وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهلُ الصناعة منهم وكُلُّ مَنْ زَاولَ مَبَادِئَ القَافية مِنَ المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعرًا إلا تعجلًا في الإِبطال، أو تمويهًا على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمدًا ﷺ شاعر، وأن كلامه شعر (١).
الثاني: إن الأشعار الشهيرة ومنها المعلقات - فخر العرب - تخلو من كل قيمة فكرية أو إنسانية أو روحية أو أمر أو نهي أو إرشادٍ إلى خير بخلاف القرآن العظيم، فالأوامر فيه تصل إلى الألف آية وكذلك النواهي، ويحض على فعل كل خير وينهى عن كل شرِّ، ويرشد ويهدي إلى كل صلاح ونفع في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر أبو بكر الباقلاني فصلًا جيدًا عن الشعر الحسن الذي يحلو لفظه وتقل فوائده (٢).
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فالقرآن الكريم حوى علمَ الأولينَ والآخرين فهو أصل العلوم كلها، فعلم الكلام من القرآن، وعلم الفقه وأصول الفقه وعلم النحو واللغة، وعلوم مثل التاريخ والطب والجدل وأصول الصنائع وغيرها الكثير. واشتمل على علم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ومنها أهوال يوم القيامة وأحوال الناس فيه، كما يفصل أخبار مآلهم ففريق في الجنة وفريق في السعير، ثم ينتقل إلى وصف الجنة ونعيم أهلها وإلى وصف النار وجحيم أهلها إلى ما هنالك مما لا يعلم إلا عن طريق الوحي وهذا كثير جدا في القرآن.
يقول القاضي عياض: ومن إعجازه جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد ﷺ قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات،
стр. 2242
والرد على فِرَق الأمم ببراهين قوية، وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعدُ أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم، قال الله جل اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] (١).
بل إن من خصائص القرآن الإخبار عن مستقبل الناس في الدنيا، وما سيحدث لهم من انتصار وتمكين لبعضهم، أو خزي وذلٍّ لبعض آخر، إلى آخر ما هو ليس في طوق البشر. ومَن تعاطى ذلك من المتنبئين والشعراء افْتُضِحَ فِي حِيْنِه، وما جاء في القرآن كان هو الحق المبين، فَمَنْ أصدقُ مِنَ الله حَدِيثًا. ومن إخبار القرآن عن ذلك وهو كثير قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥]. (٢)
стр. 2243
وهذا القرآن قد جاء بما حدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير من بدء الخليقة إلى حين بعثة النبي ﷺ مع كونه ﷺ أميا لا يعرف شيئا من كتب السابقين وأنبائهم.
فالقرآن ليس كتاب قصص، وليس كتاب متعة وتسلية على نحو دواوين الشعراء فهو ليس شعرا أو أدبا أو حكمة أو تاريخًا أو اجتماعا، إنما هو خلاصة لكل ما في الحياة من حقائق ومعارف وعلوم وثقافات، ومنهج كامل لكل جانب من جوانب الحياة الروحية والعقلية والاجتماعية والسياسية، فهو كتاب الإنسانية كلها، وصحيفة البشرية قاطبة (١).
يقول السيوطي: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء؛ أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها (٢).
وظهر أثر هذا الأمر في القرآن في المجتمعات التي سلَّمت له وآمنت به، كيف أثَّر فيها وغير من الأخلاق الرديئة، وأرسى الأخلاق الحميدة مع الدعوة إلى الحق والعدل والعلم، ورسم المثل الإنسانية العليا وأهداف الأفراد والشعوب وتحديد الفلاح في الدنيا والآخرة.
الثالث: هذه القصائد الجاهلية العالية الحبْك والصياغة، لا تخلو من أخطاء تندُّ عن
стр. 2244
الشاعر، ومن ذلك ما ذكره أبو بكر الباقلاني إذ درس في كتابه (١) معلقة امرئ القيس المشهورة فأبان ما اشتملت عليه من أخطاء لغوية وفنية وغيرها.
قال ابن عطية: فالله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، . . .، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطي لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام (٢).
الرابع: فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم (٣).
الخامس: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق، وتنزه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدًا، ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي، فالشعر يعتمد على المبالغة والتهويل حتى قالوا أعذب الشعر أكذبه، وليس شيء من هذا في القرآن الكريم، وكيف يكون ذلك وهو كلام الله وحده لا كلام مخلوق سواه؟ !
стр. 2245
يقول القلقشندي: لم ينزل الله القرآن على صفة نظم الشعر؛ بل نزهه عنه بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤١] وحرم نظمه على نبيه محمد؛ تشريفا لمحله وتنزيها لمقامه منبها على ذلك بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]؛ وذلك أن مقاصد الشعر لا تخلو من الكذب، والتحويل على الأمور المستحيلة، والصفات المجاوزة للحد، والنعوت الخارجة عن العادة، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان، وسب الأعراض، وغير ذلك مما يجب التنزه عنه لآحاد الناس، فكيف بالنبي ﷺ ولا سيما الشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله؟ (١).
وقال الراغب: قال بعض الكفار عن النبي ﷺ : إنه شاعر! فقيل: لِما وقع في القرآن من الكلمات الموزونة والقوافي، وقيل: أرادوا أنه كاذب، لأنه أكثر ما يأتي به الشاعر كذب، ومِنْ ثَمَّ سموا الأدلة الكاذبة شعرا، وقيل في الشعر: أحسنه أكذبه ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ (٢).
السادس: إن الكلام الفصيح البليغ إنما يتفق في القصيدة: في البيت والبيتين والباقي لا يكون، وليس كذلك القرآن؛ لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.
يذكر الباقلاني فصاحة القرآن فيقول: ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
стр. 2246
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبأن عليه الاختلال.
ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام ولذلك ضُرِبَ المَثَلُ بِامرِئِ القَيسِ إِذَا رَكِبَ والنابغةِ إذا رَهِبَ وبِزُهَيرٍ إذا رَغِبَ ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنى فإذا جاء إلى غيره قَصُرَ عنه ووَقَفَ دُونَه، . . .، ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلًا ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر تقصيرًا عجيبًا، . . .، ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قَصَّرَ وَنَقَصَ نُقْصَانا بَيِّنا ومنهم من يوجد بضد ذلك.
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة؛ فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة؛ فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت؛ بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة؛ فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر (١).
стр. 2247
يقول عبد القاهر الجرجاني: يقول ابنُ مسعودٍ في صفةِ القرآن: "لا يَتْفَهُ ولا يَتَشانُّ" (١) وقال: "إِذا وقعتُ في آلِ حم وقعتُ في رَوضات دَمِثاتٍ أتأنَّقُ فيهم" أي أَتتبَّع محاسنَهن. قال ذلك من أجلِ أوزان الكلمات ومن أجل الفواصلِ في أواخرِ الآيات (٢).
السابع: أن كل من قال شعرًا فصيحًا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة بل ولم يظهر التفاوت أصلًا.
الثامن: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة؛ لذا يبتعد الشعر عنها وتقل في الشعر الجاهلي خاصةً.
التاسع: مما يقوله القاضي عياض: ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورًا، ويودون انقطاعه لكراهتهم له، وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته تُولِيه انجذابًا ليل قلبه إليه وتصديقه به، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
стр. 2248
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] وقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] ويدل على أن هذا شيء خُصَّ القرآن به أنه يَعْتَرِي مَنْ لا يفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره، كما روى عن نصراني أنه مر بقارئ، فوقف يبكى. فقيل له: مم بكيت؟ قال: للشجا والنظم.
وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وَهْلَةٍ، ومنهم من كفر، فَحُكِيَ في الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ وإلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير للإسلام (١).
وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي ﷺ فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم: ﴿حم﴾ فصلت إلى قوله: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة بيده على فِي النبي ﷺ وناشده الرحم أن يكف، وفي رواية: فجعل النبي ﷺ يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي ﷺ وقام عتبة لا يدرى بم يراجعه، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم، وقال: والله لقد كلمني بكلام، والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له (٢).
وقال مالك بن نبي: وهناك شهادات سجلتها لنا السيرة في ذلك العصر، تقدم لنا معلومات واسعة عن التأثير الغلاب الذي كان لآيات القرآن على النفس البدوية.
فعمر ﵁ يتحول إلى الإسلام بفعل هذا التأثير، على حين قد عبر الوليد بن المغيرة الذي كان مثالا في الفصاحة والفخر الأدبي عن رأيه في (سحر القرآن) بقول: والله، . . .، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه.
стр. 2249
هذه اللغة التي لم تعبر حتى تلك اللحظة - قبيل الرسالة - إلا عن ذكاء بدو الصحراء، تحتاج بقدر ما أن تثري لكي تشبع رغبات عقل واجهته - منذ ذلك الحين - المشاكل الغيبية والشرعية والاجتماعية بل العلمية أيضًا. (١)
العاشر: مما يقوله القاضي عياض: ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهى، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد، وإثبات نبوة وتوحيد وتفريد، وترغيب وترهيب إلى غير ذلك من فوائده دون خلل يتخلل فصوله. والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته، ولانت جزالته، وقل رونقه، وتقلقلت ألفاظه؛ فتأمل أول (ص) وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، وما ذكر من تكذيبهم بمحمد ﷺ وتعجبهم مما أتى به والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر، وما ظهر من الحسد في كلامهم وتعجيزهم وتوهينهم ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم، وإهلاك الله لهم، ووعيد هؤلاء مثل مصابهم، وتصبير النبي ﷺ على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام (٢).
الحادي عشر: مما يقوله أبو بكر الباقلاني: كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وُصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه؛ حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له في مواضع معدودة خُروجٌ يُرْتَضَى، وتَنَقُّلٌ يُسْتَحْسَنُ، أما القرآن فإنه على اختلاف فنونه، وما يتصرف
стр. 2250
فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف (١).
الثاني عشر: إنه لا يزال الناس قديما وحديثا إذا سُرُّوا مِن كلامٍ أو أسلوبٍ وأعجبهم جماله حَاكُوه وقَلَّدُوه.
يقول الباقلاني: الناس إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة. وكذلك رأينا أصحاب هذا الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربما أدركَ اللَّاحِقُ السَّابِقَ وأَرْبَى عليه، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض. وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبدة، تؤخذ بالتعلم، وتراض الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم، وهم شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟
وما ذاك إلا لأن فيه من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجُمله وآياته، من نظام له سمتٌ وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظام تعاطاه الناس أو يتعاطونه. فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه. يقول ابن عطية: لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد.
وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين؛ لأفسد بذلك مزاجه في فم كل قارئ، ويجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغل
стр. 2251
دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
الثالث عشر: أن الشعر قاله ويقوله الناس - منذ أن نطق الإنسان - المجيدون منهم الآلاف بل يزيدون، فضلا عن غيرهم، بل إن الشعراء المجيدين يفاضل الناس بينهم فيقولون: فلان أَشْعَرَ من فلان أو فلان أشعر الناس في الهجاء، وفلان أشعر الشعراء في الوصف، وآخر في الرثاء إلى غير ذلك.
وليس شيء من هذا في القرآن في دبير أو نفير، فإذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء؛ فإن ذلك لم يكن مسلما به حتى في زمانه.
يقول عبد القاهر الجرجاني: في حديث علقمة الفحل أنه لما قال له امرؤ القيس، وقد تناشدا: أَيُّنَا أَشعرُ؟ ، قال: أنا، غيرَ مُكْتَرِثٍ ولا مُبالٍ، حتى قال امرؤ القيس: فقُلْ وَانْعَتْ فَرَسَكَ وناقتَك، وأقولُ وأَنْعَتُ فرسي وناقتي.
فقال علقمة: إني فاعل، والحكَمُ بَيْني وبَينك المرأةُ من ورائك، يعني أُمَّ جُنْدُب امرأة امرئ القيس، فقال امرؤ القيس:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ ... نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
وقال عَلْقمة:
ذَهَبْتَ مِنَ الهِجْرَانِ في كُلِّ مَذْهَبِ ... وَلَمْ يَكُ حَقًّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ
وتحاكما إلى المرأة، ففَضَّلَت علقَمة.
ويقول عبد القاهر: وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدا في الشعر ويقولون: "قد ظلمه حقَّه من جعله كالنابغة". قالوا: "وعامة أهل الحجاز على ذلك".
стр. 2252
ورُوِيَ عن أبي عبيدة أنه قال: أشعرُ الناس ثلاثةٌ: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أَبي سُلْمَى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم.
ورُوي عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بَعَثني المنصور إلى حَمّادٍ الراوية أسأله عن أشعر الناس، فأتيتُه وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس.
فقال: ذاك الأعشى صَنَّاجُها.
ويقول: ويزيد الأمر بيانًا أنا رأيناهم حين طبَّقوا الشعراءَ جعلوا امرأَ القيس بنَ حجر، وزهيرًا، والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أَكفاءٌ ونُظَراء، وأن فضلًا إن كان لواحدٍ منهم، فليس بالذي يُوئِسُ الباقين من مُدَاناتِه، ومن أن يستطيعوا التعلق به والجري في مَيْدَانه ويمنعهم أن يدَّعوا لأنفسهم أو يُدَّعَى لهم أنهم ساوَوهُ في كثير مما قالوه أو دَنَوْا منه، وأنهم جَرَوا إلى غايَتِه أو كادوا، وإذا كان هذا صورة الأمر، كان من العَمَى التعلُّقُ به، ومن الخَسَار الوُقوعُ في الشُّبْهَة. (١)
ونحن أمام قرآن عظيم ما قال بمثله ولا بمثل سورة منه إنس ولا جان فهو ليس كالشعر الذي يقوله الكثير، ثم يُفاضل بينهم.
الوجه العاشر: إن فساد معاني الأبيات بما لا يقتضيه واقع العرب وعقيدتها الجاهلية يفضح كذب ادعائها على الشعر الجاهلي كله .
ولنتساءل كيف تكون تلك الأبيات لامرئ القيس المشهور؟ ! ثم يأتي رسول الله ﷺ بكلام مسروق من شعره يعرضه على قريشٍ التي هي أفصح العرب وأحفظهم لشعر الشعراء، وبلغ منهم أن عظَّموا القصائد وعلقوها على الكعبة، ولا يخرج رجل واحد منهم حافظ للشعر، ويقول له: أنت يا محمد نقلت تلك الأبيات من امرؤ القيس، ثم يأت فلان العجمي بعد ألف وأربعمائة سنة ليقول لنا: خذوا تلك أبيات امرؤ القيس التي نقلها نبيكم في القرآن! .
стр. 2253
هذا ما يخالف العقل من جوانبه، ولو افترضنا مرة أخرى ثبوت الأبيات، فإن أي نقد يوجه إليها يوضح ضعف سبكها، وسقم معناها، وسخف بعض التراكيب فيها بما لا يتناسب مع شاعر جزل كامرئ القيس؛ بل يشعر المرءُ بمجرد قراءة تلك الأبيات أنها أقرب إلى النظم المفتعل الذي وضع صاحبه أمام عينيه آيات القرآن الكريم وأَخَذَ يجتهدُ في تضمينها أبياته، فالكلامُ مهلهلٌ، وغير مستوٍ، وفيه فجوات يملؤها الناظم كيفما اتفق.
