← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

أما القرآن فلا يثبت الصلب أصلًا. ٤ - تحريم الذبائح في القربان: عند الأبيونيين، والكيرنثيين، والكسائيين، والناصريين. أما في الإسلام فأباح تلك الذبائح وأمر بها في الشعائر. ٥ - الاغتسال الكامل للبدن كل يوم لأداء الطقوس: عند الأبيونيين، والكيرنثيين، والكسائيين، والناصريين. وهذا يختلف عن الوضوء عند المسلمين، فما يُغسل في الوضوء إلا بعضُ الأعضاء وهي: الوجه، واليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين، ويُمسح بالرأس، أما عندهم فيُغسل جميع البدن. ٦ - المسيح نبي لا إله ولا ابن الإله؛ وذلك عند الأبيونيين والكيرنثيين، إلا ما كان عند الكسائيين والناصريين من اختلافٍ في طبيعة المسيح. مما سبق يتضح أنه إن كان ورقة أبيوني متشدد، وصاغ لمحمد القرآن من الإنجيل ووافق عقائدهم فيتبين خطأ ذلك الادعاء بوضوحٍ عند المقارنة المجردة ما بين العقائد التي أتى بها القرآن وعقائد الفرق النصرانية المختلفة، فنؤكد على أنه لا يوجد اتفاق تام بين العقائد التي أتى بها القرآن وأي عقيدة أخرى بشرية أرضية أو إلهية تم تحريفها من قِبل البشر كما حدث لليهودية والنصرانية. وإن كان هناك حق في الأديان الأخرى المخالفة للإسلام، فليس معنى ذلك أنه خطأ، بل إن الإسلام يقرُّ بكل حق أيًّا كان قائله أو كاتبه. الوجه الثالث: ورقة لم يكن أبيونيًا بل كان يبحث عن الحق في النصرانية، وحاول جاهدًا أن يتتبع الحق فيها ويترك ما فيها من باطل.

стр. 2277

نحن المسلمين نعتقد أن دين النصارى قد حُرِّف (١)، فكان ممن يريد اتباع الحق من النصارى يتلاشى ما يغلب على ظنه أن به تحريفًا، ويتبع ما كان يوافق منهج الأنبياء في التوحيد والإصلاح وما يصل إليه من خلال بحثه فيعتقد أنه الحق الذي لم يحرف. قال المناوي: والظاهر أن ورقة لم يكن متمسكًا بالمبدل من النصرانية بل بالصحيح منها الذي هو الحق (٢). قال عبد القادر البغدادي: وحاصل ما ذكره البقاعيِّ في شأن ورقة بن نوفل: أنه ممن وحّد الله في الجاهلية، فخالف قريشًا وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك، وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطئوا دين أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، ووحّد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ﵇ ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة. فلم يكتف بما هداه إليه عقله، بل ضرب في الأرض ليأخذ علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده، الضابطة للأديان، فأداه سؤاله أهلَ الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان، وهو الناسخ لشريعة موسى ﵇ دين النصرانية، ولم يتبعهم في التبديل؛ بل في التوحيد، وصار يبحث عن النبي ﷺ الذي بشر به موسى وعيسى ﵉ (٣). وحتى لو كان ورقة أبيوني المذهب فهل هذا هو الداعي لكرهه للنصارى؛ حيث إنه كتب ما يسبهم في القرآن - كما تدعون - فللرد على ذلك نقول: ١ - القرآن ذمَّ أناسًا من النصارى ومدح أناسًا آخرين منهم؛ فهذا يدل على إنصاف القرآن، وأن ورقة لو كان هو الذي كتبه لتعرض بالسب واللعن لهم جميعًا بسبب أو بدون سبب لينصر مذهبه؛ قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ

стр. 2278

الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢, ٨٣] (١). ٢ - القرآن يثبت أن المسيح ﵇ وأتباعه كانوا على الحق، والحقائق العلمية التاريخية تثبت أن الكتاب المقدس تم تحريفه بعد هذا العصر المبارك، فإنكار القرآن هو على من اتبعوا الكلمات المحرفة وتركوا كلمات الله الصادقة (٢). الوجه الرابع: ورقة متعلق بدين زيد بن عمرو فإنه أخذ النصرانية من رهبانيِّ الشام وتأثر بتوحيد زيد بن عمرو: عن جابر ﵁ قال: سألنا رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل فقلنا: يا رسول الله، إنه كان يستقبل القبلة ويقول: ديني دين إبراهيم وإلهي إله إبراهيم، وكان يصلي ويسجد! قال: "ذاك أمة وحده، يحشر بيني وبين يدي عيسى ابن مريم"، وسئل عن ورقة بن نوفل، وقيل: يا رسول الله، إنه كان يستقبل القبلة ويقول: إلهي إله زيد، وديني دين زيد، وكان يتوجه ويقول: رشدت فأنعمت ابن عمرو فإنما ... عنيت تنورًا من النار حاميا بدينك دينًا ليس دين كمثله ... وتركك حنان الجبال كما هيا قال: "رأيته يمشي في بطنان الجنة عليه حلة من سندس" (٣).

