: هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم، ليس عليكم إلا أن تأتوا، وأنتم الجمع الجمّ، بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم، أو من الجنّ، أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي، فأنتم صادقون فيما نسبتموه إليّ وألصقتموه بي. فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف، والتنزّل البالغ، بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب، وتشبثوا بأذيال العناد البارد، والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل، ولهذا قال سبحانه عقب هذا التحدّي البالغ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فأضرب عن الكلام الأوّل، وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن، قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه، وما اشتمل عليه، وهكذا صُنع من تصلب في التقليد، ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يردّه بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه، ويعلم مبناه، كما تراه عيانًا وتعلمه وجدانًا. والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة، والبرهان الواضح، قبل أن يحيط بعلمه، فهو لم يتمسك بشيء في هذا التكذيب، إلا مجرد كونه جاهلًا لما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديًا على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ومسجلًا بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه. (١)
ومن هنا نعلم والتاريخ يشهد أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد كما يقول أولئك الملاحدة؛ لأمكن هؤلاء العرب البارزين في البيان أن يعرفوا أنه كلامه بما أوتوا من ملكة النقد، وما وهبوا من نباهة الحس والذوق ثم لأمكنهم أن يجاروه ولو شوطًا قريبًا إن لم يمكنهم مجاراته شوطًا بعيدًا، لا
стр. 2178
سيما أن القرآن قد اكتفى منهم في معرض التحدي بأن يأتوا بسورة من مثل أقصر سورة أي بمثل ثلاث آيات قصار من بين تلك الآلاف المؤلفة التي اشتمل عليها الكتاب العزيز، وأنت خبير بأن هؤلاء لم تكن لتعييهم تلك المساجلة وهم فرسان ذلك الميدان، وأئمة الفصاحة والبيان لو كان الأمر من صناعة محمد وإنشائه كما يزعم أولئك الخراصون، فما بالك وقد خرست ألسنتهم وخشعت أصوات الأجيال كلها من بعدهم، ومعلوم أن النابغة الفذ في أي عصر من العصور يستطيع أقرانه بيسر وسهولة أن يحاكوه مجتمعين ومنفردين في الشيء القليل على فرض أنهم لا يستطيعون معارضته في الجميع أو الشيء الكثير. (١)
الوجه الثالث: آيات العتاب .
ومعنى هذا أن القرآن سجل في كثير من آياته بعض الوقائع التي اجتهد فيها النبي ﷺ ووُجِّه إليه بسببها عتابًا، نشعر بلطفه تارة وبعنفه أخرى. ولا ريب أن العقل المنصف يحكم جازمًا بأن هذا القرآن كلام الله وحده؛ ولو كان كلام محمد ما سجل على نفسه هذه المواقف وهذا العتاب يتلوهما الناس؛ بل ويتقربون إلى الله بتلاوتهما حتى يوم المآب. (٢)
لا أدل على أن الوحي القرآني خارج عن الذات المحمدية من مخالفة القرآن في عدة مواطن لاجتهاده الشخصي ولطبعه الخاص، ومعاتبته على بعض اجتهاداته:
مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨].
عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: "لمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ الله الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي. . . - الحديث وفيه -: فَلَمَّا أَسَرُوا الأسَارَى قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "مَا تَرَوْنَ فِي
стр. 2179
هَؤُلَاءِ الأسَارَى؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً؛ فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى الله أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ "، قُلْتُ: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عُقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ الله ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ" شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ الله ﷺ ، وَأَنَزَلَ الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ الله الْغَنِيمَةَ لَهُمْ" (١).
وتأمل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرة عجيبة؛ فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بُدئت بالعتاب على هذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها، وتطييب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها. فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول الكلام - لو كان عن النفس مصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره، ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب والندم وبين ابتسامة الرضا والاستحسان؟ كلا، وإنَّ هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين، لكان الثاني منهما إضرابًا عن الأول ماحيًا له، ولرجع آخر الفكر وفقًا لما جرى به العمل.
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله، على ما فيه من تقريعٍ علني بغير حق، وتنغيصٍ لهذه الطعمة - المكسب - التي يراد جعلها حلالًا طيبًا؟ إنَّ الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا البتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت
стр. 2180
سيد يقول لعبده: لقد أسأتَ ولكني عفوت عنك وأذنت لك (١).
الوجه الرابع: تبرؤ محمد ﷺ من نسبة القرآن إليه ليس ادعاءً يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه .
في الحقيقة إن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل، لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم، فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله، وغلت قيمته وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأبواب المستعارة؛ أمَّا أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد (٢).
الوجه الخامس: موقف الرسول ﷺ من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها .
وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها، لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه ﷺ كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثمًا، اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشُبه في دين الله. لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا، أو جاوزه خطأ ونسيانًا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير. هَبْهُ مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل، أليس معذورًا ومأجورًا؟
стр. 2181
على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنها نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية، هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟ .
توفي عبد الله بن أُبَيْ كبير المنافقين، فكفنه النبي ﷺ في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ﵁: أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال ﷺ : إنما خيَّرني ربي فقال:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيدُه على السبعين، وصلَّى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فترك الصلاة عليهم (١).
اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين، وانظر ماذا ترى؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع، وقد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرًا له بين طريقين، فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع، وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها، تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة، ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة، وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين، ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بين سيد ومسود، وعابد ومعبود (٢).
الوجه السادس: ما نزل بعد طول انتظار .
ومعنى هذا أن في القرآن آيات كثيرة تناولت مهمات الأمور، ومع ذلك لم تنزل إلا بعد تلبث وطول انتظار؛ فدلَّ هذا على أن القرآن كلام الله لا كلام محمد؛ لأنه لو كان كلام
стр. 2182
محمد ما كان معنًى لهذا الانتظار، فإن الانتظار في ذاته شاق وتعلقه بمهمات الأمور يجعله أشق خصوصًا على رجل عظيم يتحدى قومه بل تحدى العالم كله. (١)
ولبيان هذا الوجه نمثل بأمثلة:
أولها: تحويل القبلة:
لقد كان النبي ﷺ يتحرق شوقًا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام، ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنًا، على الرغم من تلهف رسوله الكريم إليه إلا بعد قرابة عام ونصف العام (٢).
