← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الدعاء له ولا يقال في حضوره إلا خيرًا: عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". (١) نعي الجنائز: يجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية. (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه". (٣) إغماض العين والدعاء له: عن أم سلمة قالت: "دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه" (٤) تغطيته بثوب يستر جميع بدنه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف "أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجِّي ببردٍ حَبِرة" (٥). (سُجِّيَ) أي غطي جميع بدنه. (الحِبَرة) هي ضرب من برود اليمن، وفيه استحباب تسجية الميت، وهو مجمع عليه، وحكمته: صيانه من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين. (٦) وهذا في غير من مات محرمًا فأما المحرم فإنه لا يغطى رأسه ووجهه. (٧) عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا وقصه بعيره، ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم فقال

стр. 247

النبي ﷺ "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا". (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة" (٢) (٣). غسله، وتكفينه: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "للرجل الذي وقصته ناقته اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين". (٤) حرمة جسد الميت: قال النبي ﷺ : "إن كسر عظم المؤمن ميتا، مثل كسره حيًّا" (٥). قال الألباني: والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن ولهذا جاء في كتب الحنابلة (ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته وإحراقه ولو أوصى به) (٦). إن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات فإن كان طاهرًا لم ينزع وإن كان نجسًا وأمكن إزالته من غير مثلة أزيل لأنه نجاسة مقدوره على إزالتها من غير ضرر وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع، وإن كان في حكم الباطن كالحي، وإن كان عليه جبيرة يفضى نزعها إلى مثله مسح عليها كحال الحياة وإلا نزعها وغسل ما تحتها. (٧) الصبر والرضا بالقدر: قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ

стр. 248

﴿الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (البقرة) وعن أنس بن مالك، ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ؛ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. (١) الاسترجاع: عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله، إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها "، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . (٢) عدم النياحة عليه: عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". (٣) عن ابن عمر عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه". (٤) أن لا يلطم خد ولا يشق جيب: عن عبد النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". (٥) عدم حلق الشعر عند المصيبة: حدث أبو بردة بن أبي موسى ﵁ قال: "وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما

стр. 249

أفاق، قال: أنا بريء ممن برىء منه رسول الله ﷺ إن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" (١). الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء. (٢) أن لا يُنشر شعرًا: حدث أسيد بن أبي أسيد، عن امرأة من المبايعات، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا تخمش وجها، ولا ندعوا ويلا، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا" (٣) (أن لا تخمش) أي لا تخدش، (ولا ندعو ويلًا) والويل أن يقول عند المصيبة وا ويلاه، (ولا نشق جيبًا) الجيب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وهو الطوق في لغة العامة، (ولا ننشر شعرا) يقال نشر الراعي غنمه أي بثها بعد أن آواها. (٤) المبادرة بقضاء دينه من ماله: عن جابر ﵁ قال: "توفي رجل فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: نصلي عليه فخطا خطى، ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة، الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : أحق الغريم، وبرئ منهما الميت، قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن بردت عليه جلده، فقال معاوية بن عمرو في هذا الحديث: فغسلناه وقال: فقلنا نصلي عليه". (٥) البكاء عليه ثلاثة أيام فقط: عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". (٦)

стр. 250

دفنه في البلد الذي مات فيه ولا ينقل إلى بلد آخر: عن جابر ﵁ قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ "يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم". (١) وعن منصور بن صفية عن أمه، قالت: مات أخ لعائشة ﵂ بوادي الحبشة فحمل من مكانه فأتيناها نعزيها، فقالت: ما أجد في نفسي، أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه دفن في مكانه". (٢) وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون، وقيل مكروه. (٣) حمل الجنازة واتباعها: ويجب حمل الجنائز، واتباعها وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين. (٤) قال رسول الله ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس: (ذكر منها) واتباع الجنائز". (٥) الصلاة على الميت: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه". (٦) دفن الميت: ويجب دفن الميت ولو كان كافرًا. (٧) عن علي ﵁ قال: لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت له إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: "اذهب فواره أنت إنه

стр. 251

مات مشركًا، قال: اذهب فواره ولا تحدث شيئًا حتى تأتيني، ثم أتيته فقلت قد واريته فأمرني فاغتسلت". (١) قضاء الصوم عن الميت: عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". (٢) ١٤ - حق الأخوة: الأخ لغة: الأخ للواحد والاثنان أخوان والجميع إخوان وإخوة، "الأخوة" في النسب. ويقال للأصدقاء وغير الأصدقاء. إخوة وإخوان، قال الله- : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولم يعني النسب"، وقال: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وهذا في النسب. (٣) حقيقة الأخوة: قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل إخوة الدين أثبت من إخوة النسب، فإن إخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٤). وفي رواية "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم

стр. 252

على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (١) وقال الله : ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: صرتم بنعمة الإسلام إخوانا في الدين، والإخوان جمع أخ، وسمي أخا لأنه يتوخى مذهب أخيه، أي يقصده. (٢) وقيل: فأصبحتم بتأليف الله بينكم بالإسلام وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا متصادقين لا ضغائن بينكم، ولا تحاسد. (٣) الحب في الله والبغض في الله: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". (٤) قوله: (وأن يحب المرء) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء. (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ذكر منهم" ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه". (٦) قوله "تحابا" بتشديد الباء وأصله أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهار فقط، وقوله: "اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه" والمراد أنهما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت". (٧) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون

стр. 253

بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي". (١) مسامحتهم ولو كانوا قد بالغوا في الإساءة وقبول عذرهم إذا اعتذروا: قال الله : ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠] قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل من الجب استعمالا للكرم، لئلا يذكر إخوته صنيعهم بعد عفوه عنهم قوله: "لا تثريب عليكم" لأن ذكر الجفا في وقت الصفا جفا، وهو قول صحيح دل عليه الكتاب. (٢) تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره وحرمة دمه وعرضه وماله: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". (٣) تحريم الظن والتحاسد والتباغض والتدابر: عن أنس بن مالك ﵁ أنا رسول الله ﷺ قال: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (٤) وقال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا

стр. 254

تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا". (١) تحريم الظلم: عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا". (٢) وعن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه". (٣) نصر الأخ ظالما أو مظلومًا: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله ﷺ : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يده". (٤) وعن البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع ذكر منها "ونصر المظلوم". (٥). التراحم والتعاطف والتعاضد: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". (٦) وعن النعمان بن بشير قال، قال رسول الله ﷺ : "المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله". (٧) تحريم غيبته: قال الله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما

стр. 255

الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". (١) الإشارة بالسلاح الى أي مسلم: عن ابن سيرين سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه". (٢) وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار". (٣) الاحترم والتقدير: قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. الإعانة على قضاء حوائج الدنيا على قدر الاستطاعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". (٤) التناصح والتراحم: عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". (٥) وقال الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. الستر والتغافر: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله

стр. 256

عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته". (١) ١٥ - حق الجنين: الجنين هو: الولد ما دام في بطن أمه لاستتاره فيه وجمعه أجنه وأجنن بإظهار التضعيف فسمي جنينا لاستتاره فأجنته المرأة جنينا أي حملته. وجمع الجنين: أجنه وأجنن وقد جن الجنين في الرحم يجن جنا وأجنته الحامل سترته ومنه الجنون لاستتار عقله والجان لاستتاره عن أنظار الناس (٢). ١ - : حق الجنين في أبوين صالحين: بين القرآن الكريم، وكذا سنة رسوله الأمين ﷺ في ضرورة الاهتمام والتدقيق عند اختيار الزوج وكذا الزوجة، وبين الله تعالى أن الأسرة الصالحة تنشأ بين أبوين صالحين يتقيان الله تعالى بإقامة أوامره والانتهاء عن نواهيه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (الكهف: ٨٢)، فجعل العلة صلاح الأب الذي هو عليه الكسب غالبًا، فعليه أن يطعم زوجته التي تحمل ولده حلالًا طيبًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠]. فالخبيث الحرام، والطيب الحلال، والخبيث إن كثر لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، والطيب وإن قل نافع مفيد جميل العاقبة. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال رسول الله ﷺ : "إِذَا أتاكم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينه وَخُلُقَهُ فَأنكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تكُنْ فِتْنةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالوا يَا رَسُولَ الله وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَال إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينه وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ ... " (٣). فقد جعل لقبول الرجل زوجًا للمرأة شرطين (الدين والخلق)، والدين يشمل إقامة

стр. 257

الصلاة والصوم وأداء الزكاة للقادر، والحج للمستطيع، ويدخل فيه جميع أنواع العبادات التي هي إمارات على قوة وحسن دين فاعلها، كالذهاب لصلاة الجماعة والالتزام بالهدي النبوي الشريف، والأخلاق تجمع كل خصال الخير من بر الوالدين والإحسان للجار، وحسن أسلوب الكلام وأداء الأمانة، وحفظ العهد والصدق والعفة والصبر والحكمة. ٢ - وضع الصوم عن أمه: قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا (١). ٣ - وضع إقامة الحد عن أمه حال حمله وإرضاعه للحفاظ على حياته: جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: آنت؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكلفها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: وضعت الغامدية، فقال: "إذا لا نرجمها، ولا ندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، فرجمها" (٢). ٤ - تحريم قتل الجنين وجعل دية لقتله: عن أبي هريرة ﵁ أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى فيه النبي ﷺ بغرة عبد أو أمة" (٣). ٥ - يصلي عليه الجنازة: قال ﷺ -: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه (٤).

стр. 258

فيصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق (١). ٦ - حق الجنين في الاستقرار النفسي لأمة: قال تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]، تصف الآية الكريمة حالة الأم أثناء حملها مما يصيبها من أثر هذا الحمل من آثار تظهر على وجهها وصحتها وسائر أحوالها، فيصيبها ضعف في البدن نتيجة هذا الحمل، مع كونها لا تترك عمل بيتها وخدمة زوجها، فكان حقًّا لهذه الأم من وافر البر والرعاية خاصةً من زوجها، ولهذا يقول الرسول ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (٢). وهذه الخيرية تعم الزوجة والأولاد والأقارب، ويقول الرسول ﷺ : "خيركم خيركم للنساء" (٣). فتبين اختصاص الزوجة بخيرية خاصة تعم جميع أحوالها منذ بدء الزواج إلى ما شاء الله تعالى، وفي هدي رسول الله ﷺ خير بيان، حيث كان يلاطفهن قولًا وفعلًا، فيدخل نساء الأنصار للعب مع عائشة ويتتبع مكان شرابها إذا شربت، وكان يسابقها في السفر، وكان يريها وهي متكئة على فكيه لعب الحبشة في المسجد (٤). ولهذا كان للحامل مزيد عناية واهتمام من زوجها، الاهتمام النفسي بحسن العبارة وجمال الأسلوب، والاهتمام بطعامها وغذائها بما ينبه عليه الأطباء. وفي حديث رسول الله ﷺ : "وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك" (٥)، دليل على وجوب الإنفاق على الأهل مع الثواب، وذلك بالاحتساب لوجه الله تعالى، وصدق نيته، ودفع مظنة عدم الأجر على الواجب (٦).