стр. 2279

وعن أسماء ابنة أبي بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: عزلت الجن والجنان عني ... كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيه ... ولا أطم بني طسم أدير ولا غنما أدين وكان رب إلى ... الدهر إذ حلمي صغير فرب واحد أو ألف رب ... أدين إذا أنقسمت الأمور ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالًا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين بعد قوم ... قبروا منهم الطفل والصغير وأوشك أن يعيش المرء يومًا ... كما يتروح الغصن النضير وقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو بن نفيل:

стр. 2280

رشدت وأنعمت ابن عمرو ... وإنما توقيت تنورًا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك جنان الجبال كما هيا يقول إذ جاورت أرضًا مخيفة ... حنانيك لا تظهر علي إلا عاديا أدين لربي يستجيب ولا أدين ... لمن لا يسمع الدهر داعيا أقول إذا صليت في كل مسجد ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا (١) فما وصل إليه زيدٌ من التوحيد هو لتتبعه أقوال وأفعال إبراهيم ﵇ التي تحصَّل عليها من نتاج بحثه، وما وصل إليه ورقة من حق إنما كان لتتبعه بعض ما كان عليه زيد، وما وصل إليه محمد ﷺ إنما هو من قِبَل الوحي. الوجه الخامس: ورقة لم يكن مُوَفَّقًا في اتباعه النصرنية كما وُفِق زيد بن عمرو في إتباع الحنفية: قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وعبد الله بن جحش - حضروا قريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟ فابتغوا لأنفسكم. فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم (٢).

стр. 2281

قال ابن كثير: ولم يكن فيهم - أي: في الأربعة الباحثين عن الحقيقة - أعدل أمرًا وأعدل ثباتًا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحد الله ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه فأذاهم بالفراق لما هُم فيه (١). فتنصروا كلهم؛ لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرو بن نفيل؛ فإنه رأي فيه دخلًا وتخبيطًا وتبديلًا وتحريفًا وتأويلًا، فأبت فطرته الدخول فيه أيضًا، وبشره الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده، لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية (٢). وهذا يدل على أن ابن كثير احتج بهذه الرواية الموجودة في سيرة ابن إسحاق، لذلك نقول: إننا لو افترضنا أن ورقة اتبع النصرانية التي ليس بها شرك، ولكن اتباع زيد بن عمرو للحنفية كان أرشد، وهذا لإقرار ورقة فقد قال: رشدت وأنعمت ابن عمرو، وذلك بعد مقتل زيد بن عمرو، بل أشار ورقة أن زيدًا كان على العقيدة الصحيحة من توحيد الله وترك الشرك بجميع أنواعه، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ يَبْكِيهِ: رَشَدْت وَأنعَمْت ابْنَ عَمْرٍو وَإِنّمَا ... تَجَنّبْت تَنّورًا مِنْ النّارِ حَامِيَا بِدِينِك رَبّا لَيْسَ رَبّ كَمِثْلِهِ ... وَتَرْكِك أَوْثَانَ الطّوَاغِي كَمَا هِيَا وَإِدْرَاكِك الدّينَ الّذِي قَدْ طَلَبْته ... وَلَمْ تَكُ عَنْ تَوْحِيدِ رَبّك سَاهِيَا فَأَصْبَحْت فِي دَارٍ كَرِيمٍ مُقَامُهَا ... تُعَلّلُ فِيهَا بِالْكَرَامَةِ لَاهِيَا تُلَاقِي خَلِيلَ الله فِيهَا، وَلَمْ تَكُنْ ... مِنْ النّاسِ جَبّارًا إلَى النّارِ هَاوِيَا وَقَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيَا (٣) فكان الذي ينبغي على ورقة أن يتبع ما سار عليه زيد للتمسك بالحنفية وذلك لعدة أمور:

стр. 2282

١ - أن دين الجزيرة العربية قبل انتشار الشرك هو اتباع ملة إبراهيم، وورقة من الجزيرة، فلماذا اتبع دين النصارى الذين قابلهم في الشام، وترك دين إبراهيم أبي الحنفاء؟ ونحن المسلمون نعتقد أن المسيح بُعث إلى بني إسرائيل لا إلى العرب. ففي الكتاب المقدس: هؤُلَاءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: "إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لَا تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لَا تَدْخُلُوا، ٦ بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. (متى ١٠/ ٦: ٥) فَتَقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا؛ لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا! " ٢٤ فَأَجَابَ وَقَالَ: "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى ١٥/ ٢٤: ٢٣). ٢ - البدع والضلالات التي فشت في دين النصارى في هذه الفترة مما أطفأ بهاء هذا الدين. ٣ - إن ورقة وزيدًا وغيرهما كانوا يبحثون عن دين الحنيفية لا النصرانية، فالعجيب أن ورقة لم يُكمل بحثه فضعفت عزيمته، بينما قويت عزيمة زيد فانتهى أمره إلى اتباع الحنيفية، وهذه هي الحقيقة التي ينتهي إليها العقل فيستسلم لها، ففي قول ابن إسحاق السابق: (فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون الحنفية دين إبراهيم)، فنقول بأن ورقة لو استكمل البحث عن الدين الحق لانتهى إلى ما انتهى إليه زيد. لذلك نقول: ما كان الله ليختار لنبيه محمدًا إلا الدين الصحيح الخالي من أي شكوك، وهو دين إبراهيم، لذلك كان محمد يفتخر بذلك فيقول بما قال الله له: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]. الشبهة الثانية: كون ورقة مبشرًا للنصرانية: والرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: لم نعثر في روايات العلماء على ما يشار إلى أن ورقة كان داعية إلى النصرانية . قال حسن ضياء الدين: لقد استقصى المحدثون والمؤرخون كل ما عرف عن ورقة بن نوفل مما له سند صحيح وما ليس له سند صحيح، فلم نعثر في رواياتهم على ما يشير إلى أنه

