أهل القدرة في أفانين الكلام نظما ونثرا، وترغيبا وزجرا، قد خُصوا من بين الأمم بقوة الذهن، وشدة الحافظة، وفصاحة اللسان، وتبيان المعاني، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني، ولا يجمح بهم عسير من المقامات (١).
وقال مالك بن نبي: لم يذكر التاريخ أن أحدًا قد أجاب على هذا التحدي، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب وإن إعجازه الأدبي قد أفحم فعلا عبقرية ذلك العصر. فكان عجزُهم بعد ذلك أشنعَ وأبشعَ وسَجَّلَ الله عليهم الهزيمة أبد الدهر فلم يفعلوا ولن يفعلوا فافتضح أمرهم.
فكفار قريش الذين عجزوا كانوا أعلم الناس بأشعار العرب وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي ﷺ ، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، والله تعالى ردَّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٦٩, ٧٠]، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم من كونه شاعرا إلا التهويش والتكذيب، ثم لو كان اقتبس في القرآن من ذلك الشعر المنسوب لامرئ القيس، لكان كفار قريش - وهم الحفاظ لشعره - أولَ من يستعين بذلك في رد كلام الله تعالى.
بل ولم يستطيعوا أن يخفوا أو ينكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، كما سيأتي بعد قليل. وإن من أعجب العجب أن يخرج علينا الأعجمي الذي لم يرضع اللسان العربي والذي لا يطيق الإبانة عن نفسه بلسان عربي، فيُخَطِّئُ - ما عجزت عنه العرب قاطبة - أحْكَمَ القَولِ وأبلغَهُ، يخطِّئُ الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بلسان عربي مبين.
стр. 2207
إن هؤلاء الأعاجم الأغتام أخذوا يفتعلون الأسباب لتنقص القرآن وإلحاق المعابة به، أنه لم يكن سابقًا في بلاغته؛ بل اعتمد على بلاغة مَن سبقه من الشعراء والفصحاء كامرئ القيس وغيره، وأرادوا بذلك نفي أنه كلام الله وأنه صنع بشري يستعين بمَن سبق. (١)
قال السيوطي: لما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه؛ على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه؛ بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، . . .، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم، واستباحة أموالهم وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم (٢).
وقال أيضًا: قال الجاحظ: بعث الله محمدا أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم
стр. 2208
ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى عَلَى مَنْ هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة؟ وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه (١).
بل حدث منهم نقيض ذلك، فكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، فالوليد بن المغيرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكريم ليس من جنس شعر العرب، فضلًا عن أن يكون مقتبسًا منه.
وكما روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس: أن الوليدَ بنَ المغيرة جَاءَ إلى رسول الله ﷺ فَقَرأَ عليه القرآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جهل فأتاه فقال: "يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برَجَزه ولا
стр. 2209
بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ (١).
وروى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ ومسلم عن عبد الله بن الصامت واللفظ لمسلم: أن أنيسًا أخا أبي ذرٍّ، قال لأبي ذرٍّ: لقيت رجلًا بمكة على دينك. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أَقْرَاءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وفي رواية البخاري: فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاما ما هو بالشعر (٢).
وروى مسلم أن ضماد بن ثعلبة الأزدي قال لرسول الله ﷺ : لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر (٣).
стр. 2210
وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي ﷺ على أن يترك دعوته، ويعرض عليه المال والملك والسلطان، فقرأ عليه ﷺ شيئًا من القرآن، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه، ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تُصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم (١).
بل إن العرب عجزت والتزمت الصمت وما انبست لها شفة، ولا قالوا مثلا: قد كان يمكن لفصحائنا القدماء أن يأتوا بمثل هذا القرآن إنما علموا أن ذلك ليس من قبيل الكلام المعروف.
يقول الجاحظ: وهو يذكر إعجازَ القرآن: ولو أن رجلًا قرأ على رجلٍ منْ خُطبائِهم وبلغائِهم سورةً قصيرةً أو طويلةً؛ لتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها منْ لفظِها وطابَعِها أنه عاجزٌ عن مثلِها، ولو تَحدَّى بها أَبْلَغَ العربِ لأظهرَ عجزَه عنها. (٢)
ويقول عبد القاهر الجرجاني: المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تَتبَدَّل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم كيف، وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أنَّ بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يَبْأَى بنفسه (٣)، ويُدِلُّ بشعرٍ يقوله، أو
стр. 2211
خطبة يقوم بها، أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يُظْهِر ما عنده من الفضل، ويبذُلَ ما لديه من المُنَّة، حتى إنه ليتوصَّل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه، ببعض العِلَل وبنوع من التَّمَحُّل، هذا وهو لم ير ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يَهُزُّ ويُحَرِّك ويَهيجُ على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التَعَرُّض.
وإن كان المُدَّعِي بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أَدعى له إلى مُباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يُقَصِّر عنه، أو أنَّه منه أفضلُ.
فإن انضافَ إلى ذلك أن يَدْعُوَه الرجلُ إلى مُمَاتَنَتِه، ويُحَرِّكه لمُقاوَلته، فذلك الذي يُسهر ليله ويَسلُبُه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحدِّ في مناقضته.
وإذا كان هذا واجبًا بين نَفْسين لا يَرُومُ أحدُهما من مُباهاةِ صاحبه إلا ما يَجْرِي على الألسُن من ذِكْرِه بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيَّة والهمم العليَّة، والأنَفَة والحمية مَنْ يدَّعي النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كَافَّة، وأنه بشير بالجنة ونذير بالنار، وأنه قد نَسَخَ به كل شريعةٍ تقدَّمته، ودِينٍ دان به الناس شَرْقًا وغربًا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به ﷺ ، ثم يقول: وحجتي أن الله تعالى قد أنزل كتابًا عربيًا مبينًا، تعرفون ألفاظه، وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جَهدتم جَهْدكم، واجتمع معكم الجن والإنس ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه، ويُبَيِّنوا سَرَفَه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه؟ أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونِحلة، فَيُؤَلِّبَ عليهم الناس، ويُدَبِّرَ في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قَتْلِ صناديدهم وكبارهم، وسَبْي ذراريهم وأولادهم، وعُمْدتُه التي يجد بها السبيل إلى تَأَلُّفِ
стр. 2212
مَنْ يَتَأَلَّفُهُ، ودُعاءِ من يدعوه، دَعْوى له في تلك الدعوى، ولا يُشْتَغَل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمتعذِّر ولا ممتنع؟ . (١)
من ثَمَّ فإن أي تشكيك بعدهم في بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، إنما هو ضرب من الهذيان، إذ إن أولى الناس بهذا التشكيك كفارَ قريش، فقد وقفوا حائرين أمام عبارات القرآن وآياته، وكان حالهم على نحو ما ذكر عبد القاهر منذ قليل.
الوجه الثاني: موقف القرآن والسنة من الشعر والشعراء .
الإسلام وقف من الشعر موقف الحذر، فالشعر جائز إذا خلا عن الكذب والرياء وهجو ما لا يجوز هجوه، وعن ذكر الفسق ومدحه والتغني به، وأن يخلو من آفات المدح مع عدم الاستكثار منه، والتجرد له حتى يشغله عن بعض الواجبات والسنن، وقلما يخلو الشعر عن هذه الآفات.