فمن الأبيات التي ذكرها المناوي قوله:
إذا زلزلت الأرض زلزالها ... وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ... ليوم الحساب ترى حالها
وهي أبيات لا يمكن أن تصدر عن امرئ القيس، فليست هي من معهود شعره، كما أن أهل الجاهلية لم يكونوا يؤمنوا بالبعث، فضلًا عن أن يذكروا تفاصيل إخراج الأرض لأثقالها، وقيام الأنام لربهم، مع حضور الرسل ليوم الحساب، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق، إلا ما نقل عن الحنفاء الذين عرف اتصالهم بأهل الكتاب، ووجد في شعرهم شيء من ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، وامرؤ القيس ليس منهم قطعًا.
والبيت الأول لا يستقيم في ميزان الشعر ألبتة، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن، وليس هناك رواية مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل، مما يدلك على أن أصل نسبة تلك الأبيات خطأ محض.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء المتخبطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى الجاهلية، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بدحض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية (١).
стр. 2254
وردَّ عليهم العلامة محمد رشيد رضا: لولا أن في القراء بعض العوام، لما كنتَ في حاجة إلى التنبيه على أن هذه القصيدة يستحيل أن تكون لعربي، فهي في ركاكة أسلوبها، وضعف موضوعها بريئة من شعر العرب فكيف يصح أن تكون لحامل لوائهم، وأبلغ بلغائهم؟ !
فما معنى: "دنت الساعة" في البيت؟ إن كان المراد بالساعة يوم القيامة، فالجاهليون لم يكونوا يؤمنوا بالمعاد، فضلًا عن أن يذكروه في أشعارهم أو يضعوه في قصائدهم، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبيبة كما قد يُفهم، فما المراد حينئذ بقوله (وانشق القمر)؟ فإن كان المراد انشقاق القمر فعلًا، فهذا كذب، إذ لم ينشق القمر في عهدهم أبدًا؛ بل انشق على عهد النبي ﷺ كما جاء في القرآن والروايات، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة، فليس من عادة العرب التعبير عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر، وما وجه الحسن في انشقاقه ليشبه به المحبوبة، وقد دأب العرب على تشبيه حسن النساء بالبدر حين اكتماله، لا بانشقاق القمر، فأي ركاكة في أسلوب هذا البيت؟ !
هذا التفسير العقلي المبسط يجعلنا نفهم أن قوله: (دنت الساعة وانشق القمر) قد ألصق إلصاقا بالقصيدة فأدى إلى معنًى مستشنع يدلُّ على أنه غريب عن بقية الأبيات، ... ، تماما الحال بالنسبة لبقية الأبيات المشبهة بآيات القرآن.
والبيت الذي فيه:
مَرَّ يوم العيد بي في زينة ... فرماني فتعاطى فعقر
فأَيُّ عيد كان عند الجاهلية يمر فيه الغلمان متزينين؟ وأليس يوم العيد احتفالًا إسلاميًا؟ فكيف يكون هذا كلام امرئ القيس الجاهلي وَيَذْكُرُ فيه يوم العيد وهو من مات قبل مولد نبينا ﷺ بثلاثين عامًا أو أكثر، فهل هذا الشعر جاهليًا؟
وهل يسمح لك ذوقك بأن تصدق أن امرأ القيس يقول ذلك؟ كما يظهر من ركاكة الأسلوب، قوله: (فتعاطى) إذ جاء بعد قوله: (فرماني) فإذا كان قد رماه، فأي شيء تعاطاه، والتعاطي هو تناول الشيء، فلماذا يتعاطى شيئا بعد أن رماه! وكان المفترض أن
стр. 2255
يتعاطى شيئًا، ثم يرميه به، وليس في القرآن (فرماني فتعاطى فعقر) ومعناه في الآية: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩] أنه تناول رمحًا، أو خنجرًا، فعقر الناقة به، والإبل تعقر في نحورها، والعُشَّاق إنما يرمون باللحاظ في قلوبهم، فهل يقول العربي بعد ما قال إن محبوبه رماه: إنه تعاطى بعد ذلك فعقر؟ وقد جاء بعد هذا قوله: (بسهام من لحاظ) أي: أنه قد رماه بسهام من سهام العيون، وإذا كان الأمر كذلك، فما فائدة قوله: فتعاطى فعقر. إلا الزيادة في قبح الأسلوب ورداءة المعنى؟
الوجه الحادي عشر: مخالفة الشبهة لمقتضى العقل وانعدام المنهج العلمي في تقريرها .
هذا القرآن العظيم الحكيم الذي أعجز الخلق أجمعين في كل شيء من خصائصه ما كان يمنع محمدًا أن ينسبه إلي نفسه إن كان يبغي سيطرةً وسلطانًا وهو من جمعه وأَلَّفَهُ مِنْ شِعر مَن سبقه، ثم هو ﷺ ينسبه لغيره، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
يقول الدكتور عبد الله دراز: والذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسْطُون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خَفَّ حملُه، وغَلَت قِيمتُه، وأُمِنَتْ تُهْمَتُه حتى أن منهم من يَنبِشُ قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينةٍ من تلك الأثواب المستعارة. أما أن أحدًا يَنْسِبُ لغيره أَنْفَسَ آثارِ عَقْلِهِ وأغلى ما تجود به قريحته فهذا مَا لَم يَلِدْهُ الدَّهْرُ بعد.
ويقول: أيُّ مصلحة للعاقل الذي يدّعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أيُّ مصلحةٍ له في أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه (١).
هذا وإن العرب مع حرصهم الشديد على معارضة النبي ﷺ وكثرة تحديه الدائم لهم لم يطق أحد منهم أن يعارض القرآن، ولا يقال: إن النبي ﷺ بلغ من العبقرية مبلغا بحيث لم
стр. 2256
يستطع أحد أن يأتي بمثل ما قال؛ لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيألفوا قرآنا، ومعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد.
ولنا أن نتسائل كيف يكون القرآن الكريم قد أخذ من الشعر؟ فمن هو الآخذ، ومن هو الشاعر المأخوذ من شعره، وأين هذا المأخوذ، وكيف كان الأخذ ومتى حدث؟
بل يستحيل في العقل وفي العادة أن يكون على فرض أولئك الأقوام أن يكون الله تعالى خالق الكون والإنس والجن ولغاتهم هو الآخذ، فهم لا يعنون بذلك إلا محمدًا ﷺ أخذ من شعر العرب الجاهليين الأميين، والقرآن حاوي العلوم جميعها فلا يكون الجهل مصدرا للعلم أبدا ومن هو المأخوذ منه؟ يقولون: امرؤ القيس فيكون بعد ذلك يقول فيه الرسول ﷺ : هو حامل لواء الشعراء إلى النار. وكيف هي المؤهلات التي عند امرئ القيس وشعره حتى يؤخذ منه القرآن وإن شعره مليء بالغريب والأخطاء الفنية والأدبية على نحو ما ذكر الباقلاني في إعجاز القرآن (١)، بل قد مَرَّ في الوجه التاسع أنَّ اقتباسَ القرآن من الشعر يستحيل للبعد الشاسع بينهما في الموضوعات والمعاني والأسلوب وفي كل شيء.
ثم أين هو شعر امرئ القيس؟ يقول الأصمعي: كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفًا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء.
فما نحل عليه كثير وكل الذي نحل عليه هو مما صنعه المولدون في عصور الإسلام فاقتبسوا في الشعر المنحول بعض آيات وكلمات القرآن الكريم.
ولو قلنا إن غرض هؤلاء الملفقين لهذه الشبهات التحري والوصول إلى الحقيقة خدمة للإنسانية ووقع لهم أن هذه الأبيات لامرئ القيس، فَلِمَ جزموا أنها للشاعر الجاهلي والقرآن كلام رب العالمين قد أخذ منها ولم يسألوا أنفسهم أنها ربما كانت لشاعر إسلامي اسمه (امرئ القيس) قد أخذ واقتبس في أبياته ألفاظ القرآن الكريم على عادة كثير من الشعراء الإسلاميين.