стр. 2283

كان داعية إلى النصرانية، ورواية الإمام البخاري وهي أوثق رواية في أوثق مصدر تاريخي، وكذا رواية ابن إسحاق لدى الطبري وابن هشام، وغير ذلك من الروايات - أفادت أن نصرانية ورقة كانت قاصرة على نفسه، ولم تكن لديه حماسة التعليم ولا القدرة عليه والتفرغ له، وإلا لكان أنشأ مدرسة لها سمعتها ومشاكلها في الحياة الجاهلية الوثنية، لا تخفى ولا تغيب أخبارها عن أحد أبدًا. وها أنت ذا تجد أن ورقة يقف مستطلعًا نبأ ما حصل لمحمد، ولم يكن ورقة يومها ولا قبلها معلمًا ولا ملقنًا، ولو كان له بعض ذلك لأعلن ابتهاجه بأن غرسه قد أثمر، لكنه أعلن أن وصف محمد ﷺ لملك الوحي مطابق لما عنده من صفات ملك الوحي الذي أنزله الله على موسى؛ إذ قال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكَذبنَّه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنَّ الله نصرًا يعلمه. أعلن ورقة بصراحة قوية مجلجلة أن هذا الحدث إلهي المصدر، والسبب خارج عن طاقة محمد ﷺ المخلوق وتصرفه وإرادته، وأن مشيئة الله اختارت محمدًا رسولًا إلى العالمين دون علم سابق منه ودون إرادته أو تطلعه وسعيه، ولكن لماذا أعلن ورقة أن الملك هو ملك الوحي الذي بعثه الله إلى موسى ولم يقل: إلى عيسى؛ علمًا بأن ورقة نفسه يقيم على شيء من النصرانية؟ ! ذهب ابن حجر العسقلاني إلى أن ورقة أعلن بهذا أن الملك الذي لقيه محمد ﷺ في غار حراء هو ملك الوحي الذي أجمع أهل الديانتين اليهودية والنصرانية على الإيمان بنزوله على موسى، ولم يقل ورقة: (إنه الذي نزل على عيسى) لأن اليهود ينكرون نبوة عيسى وصلته بوحي الله. قلت: ورأي اليهود هذا معروف في الجزيرة لاستيطانهم بعضها، فقلد احتاط ورقة فنسب الملك إلى موسى ليكون أبلغ في إعلان اليقين، والتأكيد بأنه ملك الوحي، وأقطع حكمًا بنبوة محمد ﷺ ، وأنفى للشك وأبعد للاحتمال والتأويل الذي يجر إليه قذف الموضوع

стр. 2284

في لُجة الخلاف بين اليهود والنصارى، وهذا غاية ما يمكن أن يعبر به ورقة عن يقينه بإلهية رسالة محمد ﷺ (١). الوجه الثاني: ذكرنا في المطلب الأول وهو (حياة ورقة بن نوفل ومراحلها): حيث إن ورقة عندما رجع من الشام إلى مكة ظل فترة وجيزة لا تتجاوز ثلاث سنوات حتى أتته المنية، وقبل وفاته قد عمي بصره، فأين الفترة التي بشر فيها بالنصرانية حتى أصبح القسيس المعظم لدى مكة، الذي يُطاع فيما أمر؟ ! الوجه الثالث: هناك من العلماء من له وجهة أخرى في أمر نصرانية ورقة، فيقول: إن نصرانيته لم تكن بكهنوت يتبعه كما يلتزم النصارى بطقوسهم باختلاف طوائفهم، ولم يلتزم الكنائس والأديرة، فكم ممن يقرأ كتبًا لديانة ما وربما اتَّبع بعض ما فيها، ولكنه يتوقف في أمور كثيرة منها، وأن الأدلة من السنة التي تشير إلى أنه كان نصرانيًا إن هذا فيما يبدو لأهل مكة؛ لأنهم عندهم من ترك دينهم والتمس أي دين فينسبونه إلى هذا الدين الذي التمسه سواء أكان لم يقتنع تماما به أو غير ذلك، فقد تكون نسبة اتباعه لهذا الدين الجديد ضئيلة، ولكن لأنه بمجرد أنه ترك دينهم فقد صَبِئ، أما الأدلة التي تشير إلى أنه استحكم في النصرانية فهي ضعيفة. أدلة هؤلاء العلماء: أولًا: قولُ "ابن مَنِّ الله" في حديقة البلاغة في رده على ابن غرسية: وكانت فيهم (أي: العرب) الملّة الحنيفية الإسلامية، والشريعة الإبراهيمية، ومن أهلها كان قس بن ساعدة الإيادي، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو من بني عدى (٢). فقالوا: من هذا النص يتضح لنا أن ورقة كان على دين إبراهيم ﵇. ثانيًا: لشرح الروايات التي أتت في أمر تَنَصُر ورقة:

стр. 2285

روى البخاري في صحيحه بخصوص ورقة بن نوفل: كان امرءًا تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى (١). وأخرجه البخاري في كتاب الأنبياء بلفظ: وكان رجلًا تنصر يقرأ الإنجيل بالعربية (٢). وقال ابن إسحاق في السيرة: فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علمًا من أهل الكتاب (٣). وفي تاريخ الطبري: وكان ورقة قد تنصر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل (٤). قالوا: هل تدل هذه الروايات على أن ورقة كان راهبًا ومهرطقًا وصاحب كنيسة. . . إلخ؟ ! بالطبع لا. يقول د. عويد المطرفي: فإن كان قد تنصر، ففي أي المدارس؟ وكم دام تحصيله لها؟ ونحن إذا طلبنا إجابات عن هذه الأسئلة المُلحّة التي طرحناها بشأن ما تنسبه الروايات الحديثية والتاريخية إلى ورقة بن نوفل من الدخول في النصرانية، والاستحكام فيها، واتباع كتبها من أهلها في الجاهلية، لم نجد لأي من هذه الأسئلة جوابًا محددًا ولا غير محدد يوضح متى تنصّر ورقة بن نوفل؟ ولا كيف تنصر؟ كما لم يُذكر في أي من هذه الروايات، ولا في غيرها من الأخبار الصحيحة الإسناد، ولا غير الصحيحة مَنْ دعاه إلى الدخول في النصرانية، بل لم يكن أبدًا أن أحدًا من الناس دعاه إلى الدخول في النصرانية ولا رَغّبَهُ فيها، وحبّبَهُ فيها، ولا كيف تعلمها، ولا ذكرت أسماء أشخاصٍ لا معروفين ولا غير معروفين تلقّاها عنهم، ولا شيوخ لا من الرهبان ولا ممن هم دونهم درسها عليهم، أو سمع أخبارها منهم. كما لم يُذكر في هذه الروايات، ولا في غيرها اسمٌ لبلدٍ تعلم فيه ورقة بن نوفل النصرانية

стр. 2286

لا مدرسة، ولا معهد، ولا كنيسة، ولا أي مؤسسة من مؤسسات النصارى التي كانوا ينشرون نصرانيتهم من خلالها (١). ثالثا: ويجيبون على قول القائل: فما معنى الروايات المذكورة في البخاري وغيره أن ورقة تنصر واستحكم في النصرانية؟ فيُجيب د. عويد المطرفي إذ يقول: قول الرواية (تنصر في الجاهلية) لا ينهض دليلًا قاطعًا ولا شبه قاطع على تديّنه بالنصرانية، لا من قريب ولا من بعيد لأمور منها: ١ - أن الإخبار عنه بالتنصر إخبار باعتناق دين النصرانية، وهي انتماء ديني، وأمر عقدي، وكلاهما فعل قلبي لا يتأكد إلا بأمور منها: أهمها: التصريح الحقيقي في حال اليسر والعسر ممن نُسب إليه ذلك الانتماء والاعتقاد بأنه قد دان بذلك الدين أو المذهب الذي دان بدين من الأديان التي كان الناس يدينون بها في حياته وبعد مماته حتى وقتنا الحاضر، والمعلوم المعروف من ورقة بن نوفل أنه لم يُصرح في يوم من الأيام أنه يدين بالنصرانية؛ بل على العكس من ذلك كان يصرح بأنه على الحنيفية فإن ديدنه وهِجِّيراه في حياة صديقه ونديمه زيد بن عمرو بن نفيل، وبعد مماته أن يقول: إلهى إله زيد وديني دين زيد. بل إن مما يدل على بُعد ورقة بن نوفل عن النصرانية أنه حين ذكر لخديجة بنت خويلد ﵂ تصديقه لرسول الله ﷺ ، وفرحه بمبعثه، واستبشاره به أيما استبشار - فإنه لم يذكر عيسى ابن مريم في الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم - رحمهما الله - الذي جاء بالنصرانية فلم يقل: هذا هو الناموس الذي نزَّل الله على عيسى ﵇ مثلًا؛ بل قال: (هذا هو الناموس الذي نزّل الله على موسى) (٢). مما يدل على أن استحضار قلبه لذكر موسى أسرع من استحضاره لذكر عيسى عليهما الصلاة والسلام.

стр. 2287

ولم يُعلم لورقة بن نوفل كلمة واحدة في الدفاع عن النصرانية، ولا عن رجالها، ولا في الدعوة إليها، ولا في ترغيب أحد فيها، وهذا يدل على أنه لا علاقة بينه وبينها ولا صلة له بها ولا برجالها، ولا بالبلدان التي تنتشر فيها هذه الديانة الغريبة عنه وعن أسرته وعشيرته، وبلده، وقومه القرشيين. ولا رأوا له مكانًا يرتاده يُشبه معابد النصارى، لا في بيته الذي كان يقع تحت أنظار عموم الناس من أهل مكة وغيرهم غربي الكعبة بينه وبينها تسعة أذرع، تفيء الكعبة على دارهم بالضحى، وتفيء دارهم على الكعبة بالعشي، حتى إن الدوحة التي كانت في دارهم ربما تعلّق بعض أفنانها بأثواب بعض الطائفيين بالكعبة لقرب دارهم منها (١). ولا رأوا له شيئًا من ذلك - أيضًا - في بلده مكة؛ لا في جبالها، ولا في كهوفها مع سعتها وكبر مساحتها، وتوفر كل ذلك فيها لو أراد عمل شيء منه (٢). رابعًا: ويجيبون عن رواية (استحكم في النصرانية)، يقول الدكتور المطرفي: إنها مردودة من وجهين: ١ - أنها لم تثبت بإسناد صحيح، بل لم يذكر ابن إسحاق في السيرة لها أصلًا. ٢ - على فرض أن ورقة بن نوفل استحكم في النصرانية فليس معنى استحكامه فيها أنه قد دان بها، بل معناه أنه علمها حق العلم بها، وعرف حقائقها، وأسرارها وتاريخها بأخذ كُتبها من أهلها. وإن لم يفعل ذلك لقيل - جدلًا -: إنه لم يطلع حق الاطلاع على النصرانية، بل إنه هو قد تحدثه نفسه بأن النصرانية المعاصرة له قد تكون على شيء من التوحيد الذي يبحث عنه هو، وزملاؤه الآخرون، ولكنه لرجاحة عقله، وقوة فهمه وحسن تبصّره في أمره، وتحققه في بحثه عن الحنيفية ملة أبيه إبراهيم حصل على كتب أهل الكتاب من أهلها، فرأى - بلا ريب - أن النصرانية ليست على شيء من دين إبراهيم دين التوحيد الخالص لله تعالى، فهل يعقل أن يُقال: إن ورقة بن نوفل بعد اطلاعه على كتب النصرانية تلك وتحققه مما فيها من