فإذا كانت حال الشعر بهذه المثابة، والإسلام يبيح منه قسما، ويُحَرِّمُ آخر فكيف يستقيم أن يقتبس منه في كتابه الكريم الخالد؟ بل وكيف يقتبس من الشعر الجاهلي الذي قبله وأغراضه معلومة؟
وللبيان نقول ما هو الشعر؟
الشعر في اللغة: واحد الأشعار، وهو في اصطلاح الأدباء كما قال ابن خلدون: "الكلام الموزون المقفى، ومعناه الذي تتكون أوزانه كلها على رويٍّ واحد وهو القافية".
وقال: "وأساليب الشعر تناسبها خلط الجد بالهزل، والإطناب في الأوصاف، وضرب الأمثال، وكثرة التشبيهات والاستعارات" (٢).
ويقول صديق حسن: الشعر: هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به. (٢)
стр. 2213
بدء الشعر عند العرب
الشعر من أعظم ما جادت به ألسنة العرب، وهو عنوان لغتها وبلاغتها، وسجل حوادثها وتاريخها، وترجمان أخلاقها وعاداتها، وكان أحب إليهم من غيره، وأرفع قدرًا وأعظم شأنًا، والشعر عند العرب صفة قديمة لهم ولا يمكن تحديد بدء ظهوره.
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات: ومما يدل على أن الشعر قديم العهد قول امرئ القيس:
عودا على الطلل القديم لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حزام
وقول عنترة: هل غادر الشعراء من متردّم (١)
الشعر والشعراء في القرآن:
قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧].
يقول ابن كثير: قال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان، فينتصر لهذا فِئَامٌ من الناس، ولهذا فئَامٌ من الناس، فأنزل الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة فلان، ومرة في مدحة فلان. وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فقال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه.
стр. 2214
وهذا الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يتَبجَّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم (١).
قال الماوردي: قال أهل التأويل: يريد بالشعراء، الذين إذا قالوا كذبوا، وإذا غضبوا سبوا (٢).
موقف السنة من الشعر والشعراء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا يَرِيِه خير من أن يمتلئ شعرًا" (٣).
وفي رواية مسلم عن أبي سعيد قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله: "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا" (٤).
فهذا الحديث في ظاهره يدل على التنفير من الشعر والحث على هجره واجتنابه؛ بل على تحريم تعاطيه. وصدّر البخاري ترجمته بقوله: باب ما يكره أن يكون الغالبُ على الإنسان الشعر حتى يصُدّهُ عن ذكر الله والقرآن.
قال ابن الأثير: هو مَوْرِيٌّ إذا أصاب جوفه الداء.
قال الأزهري: الوَرْيُ مثَال الرَّمْي: دَاء يُداخل الجَوف. يقال: رَجُلٌ مَوْرِيٌّ غَير مهموز. وقال الفرّاء: هُو الوَرَى بفتح الراء. وقال ثَعْلب: هو بالسُّكون: المَصْدَرُ وبالفَتْح: الاسم. وقال الجوهري: وَرَى القَيْحُ جَوْفَهُ يَرِيه وَرْيًا: أكَلَه. (٥)
وقال النووي: قالوا؛ بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه، مستوليًا عليه، بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا
стр. 2215
يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا والله أعلم (١).
ويقول ابن الجوزي: هذا الحديث محمول على من جعل جميع شغله الشعر، فلم يحفظ شيئًا من القرآن ولا من العلم؛ لأنه إذا امتلأ الجوف بالشيء لم يبق فيه سعة لغيره. وقال أحمد بن حنبل: أكره من الشعر الهجاء والرقيقَ الذي يشبب بالنساء، فأما الكلام الجاهلي فما أنفعه! (٢)
ويقول ابن عبد البر: أحسن ما قيل في تأويل هذا الحديث والله أعلم، أنه الذي قد غلب الشعر عليه، فامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر غيره، ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول ولا يذكر الله كثيرا. وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه؛ ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء: الشعر كلام؛ فحسنه حسن وقبيحه قبيح أنه قول صحيح، وبالله التوفيق (٣).
وبَعد ما ذُكِرَ نعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرّح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر القبيح المتضمّن للكذب والباطل، كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيّات، ونحو ذلك.
يقول ابن بطال: الشعر والرَجَز والحُداء كسائر الكلام، فما كان فيه ذكر تعظيم لله ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له تعالى، فهو حسن مرغب فيه، وهو الذي قال فيه ﷺ : "إن من الشعر حكمة"، وما كان منه كذبًا وفحشًا فهو الذي ذمه الله ورسوله" (٤).
ما يرخص فيه من الشعر:
стр. 2216
ما ورد في ذم الشعر والشعراء في القرآن أو في السنة، فإنما يُذَمُّ مَنْ أَسَرَفَ وكَذَبَ، فالغالب أن الشعراء يقولون الكذب، فيقذفون المحصنات، ويهجون الأبرياء، فوقع الذم على الأغلب، واستثنى الله منهم من لا يفعل ذلك، كما في آيات سورة الشعراء. وما ورد في السنة من ذم حفظ الشعر فالمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين، أو ما كان فيه تشبيب بالنساء ونحوه.
أما الشعر الذي فيه نصر للحق وأهله، ودفاع عن الرسول ﷺ وشرعه، ففيه تنزل نصوص مدح الشعر والشعراء، ومنها دعائه ﷺ لحسان: "يا حسان! أجب عن رسول الله ﷺ ، اللهم أيده بروح القدس" (١).
ودليل ذلك أيضًا ما أخرجه الإمام البخاري عن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ قال: إن من الشعر حكمة (٢).
قال ابن حجر: قوله: إن من الشعر حكمة؛ أي قولًا صادقًا مطابقًا للحق، وقيل: أصل الحكمة المنع، فالمعنى: أن من الشعر كلاما نافعا يمنع من السفه (٣).
وقال السندي: (من) تبعيضية يريد أن الشعر لا دخل له في الحسن والقبح، ولا يعتبر به حال المعاني في الحسن والقبح، والمدار إنما هو على المعاني لا على كون الكلام نثرًا أو نظمًا، فإنهما كيفيتان لأداء المعنى وطريقان إليه، ولكن المعنى: إن كان حسنًا وحكمة فذلك الشعر حكمة، وإذا كان قبيحًا فذلك الشعر كذلك، وإنما يذم الشعر شرعًا بناء على أنه غالبًا يكون مدحًا لمن لا يستحقه وغير ذلك (٤).
وروى البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام" (٥).
стр. 2217
وعن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: الشعر منه حسن ومنه قبيح؛ خذ بالحسن ودع القبيح. ولقد رُويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك (١).
وقد أنشد كثير من الصحابة الشعر بحضرة الرسول ﷺ ، فروى مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَدِفْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِى الصَّلْتِ شَيْئًا". قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "هِيهِ". فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: "هِيهِ". ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: "هِيهِ". حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ". (٢)
وأخرج بن أبي شيبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه دارت حماليق عينيه (٣).