стр. 2257
فكم عدد الشعراء اللذين تَسَمَّوا بامرئ القيس؟ فيكون الجواب أنهم كُثْرٌ، فأَيُّهُم صاحب تلك الأبيات لو قلنا أنها لامرئ القيس؟
وهل وجد شاعر منهم بعد النبي ﷺ ؟ الأمر الذي يعني أن هذا الشاعر هو مَن اقتبس مِن القرآن الكريم، لقد كان المنهج العلمي والتحري في معرفة الحقائق يتطلب منهم هذه المباحث فنقول لهم الشعراء الذين تَسَمَّوا بامرئ القيس كالآتي:
الأول: امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، الشاعر الجاهلي، وأشهر الشعراء على الإطلاق، وهو أَوَّلُ مَن قَصَّدَ القَصَائِدَ، وذكر الوقائع، ولم يكن لأوائل العرب إلا أبياتا يقولها الرجل في حاجته وتعزيته وتاريخه وغير ذلك. عاش من سنة ١٣٠ قبل الهجرة إلى سنة ٨٠ قبل الهجرة وهو الذي قصده المستشرقون الحاقدون.
الثاني: امرؤ القيس بن جبلة السكوني وهو جاهلي، مِمَّنْ لم يصلنا الكثير من شعره.
الثالث: امرؤ القيس الكلبي وهو امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن عبد الله وهو شاعر جاهلي عاصر المهلهل بن ربيعة.
الرابع: امرؤ القيس الزهيري وهو امرؤ القيس بن بحر الزهيري شاعر جاهلي أيضًا وهو ممن وصلنا القليل من شعره.
الخامس: امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس، وفد إلى النبي ﷺ فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة، وهو الذي خاصم الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه. قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي. فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مالًا لقي الله وهو عليه غضبان. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله ما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة" قال: فأشهدك أني قد تركتها له (١).
стр. 2258
ومن شعر امرئ القيس هذا:
قف بالديار وقوف حابس ... وتأن إنك غير آيس
لعبت بهن العاصفات ... الرائحات من الروامس
ماذا عليك من الوقوف ... بهالك الطللين دارس
فلو قلنا: إن الأبيات التي توافق سورة القمر ليست من شعر الإسلاميين فلنقل إنها لهذا الشاعر، ونَظَمَ تلك الأبيات واقتبس فيها من القرآن الكريم حبًا في كلام الله أن يضع منه في قصائده وليس كفرًا منه أو تحديًا.
فالجزم أن امرأ القيس الشاعر الجاهلي المشهور، الذي بُعِثَ النبي ﷺ بعد موته بما يصل إلى سبعين سنة (١)، هو صاحب تلك الأبيات افتراء لا مرية في ذلك.
والنبي ﷺ باعتراف خصومه: كما ولد أميا نشأ أميًا وعاش أميًا فما كان يتلو من قبل القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه فكيف يأخذ من شعر السابقين؟ فلا بد أن يكون المعلم له حيا يعلمه عن طريق التلقين لا عن طريق الكتابة والتدوين فمن هو ذلك المعلم؟ سَمُّوهُ لَنَا.
يقول دراز - ردا على من قال أنه يُعلِّمه بشر -:
يقال له كما قيل للذين يخلقون لله شركاء لا وجود لهم في الخيال والوهم ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣]
بل نقول هل ولد هذا النبي في المريخ، أو نشأ في مكان قصي عن العالم فلم يهبط على قومه إلا بعد أن بلغ أشده واستوى ثم كانوا بعد ذلك لا يرونه إلا لمامًا؟ ألم يولد في حجورهم؟ ألم يكن يمشي بين أظهرهم ويصبحهم ويمسيهم؟ ألم يكونوا يرونه بأعينهم في حله ورحيله؟ ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ [المؤمنون: ٦٩]. طوعت لهم أنفسهم أن يقولوا ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ولكن هل تراهم كانوا في هذه الكلمة جادين؟ كان كل
стр. 2259
همهم أن يدرءوا عن أنفسهم معرة السكوت والإفحام بأي صورة تتفق لهم من صور الكلام بالصدق أو بالكذب؟ ومن هو ذلك البشر الذي قالوا أنه يعلمه؟
ما اجترءوا أن ينسبوا هذا التعليم لواحد منهم؟ كلا فقد رأوا أنفسهم أوضح جهل من أن يعلموا رجلًا جاءهم بما لم يعرفوا ولا آباؤهم. . . وجدوا أنفسهم مضطرين أن يلتمسوا شخصًا يتحقق فيه شرطان: أحدهما: أن يكون من سكان مكة نفسها لتروج عنهم دعوى أنه يلاقيه ويملي عليه بكرةً وأصيلًا (١).
وثانيهما: أن يكون من غير جلدتهم وملتهم ليمكن أن يقال إن عنده علم ما لم يعلموا. وقد التمسوا هذه الأوصاف فوجدوها، أتدري أين وجدوها؟ . . في حداد رومي! !
نعم وجدوا في مكة غلامًا تعرفه الحوانيت والأسواق، ولا تعرفه تلك العلوم في قليل ولا كثير. غير أنه لم يكن أميًا ولا وثنيًا مثلهم، بل كان نصرانيًا يقرأ ويكتب. فكان من أجل ذلك خليقًا في زعمهم أن يكون أستاذًا لمحمد، وبالتالي لعلماء اليهود والنصارى والعالم أجمعين، ولئن سألتهم هل كان ذلك الغلام فارغًا لدراسة الكتب وتمحيص أصيلها من دخيلها، ورد متشابهها إلي محكمها؟ وهل كان مزودًا في عقله ولسانه بوسائل الفهم والتفهيم؟ . . . لعرفت أنه كان حدادًا منهمكًا في مطرقته وسندانه، وأنه كان عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ولا أحد من قومه. لكن ذلك كله لم يكن ليحول بينه وبين لقب الأستاذية الذي منحوه إياه على رغم أنف الحاسدين! وهكذا فمن ضاقت به دائرة الجد، لم يسعه إلا فضاء الهزل، وهكذا أمعنوا في هزلهم حتى خرجوا عن وقار العقل، فكان مثلهم كمثل من يقول: إن العلم يستقي من الجهل، وإن الإنسان يتعلم كلامه من الببغاء! وكفى بهذا هزيمة وفضيحة لقائله ﴿لِسَانُ الَّذِي
стр. 2260
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (١).
ويقول دراز: هؤلاء قوم محمد ﷺ وهم كانوا أحرص الناس على خصومة، وأدرى الناس بأسفاره ورحلاته، وأحصاهم لحركاته وسكناته، قد عجزوا كما ترى أن يعقدوا صلة علمية بينه وبين أهل العلم في عصره. فما للملحدين اليوم وقد مضى نيف وثلاثة عشر قرنًا انفضت فيها سوق الحوادث، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، لا يزالون يبحثون عن تلك الصلة في قمامات التاريخ، وفي الناحية التي أنف قومه أن ينبشوها؟
ألا فليريحوا أنفسهم من عناء البحث، فقد كفتهم قريش مئونته. وليشتغلوا بغير هذه الناحية التي قضى التاريخ والمنطق على كل محاولة فيها بالفشل. فإن أبوا فليعلموا أن كل شبهة تقام في وجه الحق الواضح سيحيلها الحق حجة لنفسه يضمها إلى حججه وبيناته (٢).
* * *
стр. 2261
١٥ - شبهة: ادعاؤهم اقتباس محمد الوحي من ورقة بن نوفل .
لقد دأب المستشرقون من عهد بعيد على اتهام سيدنا رسول الله ﷺ بالأخذ عن أشخاص من أهل زمانه، فكان من ذلك: زعمهم أنه تلقى عن ورقة بن نوفل، ذهب إلى ذلك قديمًا (درمنغام) وغيره، وذهب إليه حديثًا البروفيسور (مونتكمري واط) ويوسف إلياس الحداد وغيرهما.