стр. 2288

تناقضات وتحريفات ووثنية الثالوث قد رضيها دينا لنفسه، وهو الذي رفض الوثنية من أصلها بما فيها من فكرة تعدد الآلهة؟ ! . (١) ويعقب الدكتور المطرفي شارحًا موضوع (استحكم في النصرانية): (هناك الكثير من الرهبان ومن هم في معناهم من أهل النصرانية اليوم يحفظون القرآن الكريم، لا ليدينوا به، ولا ليتبعوا أحكامه، وشرائعه، وآدابه؛ بل لأغراض أخرى انطوت عليها أنفسهم، وقلوبهم الحاقدة على الإسلام، والمسلمين، وعلى رسول الله ﷺ بوجه خاص. فهل يقال: إنهم باستحكامهم في حفظ القرآن ومعرفة الشرائع، وتاريخه قد دانوا بالإسلام؟ هذا ما لم يقل به أحد لا منَّا ولا منهم (٢). خامسًا: تفسيرهم لكلمة: قس. وحتى لا يستشكل أحد ويقول لقد ذكر ابن القيم أن ورقة (قس)، فإننا نقول: إن قس لا تعني نصراني، وإنما تعنى: تتبع الشيء وتطلّبه، والقُسس: هم العقلاء، والساقة الحذاق (٣). سادسًا: ورقة هناك مَنْ عدَّه مِن الصحابة. فقد ذكره الطبري، وابن قانع، وابن السكن، وغيرُهم في الصحابة، وقال الحافظ العراقي: "ينبغي أن يقال: إن أول مَن آمن من الرجال ورقةُ بن نوفل، لحديث الصحيحين في بدء الوحي" (٤). ومن الأدلة على ذلك: ١ - أن ورقة بن نوفل قال للنبي ﷺ : (إن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا). قال الحافظ ابن كثير: فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل (٥).

стр. 2289

وقال ابن حجر: فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته. وقال أبو زرعة العراقي: قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي نُكَتِ ابْنِ الصَّلَاحِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ فِي حَيَاةِ وَرَقَةَ، وَأَنَّهُ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو عَبْدِ الله بْنُ مَنْدَهْ؛ وَقَالَ: اخْتُلِفَ فِي إسْلَامِهِ قَالَ وَالِدِي: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ (١). ٢ - وعن الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ فَقَالَ: أَبْصَرْته فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ السُّنْدُسُ) (٢). ٣ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين (٣). ٤ - عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الإسلام، وهو يقول: أحد أحد، فيقول ورقة: أحد أحد والله يا بلال (٤).

стр. 2290

وهذا الأثر وإن كان يدل على إسلام ورقة ولكنه لا يصح سندًا ولا متنًا. قال الذهبي: هذا مرسل، وورقة لو أدرك هذا لعد من الصحابة، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة كما في الصحيح (١). ٥ - حديث عائشة ﵂: أَنَّ خَدِيجَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ عَن وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَ: "قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ" (٢). قوله: لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني، وفي هذا الإسناد انقطاع. وقد ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي تأليفًا في إيمان ورقة بالنبي وصحبته له. قال البغدادي: ولقد أجاد في جمعه وشدد الإنكار على من أنكر صحبته، وجمع فيه الأخبار التي نقلت عن ورقة ﵁ بالتصريح بإيمانه بالنبي ﷺ ، وسروره بنبوته، والأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة (٣). ولعل في قصة ورقة والرسول ﷺ ما يدلل على أن ورقة كان مسلمًا، إذ قد سأل ورقة للرسول عن أمر الوحي: يابن أخي ماذا ترى؟ ، فأخبره الرسول ﷺ خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، ياليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. يعلق الدكتور المطرفي على هذا الحديث ودلالته بما يلي: أولًا: إن ورقة بن نوفل قد عرف مما أخبره رسول الله ﷺ به أنه ﷺ ، وهو الرسول الذي أخبره علماء أهل الكتاب في بحثه عن الملة الحنيفية هو وزيد بن عمرو بن نفيل أنه قد أظل زمانه، وأن ما نزّل الله عليه هو الناموس الذي نزّله الله على موسى ﵇.