стр. 259

٧ - إخراج الزكاة عن الجنين: ذهب كثير من أهل العلم إلى استحسان إخراج الزكاة عن الجنين، فقد كان عُثْمَانَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ، وَلأَنَهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ (١). ٨ - حق الجنين في الدية: قال الخرقي: وَدِيَةُ الجنِينِ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ مَيِّتًا، وَكَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، غُرَّةٌ عَبْدٌ أَو أَمَةٌ (٢). وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ "قَضَى فِي امْرَأَتيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلتا؛ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ؛ فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ؛ فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَو أَمَةٌ، فَقَال وَلِيُّ المرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ الله مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّما هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ" (٣). وفيه من الفوائد: وجوب الدية في الجنين (٤). وأطلق على الآدمي غرة لأنه أشرف الكائنات، فإن محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء (٥). والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدمي في حديث الوضوء، وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدميًّا كان أو غيره، ذكرًا كان أو أنثى، ويقصد بها هنا: تحرير عبد أو أمة، كفارةً لإسقاطه، ومن هذا يؤخذ منزلة حق الجنين عند من كان كل شيء عنده بمقدار. ٩ - حق الجنين في الميراث: وهذا مثال آخر لحفاظ الإسلام على حق الجنين، وهنا نرى حفظ حقه في الميراث، فيحفظ حقه في التركة على فرض كونه ذكرًا ثم على فرض كونه أنثى، ثم بعد وضع الأم جنينها بأخذ حقه من الميراث إذا كان ذكرًا، وكذلك إذا كانتا أنثيين، وفي حالة كونه أنثى ترد على الوراثة نصف ما كان قد اقتطع له، وفي حالة كون الحمل ذكرين، استرد حقه من

стр. 260

أنصبة ما أخذ باقي الورثة، ولهذا حرصت الشريعة على حفظ حق الجنين باعتبار أحسن الحالين، وفي حق من معه من الورثة أسوؤهما حتى لا ينفرط حقه ويتعثر. وقال العلماء في الرجل يتوفى ووارثه حمل في البطن: يوقف له الميراث فيرث له حالة خروجه حيًّا، وإن خرج ميتًا لا يرث، بل هو لباقي الورثة الأول، وفي حالة خروجه حيًّا ثم مات يورث منه سواء استهل أم لم يستهل بعد أن وجد فيه أمارات الحياة من عطاس أو تنفس أو حركة دالة على الحياة سوى اختلاج الخارج من الضيق، وهذا قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي (١). وذهب آخرون إلى أنه لا يورث منه ما لم يستهل وهو قول محمد بن سيرين وغيره، وبه قال الزهري ومالك، قال الزهري: أرى العطاس استهلالًا، واحتجوا بما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا استهل المولود ورث) (٢). والاستهلال هو رفع الصوت، والمراد عند الآخرين وجود أمارة الحياة، وعبر عنها بالاستهلال، لأنه يستهل حالة الانفصال في الأغلب، وبه تعرف حياته، وانظر كلام الفقهاء في هذه المسألة، لأن المقصود هنا هو الإشارة فقط. ١٠ - حق الجنين في الحفاظ على حياته: جاء دين الله تعالى وعموم البشرية في ظلمات فكرية وخلقية، فكان لزامًا أن يصحح دين الله تعالى ويصلح ما خربه الجاهليون، لفهمهم الضال عن الذرية وسلوكهم المشين تجاه أولادهم من قتل ووأد وحز شديد لإنجاب البنات، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠]. قال ابن كثير: يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفعال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كما

стр. 261

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (١). ويقول جل شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وتشير الآيات الكريمات إلى نظامهم الفاسد الباطل من وأد البنات، هذه الصفة السيئة التي اشتهرت غالبًا في قبيلتي ربيعة ومضر، وهما جمهرة العرب، وليس كلّ الآباء من هاتين القبيلتين يفعله (٢). قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (التكوير: ٨، ٩)، فجعل الله هذه الخصلة السيئة إحدى حوادث وأهوال يوم القيامة، والوأد: دفن الطفلة، وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة؛ فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته (٣). فحرم الإسلام هذا الفعل الخبيث، وصحح المعتقدات حفاظًا على حياة المرأة والبنت. ١٦ - حق الجسد: إن الإسلام في حاجة إلى كيان سليم قوي، وإن رسالته هي رسالة القوة في الحق، والقوة في البناء، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، قال ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وفي الحديث الصحيح "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" (٤)، ولهذا اهتم الإسلام بحقوق البدن فحث على ما ينفعه ونهى عما يضره عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "قم ونم، وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا وإن لزوجك عليك حقًّا" (٥). (٦)

стр. 262

ونبين حرص الإسلام على هذا الحق من خلال النقاط الآتية: ١ - الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة: فلقد أوجب الإسلام الاستنجاء لكل خارج من السبيلين (القُبل والدُبر) إلا من الريح. فعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء. (١) وإذا استنجى المسلم فإنه لا يستنجى بيمينه، لحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء". (٢) وعن سلمان ﵁ قال: قال لي رجل: إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة قال: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار". (٣) ومن آداب الاستنجاء أيضًا أن ينظف يده بعد الاستنجاء إما أن يغسلها بالصابون أو أن يدلكها بالأرض إن لم يجد فعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض". (٤) وهذا الأمر فيه كثير من الفوائد الصحية والوقائية. (٥) ٢ - السواك: لقد عني الإسلام عناية كبيرة بالسواك وجاء الحض على استعماله في أحاديث كثيرة منها: عن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٦). ولقد أثبتت الأبحاث العلمية في جامعة رستوك بألمانيا الشرقية أن بعض المواد المضادة للميكروبات، وخاصة التي تحتمي في المواد الدهنية، موجودة في السواك وقد أثبت الطب