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. . .) (٣).
ولو كان الوحي من تأليف النبي ﷺ ، لما تأخر كل هذه المدة لشيء يحبه ويشتهيه ويتشوف إليه ويتحرق شوقا له، ولكنه وحي الله ولا ينزل إلا بأمر الله وإذنه.
ثانيها: حادث الإفك:
وهو من أخطر الأحداث وأشنعها، لم ينزل القرآن فيه إلا بعد أن مضى على الحادث قرابة أربعين يومًا على حين أنه يتصل بعِرِض الرسول وعِرِض صديقه الأول أبي بكر، وقام على اتهام أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ورميها بأقذر العار، وهو عار الزنى فلو كان القرآن كلام محمد، ما بخل على نفسه بتلك الآيات التي تنقذ سمعته وسمعة زوجه الحَصَان الطاهرة، ولما انتظر يومًا واحدًا في القضاء على هذه الوشايات الحقيرة الآثمة التي تولى كبرها أعداء الله المنافقون، اقرأ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ
стр. 2183
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ في سورة النور، ثم حدثني بعد قراءتها ألم يكن الواجب على محمد ﷺ أن يعجل الحكم بهذه البراءة لو كان الأمر إليه، خصوصا أنه قد علم الناس وجوب الدفاع عن العرض ولو بالنفس؟ ثم أخبرني ألا ترى فارقا كبيرا بين هذه اللغة الجريئة القاطعة، المنذرة والمبشرة، التي صيغت بها آيات البراءة وبين لغة الرسول الحذرة المتحفظة التي رويت عنه في هذه الحادثة؟ إن كنت في شك فأمامك آيات البراءة وهاك كلمتين مما أثر عنه في هذا الأمر الجلل ورد أنه قال حين طال الانتظار وبلغت القلوب الحناجر: "إني لا أعلم إلا خيرًا" وورد أنه قال قبيل الساعة التي نزلت فيها آيات البراءة: "يا عائشة، أما إنه قد بلغني كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله".
فهل يجوز في عقل عاقل أن يكون صاحب هذا الكلام هو صاحب آيات البراءة؟ دع عنك الأسلوبين ولكن تأمل النفسيتين المتميزتين في الكلامين، تميز السيد من المسود، والعابد من المعبود! . (١)
الوجه السابع: حال النبي ﷺ لتثبيت القرآن عند نزوله .
وبيان ذلك أن النبي ﷺ كان في أول عهده بالوحي يتعجل في تلقفه ويحرك لسانه بالقرآن من قبل أن يفرغ أمين الوحي من إيحائه إليه؛ وذلك للإسراع بحفظه والحرص على استظهاره حتى يُبَلِّغه للناس كما أنزل، وكان ﷺ يجد من ذلك شدة على نفسه فوق الشدة العظمى التي يحسها من نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن جسمه ليثقل بحيث يحس ثقله من بجواره وحتى أن وجهه ليحمر ويسمع له غطيط. روى مسلم أنه ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربد وجهه الشريف؛ فاقتضت رحمة الله بمصطفاه أن يخفف عنه هذا العناء فأنزل عليه في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)
стр. 2184
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وبهذا اطمأن الرسول ثقة بأن الله قد تكفل له بأن يجمع القرآن في صدره، وأن يقرأه على الناس كاملا لا ينقص كلمة ولا حرفا، وأن يبين له معناه فلا تخفى عليه خافية منه كذلك قال الله في سورة الأعلى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، وقال له مرة ثالثة في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
ألا ترى في هذا كله نورًا يهدي إلى أن القرآن كلام الله وحده، ومحال أن يكون كلام محمد وإلا لما احتاج إلى هذا العناء الذي كان يعانيه في نزول القرآن عليه، ولكان الهدوء والسكون والصمت أجدى في إنضاج الفكرة وانتقاء ألفاظها لديه، ولما كان ثمة من داع إلى أن يطمأن على حفظه وتبليغه وبيان معانيه. أضف إلى ذلك أن هذه الحال التي كانت تعروه ﷺ عند الوحي لم تكن من عادته في تحضير كلامه لا قبل النبوة ولا بعدها، ولم تكن من عادة أحد من قومه بل كان ديدنهم جميعًا تحضير الكلام في نفوسهم وكفى. (١)
الوجه الثامن: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له
وذلك أن أعداء الإسلام طلبوا من النبي ﷺ أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو أن يبدله فلم يفعل؛ وما ذاك إلا لأن القرآن ليس كلامه؛ بل هو خارج عن طوقه، آت من فوقه، ولو كان كلامه لاستطاع أن يأتي بغيره، وأن يبدله حين اقترحوا عليه، وحينئذ يكتسب أنصارًا إلى أنصاره ويضم أعوانا إلى أعوانه، ويكون ذلك أروج لدعوته التي يحرص على نجاحها؛ لكنه أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات، وأبدى مخاوفه إن هو أقدم على هذا الذي سألوه، وتنصَّل من نسبة القرآن إليه مع أنه الفخر كل الفخر، وألقمهم حجرًا في أفواههم بتلك الحجة التي أقامها عليهم وهي أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذي جاء به وهو القرآن، اقرأ إن شئت هاتين الآيتين في سورة يونس ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ
стр. 2185
عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٥, ١٦].
والمعنى أن القرآن فوق طاقتي وليس من مقدوري، وما أنا إلا ناقل له أتبع ما يوحى إلي منه، وإني أخاف سطوة صاحب هذا الكتاب إذا أنا تلاعبت بنصوصه أو غيرت فيه، فالقرآن كلامه ولو أراد ألا أكون رسولًا بينه وبينكم ما كانت لي حيلة إلى أن أتلو هذا الكتاب عليكم وتأخذوه عني؛ فقد نشأتُ بينكم، ومكثتُ أكثر من أربعين سنة قبل نزوله وهو عمر طويل، وأنتم لا تعرفون مني هذا الاستعداد الأعلى، ولا تسمعون مني مطلقًا مثل هذا الكلام المعجز، ولم تأخذوا عليَّ قط أني كذبت مرة على عبد من عباد الله، فكيف أكذب على الله بعد هذا العمر الطويل أفلا تعقلون؟ ! ، يا لها كلمة فيها من لذعة التعنيف والتخجيل بمقدار ما فيها من لفت النظر إلى قوة الدليل. (١)
الوجه التاسع: نسبة محمد ﷺ القرآن إلى الله لا تكون احتيالًا منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله (٢).