وقال الماوردي: وقد استشهد عبد الله بن عباس ﵁ فيما سأله نافع بن الأزرق في معاني القرآن بأشعار العرب، ودل به على معانيه وقال: الشعر ديوان العرب، فما أنكره أحد منهم من الصحابة والتابعين (٤).
وقال ابن الجوزي: قال حبيب بن أبي ثابت: كان ابن عباس يعجبه شعر زهير ويقضي له، وكان معاوية يعجبه شعر عدي ويقضي له، وكان ابن الزبير يعجبه شعر عنترة ويقضي له، قال: وإنما اختار ابن عباس شعر زهير؛ لأنه كان يختار من الشعر أكثره أمثالًا وأدله على العلم والخير، واختار معاوية شعر عدي؛ لأنه كان كثير الأخبار، واختار ابن الزبير شعر عنترة لشجاعته (٥).
стр. 2218
قال الماوردي: قال الشافعي: والشعر حكمه كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه. (١)
وقال ابن تيمية: إن الأمثلة المنظومة والمنثورة إذا كانت حقا مطابقا فهي من الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهات شديدة وتخيلات عظيمة أفادت تأليفا وتنفيرًا (٢).
قال ابن قدامة: وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلام تعالى وكلام رسوله ﷺ ، ويستدل به أيضًا على النسب والتاريخ وأيام العرب. (٣)
فالشعر أنواع: فما كان فيه حكمة، أو موعظة حسنة، أو دفاع عن حق، أو إبطال لباطل، أو نحو ذلك من وجوه الخير فهو خير وهو مشروع. وما كان فيه كذب، أو شرك، أو لهو، أو مجون، أو إغراء بشرٍّ أو نصر لباطل، أو إبطال لحق، أو ثناء على أهل الشر، أو ذم لأهل الخير، أو نحو ذلك فهو شر وهو ممنوع، وبالجملة فحكمه حكم ما اشتمل عليه.
يقول ابن حجر: الذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن هجوٍ وعن الإغراق في المدح والكذب المحض والتغزل بمعين لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك (٤).
الوجه الثالث: سيرته ﷺ تشهد على قلة معرفته للشعر، واستحالة تأليفه له .
من أين للنبي ﷺ أن يعرف الشعر أو أن يقوله؟ والله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]. ويقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦].
стр. 2219
قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَشاعرٌ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ؛ فأنزَلَ الله تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا، ويقولُ لهمْ: إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ. وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعْراءِ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ، والصِّدْقِ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ. والشُّعَراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ.
والشُّعَرَاءُ يَخُوضونَ في كُلِّ لغْوٍ، ألم تر أنهم في كل واد من أودية القول يهيمون على وجوههم، في كلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الكَلَامِ، فلا يهتدون إلى الحق؟ فَهُمْ يَخُوضُونَ مرةً فِي شَتيمةِ فلانٍ، ومَرةً في مَدِيحِ فُلانٍ، فلا يَهْتَدُونَ إلى الحقِّ.
والشُّعْرَاءُ يقُولُونَ مَا لَا يَلْتَزِمُونَ بهِ في عَمَلِهِمْ، وَيتبَجَّحُونَ بأقْوَالٍ وأَفْعَالٍ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُمْ ولا مِنْهُمْ، فَيتكَثَّرُونَ بِمَا ليسَ لهُمْ، والرَّسُولُ الذي أُنْزِلَ عليهِ القُرآنُ ليسَ بِكَاهِنٍ، ولا شَاعِرٍ لأنَّ حالَهُ مُنَافٍ لِحَالِ الشُّعَراءِ مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ فهو ينطق بالحكمة، وهم ينطقون بالزور.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يظهر منه أن الله تولى الدفاع عن حبيبه ونبيه ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] نفي لقولهم هو شاعر إذ الشعراء يتبعهم الغاوون (١).
يقول محمد الأمين الشنقيطي: أما دعواهم أنه ﷺ شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وأمّا تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٦, ٣٧]؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾، تكذيب لهم في قولهم إنه شاعر مجنون (٢).
стр. 2220
يقول ابن كثير عن آية سورة (يس): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد ﷺ : أنه ما علمه الشعر، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّته؛ ولهذا وَرَدَ أنه، ﵊، كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه.
ويقول: قال أبو زُرْعة الرازي: حُدِّثت عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال: ما وَلَد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشِّعر، إلا رسول الله ﷺ (١).
وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طَرَفَة: ويَأْتِيكَ بالأخْبار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ (٢)
стр. 2221
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عائشة: كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا، فقال: رسول الله ﷺ : "إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي" (١).
ومع فصاحته ﷺ كان يبغض الشعر، روى الإمام أحمد عن أبي نوفل قال: سألتُ عائشة: أكان رسول الله ﷺ يتسامع عنده الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. (٢)
يقول ابن عاشور: تقدير المعنى: نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى: أن القرآن ليس من الشعر في شيء. ودل على أن هذا هو المقصود من قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ قوله عقبه ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكرًا وقرآنا وما هو بشعر. والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٤, ٥] وقال ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] (٣).
يقول: وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين أي ما يتأتّى له الشعر، قُصِدَ منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبي ﷺ شعرًا بنفي أن يكون النبي ﷺ شاعرًا فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه، أي فطر الله النبي ﷺ على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر؛ لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي ﷺ شاعرا وأن يكون قرآنه شعرًا؛ ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام.
стр. 2222
ومعنى كون الشعر لا ينبغي له: أن قول الشعر لا ينبغي له؛ لأن الشعر صنف من القول له موازين وقوافٍ، فالنبي ﷺ منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر؛ لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر، وكذلك كان النبي ﷺ قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض، وهو مع ذلك لا يقرض شعرًا. وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده، وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ومنها جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالًا لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر. وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي ﷺ قَرَضَ الشعر، ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لَعُدَّ غضاضة في شعره، وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أَنْفُسِ قومه يستوي فيها العدوّ والصديق. على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء، فلو جاء الرسول ﷺ بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، فتنزيه النبي ﷺ عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة (١).
стр. 2223
وممن شهد للنبي ﷺ بذلك ضماد الأزدي كما في صحيح مسلم عن ابن عباس: (أَنَّ ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفى على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أما بعد". قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: فقال لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه. (١)
يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: كلمات قلائل تذوقها ضماد ﵁، ولم يصبر حتى يتلى عليه بعض ما نزل من القرآن يومئذ بمكة وقطع الحديث ليستعيد ما سمع، ونحن اليوم نسمعها من كل منبر في كل يوم جمعة ونحن في غفلة عن تذوقها تذوق ضماد. كانت هذه الكلمات التي سمعها ضماد يومئذ هي وحدها دليله على نبوة صديقه الذي كان يعرفه ويعرف كلامه بالأمس في الجاهلية؛ لأنه وصل بتذوقها إلي صميم الفرق بين كلام صاحبه بالأمس وكلامه في هذا اليوم، وأسرعت به إلى البيعة على الإسلام قبل أن يسمع كلام الله! فأي دقة في التذوق! ! وأي رجال كان هؤلاء الذين فوض إليهم التفريق بين كلام رب العالمين وكلام عبيده من البشر؟ ! . (٢)
الوجه الرابع: اتخاذ النبي ﷺ شعراء يردون على أعدائه دليل أنه لم يكن شاعرًا .