стр. 2291

ثانيًا: ثم أيد ورقة بن نوفل تصديقه لرسول الله ﷺ وإيمانه به بما هو شاهد على ما استقر في قلبه، واطمأنت إليه نفسه، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه وجه الخطاب لرسول الله ﷺ بقوله له: ياليتني فيها جذعًا. قال الزمخشري: أراد ليتني في نبوّته شابًا أقوى على نصرته، أو ليتني أدركتها في عصر الشبيبة، حتى كنت على الإسلام لا على النصرانية. (١) الوجه الثاني: أن قوله له: ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، ومعناه أنه تمنى لنفسه طول العمر، بعد تمنيه لها الشباب وقوته لا ليحقق لنفسه بذلك مصالح ذاتية، ولا ليتمتع بطول العمر وملذّات الحياة كما هي تمنيات الناس؛ بل ليسخر حياته وشبابه وقوته لنصر رسول الله ﷺ ، ونشر الحق الذي جاء به من عند الله، وشد أزره، وتأييد دينه، وقمع أعدائه، ومنعهم من الوصول إليه بأي أذى حتى يتفرغ رسول الله ﷺ لنشر دعوته وتبليغ رسالته - دليل ظاهر على إيمانه برسول الله ﷺ ، واتباعه له، وامتلاء قلبه بحبه، وعقله بالعمل على نصره، ومنع الأذى عنه بأظهر الوسائل، وأقواها أثرًا (٢). لقد اعتنق ورقة الإسلام وتوفي بعد بعثة الرسول ﷺ بعام، وله الكثير من الأشعار يمتدح فيه المصطفى ﷺ وأصحابه. المطلب الثالث: تعليم ورقة لمحمد ﷺ -. نص الشبهة: ورقة كان له باع في تعليم محمد للتوراة والإنجيل لتكوين القرآن معًا. الوجه الأول: الروايات الصحيحة لم تذكر أن ورقة ألقى إلى الرسول عظة أو درسًا في العقائد أو التشريع، ولا أن الرسول ﷺ كان يتردد عليه:

стр. 2292

قال الزرقاني: نقرر أنه لا دليل عندهم على هذا الذي يتوهمونه ويوهمون الناس به، بل الدليل قائم عليهم؛ فإن الروايات الصحيحة لم تذكر أن ورقة ألقى إلى الرسول عظة أو درَّس له درسًا في العقائد أو التشريع، ولا أن الرسول كان يتردد عليه كما يتوهمون أو يوهمون، فأنى لهم ما يقولون؟ وأي مُنصف يسمع كلمة ورقة هذه ولا يفهم منها أنه كان يتمنى أن يعيش حتى يكون تلميذًا لمحمد ﷺ وجنديًا مخلصًا في صفه؛ ينصره ويدافع عنه في وقت المحنة، ولكن القوم ركبوا رؤوسهم على رغم ذلك، وحاولوا قلب الأوضاع، وإيهام أن ورقة هو الأستاذ الخصوصي الذي استقى منه محمد ﷺ دينه وقرآنه، ألا ساء ما يحكمون (١). الوجه الثاني: موقف ورقة يدل على اعتقاده ربانية الوحي إلى رسول الله ﷺ -: قال حسن ضياء الدين: وذلك لما يأتي: أ - أن ورقة بن نوفل وقف من محمد ﷺ مستطلعًا مستفهمًا كشأن الراهب بحيرا تمامًا، فأين هو التعلم والتلقي؟ ب - زد على ذلك أنه أنبأ رسول الله بأن قومه المشركين سيكافئونه على الهداية بالأذى والعداء والاضطهاد الشديد، وأن حاله معهم كحال رسل الله قبله مع أقوامهم، ويمضي ورقة في إعلانه إلهية هذه الرسالة ويقينه بها، فيندفع على كبر سنه بالتطوع للتضحية مناصرة لدعوة الله وردًا لأعدائها الكائدين. ج - إن ورقة نفسه لم يدَّعِ النبوة، ولم يطلب لنفسه مكانةً واعتبارًا في الدعوة الجديدة كدليل ومرشد لها، أرأيت لو كان ورقة مصدر معارف محمد ﷺ أكان يقف منه موقف التابع المصدق المؤيد المناصر؟ ! (٢) الوجه الثالث: ورقة لم يكن لديه علم بكون محمد ﷺ هو خاتم النبيين، فقد استيأس من ظهوره وهو حي .

стр. 2293

قال ابن إسحاق: وكانت خديجة قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان ابن عمها، وكان نصرانيًا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامُها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقًا يا خديجة إن محمدًا لنبي هذه الأمة. قال ورقة لخديجة: قد عرفت أنه كائن بهذه الأمة نبي يُنتظر هذا زمانه - أو كما قال - فجعل ورقة يستبطئ الأمر. وله في ذلك أشعار منها ما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق: أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقًا ... كما أرسل العبدان نوح وصالح (١) قلت: فقوله: (فجعل ورقة يستبطئ الأمر) دليل على عدم علمه بأمر تقدير الله لنبيه محمد ﷺ بالنبوة قبل إخبار خديجة له. الوجه الرابع: إسلام ورقة دليل على استعداده للاستسلام لأوامر الرسول، فكيف للمعلم أن يخضع لأوامر تلميذه ؟ ! قال المناوي: ذهب جمع من أهل العلم أن ورقة أسلم عند ابتداء الوحي (٢). فلعلم ورقة أن محمدًا نبي كان عليه أن يستسلم لأوامره، فمن قال: إن ورقة هو المعلم الأول لمحمد كان من المفترض أن لا يرضى إلا أن يكون على الأقل استشاريِّ النبي لا مجرد تابع، فأنتم تقولون: إنه هو الذي ألَّف لمحمد القرآن وهو الذي علمه، فلازم قولكم أن ورقة ينبغي أن لا يرضى أن يكون مثله مثل باقي الأتباع لمحمد، بل كان عليه أن يشترط على محمد شروطًا مثل الشروط الجزائية التي تُعقد بين شركة وبين مندوب مبيعات هذه