ولو أننا افترضناه افتراضًا لما عرفنا له تعليلًا معقولًا ولا شبه معقول، اللهم إلا شيئًا واحدًا قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في (نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي) ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم، ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه.
وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه؛ أما أنه فاسد في ذاته، فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه، والكلام المنسوب إلى الله تعالى؛ فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصةٍ من لزوم طاعته شيئًا، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدةٍ فيها شيئًا، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتها في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهلا جعل كل أقواله من
стр. 2186
كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبنيٌّ على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يَعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء، فإنّ من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأنّ ذلك كان أخص شمائله، وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦] (١).
الوجه العاشر: آية المباهلة .
وذلك أن القرآن دعا إلى المباهلة، وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى الله بحرارة واجتهاد فأبى المدعوون وهم النصارى من أهل نجران أن يستجيبوا لها، وخافوها ولاذوا بالفرار منها مع أنها لا تكلفهم شيئًا سوى أن يأتوا بأبنائهم ونسائهم ويأتي الرسول بأبنائه ونسائه ثم يجتمع الجميع في مكان واحد يبتهلون إلى الله، ويضرعون إليه بإخلاص وقوة أن ينزل لعنته وغضبه على من كان كاذبا من الفريقين، قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ونقول: أليس هذا دليلًا ماديًا على أن القرآن كلام القادر على إنزال اللعنة، وإهلاك الكاذب، ثم أليس قبول محمد ﷺ لهذه المباهلة مع امتناع أعدائه دليلًا على أن صدقه في نبوته كان أمرًا معروفًا مقررًا حتى في نفوس مخالفيه من أهل الكتاب. (٢)
الوجه الحادي عشر: توقف الرسول ﷺ أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان .
стр. 2187
لقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل، أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله، حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟ .
أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟ .
وإليك مثال على ذلك: مسلكه في قضية الحديبية:
اقرأ في صحيح البخاري (١) وغيره قضية الحديبية، ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه نفسه، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] فلما أجمعوا زيارة البيت الحرام في ذلك العام وهو العام السادس من الهجرة أخذوا أسلحتهم حذرًا أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع، ولما أشرفوا على حدود الحرم علموا أن قريشًا قد جمعت جموعها على مقربة منهم، فلم يثن ذلك من عزمهم؛ لأنهم كانوا على تمام الأهبة، بل زادهم ذلك استبسالًا وصمموا على المضي إلى البيت، فمن صدهم عنه قاتلوه، وكانت قريش قد نهكتها الحروب، فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه. وإنهم لسائرون عند الحديبية إذ بَرَكت راحلة النبي ﷺ ، وأخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور، فقالوا: خلأت القصواء - أي حرنت الناقة - فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، يعني أن الله الذي اعتقل الفيل ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين، هو الذي اعتقل هذه الناقة ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة. وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين، لا بادئين ولا مكافئين، وزجر الناقة فثارت إلى ناحية أخرى، فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية، وعدل بهم عن متابعة السير امتثالًا لهذه الإشارة الإلهية، التي لا يعلم حكمتها، وأخذ يسعى لدخول مكة من طريق الصلح مع قريش قائلًا: "والذي نفسي
стр. 2188
بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" ولكن قريشًا أبت أن يدخلها في هذا العام لا محاربًا ولا مسالمًا، وأملت عليه شروطًا قاسية بأن يرجع من عامه، وأن يرد كل رجل يجيئه من مكة مسالمًا، وألا ترد هي أحدًا يجيئها من المدينة تاركًا لدينه، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم، وأمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم وبالعودة من حيث جاءوا. فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيئ في نفوس المسلمين، حتى إنهم لما جعلوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضًا ذهولًا وغمًا، وكادت تزيغ قلوب فريق من كبار الصحابة فأخذوا يتساءلون فيما بينهم ويراجعونه هو نفسه قائلين: لِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ وهكذا كاد الجيش يتمرد على إمرة قائده ويفلت حبله من يده. أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشترك في وضعها أو وقف على أسرارها أن يبين لكبار الصحابة، حكمة هذه التصرفات التي فوق العقول، حتى يطفئ نار الفتنة قبل أن يتطاير شررها؟ ولكن انظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري" يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن أنفذ أمر مولاي واثقًا بنصره قريبًا أو بعيدًا، وهكذا ساروا راجعين، وهم لا يدرون تأويل هذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح، فبينت لهم الحكم الباهرة والبشارات الصادقة فإذا الذي ظنوه ضيمًا وإجحافًا في بادئ الرأي كان هو النصر المبين والفتح الأكبر؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ
стр. 2189
اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٧]. (١)
الوجه الثاني عشر: الغيبيات التي ذكرت في القرآن .
إخباره في هذا الكتاب بأمور تحصل بعد موته وعلوم لم تكن في عصره، وقد قيل: يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ويمكن أن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت.
فلنفرض أن النبي ﷺ استطاع أن يخدع كل من كان في زمنه، ألا يخشى أن ينكشف بعد ذلك إذا ازداد الناس علما، فهو يخبر بأمور فلكية وأخرى طبية وأمور جغرافية، ويخبر بأحداث سوف تقع بعد موته، ويتكلم بعلوم لم يعرفها أهل زمانه، كل هذا وهو مطمئن القلب لصدق نفسه، ثم لا يأتي الواقع إلا مطابقا لما قال، ولا يأتي العلم - على تقدمه الكبير - إلا بتأكيد كلامه وتأييد آرائه، أليس في هذا دليل أنه لا يتحدث من قبل نفسه، بل من قبل من يعلم السر والنجوى الذي لا تخفى عليه خافية.
أليس يكفي للحكم ببراءة الإنسان من عمل من الأعمال، أن يقوم من الطبيعة شاهدٌ بعجزه المادي عن إنتاج ذلك العمل؟ .
فلينظر العاقل: هل كان هذا النبي الأمي (أهلًا بمقتضى وسائله العلمية، لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية؟ .