وقد كان المقتضى أن يقوم هو بالرد على الأعداء؛ فيكون ذلك أبلغ في النكاية بالقوم، وحتى لا يقولوا عجز عن الرد، فاستعان بهؤلاء النفر من أصحابه، ولكن كما سبق ما له وللشعر ﷺ وكان على الشعر العبء الأكبر في تأجيج نار الخصومة والمجاهرة بها، فقام الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الدور.
стр. 2224
قال الماوردي: وقد كان للنبي ﷺ شعراء، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وكانوا ينشدون الشعر تارة ابتداء ويأمرهم به أخرى ليردوا على من هجاه (١).
فهم وأمثالهم من الذين استثناهم الله تعالى من الشعراء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وهم الشعراء الذين أغلب أحوالهم تحري الحق والصدق ممن دافعوا عن الرسالة والرسول ونافحوا عن الإسلام، ودافعوا عن القيم الفاضلة، فدخلوا في حزب المؤمنين، فعملوا بأعمالهم الصالحة وذكرُوا الله كَثِيرًا في أشعارهم ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أراد بذلك الانتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعُدَّةٌ من عُدَدِ الحرب، وقوام الدين.
كما كان يقع من شعراء النبيّ ﷺ ، فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم.
قال ابن سيرين: كان كعب بن مالك يخوفهم الحرب، وكان حسان يقبل على الأنساب، وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر (٢).
أما حسان فهو: ابن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. شاعر رسول الله ﷺ عاش مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
روى البخاري: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي ﷺ يقول يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ : اللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم (٣).
وقال ﷺ لحسان بن ثابت "اهجهم يعني قريشًا فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات.
стр. 2225
وعَنْ الْبَرَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحسَّانَ: اهْجُهُمْ، أَوْ قَالَ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ (١).
وروى البخاري ومسلم: عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "اهْجُوا قُرَيْشًا فإنه أَشَدُّ عليها من رَشْقٍ بِالنَّبْلِ، فَأَرْسَلَ إلى بن رَوَاحَةَ فقال: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فلم يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إلى كَعْبِ بن مَالِكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إلى حَسَّانَ بن ثَابِتٍ فلما دخل عليه قال حَسَّانُ: قد آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إلى هذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ ادلع لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فقال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ فقال رسول الله ﷺ لَا تَعْجَلْ؛ فإن أَبَا بَكْرٍ أعلم قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وإن لي فِيهِمْ نَسَبًا حتى يُلَخِّصَ لك نَسَبِي، فأتاه حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ فقال: يا رَسُولَ الله قد لَخَّصَ لي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ من الْعَجِينِ. قالت عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول لِحَسَّانَ إن رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ ما نَافَحْتَ عن الله وَرَسُولِهِ. وَقَالَتْ سمعت رَسُولَ الله ﷺ يقول: هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى"، قال حَسَّانُ:
هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هجوتَ مباركًا، برًا، حنيفًا ... أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ
فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي ... لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ
لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ، ... وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدّلاءُ (٢)
قال ابن حجر: قال أبو عبيدة: فُضِّلَ حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام (٣).
أما ابن رواحة فهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري
стр. 2226
الخزرجي يكنى أبا محمد، وهو أحد النقباء، شهد العقبةَ وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء، والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعدها؛ لأنه قتل يوم مؤتة شهيدا، وهو أحد الأمراء في غزاة مؤتة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ .
روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ:
وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ ... مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ. (١)
وفي الصحيحين أنه ﷺ تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:
اللهمَّ لوْلا أنت مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنزلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّت الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا
إنّ الألى قَدْ بَغَوا عَليْنَا ... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا. (٢)
ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها.
أما كعب فهو: كعب بن مالك ابن أبي كعب، واسم أبي كعب: عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة الأنصاري، الخزرجي العقبي الأحدي. أحد شعراء رسول الله ﷺ الذين كانوا يردون الأذى عنه، وكان مجودًا مطبوعًا قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، وعرف به ثم أسلم وشهد العقبة ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلَّف عنها. وقد قيل: إنه شهد بدرًا فالله تعالى أعلم. وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ [التوبة: ١١٨]. (٣)
стр. 2227
عن ابن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال لكعب بن مالك: "ما نسي ربك لك - وما كان ربك نسيًا - بيتًا قلته". قال: ما هو؟ قال: "أنشده يا أبا بكر"، فقال:
زعمت سُخينة أنْ ستغلب ربها ... وليُغلَبَنَّ مغالب الغلاب (١)
وله أشعار حسان جدًا في المغازي وغيرها.
قال ابن سيرين: فبلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك:
قضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن: دوسا أو ثقيفا
فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف (٢).
ومن شعراء النبي ﷺ : كعب بن زهير، والأعشى أعشى بني مازن اسمه عبد الله بن الأعور ويقال عبد الله بن عمرو من بني تميم، وغيرهم الكثير وما ذُكر إشارة على اتخاذه ﷺ للشعراء.
فالرسول ﷺ يستعين بهم، ويوظفهم في مقاومته أهلَ مكَّةَ وشعرائها، الذين هجوه وآذوا دعوته وصدوا عنها فهو ﷺ استخدم أسلحة قريش في الرد عليهم، حيث استعمل الأنساب والأيام والمثالب، والشعر الذي دار في الهجاء بين شعراء المسلمين والمشركين يمثل الصورة.
يقول الشيخ عبد الحي الكتاني: قال الشهاب البربير في كتاب الشرح الجلي: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه منهم: النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه ﷺ ، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.
قلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه ﷺ بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي المعروف بابن سيد الناس المتوفى عام ٧٣٤ في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه: "منح المدح أو فتح المدح" ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين (٣).
стр. 2228
ومن الوجوه المفحمة في رد هذه الفرية: إبطال نسبة هذه الأبيات إلى عصر الجاهلية من عدة وجوه، وما هي إلا أبيات مولدة في العصور الإسلامية اقتبس صاحبها بعض الأساليب والكلمات من القرآن الكريم على ما درج عليه أهل الأدب قديما وحديثا فلا شبهة في هذا ولا اقتباس وإليك الكلام مفصلًا في:
الوجه الخامس: إن امرئ القيس وغيره من الشعراء قد نحلت عليهم العديد من القصائد فضلا عن الأبيات .
بل نُحل على بعضهم قصص كاملة لا خطم لها ولا أزمة، وقضية نحل الشعر ونسبته لقدماء الشعراء أمر معروف لا يستطيع أحد إنكاره.
النحل في اللغة: قال ابن منظور: انْتَحَل فلانٌ شِعْر فلانٍ إِذا ادّعاه أَنه قائلُه. وتَنَحَّلَه: ادَّعاه وهو لغيره، ويقال: نُحِل الشاعرُ قصيدةً إِذا نُسِبَت إِليه وهي من قِيلِ غيره (١).
وقال الرازي: نَحَلَهُ القول من باب قطع أي أضاف إليه قولًا قاله غيره وادَّعاه عليه، وانْتَحَل فُلان شِعْر غيره، أو قوله غيره إذا ادَّعاه لنفسه، وتَنَحّل مثله وفُلان يَنْتَحِلُ مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليه (٢).