قالوا: السر الكبير في ثقافة محمد الكتابية والإنجيلية وجود العالِم المسيحي ورقة بن نوفل من بني أسد ابن عم السيدة خديجة في جوار النبي ﷺ ، وهو الذي زوجه ابنة عمه، فقد أجمعت الآثار على أن ورقة تنصر، وكان يترجم التوراة والإنجيل إلى العربية، فهو إذن عالم مسيحي كبير، وقد عاش محمد في جواره خمسة عشر عامًا قبل مبعثه، ألا تكفي هذه المدة لنابغة العرب محمد بن عبد الله لكي يأخذ عنه شيئًا من علوم التوراة والإنجيل، وينصُّ صحيح البخاري على أن ورقة هو الذي ثبَّتَ محمدًا في دعوته وبعثته لما عاد خائفًا من غار حراء، وعلى أن الوحي فتر لما توفي ورقة، وحاول محمد الانتحار مرارًا لفقده وفتوره.
وقالوا: إن الدعوة المحمدية كانت في العهد المكي كتابية إنجيلية توراتية مسيحية يهودية، والقرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله، وكان محمد متأثرًا إلى أبعد الحدود باليهود والنصارى، حتى كأنه واحد منهم مع غلبة المسحة المسيحية (١).
والرد على الشبهات كما يلي:
أولًا: بذكر ردود إجمالية ومنها:
١ - إثبات نبوة النبي محمد ﷺ وخصائص وأسباب اصطفائه.
٢ - إثبات حال العرب قبل الإسلام وعلى أي دين كانوا يدينون.
ثانيًا: ذكر ردود تفصيلية، وذلك بأن نفَصِّل الشبهات الدائرة حول ورقة بن نوفل، فهناك عدة شبهات تتعلق بكل مطلب من هذه المطالب:
١ - طبيعة تدين ورقة بالنصرانية.
стр. 2262
٢ - تعليم ورقة لمحمد ﷺ .
٣ - اللقاءات بين ورقة ومحمد ﷺ .
٤ - موقف قريش من ورقة.
٥ - دور ورقة من زواج محمد ﷺ بخديجة.
٦ - ادعائهم أن لخديجة وأبي طالب دور لتنصير محمد كَوكَلاء عن ورقة.
٧ - القرآن وورقة.
٨ - ترجمة ورقة للكتاب المقدس وتحويل الترجمة إلى قرآن.
٩ - محاولة انتحار محمد ﷺ بعد موت ورقة حيث فتر الوحي.
١٠ - ادعاؤهم أن ورقة قام بتنظيم مؤلف من: أبي بكر وسلمان الفارسي وصهيب وغيرهم.
١١ - أخت ورقة ودورها مع عبد الله والد النبي ﷺ .
١٢ - ادعاء أن من حاضنات النبي ﷺ من كن نصرانيات كأم أيمن وحليمة.
١٣ - ادعاؤهم أن الجزيرة العربية كانت على الديانة النصرانية.
وإليك التفصيل
أولًا: ذكر ردود إجمالية ومنها:
١ - إثبات نبوة النبي محمد ﷺ ، وخصائصه، وأسباب اصطفائه .
إجراء المعجزات على يد النبي ﷺ -:
قال ابن تيمية: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر؛ بل وعن مقدور جنس الحيوان، وأما خوارق مخالفيهم كالسحرة والكهان فإنها من جنس أفعال الحيوان من الإنس وغيره من الحيوان والجن؛ مثل قتل الساحر وتمريضه لغيره، فهذا أمر مقدور معروف للناس بالسحر وغير السحر، وكذلك ركوب المكنسة أو الخابية وغير ذلك حتى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد هذا فعل مقدور للحيوان؛ فإن الطير يفعل ذلك والجن تفعل ذلك، وقد أخبر الله أن العفريت قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وهذا تصرف في أعراض الحي فإن الموت والمرض والحركة أعراض، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه
стр. 2263
الأعراض ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختص الرب بالقدرة عليه ولا ما تختص به الملائكة، وكذلك إحضار ما يحضر من طعام أو نفقة أو ثياب أو غير ذلك من الغيب، وهذا إنما هو نقل مال من مكان إلى مكان وهذا تفعله الإنس والجن، لكن الجن تفعله والناس لا يبصرون ذلك، وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيرًا بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها فهذا لا يقدر عليه إنسي ولا جني. (١)
معرفة النبي محمد ﷺ أمورًا غيبية من لدن الله:
قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧].
قال ابن تيمية: فهذا غيب الرب الذي اختص به الرسول؛ مثل علم الرسول بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق فإن هذا لا يقدر عليه إلا الله، والجن غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء مع ما في الجن من الكذب فلا بد لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو مما يعلم بالمنامات وغير المنامات فهو من جنس المعتاد للناس، وأما ما يخبر به الرسول من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلًا مثل إخباره إنكم تقاتلون الترك صغار الأعين، ذلف الأنوف، ينتعلون الشعر، كأن وجوههم المجانُّ المطرقة، وقوله: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، ونحو ذلك فهذا لا يقدر عليه جني ولا إنسي، والمقصود أن ما يخبر به غيرُ النبي من الغيب معتاد معروف نظيره من الجن والإنس فهو من جنس المقدور لهم، وما يخبر به النبي خارج عن قدرة هؤلاء وهؤلاء؛ فهو من غيب الله الذي قال فيه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
قال: وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة مع الكذب في بعض الأخبار فهذا تفعله الجن كثيرًا مع الكهان وهو معتاد لهم مقدور. . . والكهان لا بد لهم من الكذب، والرب
стр. 2264
قد أخبر في القرآن أن الشياطين تنزل على بعض الناس فتخبره ببعض الأمور الغائبة؛ لكن ذكر الفرق فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾، كذلك مسرى الرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه الرب من آياته، فخاصة الرسول ليست مجرد قطع هذه المسافة؛ بل قطعها ليريه الرب من الآيات الغائبة ما يخبر به، فهذا لا يقدر عليه الجن وهو نفسه لم يحتج بالمسرى على نبوته بل جعله مما يؤمن به فأخبرهم به ليؤمنوا به، والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلا فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾؛ قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به؛ وهذا كما قال في الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾، ومعلوم أن النبي إذا دعا الجن إلى الإيمان به فلا بد أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجن، فلا بد أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجن، وما يأتي به الكاهن من خبر الجن وغايته أنه سمعه الجني لما استرق السمع مثل الذي يستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون. (١)
انتشار دينه: عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض". (٢)
استحالة كذب النبي ﷺ , وإثبات أن أخلاقه موافقة لأخلاق الأنبياء:
عن عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ - في المُدَّةِ التي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ
تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الله، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَي هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. (١)
اللسان العربي الذي سيكون لغة وحي الله الخاتم هل هذا اللسان تتوفر فيه مميزات وفضائل غير متوفرة في غيره من اللهجات واللغات؟
قال ابن تيمية: فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة. (٢)
٢ - إثبات حال العرب قبل الإسلام وعلى أي دين كانوا يدينون:
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ الله نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتِلىَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ". (٣)
كنيسة صنعاء:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ أَبْرَهَةَ بَنَى الْقُلّيْس بِصَنْعَاءَ، فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمّ كَتَبَ إلَى النّجَاشِيّ: إنّي قَدْ بَنَيْتُ لَك أَيّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَك، وَلَسْت بِمُنْتَهٍ حَتّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجّ الْعَرَبِ، فَلَمّا تحَدّثَتْ الْعَرَبُ بِكِتَابِ
стр. 2267
أَبْرَهَةَ ذَلِكَ إلَى النّجَاشِيّ غَضِبَ رَجُلٌ مِنْ النّسَأَةِ أَحَدُ بَنِي فُقَيْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاس مِنْ مُضَرَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ الْكِنَانِيّ حَتّى أَتَى الْقُلّيْس فَقَعَدَ فِيهَا - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا -، ثُمّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي تَحُجّ الْعَرَبُ إلَيْهِ بِمَكّةَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَك: "أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجّ الْعَرَبِ" غَضِبَ فَجَاءَ فَقَعَدَ فِيهَا، أَيْ: أَنّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلِ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَن إلَى الْبَيْتِ حَتّى يَهْدِمَهُ، ثُمّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيّأَتْ وَتجَهّزَتْ، ثُمّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ، فَأَعْظَمُوهُ وَفَظِعُوا بِهِ، وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةِ بَيْتِ الله الْحَرَامِ. (١)
ثانيًا: الردود التفصيلية:
المطلب الأول: حياة ورقة بن نوفل ومراحلها .