سيقول الجهلاء من الملحدين: نعم. فقد كان له من ذكائه الفطري وبصيرته النافذة ما يؤهله لإدراك الحق والباطل من الآراء، والحسن القبيح من الأخلاق، والخير والشر من الأفعال، حتى لو أن شيئًا في السماء تناله الفراسة، أو تلهمه الفطرة، أو توحي به الفكرة، لتناوله محمد بفطرته السليمة وعقله الكامل وتأملاته الصادقة.
ونحن قد نؤمن بأكثر مما وصفوا من شمائله، ولكننا نسأل: هل كل ما في القرآن مما
стр. 2190
يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور؟ اللهم كلا.
طبيعة المعاني القرآنية ليست كلها مما يدرك بالذكاء وصدق الفراسة فمن ذلك:
أ - أنباء الماضي لا سبيل إليها إلا بالتلقي:
ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة، التي لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالتلقي؛ ماذا يقولون فيما قصه علينا القرآن من أنباء ما قد سبق، وما فصله من تلك الأنباء على وجهه الصحيح كما وقع؟ أيقولون: إن التاريخ يمكن وضعه أيضًا بإعمال الفكر ودقة الفراسة؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون: إن محمدًا قد عاصر تلك الأمم الخالية، وتنقل فيها فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان، أو أنه ورث كتب الأولين وعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين في علم دقائقها؟ إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا ولا ذاك، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه لم يكن من أولئك ولا من هؤلاء ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
لا نقول إن العلم بأسماء بعض الأنبياء والأمم الماضية، وبمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد وثمود وطوفان نوح وأشباه ذلك لم يصل قط إلى الأميين؛ فإن هذه النتف اليسيرة قلما تعزب عن أحد من أهل البدو أو الحضر؛ لأنها مما توارثته الأجيال وسارت به الأمثال، وإنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة والكنوز المدفونة في بطون
стр. 2191
الكتب، فذلك هو العلم النفيس الذي لم تنله يد الأميين، ولم يكن يعرفه إلا القليل من الدارسين، وإنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محررًا في القرآن، حتى الأرقام طبق الأرقام: فترى مثلًا في قصة نوح ﵇ في القرآن أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفي سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنة، وترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، وفي القرآن أنهم ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، وهذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية؛ قاله الزجاج: يعني بتكميل الكسر.
فانظر إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأمي مُعْجِزَةً ... فِي الْجَاهِلِيَّةِ والتَّأدِيبِ فِي اليُتْمِ
نعم إنها لعجيبة حقًا: رجل أمي بين أظهر قوم أميين، يحضر مشاهدهم - في غير الباطل والفجور - ويعيش معيشتهم مشغولًا برزق نفسه وزوجه وأولاده، راعيًا بالأجر، لا صلة له بالعلم والعلماء؛ يقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم يطلع علينا فيما بين عشية وضحاها، فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته، وبما لم يتحدث إلى أحد بحرف واحد منه قبل ذلك، ويبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم في دفاترهم وقماطرهم؟ أفي مثل هذا يقول الجاهلون إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟ أي منطق يسوغ أن يكون هذا الطور الجديد العملي نتيجة طبيعية لتلك الحياة الماضية الأمية؟ إنه لا مناص في قضية العقل من أن يكون لهذا الانتقال الطفري سر آخر يُلتمس خارجًا عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة، وإن ملاحدة الجاهلية وهم أجلاف الأعراب في البادية كانوا في الجملة أصدق تعليلًا لهذه الظاهرة، وأقرب فهمًا لهذا السر من ملاحدة هذا العصر، إذ لم يقولوا كما قال هؤلاء إنه استقى هذه الأخبار من وحي نفسه، بل قالوا: إنه لا بد أن تكون قد أمليت عليه منذ يومئذ علوم جديدة؛ فدرس منها ما لم يكن قد درس، وتعلم ما لم يكن يعلم ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
стр. 2192
اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، ولقد صدقوا؛ فإنه درسها، ولكن على الروح الأمين، واكتتبها، ولكن من صحفٍ مكرمةٍ مرفوعةٍ مطهره، بأيدي سفرةٍ كرامٍ برره ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦].
ذلك شأن ما في القرآن من الأنباء التاريخية، لا جدال في أن سبيلها النقل لا العقل، وأنها تجيء من خارج النفس لا من داخلها.
أما سائر العلوم القرآنية فقد يقال: إنها من نوع ما يدرك بالعقل، فيمكن أن ينالها الذكي بالفراسة والروية. وهذا كلام قد يلوح حقًا في بادئ الرأي، ولكنه لا يلبث أن ينهار أمام الاختبار، ذلك أن العقول البشرية لها في إدراك الأشياء طريق معين تسلكه، وحدٌ محدود تقف عنده ولا تتجاوزه، فكل شيء لم يقع تحت الحس الظاهر أو الباطن مباشرة، ولم يكن مركوزًا في غريزة النفس، إنما يكون إدراك العقول إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول، إما بسرعة كما في الحَدْسِ، وإما ببطء كما في الاستدلال والاستنباط والمقايسة، وكل ما لم تمهد له هذه الوسائل والمقدمات، لا يمكن أن تناله يد العقل بحال، وإنما سبيله الإلهام، أو النقل عما جاءه ذلك الإلهام.
فهل ما في القرآن من المعاني غير التاريخية كانت حاضرة الوسائل والمقدمات في نظر العقل؟ ، ذلك ما سيأتي نبأه بعد حين، ولكننا نعجل لك الآن بمثالين من تلك المعاني نكتفي بذكرهما هنا عن إعادتهما بعد:
أحدهما: قسم العقائد الدينية.
والثاني: قسم النبوءات الغيبية.
ب - الحقائق الدينية الغيبية لا سبيل للعقل إليها:
فأما أمر الدين؛ فإنَّ غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه، بعد معاونة الفطرة السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلهًا قاهرًا دبره، وأنه لم يخلقه باطلًا، بل
стр. 2193
وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة؛ فلا بد أن يعيده كرةً أخرى؛ لينال كل عامل جزاء عمله، إن خيرًا وإن شرًا.