يقول محمد بن سلام الجمحي: وفى الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيةٍ ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفي.
وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه (٣).
стр. 2229
ويقول: فلما راجَعَتِ العَرَبُ رِوَايةَ الشِّعْرِ وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قومٌ قَلَّتِ وقائعُهم وأشعارُهم فأرادوا أن يَلْحَقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت. وليس يُشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون (١).
وقال: وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار (٢).
وسبب ذلك ما يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: الشعر الجاهلي المحض له مشكلة قائمة برأسها، يشركه في بعضها الشعر في صدر الإسلام. وكلاهما يعتمد اعتمادًا يكاد يكون تامًّا على الرواية المتسلسلة في بوادي الجاهلية وحواضرها، ثم في بوادي الإسلام وحواضره إلى أن يصل إلى عهد رواية العلماء، وتقييد ما يَرْوُونَه كتابة في بعض الأحيان أو إملاءً على أصحابهم وتلاميذهم أحيانًا أخرى. وهذه الفترة واقعة ما بين سنة ١٥٠ قبل الهجرة تقريبا إلى نحو سنة ثمانين بعد الهجرة. وهذه فترة طويلة جدا، مئتان وثلاثون سنة أو تزيد تُعَرِّضُ الرواية المتنقلة عن طريق السماع والحفظ، لعيوب لا يمكن اتقاؤها. (٣)
وثمة عوامل خلال هذه السنين تُعَرِّض هذا المنقول للنسيان أو الزيادة والنقصان أو التحريف والتبديل.
يقول الأستاذ شاكر: جاء عصر الرواة العلماء، وجعلوا همهم تتبع الشعر والشعراء في قبيلة بعد قبيلة وحي بعد حتى لقوا في رحلتهم عوارض في تلقِّي الشعر: فقُرب عهد الشاعر أو بُعدُه من زمان العلماء الرواة له أثر في الرواية، وكذلك طول القصيدة أو قصرها له أثر آخر،
стр. 2230
وشهرة الشاعر لها أثر، كما عرضت للعلماء أنفسهم عوارض فيما سمعوه فحفظوه أو قيدوه من نسيانٍ لبعض ما حفظ، ومن لحوق الضياع أو التلف ببعض ما قيدوه وكتبوه، ومن تباعد الأيام أو تدانيها من وقت روايتهم، ثم إن القصيدة الواحدة قد رواها عدد مختلف من العلماء الرواة القدماء عن رواة مختلفين من رواة البادية في أماكن مختلفة من بلاد العرب، وفي أحوال يختلف بعضها عن بعض فإذا قدرنا العوارض التي ذكرناها آنفا لم نجد مناصًا من أن يلحق هذه القصيدة ضرب أو ضروب من الاختلاف، فيختلف عدد أبياتها تقديمًا وتأخيرًا، وتختلف نسبتها أحيانًا، فتنسب إلى شاعرين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، من قبيلة واحدة أو من قبائل مختلفة. بل ربما دخلت في بعض روايتها أبيات لشاعر آخر على وزنها وقافيتها من قبيلته أو غير قبيلته، على قدر ما يتميز به كل راو من الدقة والضبط أو الغفلة والنسيان (١).
قال ابن عبد ربه: وكان خَلفٌ الأحمرُ أَروَى الناسِ للشِّعرِ وَأَعْلَمَهُمْ بِجَيِّدِه. . . . وكان خلف مع روايته وحِفظه يقول الشعر فيُحسن، وينَحله الشعراء. . . وكذلك كان يفعل حمّادٌ الرواية، يَخلط الشعر القديم بأبيات له، قال حماد: ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ في شعره أبياتًا فجازت عليه إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قطُّ غيرَ بيت فأفسدتُ عليه الشعر، قيل له: وما البيتُ الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال:
وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرتْ ... من الحوادث إلا الشَّيبَ والصلعَا (٢)
وقال السيوطي: قال ابنُ فارس: . . . عن الخليل قال: إن النَّحَارير ربَّما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللَّبس والتَّعنيت (٣).
وقال أبو الطيب في مراتب النحويين: أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا محمد بن يزيد قال: كان خلف الأحمر يُضْرَب به المثلُ في عَمل الشعر، وكان يعمل على ألْسنة الناس فيشبه كلَّ
стр. 2231
شعر يقوله بشعر الذي يضَعُه عليه، ثم نَسَك فكان يختم القرآن في كلّ يوم وليلة، فلما نَسك خرج إلى أهل الكوفة فعرَّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس فقالوا له: أنتَ كنتَ عندنا في ذلك الوقت أوثقَ منك الساعة فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم (١).
وقال الصفدي: خلف الأحمر الشاعر صاحب البراعة في الآداب، حمل عنه ديوانه أبو نواس، وتوفي في حدود الثمانين ومائة. وكان راوية ثقة علّامة، لم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء، وينحلها أعيان الشعراء، كـ أبي داود، والإيادي، وتأبَّط شرًا، والشنفرى وغيرهم، فلا يفرَّق بين ألفاظه وألفاظهم، ويرويها جلَّة العلماء لذلك الشاعر الذي نحله إيّاها، فمّما نحله الشّنفرى القصيدة المعروفة بلامية العرب:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قومٍ سواكم لأميل (٢).
وقال أبو الحسن الجرجاني: وهو يناقش من يعترض عليه بأن شعر المتقدمين كان فيه من متانة الكلام، وجزالة المنطق وفخامة الشعر، ما يصعب معه أن ينسج على منواله، ولو حاول أحد أن يقول قصيدة أو يقرضَ بيتًا يُقارب شعر امرئ القيس وزهير، في فخامته، وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولًا، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلبًا!
فرد على المعترض قائلًا: أحلتك على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماءَ شعره فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه، وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين، واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل (٣).
إن هذه النقولات تثبت أن وقوع النحل في شعر العرب أمر حاصل، وقد مرَّ كلامُ المتقدمين، الذين عرفوا كلام العرب وأشعارهم، وسبقوا المُحْدَثِينَ والمستشرقين.
стр. 2232
ومما جاء في إنكار بعض أبيات الشبهة المفتراة صراحة ما قال محمود الآلوسي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧] قال الإمام: إن الجملة الأولى تدلى على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفًا، والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعا، ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن، وما نسب إلى امرئ القيس "قتل الإنسان ما أكفره" فلا أصل له، ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي (١).
فهذا كلام من ذاق أشعار العرب، وأَلِف أساليبهم، حيث لم يخف عليه ركاكة الألفاظ وضعف السبك.
وإنَّ امرأَ القيس خاصة لما له من قِدَم السبق والإجادة في ميدان الشعر والبيان تمَّ نحله الكثير من الشعر.
قال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: استفاضت أخباره على ألسنة الرواة، وزخرت بها كتب الأدب والتراجم والتاريخ، ونسجت حول سيرته القصص، وصيغت الأساطير، واختلط فيها الصحيح بالزائف، وامتزج الحق بالباطل، وتناول المؤرخون والأدباء بالبحث والنقد والتحليل، وخاصة في العصر الحديث. . . وفي جميع أطوار حياته منذ حداثته وطراءة سنه، إلى آخر أيامه، قال الشعر وصاغ القريض. . . وأصبح عند الناس قدر وافر من قصيده، فنحلوه كل شعر جُهِلَ قَائِلُهُ، أو خَمُلَ صَاحِبُهُ، من جيد يعسر تمييزه عن شعره، ورديء سفساف مهلهل النسج، سقيم المعنى.