стр. 2294

الشركة، فأنتم قلتم: إن ورقة أنتج الإسلام ومحمد وزَّعه ونشره بين العرب، فمِن صالح الشركة أن تضع اسمها على المنتج وأن تنسب هذا المنتج إلى نفسها. فلماذا ورقة لم يكتب اسمه على المصحف الذي ألَّفه لمحمد؟ ولا نقول: إن عليه أن يدعي أن المصحف هو الذي ألَّفه حتى لا تنكشف الخطة، بل نقول: كان عليه أن يكتب على المصحف: نسخة ورقة بن نوفل، كما هو مكتوب على كتبكم المقدسة: نسخة الملك جيمس، أو نسخة الفانديك، أو النسخة الياسوعية، وغير ذلك؛ كمسألة تشريفية له. فهل هذا يدل على أن ورقة متفانٍ في الإخلاص حتى إنه لا يريد ذكر اسمه، فعلى الأقل يذكر اسمه حتى يترحم عليه المسلمون! ونرى أن محمدًا ﷺ يُحث المسلمين على ذكر اسمه هو ففي القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وفي الأحاديث: يَقُولُ محمد ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله وَأَرْجُو أَنْ أكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَل لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ" (١). فإذا قلتم: نعم، إن ورقة متفانٍ في الإخلاص لذلك لم يذكر اسمه على المصحف، فنقول لكم: إذن هو لم يحسن اختيار محمد، ولم يحسن تعليمه وتربيته؛ لأن محمدًا لم يكن أبدًا ليعترف أن كل خير هو فيه بسبب ورقة، بالرغم من أنه اعترف لغيره بالفضل والشكر. مَن أكثر مرافقة للنبي ورقة أم أبي بكر؟ بالطبع أبو بكر، فلماذا ادعيتم أن ورقة هو الذي علَّم محمدًا؟ ! مع أن أبا بكر هو الأكثر صحبة لمحمد وذلك قبل بعثته حتى وفاته، فلماذا لم ترد الشبهة باحتمال ذلك؟ هل هذا لأن ورقة نصرانيٌ فتريدون أن تنسبوا الإنجازات التي حققها الإسلام للدين النصراني، أم لأن ورقة كبيرٌ في السن، والرجل قد يُصاب بالخرف عند كبره؟ !

стр. 2295

الوجه الخامس: إن محمدًا ﷺ حتى ولو أنه قابل ورقة أو غيره فمع ذلك لم يتخذهم قدوة له يأتمر بأمرهم وينتهي بنهيهم، ولم يكن هو كالتلميذ وهم كالمعلِّمين؛ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فهذه الآية أَمرٌ من الله لنبيه بأن يهتدي بهُدى الأنبياء من قبله، فقبل هذه الآية ذكر الله عددًا منهم: كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وغيرهم، فالسؤال كيف يقتدي بهم وقد ماتوا؟ ! والإجابة: وذلك بأن يتتبع أحوالهم وأخبارهم في القرآن، فقد لا يجد المرء أفضل من الاقتداء بسيرة الأموات؛ فإنه لا يُؤمَن على حي فتنة، فكما تزعمون أن ورقة له تأثير عظيم في حياة محمد ﷺ فكان يقتدي به ويأتمر لأمره، فلماذا لم يُذكر ورقة ضمن الذين أُمر محمد بالاقتداء بهم فهذا من باب رد الفضل لأهل الفضل؟ ! . فإن قلتم: إن ورقة كان يُخفي شخصيته، قلنا: فهذا دليل على أن ورقة يخطط لأمورٍ يخاف المجتمع منها سواءً كان حكامًا أو محكومين، والعجيب أنكم تدَّعون أن ورقة كانت له كلمة مسموعة في مكة وغيرها، وتدَّعون أن مجتمع الجزيرة العربية كانت النصرانية منتشرة في معظم أنحائه، فلماذا يخطط بهذه السرية؟ ! . قال ابن عاشور: لم يسبق للنّبي ﷺ اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصَّروا أو تهوّدوا، فقد لقي النّبي - صلى عليه وسلم - زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْلٍ قبل النّبوءة في بَلْدَح، وعَرض عليه أن يأكل معه من سُفْرته، فقال زيد: (إنِّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم) توهّمًا منه أنّ النبي يدين بدين الجاهليّة، وألهم الله محمّدًا السكوت عن إجابته إلهامًا لحفظ السِرّ المدَّخر، فلم يقل له: إنّي لا أذبح على نُصُب. ولقي ورقةَ بن نوفل غير مرّة بمكّة، ولَقِي بحيرا الرّاهبَ، ولم يقتد بأحد من أولئك، وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرّسالة (١). الوجه السادس: أين باقي تلاميذ ورقة ؟