هذا هو كل ما يناله العقل الكامل من أمر الدين، ولكن القرآن لا يقف في جانبه عند هذه المرحلة؛ بل نراه يشرح لنا حدود الإيمان مفصلة، ويصف لنا بدء الخلق ونهايته، ويصف الجنة وأنواع نعيمها، والنار وألوان عذابها، كأنهما رأي عين، حتى إنه ليحصي عدة الأبواب، وعدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب، فعلى أي نظرية عقلية بنيت هذه المعلومات الحسابية، وتلك الأوصاف التحديدية؟ إن ذلك ما لا يوحي به العقل البتة؛ بل هو إما باطل فيكون من وحي الخيال والتخمين، وإما حق فلا ينال إلا بالتعليم والتلقين، لكنه الحق الذي شهدت به الكتب واستيقنه أهلها ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ [ص: ٦٩]، ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ [يونس: ٣٧].
ج - أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية، ولكنها لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق:
وأما النبوءات الغيبية، فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل؟ إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحًا يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة، جاعلًا الشاهد من هذه مقياسًا للغائب من تلك، ثم يصدر فيها حكمًا محاطًا بكل تحفظ وحذر، قائلًا: (ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها، ولم يقع ما ليس في الحسبان). أما أن يبت الحكم بتًا، ويحدده تحديدًا، حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية، ولا تلوح منه أمارة من الأمارات الظنية العادية، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين:
إما رجل مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه صدق أو كذب، وذلك هو دأب جهلاء المتنبئين من العرافين والمنجمين. وإما رجل اتخذ عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، وتلك
стр. 2194
هي سنة الأنبياء والمرسلين، ولا ثالث لهما إلا رجلًا روى أخباره عن واحد منهما.
فأي الرجلين تراه في صاحب هذا القرآن حينما يجيء على لسانه الخبر الجازم بما سيقع بعد عام وما سيقع في أعوام، وما سيكون أبد الدهر، وما لن يكون أبد الدهر؟ ذلك وهو لم يتعاط علم المعرفة والتنجيم، ولا كانت أخلاقه كأخلاقهم تمثل الدعوى والتقحم، ولا كانت أخباره كأخبارهم خليطًا من الصدق والكذب، والصواب والخطأ. بل كان مع براءته من علم الغيب وقعوده عن طلبه وتكلفه، يجيئه عفوًا ما تعجز صروف الدهر وتقلباته في الأحقاب المتطاولة أن تنقض حرفًا واحدًا مما ينبئ به ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١, ٤٢]. (١)
قال الزرقاني: ومعنى هذا أن القرآن قد اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها ولا سبيل لمثله أن يعلمها مما يدل دلالة بينة على أن هذا القرآن المشتمل على تلك الغيوب لا يعقل أن يكون نابعا من نفس محمد ولا غير محمد من الخلق؛ بل هو كلام علام الغيوب وقيوم الوجود الذي يملك زمام العالم وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، من ذلك قصص عن الماضي البعيد المتغلغل في أحشاء القدم، وقصص عن الحاضر الذي لا سبيل لمحمد ﷺ إلى رؤيته ومعرفته فضلًا عن التحدث به، وقصص عن المستقبل الغامض الذي انقطعت دونه الأسباب وقصرت عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء. وسر الإعجاز في ذلك كله أنه وقع كما حدث وما تخلف وجاء على النحو الذي أخبر به في إجمال ما أجمل، وتفصيل ما فصل، وأنه إن أخبر عن غيب الماضي صدقه ما شهد به التاريخ، وإن أخبر عن غيب الحاضر صدقه ما جاء به الأنبياء وما يَجِدُّ في العالم من تجارِب وعلوم، وإن أخبر عن غيب المستقبل صدقه ما تلده الليالي وما تجيء به الأيام. (٢)
الوجه الثالث عشر: بقاء القرآن محفوظًا دليلٌ على أنه من عند الله .
стр. 2195
ولنسرد لك ها هنا بعض النبوءات القرآنية مع بيان شيء من ملابساتها التاريخية؛ لترى هل كانت مقدماتها القريبة أو البعيدة حاضرة فتكون تلك النبوءات من جنس ما توحي به الفراسة والألمعية؟ مثال ذلك:
ما جاء في بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن قد ضمن الله حفظه وصيانته ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤, ٢٥]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، أتعلم متى وأين صدرت هذه البشارات المؤكدة، بل العهود الوثيقة؟ إنها آيات مكية من سور مكية، وأنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية في مكة؟
ثلاث عشرة سنة كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآن، وصد لغيرهم عن الإصغاء له، واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به، ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شِعب من شِعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك، الذي طوله عشرة أعوام، شعاعًا ولو ضئيلًا من الرجاء أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم وإعلان دعوتهم؟ ولو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته، لا في أفق الحوادث، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربوا في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا؟ وهَبْهُ امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك، وهو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح، فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح! وكم من مدينة قامت في التاريخ ثم عَفَت ودرست آثارها! وكم من نبي قتل! وكم من كتابٍ فُقد أو انتُقص أو بُدِّل! وهل
стр. 2196
كان محمد ﷺ ممن تستخفه الآمال فيجري مع الخيال؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبيًا يوحى إليه ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، ولا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظًا لديه ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾ [الإسراء: ٨٦, ٨٧]؛ فلا بد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه، ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها، والذي قدر مبدأها ومنتهاها، وأحاط علمًا بمجراها ومرساها، فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما في الآية الآنفة، لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن. سل التاريخ: كم مرةٍ تنكر الدهر لدول الإسلام، وتسلط الفجار على المسلمين، فأثخنوا فيهم القتل، وأكرهوا أممًا منهم على الكفر، وأحرقوا الكتب، وهدموا المساجد؛ وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كلًا أو بعضًا كما فعل بالكتب قبله؛ لولا أن يد العناية تحرسه، فبقي في وسط هذه المعامع رافعًا راياته وأعلامه، حافظا آياته وأحكامه، بل اسأل صحف الأخبار اليومية كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن، وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر أهلُها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ذلك بأن الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
стр. 2197
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]، والله بالغ أمره ومتم نوره، فظهر، وسيبقى ظاهرًا لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله (١).
الوجه الرابع عشر: أوقات نزول القرآن على النبي ﷺ -.