стр. 263

الحديث أن السواك يحتوي على مادة قاتلة للميكروبات تفوق البنسلين في مفعولها. (١) ٣ - الوضوء: والأحاديث في فضله كثيرة ومتنوعة فمنها ما ورد في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطُّهُور شطر الإيمان .. " (٢)، والوضوء إلى جانب تطهيره للذنوب والسيئات فهو أيضًا يقي الإنسان المسلم المتوضئ من الأمراض (فالوضوء بالماء الجاري على بساطته خمس مرات في اليوم كفيل بتطهير الجسم، وإزالة ما علق به من ميكروبات، وقد أثبتت التقارير الطبية لمنظمة الصحة العالمية في بنجلاديش عام ١٩٧٤ م أن الاغتسال بالماء الجاري في حالات الوباء يزيل ٩٠% من الميكروبات العالقة بالجسم). (٣) ٤ - النظافة العامة في الثوب والبدن والمكان: إن الدين الإسلامي يحض المسلم على النظافة العامة في كل أمور حياته فمنها نظافة الشعر فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلًا شعثًا قد تفرق شعره فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ " ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخه فقال: "أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه" (٤)، وكذلك يأمر النبي ﷺ بجانب ما تقدم بقص الشارب، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط ... ، فيقول ﷺ "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء "قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (٥)، ففي قص الأظافر عناية بالصحة البدنية فهي مكان تجمع الأوساخ واليد هي التي يأكل بها الإنسان فماذا عساه يكون حاله إذ أكل بيد أظافرها تجمعت بها الأوساخ، وكذا قص الشارب فإنه

стр. 264

تتجمع فيه بقايا الطعام وتتكون فيه الميكروبات، وفي حلق العانة حكمة عظيمة فتركها يسبب حكة في الجلد ... مما يولد بعض الأمراض الجلدية. وفي إعفاء اللحية حكمة عظيمة أيضًا ... فهي بالإضافة إلى أنها تورث المسلم جلالًا ووقارًا وهيبة وجمالًا إلا أن لها فوائد أخرى منها: ١ - أن إمرار آلة الحلق على الذقن والخدين يضر بالبصر. ٢ - أن اللحية تمنع الجراثيم الضارة، وتمنعها من الوصول إلى ظاهر الحلق والصدر. ٣ - تحمي لثة الإنسان من العوارض الطبيعية فهي لها وقاء منها. ٤ - أن هذا الشعر تجري فيه مفرزات دهنية من الجسد يلين بها الجلد ويبقى نضرًا فيه حيوية الحياة وطراوتها. ٥ - إن اللحية والمادة المنوية، بينهما ارتباط باطني، فالرجولية تقوى بإعفاء اللحية، قال بعض الأطباء: لو اعتاد الناس حلق اللحية نسلًا بعد نسل ينتج من ذلك أن يولد الرجال في النسل الثامن من غير لحية، فالرجولية تقل شيئًا فشيئًا، ويظهر أثر ذلك بعد هذه المدة ... (١). ٥ - الأمر بالفرار من المجذوم: ولقد أمر الإسلام بالتحرز والوقاية من الأمراض المعدية ... ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا يوردن ممرضٌ على مصحٍ" (٢)، وأيضًا ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه ﵁ قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ "إنا قد بايعناك فارجع" (٣)، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد" (٤)، وكل هذا الذي أرشدنا إليه النبي ﷺ هو ما يسمى في لغة العصر الحديث (بالحجر الصحي)، ويقوم مفهوم الحجر الصحي وماهيته، على منع انتقال الداء من المريض

стр. 265

إلى السليم، أو بمعنى آخر، حصر المرض المراد عدم انتقاله في منطقة معينة حتى يسهل القضاء عليه، قبل انتشاره إلى المناطق المجاورة للبيئة الموبوءة، .... ، والنبي ﷺ لم ينكر انتقال المرض عن طريق العدوى إلى الإنسان السليم، بل نصح ﵊ أمته بأن تتجنب المناطق التي تتفشى فيها الأمراض المعدية، ولم يكتف ﷺ بذلك، بل فرض على مثل هذه المناطق حظر انتقال أفرادها إلى جهات أخرى منعًا من انتشار وتفشي الوباء، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي، وهو قوله ﷺ "إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" (١). (٢) ٦ - الأمر بغسل نجاسة الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب: وثبت هذا الأمر عن النبي ﷺ بقوله "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب" (٣)، والمراد اغسلوه سبعًا واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسله فسميت ثامنة لهذا. والله أعلم. ولقد أثبت العلم الحديث أن الآنية التي يردها الكلاب تنقل مرض الكَلِب (الريبس) الخطير وعدة أمراض طفيلية أخرى، والحكمة في الغسل سبع مرات أولاها بالتراب أن فيروس الكلب دقيق متناه في الصغر، وكلما صغر حجم الميكروب كلما ازدادت فعالية سطحه للتعلق بجدار الإناء والتصاقه به، ولعاب الكلب المحتوي على الفيروس يكون على هيئة شريط لعابي سائل، ودور التراب هو امتزاز الميكروب منه على سطح دقائقه. (٤) ٧ - غسل اليدين قبل الطعام: فعن عائشة ﵂ أن رسولا الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يده. (٥)