الشبهات في هذا المطلب مآلها إلى الآتي:
١ - المدة الزمنية لحياة ورقة النصرانية: فعندهم أنه كان قسيسًا قبل ولادة النبي ﷺ ، وكان يتفطن في من سيلد محمدًا ﷺ ، ويستعد ورقة لتهيئة الظروف المواتية لإعداد محمد ﷺ قبل أن يأتي إلى الدنيا.
٢ - ورقة كان ملازمًا لمحمد دائمًا في جميع مراحل حياته كما يلازم الظل الجسد.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ورقة لم يعرف النصرانية إلا متأخرًا فكيف يقال: كان قسيسًا قبل ولادة النبي ﷺ -
ورقة بن نوفل لم يكن قد تنصر قط في حياة عبد الله والد نبينا محمد ﷺ فضلًا عن أن يكون قسًا وعالمًا نصرانيًا مستبحرًا في علوم ديانته. فإنه تنصر عندما ذهب للشام بعد ما كان في الحبشة، فعندما علم بقرب ظهور النبي الخاتم وهو بالشام ذهب إلى مكة مرة أخرى، فعند
стр. 2268
اقتراب بعثة النبي ﷺ كان الرُّهبان يتناقلون مقولتهم الشهيرة، حيث قد قالها أحدهم لزيد بن عمرو: فقال له الراهب: إنك لتطلب دينًا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية، فلما قال له ذلك رجع يريد مكة (١).
والروايتان السابقتان توضحان بجلاء أن ورقة بن نوفل ظل مشركًا إلى ما بعد ولادة النبي محمد ﷺ ، ثم إنه لم يتنصر إلا بعد عدة سنوات من سفرٍ هنا وهناك حتى استقر بالشام، وبعض الروايات توضح أنه تهود قبل أن يتنصر، وظل ورقة بالشام فترة من الواضح أنها كانت طويلة تكفي لتعلمه النصرانية وتبحره في دراستها، حتى أن النبي ﷺ تزوج من خديجة ومازال ورقة بالشام، وهذا ما سيتضح أيضًا في الوجه الثالث.
الوجه الثاني: مكث ووقة يتعلم النصرانية وفي نفس الوقت جاء الوحي للنبي ﷺ -
ورقة ظلَّ فترة في الشام ليتعلم النصرانية، وفي هذه الفترة كان نبينا محمد ﷺ قد كبر واشتد عوده وأتته إرهاصات النبوة في حالة كونه غلام، وكان بعد ذلك على الحنيفية في تعبده وأخلاقه ومعاملاته، فأين ورقة من كل ذلك؟ !
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ لقي زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النبي ﷺ الوحي فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِي ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ، وَإنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا الله، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ الله إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ (٢).
قال السهيلي: فِي هذا الحديث سُؤَالٌ يُقَالُ: كَيْفَ وَفّقَ الله زَيْدًا إلَى تَرْكِ أَكْلِ مَا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ الله عَلَيْهِ، وَرَسُولُ الله ﷺ كَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ فِي الْجَاهِلِيّةِ لِمَا ثَبّتَ الله؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 2269
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَقِيَهُ بِبَلْدَحَ، فَقُدّمَتْ إلَيْهِ السّفْرَةُ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنّمَا فِي الْحَدِيثِ أَنّ زيدًا قَالَ حِينَ قُدّمَتْ السّفْرَةُ: لَا آكُلُ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ الله عَلَيْهِ.
ثانيهما: أَنّ زَيْدًا إنّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِ رَآهُ لَا بِشِرْعِ مُتَقَدّمٍ، وَإِنّمَا تَقَدّمَ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لَا بِتَحْرِيمِ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ الله، وَإِنّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَبَعْضُ الْأُصُولِيّينَ يَقُولُونَ: الْأَشْيَاءُ قَبْلَ وُرُودِ الشّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا وَقُلْنَا: إنّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْكُلُ مِمّا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ فَإِنّمَا فَعَلَ أَمْرًا مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا أَيْضًا: إنّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَلَا عَلَى التّحْرِيمِ وَهُوَ الصّحِيحُ فَالذّبَائِحُ خَاصّةٌ لَهَا أَصلٌ فِي تَحْلِيلِ الشّرْعِ المُتَقَدّمِ كَالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا أَحَلّهُ الله تَعَالَى فِي دِينِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي ذَلِكَ التّحْلِيلِ المُتَقَدّمِ مَا ابْتَدَعُوهُ حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَنْزَلَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أَلا تَرَى كَيْفَ بَقِيَتْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَنَا عَلَى أَصْلِ التّحْلِيلِ بِالشّرْعِ المُتَقَدّمِ وَلَمْ يَقْدَحْ فِي التّحْلِيلِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْكُفْرِ وَعِبَادَةِ الصّلْبَانِ، فَكَذَلِكَ كَانَ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مُحَلا بِالشّرْعِ الْمُتَقَدّمِ حَتّى خَصّهُ الْقُرْآنُ بِالتّحْرِيمِ (١).
فهذا دليل واضح أن زيد بن عمرو ترك ورقة في الشام يتعلم النصرانية، وعندما رجع إلى مكة كان النبي محمد ﷺ شابًا، بل قد تزوج النبي من خديجة؛ لأن زيد بن حارثة قد وهبته خديجة لمحمد بعد زواجهما، فما أتى ورقة إلى مكة إلا بعد زواج محمد ﷺ من خديجة وقرب بعثة محمد ﷺ للنبوة.
ومن الإرهاصات التي أتت للنبي ﷺ ولم يكن ورقة مشرفًا عليها مثل:
١ - شق الصدر في الصغر.
٢ - تسليم الحجر والشجر على محمد ﷺ .
стр. 2270
لذلك نقول بجلاء: إنه ليس لورقة علاقة بتمهيد وتسهيل النبوة لمحمد ﷺ ، وليس له دور في تكوين شخصية محمد ﷺ ، بل إن ربَّه ربَّاه كما ربَّى موسى على عينه.
الوجه الثالث:
عودة ورقة من الشام إلى مكة كانت قرب وفاته وقرب وفاة زيد بن عمرو، وكان ذلك قرب سنة بناء الكعبة؛ فوقتئذٍ كان عُمْرُ النبي ﷺ اقترب من السابعة والثلاثين، ولم يصل ورقة إلى مكة بعد تنصره، قال زيد بن حارثة: ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث رسول الله ﷺ (١).
ومن قريب أثبتنا أن زيد بن عمرو رجع من رحلته من الشام وثبت على ملة إبراهيم ﵇، وبعد ذلك كله قابل محمدًا ﷺ ومعه زيد بن حارثة وذلك كان بعد زواج محمد ﷺ من خديجة، وفي كل هذا الوقت كان ورقة لا يزال بالشام.
ورجوع زيد بن عمرو من رحلته - التي لم تكن طويلة - كان ذلك عند اقتراب بعثة محمد ﷺ ، ففي مسند الطيالسي: خرج ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو بن نفيل: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ قال: من بيت إبراهيم، قال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين، قال: ارجع؛ فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلب في أرضك (٢).