من الأدلة على أن القرآن ليس من النبي ﷺ : أوقات نزوله؛ فليس للنبي ﷺ اختيار فيما ينزل أو متى ينزل، فقد يأتيه وهو في الفراش مع أهله، أو وهو نائم، أو مع أصحابه، أو وهو سائر، أو على البعير، وقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر بكثرته عليه له، وقد يفتر عنه حتى يشتاق إليه، بل قد يمرض من تأخره عليه.
فقد روي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ الله تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْد (٢).
وعن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ الله ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ الله ﷺ . . . الحديث، وفيه فَقَالَ: "لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ" (٣).
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ. فَقَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ. . ." (٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لجِبْرِيلَ: "أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا، قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الْآيَةَ (٥).
стр. 2198
الوجه الخامس عشر: الآيات التي تجرد الرسول ﷺ من نسبة القرآن إليه .
وذلك أنك تقرأ القرآن فتجد فيه آيات كثيرة تجرد الرسول محمدًا ﷺ من أن يكون له فيها حرف أو كلمة، وتصفه بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وتمتن عليه بأنَّ الله آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان بعيدا عنهما وغير مستعد لهما، ولم يكن عنده رجاء من قبل لأنْ يكون منهل هذا الفيض، ولا مشرق ذلك النور اقرأ قوله سبحانه في سورة النساء: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله في ختام سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾، وقوله في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
بل كان ﷺ يخاف انقطاع هذا المدد الفياض عنه، فإذا فتر الوحي عراه من الحزن على فترته، والتلهف على عودته ما يجعله يمشي في الشعاب والجبال كأنه يتلمسه، لولا أن طمأنه الله عليه. وأكثر من هذا وذاك أنه كان يخاف أن ينزع الله من قلبه ما أنزل عليه وحفظه إياه ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾ [الإسراء: ٨٦، ٨٧].
قل لي - وربك - هل يتصور منصف على وجه الأرض أن القرآن كلام محمد، بعد ما قصصنا عليك من هذه الآيات التي تجرده من إنشائه ووضعه، بل تجرده من رجاء نزوله عليه قبل مبعثه، ومن رجاء بقائه لديه بعد نزوله عليه؟ وهل يصح في الأذهان أن أحدًا يبتكر بعبقريته أمرًا هو مفخرة المفاخر ومعجزة المعجزات ثم يقول للعالم في صراحة: ليس هذا الفخر فخري، وما هو من صنعي، وما كان لديَّ استعداد أن آتي بشيء منه، وأنتم تعرفونني وتعرفون استعدادي من قبل؟
стр. 2199
ألا إن هذا يخالف العقل والمنطق، ويجافي العرف والعادة، وينافي مقررات علم النفس وعلم الاجتماع؛ فإن النفوس البشرية مجبولة على الرغبة في جلائل الأمور ومعاليها، مطبوعة على حب كل ما يخلد ذكرها ويرفع شأنها، لا سيما إذا كان ذلك نابعًا منها وصادرًا عنها، وكان صاحب هذه النفس صدوقًا ما كذب قط، رافعًا عقيرته بزعامة الناس ودعوتهم إلى الحق. وليس شيء أجل شأنًا ولا أخلد ذكرًا من القرآن الكريم، الذي جمع الله به شمل أمة، وأقام به خير ملة، وأسس به أعظم دولة؛ فما كان لمحمد أن يزهد في هذا المجد الخالد، ولا أن يتنصل من نسبته إليه لو كان من وصفه وصنعه، وهو يدعو الخلق إلى الإيمان به وبما جاء به!
وأي وجه لمحمد في أن يتنصل من نسبة القرآن إليه وهو صاحبه؟ إنه إن كان يطلب الوجاهة والعلو والمجد، فليس شيء أوجه له ولا أعلى ولا أمجد من أن يكون هذا القرآن كلامه، وإن كان يطلب هداية الناس؛ فالناس يسرهم أن يأخذوا الهداية مباشرة ممن يُعجِزُ الجن والإنس بكلامه، ويتحدى كل جيل وقبيل ببيانه، ويقهر كل معارض ومكابر ببرهانه. ولو كان القرآن من تأليف محمد ﷺ لأثبت به ألوهيته بدلًا من نبوته؛ لأن هذا القرآن لا يمكن أن يصدر إلا عن إله كما بينا في الوجوه السالفة للإعجاز، وإذن لكانت تلك الألوهية أبلغ في نجاح دعوته، وأَرْجى في ترويج ديانته؛ لأن الناس تبهرهم الألوهية أكثر مما تبهرهم النبوة، ويشرفهم أنهم أتباع إله أكثر من أن يشرفهم أنهم أتباع رسول لم يخرج ولن يخرج يومًا من أرض العبودية، ولم يرتق ولن يرتقي يومًا إلى سماء الربوبية:
العبد عبد وإن تعالى ... والمولى مولى وإن تنزل
ولهذا كان أعداء الرسل كثيرًا ما يعظم عليهم أن يخضعوا لرجل منهم، وكانوا يعجبون أن يُوحى إلى بشر مثلهم، ويقترحون أن يروا الله جهرة أو تنزل لهم الملائكة عيانًا. فلو كان محمد ﷺ صاحب هذا التنزيل، لخرج عن مستوى الخلق جملة، ولظهر في أفق الألوهية، يطل على العالم بعظمة تنقطع دونها الأعناق وتخضع لها الرقاب، وأن يحقق كل ما اقترحه معارضوه من الآيات؛ ولكنه اعترف بعبوديته حينذاك، وتبرأ من حوله وقوته إزاء هذا
стр. 2200
الكتاب وغيره من المعجزات وخوارق العادات. اقرأ في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٤]. (١)
الوجه السادس عشر: الفرق بين كلام الله وبين كلام النبي محمد ﷺ -.