стр. 266

٨ - غسل اليدين والمضمضة بعد الطعام: ويستحب غسل اليد بعد الطعام لا سيما قبل النوم اتقاءً للضرر وحفاظًا على الصحة. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه". (١) ٩ - تقليل الطعام والشراب: قال ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وعن المقدام بن معدي كرب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي شرًّا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لنفسه". (٢) قال عمر بن الخطاب ﵁: إياكم والبطنة من الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسم، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد في الطعام والشراب، فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه. وقال طبيب نصراني لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان فقال له: إن الله قد جمع الطب كله في نصف آية. قال: وما هي؟ قال: قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ١٠ - النهي عن الشرب من فِيِّ السقاء، ومن ثلمة القدح والشرب ثلاثا وعدم التنفس في الإناء: وعن أبي سعيد ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب". (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه" (٤)، وفي هذا النهي من الحكم الكثيرة ... فقد يكون الشارب مريضًا بمرض معدي فتنتقل العدوة إلى غيره، وكذا كان من سنته ﷺ أنه يتنفس في الشراب ثلاثًا ويقول: إنه أروى وأبر

стр. 267

أو أمرأ، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا.". (١) ١١ - النهي عن وطء الحائض: قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وسئل النبي ﷺ عن حكم الحيض فقال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". (٢) وإنما كان القوم سألوا رسول الله ﷺ فيما ذكر لنا عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهن في إناء، ولا يشاربونهن، فعرفهم الله بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نساءهم أن يجتنبوا جماعهن فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن، ومواكلتهن ومشاربتهن. (٣) ولقد أثبت الطب الحديث بعد المئات من السنين الآفات والأمراض التي تحصل بسبب الاتصال بالمرأة الحائض، فمنها ما يلي: ١ - التهاب الأعضاء التناسلية للمرأة كالمهبل والرحم، وما يصعب ذلك من ارتفاع درجة الحرارة، وترشحات مرضية ذات رائحة كريهة. ٢ - تحرش المهبل والإصابة بالرضوض والسحجات. ٣ - وصول الالتهاب في بعض الحالات إلى ملحقات الرحم. ٤ - آلام في منطقة الثديين، وعدم حصول الانسجام عند المداعبة. ٥ - ردود فعل عصبية تؤدي إلى انقطاع شديد للمحيض مع آلام شديدة. ٦ - اضطراب حالة المرأة النفسية يؤدي إلى تصرفات غير طبيعية في البيت والمجتمع. ٧ - زيادة كمية النزف الدموي المرافق للحيض يصحبه ضعف عام لدى المرأة.

стр. 268

٨ - التهاب الأعضاء التناسلية في الرجل يشمل لشدته المثانة والمجاري البولية والبروستاتا. (١) ١٢ - تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير: وقد جمع الله تعالى تحريم ذلك كله في قوله ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ومعنى الميتة هو الحيوان الذي يموت حتف أنفه وقبل تذكيته، والمراد بالدم الدم المسفوح ولحم الخنزير سواء ذكى أو مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه. (٢) ويأتي الطب الحديث ليكشف لنا عما أوضحه القرآن الكريم فنجد أن الخنزير يصاب بأنواع من الديدان منها: دودة التنيا، والدودة الشريطية، وهذه الدودة الشريطية لا يقتصر وجودها على أمعاء الإنسان بل تكمل دورتها في جسم نفس الشخص المريض وفي جسم أي إنسان آخر، إذ تخرج الأجنة اليرقات من البيض، وتخترق جدار الأمعاء إلى الدورة الدموية، وتتوزع على الأجهزة الحيوية للجسم حيث تتحوصل اليرقة في غلاف سميك الجدار، وقد تصل إلى حجم حبة الفول (٢ سم تقريبًا) مما يزيد خطورتها أنها تفصل التحوصل في الجهاز العصبي. (٣) وقد يعترض المدافعون عن أكل لحم الخنزير بقولهم: إن وسائل الطهو الحديثة والجيدة التي تمتاز بالحرارة المرتفعة، قادرة على قتل الدودة الشريطية، وحينئذ فلا وجه للتحريم، ولكن الطب الحديث الذي يقدسونه، يرد عليهم بالحجج والقواطع العلمية والطبية التالية: ١ - الوقاية المضمونة من الإصابة لهذه الدودة هي في عدم أكل لحم الخنزير. ٢ - أن الأمراض العضوية التي تنتج عن أكل لحم الخنزير هي كالآتي: أ- الدودة الشريطية تسبب اضطرابات مختلفة في الجهاز الهضمي مع ضعف عام

стр. 269

ونحول واصفرار الوجه. (١) ب- يحتوي لحم الخنزير على ١.٢٨% من الدهون في حين أن لحم البقر يحتوي على ٥.٤ % من الدهون، لذلك يكون لحم الخنزير أعسر هضمًا ويؤثر على الأمعاء. ج- يحتوي لحم الخنزير على كمية كبيرة من حامض البوليك، خلافًا لسائر الحيوانات، فكل الحيوانات تستطيع أن تفرز ٩٠% من هذه المادة بمساعدة الكليتين، إلا أن الخنزير لا يتمكن من إفراز أكثر من ٢%. د- يسبب أكل لحم الخنزير، التهاب السحايا، والمخ نتيجة الإصابة بالميكروب السبحي الكثير الشيوع في لحم الخنزير. هـ- يسبب أكل لحم الخنزير العديد من الأمراض النفسية منها: موت النخوة، وعدم الغيرة على أهله، ولما كان الخنزير من الحيوانات آكلات اللحوم، فهو أكثر عنفًا، وشراسة من الغنم والبقر وتنتقل هذه الصفات إلى أكل لحم الخنزير. (٢) ١٣ - تحريم شرب الخمر والمخدرات: قال ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وقال ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". (٣) ولقد أعلن الإسلام الحرب على شاربي الخمر ومن عاونهم: فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وبايعها، ومبتاعها وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه". (٤) ومما قاله الطب الحديث بشأن الخمر وخطورتها على صحة الإنسان أن التجارب أثبتت