стр. 2271
فهذا دليل واضح أن زيدًا ترك ورقة واستمع لكلام الراهب فرجع إلى مكة على الفور لانتظار اقتراب ظهور هذا النبي ﷺ .
وهو دليل واضح أيضًا على أن ورقة لم يكتمل تعلمه للنصرانية إلا والنبي محمد ﷺ اقترب سنه من الأربعين.
الوجه الرابع: وفاة زيد ووفاة ورقة .
قال الزهري: ولقد توفي زيد وبقي ورقة بعده كما يزعمون سنتين (١).
وبغض النظر عن كون الفارق بين وفاتهما سنتين أو يزيد قليلًا، فهذا يبين أن كليهما لم يعمِّرا حتى بداية دعوة النبي ﷺ قومه إلى الإسلام، ووفاة زيد بن عمرو كانت بعد بناء الكعبة.
[الوجه الخامس] [*]: الدليل على أن وفاة زيد كانت بعد بناء الكعبة:
قال ابن حجر: مات زيد بن عمرو قبل البعثة بخمس سنين. . وعند ابن سعد عن الواقدي بسند له أن سعيد بن زيد قال: توفي أبي وقريش تبني الكعبة، قال مصعب الزبيري: حدثني الضحاك بن عثمان، عن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة: بلغنا أن زيد بن عمرو بلغه مخرج النبي ﷺ فأقبل يريده فقتله أهل مبقعة موضع بالشام. (٢)
إن زيدًا كان عندما رجع من رحلته للبحث عن الدين الحق ثم وصل إلى مكة ورأته أسماء بنت أبي بكر وهو يسند ظهره للكعبة، ولربما أثناء بناء الكعبة استغرق ذلك وقتًا ما لبنائها بحيث إن أجزاءً منها وجدرانًا لها يمكن أن يُسند زيد ظهره إليها.
فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى
стр. 2272
الكعبة (١). وكان هذا لا يتأتى له قبل بناء الكعبة.
قال ابن إسحاق: وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى إليها كل يوم، فتتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون؛ وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاهها؛ فكانوا يهابونها، فبينما هي يومًا تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرًا فاختطفها فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا - أي: بناء الكعبة - عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية (٢).
فلهذه العلاقة نقول: إن زيد بن عمرو عندما ترك ورقة بالشام ثم رجع إلى مكة بطريقة غير مباشرة كان باستطاعته أن يصل للكعبة ويسند ظهره إليها، ولا يتم ذلك إلا بعد بناء الكعبة أو حين بنائها وذهاب الحية عنها.
قال حسني الأطير: فهذه الصورة المزعجة لحال الكعبة حال تصدعها قبل الهدم، وإعادة بنائها، ترينا كيف كان القرشيون لا يستطيعون أن يدخلوا الكعبة، ولا حتى أن يقتربوا منها، الأمر الذي بلغ حد أن يعطلهم عن هدمها لإعادة بنائها (٣).
والحاصل من الأخبار السابقة: أن كلًا من زيد بن عمرو، وورقة كانت وفاتهما قريبة من بعضهما، وكانت أيضًا قبل دعوته لعشيرته للإسلام، وإن ورقة لم يمكث بعد بعثة النبي ﷺ إلا فترة يسيرة.
стр. 2273
الوجه السادس: ورقة ليس عنده يقين في الكيفية الصحيحة لعبادة الله، ولكن ما يغلب على ظنه يفعله:
فعن يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، حدثني هشام، عن أبيه، عن أسماء: أن ورقة كان يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحته (١).
فهل ورقة الذي ليس عنده يقين في أمر النصرانية يكون داعيًا ومحرضًا لها؟ فمن الواضح من سيرة ورقة أنه اتخذ النصرانية لنفسه انتظارًا لنبي آخر الزمان لا أنه أراد أن يستمر على نصرانيته حتى ولو ظهر نبيٌّ يدعوه لغيرها.
المطلب الثاني: طبيعة تدين ورقة بالنصرانية .
الشبهة التي تندرج تحت هذا المطلب: أن ورقة قسيس نصراني (أبيوني) المذهب؛ له كهنوت بمكة، وله تأثير على محمد في تأليف الإسلام.
فالشبهات في هذا المطلب مآلها إلى الآتي:
١ - اعتقاد ورقة بأنه أبيوني المذهب لذلك أشار بتكفير النصارى في القرآن، وادعى أن المسيح ما هو إلا بشر رسول.
٢ - ورقة مبشر قسيس؛ فقام بالدعوة لدينه.
الشبهة الأولى: ورقة أبيوني المذهب .
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تعريف الأبيونية عند غير المسلمين .
قال المؤرخ موشيم في المجلد الأول من تاريخه:
إن الفرقة الأبيونية التي كانت في القرن الأول كانت تعتقد أن عيسى ﵇ إنسان فقط تولد من مريم ويوسف النجار مثل الناس الآخرين، وطاعة الشريعة الموسوية ليست منحصرة في حق اليهود فقط؛ بل تجب على غيرهم أيضًا والعمل على أحكامه ضروري للنجاة، ولما كان بولس ينكر وجوب هذا العمل ويخاصمهم في هذا الباب مخاصمة شديدة كانوا يذمونه ذمًا شديدًا ويحقرون تحريراته تحقيرًا بليغًا.
стр. 2274
وقال جامعو تفسير (هنري واسكات):
سبب فقدان النسخة العبرانية أن الفرقة الأبيونية التي كانت تنكر ألوهية المسيح حرفت هذه النسخة وضاعت بعد فتنة (يروشالمن)، وقال البعض إن: الناصريين أو اليهود الذين دخلوا في الملة المسيحية حرفوا الإنجيل العبراني، وأخرجت الفرقة الأبيونية فقرات كثيرة منه.
ويشير أبو موسى الحريري في كتابه "قس ونبي" إلى عقائد بعض الفرق الأبيونية الهرطوقية التي ادعت أن المسيح يتحول برضاه من صورة إلى صورة، فقد ألقى في صلبه شبهه على سمعان، وصُلب سمعان بدلًا عنه، فيما هو ارتفع إلى السماء حيًا إلى الذي أرسله، ماكرًا بجميع الذين مكروا للقبض عليه، لأنه كان غير منظور للجميع (١).
الوجه الثاني: اعتقاد الأبيونيين ليس كاعتقاد ورقة ولا المسلمين .
اعتقاد الطائفة الأبيونية وكذلك سائر عقائد النصارى في هذا الوقت يختلف عن اعتقاد ورقة ومحمد ﷺ .
هذه هي عقيدة الأبيونية وبعض الفرق الأخرى التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي التي اعتقد البعض أن الإسلام أخذ منها عقيدته:
١ - فالأبيونيون وغيرهم كانوا يؤمنون بأن المسيح ولد ولادة طبيعية من علاقة جنسية مباشرة بين مريم ورجل (سواء كان هذا الرجل هو يوسف النجار أو بانتيرا أو غيرهما)، وكانوا يتجنبون ذِكر هل هذه العلاقة كانت عن زواج أم زنى؟
وذلك الاعتقاد عند الأبيونيين (ويُسمون بالأبيونيين المتشدِّدين) والكيرنثيين والكسائيين في ذلك، بينما اختلفوا في الرجل الذي باشر مريم.
وأما الناصريون (ويُسمون بالأبيونيين المعتدلين) فأقروا بالولادة العذراوية للمسيح؛ أي: أن مريم فتاة عذراء لم يقتحمها ذكر، وأن المسيح له طبيعة مغايرة لسائر الأنبياء، سواء كانت طبيعة ملائكيًا أو غير ذلك.