ومما يفيد في هذا المقام ويدفع التلبيس، أن تعرف بُعد ما بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي الشريف. ولا أدلَّ على ذلك من أن بين يدي التاريخ إلى يوم الناس هذا آلافا مؤلفة من كتب السنة، تملأ دور الكتب في الشرق والغرب، وتنادي كل من له إلمام وذوق في البيان العربي: أن هَلُمَّ لتحس بحاستك البيانية، المدى البعيد بين أسلوبي القرآن والحديث، ولتؤمن عن وجدان بأن أسلوب التنزيل أعلى وأجل من أسلوب الأحاديث النبوية، علوا خارقا للعادة، خارجًا عن محيط الطاقة البشرية، وإن بلغ كلام الرسول ﷺ في جودته وروعته وجلالته، ما جعله خير بيان لخير إنسان. غير أن هذه الفوارق - كما قلنا - فوارق فنية لا يدركها إلا الذين أوتوا حظًا عظيمًا من معرفة اللسان العربي والذوق العربي. ولقد نزل القرآن أول ما نزل على أمة العرب وهم مطبوعون على اللغة الفصحى، منقطعون لإحيائها وترقيتها؛ وكانوا يتفاضلون بينهم بالتفوق في علو البيان وفصاحة اللسان، حتى بلغ في تقديسهم لهذا أنهم كانوا يقيمون المعارض العامة للتفاخر والتفاضل بفصيح المنظوم وبليغ المنثور، وحتى إن القبيلة كان يرفعها بيت واحد من الشعر يكون رائعًا في مدحها، ويضعها بيت يكون لاذعًا في ذمها. ولقد كان هؤلاء العرب يعرفون نبي الإسلام ويعرفون مقدرته الكلامية من قبل أن يوحى إليه، فلم يخطر ببال منصف منهم أن يقول: إن هذا القرآن كلام محمد ﷺ ، وذلك لما يرى من المفارقات الواضحة بين لغة القرآن ولغة الرسول ﷺ .
стр. 2201
يضاف إلى هذا أنه لم يعرف في نشأته بينهم بالخطابة ولا بالكتابة ولا بالشعر، ولم يؤثر أنه شاركهم في معارضهم وأسواقهم العامة التي كانوا يقيمونها للتسابق في البيان؛ بل كان مقبلا على شأنه، زاهدًا في الظهور، ميالًا إلى العزلة. وكل ما اشتهر به قبل النبوة أنه كان صادقا لم يجربوا عليه كذبا، أمينًا ما خان أبدًا، ميمون النقيبة عالي الأخلاق علوا ممتازا! فهل يعقل أن رجلًا سلخ عهد شبابه وكهولته على هذا النمط، يجيء في سن الشيخوخة فينافس العالم كله ويتحداه بشيء من لدنه، وهو الذي ما نافس أحدا قبل ذلك ولا تحداه؛ بل كان من خُلُقه الحياء والتواضع وعدم الاستطالة على خلق الله؟ (١)
ثم ليعلم أن القرآن لو كان كلام محمد كالحديث الشريف؛ لكان أسلوبهما واحدًا ضرورة أنهما على هذا الفرض صادران عن شخص واحد، استعداده واحد، ومزاجه واحد، ولكن الواقع غير ذلك، فأسلوب القرآن ضربٌ وحده، تظهر عليه سمات الألوهية التي تجل عن المشابهة والمماثلة، وأسلوب الحديث النبوي ضربٌ آخر لا يجل عن المشابهة والمماثلة؛ بل هو محلق في جو البيان، يعلو أساليب الناس في جملته دون تفصيله، ولا يستطيع بحال أن يصعد إلى سماء إعجاز القرآن. (٢)
* * *
стр. 2202
١٤ - شبهة: اقتباس القرآن من الشعر .
نص الشبهة:
ادعى مَنْ عادى الإسلام أن القرآنَ الكريم اقتبس من شعر امرئ القيس عدة فقرات، وضَمَّنَهَا آياتِه، ولم يحدث هذا في آية أو آيتين، بل في عدة آيات، وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن لما يُدندن حوله المسلمون من بلاغة القرآن وإعجازه مكان؛ بل هو في ذلك معتمد على بلاغة من سبقه من فحول الشعراء وأساطين البلاغة. ومثال ذلك: ما قاله المناوي: "وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل، فقال:
يتمنى المرء في الصيف الشتاء ... حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد ... قتل الإنسان ما أكفره
وقال:
إذا زلزلت الأرض زلزالها ... وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ... ليوم الحساب ترى حالها
وقال بعضهم إن امرئ القيس قال:
دنت الساعة وانشق القمر ... غزال صاد قلبي ونفر
مر يوم العيد بي في زينة ... فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك ... فرعني كهشيم المحتظر
وإذا ما غاب عني ساع ... كانت الساعة أدهى وأمر. (١)
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١, ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾، وقوله تعالى ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلِ
стр. 2203
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.
والرد من وجوه: (١)
الوجه الأول: تحدي القرآن للعرب، وعجز فصحائهم عن الإتيان بمثل القرآن، وإقرارهم بأنه ليس من قبيل الشعر.
الوجه الثاني: موقف القرآن والسنة من الشعر والشعراء.
الوجه الثالث: سيرته ﷺ تشهد على قلة معرفته للشعر، واستحالة تأليفه له.
الوجه الرابع: اتخاذ النبي ﷺ شعراء يردون على أعدائه دليل أنه لم يكن شاعرًا.
الوجه الخامس: إن امرؤ القيس وغيره من الشعراء قد نُحلت عليهم العديد من القصائد فضلًا عن الأبيات.
الوجه السادس: ولأن الأبيات من الشعر المولد؛ فإن صاحبها اقتبس كلماتها من القرآن الكريم.
الوجه السابع: أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يذكرون في كتبهم قضية اقتباس الشعراء من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ .
الوجه الثامن: لو افترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس، فإن ذلك يشهد للقرآن بالفصاحة والبلاغة والبيان.
الوجه التاسع: منافاة أسلوب القرآن لأسلوب الشعر عامة.
стр. 2204
الوجه العاشر: إن فساد معاني الأبيات بما لا يقتضيه واقع العرب وعقيدتها الجاهلية يفضح كذب ادعائها على الشعر الجاهلي كله.
الوجه الحادي عشر: مخالفة الشبهة لمقتضى العقل وانعدام المنهج العلمي في تقريرها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تحدي القرآن للعرب وعجز فصحائهم عن الإتيان بمثل القرآن، وإقرارهم بأنه ليس من قبيل الشعر .
لو كان هناك مطعن في القرآن من حيث لغته ودلالته، أو بيانه وبلاغته، أو ألفاظه ومعانيه، لكان أعداء القرآن من مشركي العرب أتوا به قبل أن يتحداهم القرآن. . . إذ قد اجتمع في كفار قريش أقوى عامِلَين للتشكيك في القرآن الكريم.