وللعلماء من القدماء حول هذا الشعر وتحقيق نسبته إليه أقوال معروفة مشهورة (٢).
وإنه إذا نُسِبَت الأبيات موضع الشبهة إلى امرئ القيس أو إلى ديوانه دون سند أو
стр. 2233
برهان، فلا شك حينئذ في أنها منحولة ومكذوبة عليه، ومع ذلك فإنه حتى في المنحول الذي يذكره مَنْ جَمَعَ شِعْرَ امْرِئِ القَيْسِ وَمَا نُحِلَ عَلَيهِ لَا يَذْكُرُها.
بل إن بعض أبيات الشبهة جاء منسوبا بالفعل إلى غير امرئ القيس، وغاية ما ذكر في كتب بعض المتقدمين بيتان فقط منسوبان لامرئ القيس وافقت ألفاظهما لفظ القرآن الكريم:
قال الإمام الذهبي: قال ابن النّجّار: كان كاتبًا (١) سديدًا بليغًا وحيدًا، فاضلًا، أديبًا، مقتدرا على الارتجال. . . وله يد باسطة في النّحو واللّغة، إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزدي، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية لنفسه:
يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا ... فإذا ما جاءه أنكره
فهو لا يرضى بعيشٍ واحد ... قتل الإنسان ما أكفره. (٢)
فهذا الذهبي يروي البيتين منسوبين للوزير محمد القمي.
وكذلك فعل التيفاشي (ت ٦٥١ هـ) أيضًا: فنَسَبَ البيتين إلى يحيى بن صاعد. (٣)
فهذان إمامان متقدمان على المناوي قد نسبا البيتين إلى غير امرئ القيس.
ومن أبيات الشبهة التي جاءت منسوبة إلى امرئ القيس:
أنا منْ قومٍ كرامٍ يطعمونَ الطيباتِ ... بجفانٍ كالجوابي وقدورٍ راسياتِ
فهذان البيتان فقط ذكرهما بعض الأدباء منسوبين إلى امرئ القيس، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا في صحة نسبتهما إليه، فذكر ابن أبي الأصبع عندما تكلم عن الإيداع أو التضمين، وما قيل من وقوع ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] قال: على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآية الكريمة، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به (٤).
стр. 2234
ونقل عبد الرحيم العباس قول ابن أبي الأصبع، وأقره ثم أعقبه بقوله: "قلت: وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والرويّ" (١).
فهذه كتب الأدباء والعلماء، وأساطين اللغة والشعر الذي اطلعوا على أشعار العرب ودواوين امرئ القيس حتى نهاية القرن العاشر الهجري، لا ينسبون إلى امرئ القيس أي شيء من هذا القبيل، ولو اطلعوا على غيرها من الأبيات لذكروه، سواء صحت نسبته أم لم تصح.
لذا فإن اعتماد هؤلاء المرجفين على أشعار "فيض القدير" للمناوي مغالطة كبيرة؛ إذ إن المناوي ﵀، كان اهتمامه في كتابه شرح أحاديث "الجامع الصغير" فلم يعتن بجمع الشعر، أو تمحيص رواياته، وكتابه (فيض القدير) ليس كتابًا معتمدًا في نقل الشعر أو نسبته، هذا فضلًا عن كونه من المتأخرين، حيث توفي سنة ١٠٢٩ هـ، فكيف يصبح كلامه مقدمًا على كلام من سبقه من أساطين اللغة، وعلماء الأدب والبيان، خاصة وأنه لم يذكر لهذه الأبيات سندًا ولا مصدرًا.
بل كيف يسوق أبياتًا مكسورة؟ ! فالبيت الأول في (دنت الساعة وانشق القمر) غير مستقيم من ناحية الوزن الشعري، فالشطر الأول مكسور، إلا لو أبدلنا (اقتربت) بـ (دنت)، وعلى ذلك بقية الأبيات (٢)، وحينئذ يتبين أن المناوي لم يكن له عناية في كتابه بذكر الشعر أو تحقيقه.
الوجه السادس: ولأن الأبيات من الشعر المولد؛ فإن صاحبها اقتبس كلماتها من القرآن الكريم .
إنه ليس لأحد من الناس أن يدعي قولًا وينسبه لرجل مات بلا برهان ولا بينة، وسبيلُ نسبة قولٍ لشاعرٍ جاهلي، معرق في القدم كامرئ القيس أن يكون هذا القول مأخوذًا من ديوان شعره أو من روايات هذا الديوان المتعددة والمتكاثرة المطبوعة، أو يذكر هذا القول منسوبًا لامرئ القيس في كتب التراث الأدبي من المجاميع الشعرية "كالكامل" و"الفاضل" و"الوحشيات" جميعها للمبرد، أو كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أو "
стр. 2235
الأمالي" لأبي علي القالي أو الحماسة لأبي تمام أو كتب مختارات الأدباء والشعراء أو كتب تراجم الأدباء إلى آخر ما هنالك من قضايا تحقيق نسبة الشعر لأصحابه (١).
وإن أي باحث في الأدب العربي يعلم أن شعر امرئ القيس قد وجد عناية خاصة، وتضافرت جهود القدماء والمحدثين على جمعه وروايته ونشره، وهناك العديد من النسخ المشهورة لديوانه كنسخة الأعلم الشنتمري، ونسخة الطوسي، ونسخة السكري، ونسخة البطليوسي، ونسخة ابن النحاس وغيرها، ولا يوجد أي ذكر لهذه الأبيات في هذه النسخ، على الرُّغْم من أنها تذكر ما نُحِلَ عليه لتنقده، وكذلك كان أمر الدراسات المعاصرة التي عنيت بشعر امرئ القيس وما نسب إليه وخبر دواوينه، لم تذكر شيئًا من هذه الأبيات لا على أنها من قوله، ولا على أنها مما نحل عليه. ومنها دراسة للأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم في أكثر من خمسمائة صفحة حول امرئ القيس وشعره، وقد ذكر فيه ما صحت نسبته إليه وما لم يصح، وما نحل عليه ومَن نحله، ولم يذكر مع ذلك بيتًا واحدًا من هذه الأبيات السابقة.
فهل كان الأعاجم أصحاب هذه الشبهات أعلمَ بامرئ القيس وشعره من هؤلاء جميعًا الذين عنوا بجمعه وتمحصيه ونقده؟ ! !
الوجه السابع: أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يذكرون في كتبهم قضية اقتباس الشعراء من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ -.