стр. 2275
أما عند المسلمين فيؤمنون بما جاء في القرآن بأن المسيح خلق من روح مخلوقة، أنزلها الله مع جبريل لتُجعل في مريم؛ فيتكون المسيح من بعد ذلك بداخلها، فلم يكن هناك مباشرة بين رجل وامرأة، ولا أن المسيح له طبيعة ملائكية؛ بل له طبيعة بشرية، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ١٦ - ٢٢].
فإن الأبيونيين نفوا ألوهية المسيح لإنكارهم ميلاده العذراوي، وكانوا يفترضون أنه لو صح لديهم ميلاده العذراوي لجاز لهم احتمال تأليهه.
أما القرآن فينفي أي احتمالات على ألوهية المسيح، مع التأكيد على أنه لم يكن هناك مباشرة بين رجل وامرأة لإنجابه (١).
٢ - الإقرار بصلب المسيح وقتله. وشاركهم الكيرنثون، والكسائيون، والناصريون في ذلك. أما عند المسلمين فيؤمنون بما جاء في القرآن بنفي صلب المسيح وبنفي قتله (٢).
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧, ١٥٨].
٣ - إنكار قيامة المصلوب بعد موته، وأنكروا عقيدة الفداء أو الخلاص أو الكفارة عن خطيئة آدم بدم المصلوب، وهذا عند: الأبيونيين، والكيرنثيين، والكسائيين في ذلك، أما الناصريون فأقروا بقيامة المصلوب بعد موته.
стр. 2276
أما القرآن فلا يثبت الصلب أصلًا.
٤ - تحريم الذبائح في القربان: عند الأبيونيين، والكيرنثيين، والكسائيين، والناصريين. أما في الإسلام فأباح تلك الذبائح وأمر بها في الشعائر.
٥ - الاغتسال الكامل للبدن كل يوم لأداء الطقوس: عند الأبيونيين، والكيرنثيين، والكسائيين، والناصريين.
وهذا يختلف عن الوضوء عند المسلمين، فما يُغسل في الوضوء إلا بعضُ الأعضاء وهي: الوجه، واليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين، ويُمسح بالرأس، أما عندهم فيُغسل جميع البدن.
٦ - المسيح نبي لا إله ولا ابن الإله؛ وذلك عند الأبيونيين والكيرنثيين، إلا ما كان عند الكسائيين والناصريين من اختلافٍ في طبيعة المسيح.
مما سبق يتضح أنه إن كان ورقة أبيوني متشدد، وصاغ لمحمد القرآن من الإنجيل ووافق عقائدهم فيتبين خطأ ذلك الادعاء بوضوحٍ عند المقارنة المجردة ما بين العقائد التي أتى بها القرآن وعقائد الفرق النصرانية المختلفة، فنؤكد على أنه لا يوجد اتفاق تام بين العقائد التي أتى بها القرآن وأي عقيدة أخرى بشرية أرضية أو إلهية تم تحريفها من قِبل البشر كما حدث لليهودية والنصرانية.
وإن كان هناك حق في الأديان الأخرى المخالفة للإسلام، فليس معنى ذلك أنه خطأ، بل إن الإسلام يقرُّ بكل حق أيًّا كان قائله أو كاتبه.
الوجه الثالث: ورقة لم يكن أبيونيًا بل كان يبحث عن الحق في النصرانية، وحاول جاهدًا أن يتتبع الحق فيها ويترك ما فيها من باطل.
стр. 2277
نحن المسلمين نعتقد أن دين النصارى قد حُرِّف (١)، فكان ممن يريد اتباع الحق من النصارى يتلاشى ما يغلب على ظنه أن به تحريفًا، ويتبع ما كان يوافق منهج الأنبياء في التوحيد والإصلاح وما يصل إليه من خلال بحثه فيعتقد أنه الحق الذي لم يحرف.
قال المناوي: والظاهر أن ورقة لم يكن متمسكًا بالمبدل من النصرانية بل بالصحيح منها الذي هو الحق (٢).
قال عبد القادر البغدادي: وحاصل ما ذكره البقاعيِّ في شأن ورقة بن نوفل: أنه ممن وحّد الله في الجاهلية، فخالف قريشًا وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك، وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطئوا دين أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، ووحّد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ﵇ ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة.
فلم يكتف بما هداه إليه عقله، بل ضرب في الأرض ليأخذ علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده، الضابطة للأديان، فأداه سؤاله أهلَ الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان، وهو الناسخ لشريعة موسى ﵇ دين النصرانية، ولم يتبعهم في التبديل؛ بل في التوحيد، وصار يبحث عن النبي ﷺ الذي بشر به موسى وعيسى ﵉ (٣).
وحتى لو كان ورقة أبيوني المذهب فهل هذا هو الداعي لكرهه للنصارى؛ حيث إنه كتب ما يسبهم في القرآن - كما تدعون - فللرد على ذلك نقول:
١ - القرآن ذمَّ أناسًا من النصارى ومدح أناسًا آخرين منهم؛ فهذا يدل على إنصاف القرآن، وأن ورقة لو كان هو الذي كتبه لتعرض بالسب واللعن لهم جميعًا بسبب أو بدون سبب لينصر مذهبه؛ قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ
стр. 2278
الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢, ٨٣] (١).
٢ - القرآن يثبت أن المسيح ﵇ وأتباعه كانوا على الحق، والحقائق العلمية التاريخية تثبت أن الكتاب المقدس تم تحريفه بعد هذا العصر المبارك، فإنكار القرآن هو على من اتبعوا الكلمات المحرفة وتركوا كلمات الله الصادقة (٢).
الوجه الرابع:
ورقة متعلق بدين زيد بن عمرو فإنه أخذ النصرانية من رهبانيِّ الشام وتأثر بتوحيد زيد بن عمرو:
عن جابر ﵁ قال: سألنا رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل فقلنا: يا رسول الله، إنه كان يستقبل القبلة ويقول: ديني دين إبراهيم وإلهي إله إبراهيم، وكان يصلي ويسجد! قال: "ذاك أمة وحده، يحشر بيني وبين يدي عيسى ابن مريم"، وسئل عن ورقة بن نوفل، وقيل: يا رسول الله، إنه كان يستقبل القبلة ويقول: إلهي إله زيد، وديني دين زيد، وكان يتوجه ويقول:
رشدت فأنعمت ابن عمرو فإنما ... عنيت تنورًا من النار حاميا
بدينك دينًا ليس دين كمثله ... وتركك حنان الجبال كما هيا
قال: "رأيته يمشي في بطنان الجنة عليه حلة من سندس" (٣).
стр. 2279
وعن أسماء ابنة أبي بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵁:
عزلت الجن والجنان عني ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيه ... ولا أطم بني طسم أدير
ولا غنما أدين وكان رب إلى ... الدهر إذ حلمي صغير
فرب واحد أو ألف رب ... أدين إذا أنقسمت الأمور
ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالًا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين بعد قوم ... قبروا منهم الطفل والصغير
وأوشك أن يعيش المرء يومًا ... كما يتروح الغصن النضير
وقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو بن نفيل:
стр. 2280
رشدت وأنعمت ابن عمرو ... وإنما توقيت تنورًا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك جنان الجبال كما هيا
يقول إذ جاورت أرضًا مخيفة ... حنانيك لا تظهر علي إلا عاديا
أدين لربي يستجيب ولا أدين ... لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إذا صليت في كل مسجد ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا (١)
فما وصل إليه زيدٌ من التوحيد هو لتتبعه أقوال وأفعال إبراهيم ﵇ التي تحصَّل عليها من نتاج بحثه، وما وصل إليه ورقة من حق إنما كان لتتبعه بعض ما كان عليه زيد، وما وصل إليه محمد ﷺ إنما هو من قِبَل الوحي.
الوجه الخامس: ورقة لم يكن مُوَفَّقًا في اتباعه النصرنية كما وُفِق زيد بن عمرو في إتباع الحنفية:
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وعبد الله بن جحش - حضروا قريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟ فابتغوا لأنفسكم.
فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم (٢).