العامل الأول: كونهم أهل اللغة، وفصحائها، وفيهم فطاحل الشعراء والخطباء. (١)
العامل الثاني: رغبتهم الجامحة في إطفاء نور الله تعالى، والحرص على جحده وتكذيبه بعد أن عاب آلهتهم، وسفه أديانهم وأحلامهم. بل زاد الأمر عليهم حين تحداهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة أو آية من ممثله، فلم يأتوا بشيء.
قال تعالى - أول ما تحداهم -: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣, ٣٤]، فلما انقطعوا قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا
стр. 2205
بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣, ١٤]، فلما عجزوا هذه المرة أيضًا طاولهم مرة أخرى وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣, ٢٤].
يقول القاضي عياض: فلم يزل يقرعهم النبي ﷺ أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب والإغراء بالافتراء، وقولهم: إن هذا إلا قول البشر، إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر وإفك افتراه، وأساطير الأولين، . . .، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فعلوا ولا قدروا، ومَنْ تعاطَى ذلك من سُخَفَائِهِم كمسيلمة كُشِفَ عَوَارُهُ لِجَمِيْعِهم (١).
ويقول: تحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع، وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى بالتقريع، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم، وهو أبهر آية، وأقمع دلالة، وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء والقتل، وتجرعوا كاسات الصغار والذل، وكانوا من شموخ الأنف، وإباءة الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا، ولا يرضونه إلا اضطرارا، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم والشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم وهم ممن لهم قدرة على الكلام وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام (٢).
ويقول ابن عاشور: الله تعالى تحدى بلغاءهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يتعرض واحد إلى معارضته، اعترافا بالحق وربئا بأنفسهم عن التعريض بالنفس إلى الافتضاح، مع أنهم
стр. 2206
أهل القدرة في أفانين الكلام نظما ونثرا، وترغيبا وزجرا، قد خُصوا من بين الأمم بقوة الذهن، وشدة الحافظة، وفصاحة اللسان، وتبيان المعاني، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني، ولا يجمح بهم عسير من المقامات (١).
وقال مالك بن نبي: لم يذكر التاريخ أن أحدًا قد أجاب على هذا التحدي، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب وإن إعجازه الأدبي قد أفحم فعلا عبقرية ذلك العصر. فكان عجزُهم بعد ذلك أشنعَ وأبشعَ وسَجَّلَ الله عليهم الهزيمة أبد الدهر فلم يفعلوا ولن يفعلوا فافتضح أمرهم.
فكفار قريش الذين عجزوا كانوا أعلم الناس بأشعار العرب وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي ﷺ ، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، والله تعالى ردَّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٦٩, ٧٠]، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم من كونه شاعرا إلا التهويش والتكذيب، ثم لو كان اقتبس في القرآن من ذلك الشعر المنسوب لامرئ القيس، لكان كفار قريش - وهم الحفاظ لشعره - أولَ من يستعين بذلك في رد كلام الله تعالى.
بل ولم يستطيعوا أن يخفوا أو ينكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، كما سيأتي بعد قليل. وإن من أعجب العجب أن يخرج علينا الأعجمي الذي لم يرضع اللسان العربي والذي لا يطيق الإبانة عن نفسه بلسان عربي، فيُخَطِّئُ - ما عجزت عنه العرب قاطبة - أحْكَمَ القَولِ وأبلغَهُ، يخطِّئُ الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بلسان عربي مبين.
стр. 2207
إن هؤلاء الأعاجم الأغتام أخذوا يفتعلون الأسباب لتنقص القرآن وإلحاق المعابة به، أنه لم يكن سابقًا في بلاغته؛ بل اعتمد على بلاغة مَن سبقه من الشعراء والفصحاء كامرئ القيس وغيره، وأرادوا بذلك نفي أنه كلام الله وأنه صنع بشري يستعين بمَن سبق. (١)
قال السيوطي: لما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه؛ على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه؛ بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، . . .، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم، واستباحة أموالهم وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم (٢).
وقال أيضًا: قال الجاحظ: بعث الله محمدا أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم
стр. 2208
ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى عَلَى مَنْ هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة؟ وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه (١).
بل حدث منهم نقيض ذلك، فكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، فالوليد بن المغيرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكريم ليس من جنس شعر العرب، فضلًا عن أن يكون مقتبسًا منه.
وكما روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس: أن الوليدَ بنَ المغيرة جَاءَ إلى رسول الله ﷺ فَقَرأَ عليه القرآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جهل فأتاه فقال: "يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برَجَزه ولا
стр. 2209
بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ (١).
وروى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ ومسلم عن عبد الله بن الصامت واللفظ لمسلم: أن أنيسًا أخا أبي ذرٍّ، قال لأبي ذرٍّ: لقيت رجلًا بمكة على دينك. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أَقْرَاءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وفي رواية البخاري: فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاما ما هو بالشعر (٢).
وروى مسلم أن ضماد بن ثعلبة الأزدي قال لرسول الله ﷺ : لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر (٣).
стр. 2210
وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي ﷺ على أن يترك دعوته، ويعرض عليه المال والملك والسلطان، فقرأ عليه ﷺ شيئًا من القرآن، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه، ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تُصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم (١).
بل إن العرب عجزت والتزمت الصمت وما انبست لها شفة، ولا قالوا مثلا: قد كان يمكن لفصحائنا القدماء أن يأتوا بمثل هذا القرآن إنما علموا أن ذلك ليس من قبيل الكلام المعروف.
يقول الجاحظ: وهو يذكر إعجازَ القرآن: ولو أن رجلًا قرأ على رجلٍ منْ خُطبائِهم وبلغائِهم سورةً قصيرةً أو طويلةً؛ لتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها منْ لفظِها وطابَعِها أنه عاجزٌ عن مثلِها، ولو تَحدَّى بها أَبْلَغَ العربِ لأظهرَ عجزَه عنها. (٢)
ويقول عبد القاهر الجرجاني: المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تَتبَدَّل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم كيف، وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أنَّ بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يَبْأَى بنفسه (٣)، ويُدِلُّ بشعرٍ يقوله، أو