وعلى عكس كلامهم في اقتباس القرآن، فإن ابن داود الظاهري الأصفهاني (ت: ٢٢٧ هـ) عقد في كتابه (الزهرة) فصلًا لما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى، وكان مما ذكر عن قوله سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ أن الخنساء ضمنته في أبيات لها فقالت:
أبعدَ ابن عمرو من آل الشّريد ... حلَّتْ به الأرضُ أثقالها
فخر الشّوامِخُ من فَقْدِه ... وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها. (٢)
стр. 2236
وهذا مما يدل على أن أول من نطق بهذه العبارة هو القرآن الكريم؛ لأنه لو كان امرؤ القيس قد قالها قبل القرآن الكريم، لما كان للفصل الذي عقده فائدة، ولكانت الخنساء قد ضمنت أبيات امرئ القيس في شعرها، لا آيات القرآن الكريم، ولكان القرآن الكريم نفسه قد ضمن أبيات امريء القيس. وثَمَّ أمر مهم وهو أن هذه الأبيات المفتراة لو بلغت علماءنا المتقدمين، فلماذا لم يثيروا قضية التشابه بين القرآن الكريم وشعر امرئ القيس؟
الوجه الثامن: لو افترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس - وهو أمر مستحيل - وافترضنا أن هناك تشابه في الكلمات بين ألفاظ القرآن وهذه الأشعار فإن ذلك يشهد للقرآن بالفصاحة والبلاغة والبيان .
إذ إن كلاهما باللسان العربي والكلمات المشتركة جاءت في القرآن على أفصح ما يكون الكلام وأبلغه، بينما هي في الأبيات المكذوبة جاءت في غاية السخافة والسفول، ثم إنه لا غضاضة في أن يحصل تشابهٌ في بعض الكلمات، وجاء القرآن بما تعهده العرب في كلامها من أمثلة واستعارات وغير ذلك من ضروب البلاغة.
ثم إن القرآن الكريم نزل ليتحدى كفار قريش، قائلًا لهم: إنكم تنطقون بهذه الأحرف، وتقولون تلك الكلمات، لكنكم مع ذلك عاجزون عن أن تأتوا بمثل القرآن من جهة القوة والإحكام والإتقان، هذا ومعلوم أن التشابه في بعض الكلمات والتراكيب لا يعني الاقتباس والنقل.
وسوف يترتب على فرض صحة نسبة الأبيات للجاهلية؛ تساؤل هو: لماذا لم يواجه فصحاء قريش النبي ﷺ بهذا التشابه وهم أحفظ للشعر من مستشرقي عصرنا؟ ولماذا عندما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل آية منه لم يقتبسوا من هذه الأشعار كما اقتبس هو؟ (١)
يقول أبو بكر الباقلاني: الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعرًا ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته؛ لأن الشعر مُسخَّر لهم مُسهَّل عليهم، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب والاقتدار اللطيف؛ فلما لم نرهم
стр. 2237
اشتغلوا بذلك ولا عولوا عليه - علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن، وإن استدراك من يجيء الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن، وقد ذهب أولئك النفر عنه، وخفي عليهم مع شدة حاجتهم عندهم إلى الطعن في القرآن، والغض منه، والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه، فلن يجوز أن يخفي على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق (١).
فالقرآن لم يخرج عن معهود لغة العرب؛ فمن حروفهم ركبت كلماته، ومن كلماتهم ألفت جمله وآياته، وهذا من إعجاز القرآن وإفحامه للعالمين أجمعين؛ إذ حروف اللغة وكلماتها موجودة ملك الجميع لكن من ذا الذي يؤلف بينها؟ .
يقول عبد الله دراز: صنعةُ البيان مثلُ صنعةِ البنيان، فالمهندسون البَنَّاءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانًا مرفوعًا، وسقفًا موضوعةً، ولكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأَكَنِّها للناس من الحَرِّ والقَرِّ وفي الانتفاع بالساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة، فمنهم من يفي بذلك، ومنهم من يخل بشيء منه، كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد على طرائق شتى يتفاوت حظها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة، وليست كل هذه الطرائق تجمل في كل موطن أو تقبح في كل موطن إذًا لأصبحت البلاغة في لسان الناس طعمًا واحدًا. . . والناس ليسوا سواء في استعراض هذه الطرائق فضلًا عن حسن الاختيار فيها إلى أن يتكون الأسلوب الخاص بكل إنسان وعلى حسب ذلك يقع التفاوت في درجات الكلام.
فالجديد في لغة القرآن، أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير أشرف المواد، وأمسها بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها
стр. 2238
وهي أحق به: بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة وصورته الكاملة ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين (١)، لا يومًا أو بعض يوم؛ بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حولًا. . . . وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان. . . . فإن أحببت أن تعرف للقرآن الكريم سبقه وأنت بعد لم ترزق قوة الفصل بين درجات الكلام، فسبيلك أن تأخذ الحكم مسلمًا عن أهله، وتقنع فيه بشهادة العارفين به، فها هو الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن رقَّ له، فقال رَادًّا على أبي جهل: وماذا أقول؟ ! والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته (٢).
هذا وإن بيان وبلاغة آيات القرآن الكريم تأبى وتتنافى ودعوى الأخذ من هذه الأشعار المتكلفة الضعيفة.
كما أنا لو سلمنا جدلًا بأن القرآن اقتبس في عشر آيات منه، من عشرة أبيات، فمن أين أتى القرآن بأكثر من ستة آلاف آية أخرى؟ !
الوجه التاسع: منافاة أسلوب القرآن لأسلوب الشعر عامة .
ولو تنزلنا مرة أخرى مع القوم حسب عقولهم، وافترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس؛ فإننا جميعًا سوف نصطدم بالاختلاف البائن بين أسلوب القرآن الكريم كلام رب العالمين وبين هذه الأشعار كلام المخلوقين.
وقد بوَّب الإمام البيهقي قبل رواية حديث الوليد الآنف الذكر فقال: باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز، وأنه لا يشبه شيئًا من لغاتهم مع كونهم من أهل اللغة وأرباب اللسان (٣).
стр. 2239
ويقول القاضي عياض: من إعجاز القرآن صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آية، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه؛ بل حارت فيه عقولهم، وتدلَّهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر، . . .، وإنه مما جُمع في قوة جزالته، ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه وإيجازه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصا (١).
ويقول ابن حزم: إن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس (٢).
ويقول: وأنه ليس من نوع كلام المخلوقين، لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه، وأنَّ آية ذلك الأقسام التي في أوائل السور، والحروف المقطعة التي لا يعرف أحد معناها، قال: وبرهان هذا أن إنسانا لو أدخل في رسالة له أو خطبة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجًا عن البلاغة المعهودة بلا شك، فصح أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلًا (٣).
هذا وإن البون شاسع بين القرآن والشعر والفروق بينهما كثيرة، ودليل ذلك في الأمور التالية:
الأول: لم ينزل القرآن الكريم على النمط المألوف من كلام العرب، فلم يأت على أسلوب الخطابة ولا الوصية ولا المثل ولا المنافرة ولا المفاخرة ولا المحاورة ولا نظم القصيد، فأسلوب وطريقة الشعر معروفة في الشكل العمودي للقصيدة العربية مع اتحاد القافية وتساوي الأشطر واتحاد بحر القصيدة، وليس شئ من هذا في القرآن فهو لم يكن شعرًا ولا نثرًا مرسلًا ولا سجعًا ولا مزاوجةً بل جاء على مذهب خارج عن المعهود من نظام كلام العرب ومبائن للمألوف من مناهج كلامهم، ينصرف على وجوه مختلفة، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأمثال، وترغيب وترهيب وأمر ونهي ووعد
стр. 2240
ووعيد وتبشير وتخويف وهو أثناء ذلك يتردد بين الإيجاز والإطناب، فما أجملَ القرآنَ فيما اشتمل عليه من دقة التصوير، وجمال الوصف، مع سمو التعبير، وعظمة التأثير، وروعة الإيجاز وبلاغة التكرار، وليس الشعر يبلغ في هذا فتيلًا (١).