стр. 270

أن أكثر خلايا الجسم تأثرًا بالكحول هي بالدرجة الأولى الملايين العديدة من الخلايا العصبية في قشرة الدماغ وجذعه وبالدرجة الثانية الخلايا العصبية في النخاع الشوكي. (١) وكما حرم الإسلام الخمر وحرم التداوي بها ... فقد حرم كل المخدرات والمفترات، فعن أم سلمة ﵄ قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" (٢). ويدخل في المخدرات الحشيش والأفيون والماريجوانا والقات وغير ذلك من سائر المخدرات، وعلة التحريم هو مشاركتها الخمر في الإضرار بالجسم وإن اختلف التأثير، ويدخل التدخين في التحريم لثبوت ضرره على النفس والمال ... فالتدخين من وسائل الإدمان، لأن شركات التبغ العالمية تربي المدخنين قبل سن العشرين، بحيث يصعب عليهم الإقلاع عن التدخين، كما تقوم بزيادة نسبة النيكوتين المخدر في السجائر مما يدفع إلى إدمانها. (٣) ١٤ - الأمر بإطفاء النار أثناء النوم: وهذا أيضًا من حرص الإسلام على حياة الإنسان وصحته. فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمروا الآنية وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت". (٤) ١٥ - تحريم الزنا: لقد حرم الله الزنا وسد الذرائع المؤدية إليه بالدعوة إلى الاحتشام ومنع الفتنة بالتزين المفرط أو بالتعطر، فقال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وأثنى الله تعالى على الحافظين فروجهم والحافظات فقال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 271

رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر". (١) وفي حديث سمرة بن جندب ﵁ في حديث الرؤيا الطويل أن النبي ﷺ قال: "فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: أحسب أنه يقول: فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قال: قلت لهما ما هؤلاء، .... ، ثم قالا له: وأما الرجال والنساء العراة الذي في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني". (٢) هذا وقد كشف العلم الحديث عن بعض أضرار الزنا الصحية فمنها: ١ - السيلان: وسببه الميكروبات البنية اللون التي يصاب بها الإنسان، نتيجة العلاقات الجنسية، غير الشرعية واتصاله بالنساء المريضات والعكس. ٢ - السفلس: وهو من الأمراض الزهرية الخطرة يسببه ميكروب اللولبية الشاحبة ويصاب به الإنسان أثناء العلاقات الجنسية السرية مع الفاحشات أو عند اللواط. (٣) ١٦ - الحث على التداوي: كان من هدي النبي ﷺ "فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، فعن أسامة بن شريك، قال: شهدت الأعراب يسألون النبي ﷺ أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال لهم عباد الله، وضع الله الحرج، إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا فذاك الذي حرج. فقالوا: يا رسول الله هل علينا جناح أن لا نتداوى؟ قال: تداووا عباد الله فإن الله سبحانه لم يضع داءً إلا وضع معه شفاءً، إلا الهرم. قالوا: يا رسول: ما خير ما أعطى العبد؟ قال: خلق حسن. (٤) (والأمر بالتداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه رفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها

стр. 272

قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة) (١). ولكن ينبغي أن يعلم أيضًا أن التداوي نوعان: تداوي مادي وتداوي روحي وهو التداوي بالقرآن والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ . قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وكان النبي ﷺ يدعو للمريض فيقول: "أذهب البأس، رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا". (٢) ١٧ - حق المريض: ١ - حقه في التداي: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ قَال: "لِكُل دَاءٍ دَوَءٌ فَإِذَا أصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ الله (٣)، فهذا يوضح ثبوت الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها. والْأَمْرُ بِالتّدَاوِي لَا يُنَافي التّوَكّلَ كَمَا لَا يُنَافِيهِ دَفْعُ دَاءِ الجْوْعِ وَالْعَطَشِ وَالحرّ وَالْبَرْدِ بِأَضْدَادِهَا بَلْ لَا تَتِمّ حَقِيقَةُ التّوْحِيدِ إلّا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الّتِي نَصَبَهَا الله مُقْتَضيَاتٍ لِمُسَبباتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا وَأَنّ تَعْطِيلَهَا يَقْدَحُ في نَفْسِ التّوَكّلِ كَمَا يَقْدَحُ في الْأَمْرِ وَالحكْمَةِ (٤). وله الحق في التداوي، ولو بشيء محرم اضطرارًا، عَنْ أَنسٍ قَال: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ في لُبْسِ الحرِيرِ لحِكَّةٍ كانت بِهِمَا (٥). ٢ - حقه في العيادة: قال البراء: أمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ الجنَائِزِ وَعِيَادَةِ المُرِيضِ (٦). وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: حَقُّ المسْلِمِ عَلَى المسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وإذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا

стр. 273

مَاتَ فَاتَّبِعْهُ (١). وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُون أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجنَّةِ (٢). ٣ - حقه في المجاملة: يسأل العائد عن حال الريض، وينفس له في الأجل يعطيه الأمل في أنه سيشفى ويطول عمره بما يطيب نفسه إدخالًا للسرور عليه، ويرغبه في التوبة والوصية لحديث: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلتينِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٣) ولا يطيل العائد الجلوس خوفًا من الضجر، وتكره العيادة وسط النهار، ويعاد بكرةً وعشيًّا (٤)، ويرقيه ويدعو له بالصلاح، فعن عائشة قالت: كان النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ويقُولُ: اللهمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا (٥). ٤ - حقه في تخفيف بعض العبادات حسب مرضه: حقه في تخفيف أحكام الطهارة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه لما خاف أن يهلك من شدة البرد تيمم، ولم يأمره ﷺ بغسل ولا إعادة (٦). وحقه في تخفيف الصلاة إذا عجز الريض عن القيام سقط عنه وصلى قاعدًا، وإذا تيسر له يركع ويسجد إن استطاع، فإن لم يستطع الركوع والسجود أو السجود فقط أو مأ إيماءً برأسه، وجعل إيمائه للسجود أخفض من ركوعه تفرقةً بينهما. وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ

стр. 274

عَادَ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَال: "صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمئْ إِيَماءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ" (١). فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود، وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، والكيفية أو الهيئة الأولى أولى، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، لأنه لا عبرة له، ولا تسقط عنه الصلاة ويجب عليه القضاء. (٢) ٥ - حقه في تخفيف الصوم: قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قوله تعالى: "مريضا" للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل (٣). فإن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر، فيطعم مكان كل يوم مسكينا مدًا من حنطة، ثم ليس عليه قضاء، وإذا أفطر في رمضان لعلة فمات من علته فلا شيء عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن. وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة (٥). ٦ - حقه في رفع الجهاد: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى

стр. 275

الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، أي: لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم (١). وله الحق أن يضع السلاح أثناء الحرب، قال تعالى: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]، رخص في المطر وضع السلاح لمشقة حمله ورخص في وضعه في المرض (٢). ١٨ - حق اللسان: اللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغير حجمه، عظيم طاعته وجرمه فمن أطلق للسانه العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان ... ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع. (٣) وفيما يلي نبين بإذن الله تعالى بعض حقوق اللسان: أولًا: عظم خطر اللسان، وفضيلة الصمت: قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٤)، وقال ﷺ لعقبة بن عامر لما سأله عن النجاة فقال: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك". (٥) ثانيًا: آفات اللسان: للسان آفات وأمراض وعلل كثيرة وكلها تودي بالإنسان في المهالك فمنها: ١ - الكلام فيما لا يعنيك: قال ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". (٦) فعلى العاقل أن يستغل وقته فيما يعنيه ولا ينفقه ويضيعه فيما لا يعنيه، فكم من كلمة يبنى بها قصرٌ في الجنة.

стр. 276

٢ - فضول الكلام: قال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال عطاء بن أبي رباح: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد منها، أتذكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه. ٣ - المراء والجدال: قال النبي ﷺ : "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا .. ". (١) والمراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ، وإما في المعنى. والجدال هو: قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه. ٤ - الخصومة: قال رسول الله ﷺ "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم". (٢) فاللسان هو سبب الخصومة، والخصومة توغر الصدر، وتهيج الغضب وتورث العداوة، وتشوش الخاطر، ومنها ينشأ الحقد والغل والحسد وهي مبدأ كل شر ... فهي سبب الغيبة والنميمة، وتلمس العثرات ... وقطع الأرحام، وسفك الدماء. ٥ - التشدق في الكلام، وتكلف الفصاحة: قال ﷺ : "إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون، والمتشدقون؛ فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون". (٣) فهذا من التصنع المذموم.

стр. 277

٦ - الفحش، والسب، وبذاءة اللسان: والفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. ولم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا. (١) وقال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". (٢) ومن أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل فيسب أباه". (٣) ٧ - اللعن: إما لعن الحيوان أو الجماد أو الإنسان وكل ذلك مذموم، قال النبي ﷺ "لعن المؤمن كقتله" (٤). وقال ﷺ "إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة". (٥) ٨ - المزاح: منه مباح ومنه مذموم فأما المباح فهو ما كان يسيرًا ولم يتعد قدر الحاجة، وأما المذموم فهو الذي يتجاوز به العبد الحد، وكان النبي ﷺ "يمزح ولا يقول إلا حقًّا". ٩ - السخرية والاستهزاء: قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وعن عائشة ﵁ قالت: حكيت إنسانًا فقال لي النبي ﷺ : "والله ما أحبُ أني حاكيت إنسانًا ولي كذا وكذا". (٦) ١٠ - إفشاء السر: وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء، والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال ﷺ : "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه

стр. 278

ثم ينشر سرها". (١) ١١ - الوعد الكاذب: الوعد الكاذب من أمارات النفاق. قال ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر". (٢) ١٢ - الغيبة: قال : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. قال النبي ﷺ : "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاه بما يكره، قال: فإن كان فيه ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته. (٣) ١٩ - حقوق اليتيم: اليتيم لغة: قال الليث: اليتيم الذي مات أبوه فهو يتيم حتى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم، واليتيم من قبل الأب في بني آدم وقد يتم يتيم يتما وقد أيتمه الله. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٢]. سماهم يتامى بعد بلوغهم وإيناس رشدهم للزوم اليتم إياهم. وقال المفضّل أصل اليتم: الغفلة قال: وبه يسمى اليتيم يتيما، لأنه يتغافل عن بره. وقال أبو عمرو: اليتيم، الإبطاء، ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطئ عنه. وقال الأصمعي: اليتم في البهائم من قبل الأم وفي الناس من قبل الأب. (٤) مكانة اليتيم في القرآن: قال الله تعالى: (﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي

стр. 279

الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣] دفع المال لليتيم بعد بلوغه ورشده: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٦]. يعني تعالى ذكره بقوله "وابتلوا اليتامى" واختبروا عقول يتاماكم في إفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم، "حتى إذا بلغوا النكاح" فإنه يعني إذا بلغوا الحلم. وقوله "فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" في حالهم والإصلاح في أموالهم يعني بذلك تعالى ذكره: ولاة أموالهم، يقول الله لهم فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلا وإصلاحا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم ولا تحبسوها عنهم" (١). تزويج اليتيمة: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: من الآية ٣]. أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه. (٢) وعن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ وقول الله تعالى في آية أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ورغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا

стр. 280

بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. (١) حق اليتيم في السنة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني أحرج (٢) حق الضعيفين اليتيم والمرأة". (٣) وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قله فقال له: "إذا أردت أن تلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم". (٤) ما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته: عن ابن عمر ﵁ "أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له تمغُ، وكان نخلا- فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ : تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمرة، فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل ولذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف أو يوكل صديقه غير متمول" (٥)، وعن عائشة ﵂ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، قالت: أنزلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجا بقدر ماله بالمعروف". (٦) وقوله تعالى: "ومن كان غنيًّا" من ولاة أموال اليتامى على أموالهم" فليستعفف بماله عن أكلها بغير الإسراف والبدار أن يكبروا بما أباح الله له أكلها به، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف أي: ومن كان فقير منهم إليها محتاجا فليأكل بالمعروف" (٧).

стр. 281

وعن عبد الله بن عمرو، أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، "قال: كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مباذر، ولا متأثل" (١)، وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فشق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٢٢٠) إلى قوله "لأعنتكم" (٢) وعن ابن عباس ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل له طعامه وشرابه وآنيته، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فأحل لهم خلطتهم". (٣) اجتناب التعدي على ماله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة". (٤) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وذكر منها: "أكل مال اليتيم". (٥) كفالته: لقوله ﷺ "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وقال بإصبعيه السبابة والوسطى". (٦) الشفقة والبر: قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]. أي: هؤلاء الأبرار يطعمون الطعام على حبهم إياه وشهوتهم له وقوله

стр. 282

مسكينا يعني جل ثناؤه بقوله "مسكينًا" ذوي الحاجة الذين قد أذلهم الحاجة "يتيما وهو الطفل الذي قد مات أبوه ولا شيء له". (١) قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ [الفجر: ١٧]، يقول الله تعالى: إنما أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم، فأخرج الكلام على الخطاب، فقال: بل لستم تكرمون اليتيم، فلذلك أهنتكم. (٢) وحديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: "إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم". (٣) وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. أي: كما كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهر وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به". (٤) ٢٠ - حقوق الضيف: الضيف لغة: ضفت الرجل ضيفًا، وضيافة، وتضيفته: نزلت به ضيفًا وملت إليه، وقيل: نزلت به وصرت له ضيفا وضفته وتضيفته: طلبت منه الضيافة. (٥) حق الضيف في القرآن: قال الله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ [الحجر: ٥١]. يقول وخبرهم يا محمد عن قصة ضيف إبراهيم والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر. (٦) وقال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧].

стр. 283

وقوله" هَلْ آتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكْرَمِينَ" أي: الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل، وقوله: "فراغ إلى أهله"أي: انسل خفية في سرعة، "فجاء بعجل حنيذ" أي: من خيار ماله وفي الآية الأخرى" ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ [هود: ٦٩، ٧٠] أي: مشوي (١) "فقربه إليهم" أي: أدناه منهم، "قال ألا تأكلون"؟ : تلطف في العبارة وعرض حسن. وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال "نأتيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة وخفاء وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتى ثمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال "ألا تأكلون"؟ علي سبيل العرض والتلطف كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. (٢) حق الضيف في السنة: عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه". (٣) قال ابن بطال: سئل عنه مالك فقال: يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة، قلت: واختلفوا هل الثلاث غير الأول أو بعد منها؟ فقال أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول بالبر والألطاف، وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "إن لزورك عليك حقا". (٥) وعن

стр. 284

أبي جحيفة عن أبيه قال "آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كُل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل .. . الخ الحديث وفيه من الفوائد: صنع الطعام للضيف وتقديمه له. يكره الغضب والجزع وعنده الضيف: عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن أبا بكر تضيف رهطا فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافي فإني منطلق إلى النبي ﷺ ، فافرُغْ من قراهم قبل أن أجئ، فأنطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده فقال: اطعموا فقالوا أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا قالوا ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا قال: اقبلوا عنا قراكم فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقينَّ منه فأبوا فعرفت أنه يجد علي فلما جاء تنحيت عنه، فقال ما صنعتم فأخبروه، فقال يا عبد الرحمن فسكتُّ ثم قال يا عبد الرحمن فسكت فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت فخرجت فقلت: سل أضايفك. فقالوا صدق أتانا به قال: فإنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة فقال الآخرون والله لا نطعمه حتى تطعمه قال لم أر في الشر كالليلة ويلكم ما أنتم؟ لم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك فجاءه فوضع يده فقال: باسم الله فأكل وأكلوا" (١). إيثاره على النفس: عن أبي هريرة ﵁ قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال "من يضيف هذا الليلة ﵀ فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله ﷺ فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، فقال:

стр. 285

"قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة". (١) وفي رواية البخاري "فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: من الآية ٩]. ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع: عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحام فرأى رسول الله ﷺ فعرف في وجهه الجوع فقال لغلامه: ويحك اصنع لنا طعاما لخمسة نفر فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة. قال: فصنع ثم أتى النبي ﷺ فدعاه خامس خمسة، وأتبعهم رجل. فلما بلغ الباب قال النبي ﷺ إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع "قال لا بل آذن له يا رسول الله". (٢) ٢١ - حقوق الجوار: معنى الجوار في اللغة: الجوار: المجاورة والجار الذي يجاورك، وجارك: الذي يجاورك. (٣) ١ - حق الجار في القرآن: قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والجار ذي القربى، يعني الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي، في قوله والجار ذي القربى: يعني الجار المسلم، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني (٤). أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: "والجار ذي القربى" أي
следующие страницы →