قال أبو بكر العربي: القرآن خرج عن أنواع كلام العرب، وخصوصا عن وزن الشعر؛ ولذلك قال أخو أبي ذر لأبي ذر: "لقد وضعتُ قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها" (٢)، ولا دخل في بحور العروض الخمسة عشر، ولا في زيادات المتأخرين عليها؛ لأن تلك البحور تخرج من خمس دوائر: إحداها دائرة المختلف ينفك منها ثلاثة أبحر: وهي الطويل، والمديد، والبسيط؛ ثم تتشعب عليها زيادات كلها منفكة. الدائرة الثانية دائرة المؤتلف ينفك منها بحر الوافر، والكامل، ثم يزيد عليها زيادات لا تخرج عنها. . . وهكذا الدوائر الخمس ولقد اجتهد المجتهدون في أن يُجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه الأوزان فلم يقدروا، فظهر عند الولي والعدو أنه ليس بشعر (٣).
يقول الطاهر بن عاشور: كيف يكون القرآن شعرًا والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة؟ فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه؟
стр. 2241
وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهلُ الصناعة منهم وكُلُّ مَنْ زَاولَ مَبَادِئَ القَافية مِنَ المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعرًا إلا تعجلًا في الإِبطال، أو تمويهًا على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمدًا ﷺ شاعر، وأن كلامه شعر (١).
الثاني: إن الأشعار الشهيرة ومنها المعلقات - فخر العرب - تخلو من كل قيمة فكرية أو إنسانية أو روحية أو أمر أو نهي أو إرشادٍ إلى خير بخلاف القرآن العظيم، فالأوامر فيه تصل إلى الألف آية وكذلك النواهي، ويحض على فعل كل خير وينهى عن كل شرِّ، ويرشد ويهدي إلى كل صلاح ونفع في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر أبو بكر الباقلاني فصلًا جيدًا عن الشعر الحسن الذي يحلو لفظه وتقل فوائده (٢).
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فالقرآن الكريم حوى علمَ الأولينَ والآخرين فهو أصل العلوم كلها، فعلم الكلام من القرآن، وعلم الفقه وأصول الفقه وعلم النحو واللغة، وعلوم مثل التاريخ والطب والجدل وأصول الصنائع وغيرها الكثير. واشتمل على علم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ومنها أهوال يوم القيامة وأحوال الناس فيه، كما يفصل أخبار مآلهم ففريق في الجنة وفريق في السعير، ثم ينتقل إلى وصف الجنة ونعيم أهلها وإلى وصف النار وجحيم أهلها إلى ما هنالك مما لا يعلم إلا عن طريق الوحي وهذا كثير جدا في القرآن.
يقول القاضي عياض: ومن إعجازه جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد ﷺ قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات،
стр. 2242
والرد على فِرَق الأمم ببراهين قوية، وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعدُ أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم، قال الله جل اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] (١).
بل إن من خصائص القرآن الإخبار عن مستقبل الناس في الدنيا، وما سيحدث لهم من انتصار وتمكين لبعضهم، أو خزي وذلٍّ لبعض آخر، إلى آخر ما هو ليس في طوق البشر. ومَن تعاطى ذلك من المتنبئين والشعراء افْتُضِحَ فِي حِيْنِه، وما جاء في القرآن كان هو الحق المبين، فَمَنْ أصدقُ مِنَ الله حَدِيثًا. ومن إخبار القرآن عن ذلك وهو كثير قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥]. (٢)
стр. 2243
وهذا القرآن قد جاء بما حدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير من بدء الخليقة إلى حين بعثة النبي ﷺ مع كونه ﷺ أميا لا يعرف شيئا من كتب السابقين وأنبائهم.
فالقرآن ليس كتاب قصص، وليس كتاب متعة وتسلية على نحو دواوين الشعراء فهو ليس شعرا أو أدبا أو حكمة أو تاريخًا أو اجتماعا، إنما هو خلاصة لكل ما في الحياة من حقائق ومعارف وعلوم وثقافات، ومنهج كامل لكل جانب من جوانب الحياة الروحية والعقلية والاجتماعية والسياسية، فهو كتاب الإنسانية كلها، وصحيفة البشرية قاطبة (١).
يقول السيوطي: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء؛ أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها (٢).
وظهر أثر هذا الأمر في القرآن في المجتمعات التي سلَّمت له وآمنت به، كيف أثَّر فيها وغير من الأخلاق الرديئة، وأرسى الأخلاق الحميدة مع الدعوة إلى الحق والعدل والعلم، ورسم المثل الإنسانية العليا وأهداف الأفراد والشعوب وتحديد الفلاح في الدنيا والآخرة.
الثالث: هذه القصائد الجاهلية العالية الحبْك والصياغة، لا تخلو من أخطاء تندُّ عن
стр. 2244
الشاعر، ومن ذلك ما ذكره أبو بكر الباقلاني إذ درس في كتابه (١) معلقة امرئ القيس المشهورة فأبان ما اشتملت عليه من أخطاء لغوية وفنية وغيرها.
قال ابن عطية: فالله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، . . .، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطي لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام (٢).
الرابع: فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم (٣).
الخامس: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق، وتنزه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدًا، ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي، فالشعر يعتمد على المبالغة والتهويل حتى قالوا أعذب الشعر أكذبه، وليس شيء من هذا في القرآن الكريم، وكيف يكون ذلك وهو كلام الله وحده لا كلام مخلوق سواه؟ !
стр. 2245
يقول القلقشندي: لم ينزل الله القرآن على صفة نظم الشعر؛ بل نزهه عنه بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤١] وحرم نظمه على نبيه محمد؛ تشريفا لمحله وتنزيها لمقامه منبها على ذلك بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]؛ وذلك أن مقاصد الشعر لا تخلو من الكذب، والتحويل على الأمور المستحيلة، والصفات المجاوزة للحد، والنعوت الخارجة عن العادة، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان، وسب الأعراض، وغير ذلك مما يجب التنزه عنه لآحاد الناس، فكيف بالنبي ﷺ ولا سيما الشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله؟ (١).
وقال الراغب: قال بعض الكفار عن النبي ﷺ : إنه شاعر! فقيل: لِما وقع في القرآن من الكلمات الموزونة والقوافي، وقيل: أرادوا أنه كاذب، لأنه أكثر ما يأتي به الشاعر كذب، ومِنْ ثَمَّ سموا الأدلة الكاذبة شعرا، وقيل في الشعر: أحسنه أكذبه ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ (٢).
السادس: إن الكلام الفصيح البليغ إنما يتفق في القصيدة: في البيت والبيتين والباقي لا يكون، وليس كذلك القرآن؛ لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.
يذكر الباقلاني فصاحة القرآن فيقول: ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