стр. 2296

السؤال الأول الذي نوجِّهه لكل من يتلفظ بهذه الشبهات ألا وهو: لماذا اختار ورقة محمدًا لأمر النبوة مع أن محمدًا كان أميًا (١)، وكان فقيرًا، ولم يكن رئيس قبيلة؟ . فكان من الأحرى لورقة أن يختاره غنيًا حتى لا يتحجج كفار مكة؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٣]. الوجه السابع: لم يرد ثناء من النبي ﷺ على ورقة لأنه علَّمه . بالرغم من أنه دافع عن عرضه، وذكر كرامته في الآخرة؛ عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا ورقة بن نوفل فإني قد رأيت له جنة أو جنتين" (٢). ويوضح قول النبي ﷺ ذلك ما في زيادات المغازي ليونس بن بكير؛ أخرجه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سابَّ أخ لورقة رجلًا، فتناول الرجل ورقة فسبه فبلغ النبي ﷺ ، فقال: هل علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين، فنهى عن سبه (٣). فكان من المتوقع أن يقول: لا تسبوا ورقة بن نوفل فإن له فضلًا علي؛ علمني بعد جهلي، فإن النبي عندما كان هناك شيء بين أبي بكر وعمر، فَسَأَله أبو بكر أَنْ يَغْفِرَ له فَأَبَى عمر، قال: فَقَالَ النبي ﷺ : "إِنَّ الله بعثني إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وواساني بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لي صاحبي" (٤). المطلب الرابع: عدد اللقاءات بين ورقة ومحمد ﷺ -. شبهة كون محمد ﷺ كان ملازمًا تمامًا لورقة؛ لأنه تلميذ يتلقى العلم من أستاذه، وقد

стр. 2297

عاش محمد في جواره خمسة عشر عامًا قبل مبعثه؛ ألا تكفي هذه المدة لنابغة العرب محمد بن عبد الله لكي يأخذ عنه شيئًا من علوم التوراة والإنجيل. وللرد على الشبهة في الوجوه التالية: الوجه الأول: حصر اللقاءات التي تمت بين ورقة والنبي محمد ﷺ -. لنحدد عدد اللقاءات التي تمت روايتها في كتب الحديث والسيرة، وهل فيها ثبت أن محمدًا ﷺ كان في هذه اللقاءات يقوم ورقة بتحفيظ محمد ﷺ القرآن كما كان يفعل جبريل. أولًا: ورقة وطفولة النبي ﷺ -. قَالَ ابن إسْحَاق: وَزَعَمَ النّاسُ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ - وَالله أَعْلَمُ - أَنّ أُمّهُ السّعْدِيّةَ لمّا قَدِمَتْ بِهِ مَكّةَ أَضَلَّهَا فِي النّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنّي قَدْ قَدِمْت بِمُحَمّدِ هَذِهِ اللّيْلَةَ فَلَمّا كُنْت بِأَعْلَى مَكّةَ أَضَلّنِي، فَوَالله مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ؟ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو الله أَنْ يَرُدّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُك؟ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَعُوذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ (١). وروى البيهقي عن عبد الله بن عباس عن حليمة بنت أبي ذؤيب أنها قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي، فقصدت قصده، فلما نظر إليَّ قال: أسعد نزل بك أم نحوس؟ قالت: قلت: بل نحس الأكبر، ففهمها مني، وقال: لعل ابنك قد ضل منك؟ قالت: قلت: نعم، بعض قريش اغتاله فقتله، فسل عبد المطلب سيفه وغضب، وكان إذا غضب لم يثبت له أحد من شدة غضبه، فنادى بأعلى صوته: يا يسيل؛ وكانت دعوتهم في الجاهلية. قال: فأجابته قريش بأجمعها، فقالت: ما قصتك يا أبا الحارث؟ فقال: فُقد ابني محمد، فقالت قريش: اركب نركب معك، فإن سبقت خيلًا سبقنا معك، وإن خضت بحرًا خضنا معك. قال: فركب وركبت معه قريش، فأخذ على أعلى مكة، وانحدر على أسفلها، فلما أن لم يرَ شيئًا ترك الناس،

стр. 2298

واتشح بثوب، وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف أسبوعًا، ثم أنشأ يقول: يا رب إن محمدًا لم يوجد ... فجميع قومي كلهم متردد فسمعنا مناديًا ينادي من جو الهواء: معاشر القوم، لا تصيحوا؛ فإن لمحمد ربًّا لا يخذله ولا يضيعه، فقال عبد المطلب: يا أيها الهاتف، من لنا به؟ قالوا: بوادي تهامة عند شجرة اليمنى. فأقبل عبد المطلب، فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل، فصارا جميعًا يسيران، فبينما هم كذلك إذا النبي ﷺ قائم تحت شجرة يجذب أغصانها، ويعبث بالورق، فقال عبد المطلب: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال عبد المطلب: فدتك نفسي، وأنا جدك عبد المطلب، ثم احتمله، وعانقه، ولثمه، وضمه إلى صدره، وجعل يبكي، ثم حمله على قربوس * سرجه، ورده إلى مكة، فاطمأنت قريش، فلما اطمأن الناس نحر عبد المطلب عشرين جزورًا، وذبح الشاء والبقر، وجعل طعامًا، وأطعم أهل مكة. قالت حليمة: ثم جهزني عبد المطلب بأحسن الجهاز وصرفني، فانصرفت إلى منزلي وأنا بكل خير دنيا؛ لا أحسن وصف كنه خيري، وصار محمد عند جده. قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب بحديثه كله، فضمه إلى صدره وبكى، وقال: يا حليمة، إن لابني شأنًا، وددت أني أدرك ذلك الزمان (١). توجيه هذه الروايات: على فرض التسليم بصحة الرواية فأين التعليم والتلقين وورقة لم يكن معلم كتاب يجمع الصبيان عنده كما يفعل المعلمون، غايته أنه وجده في الطريق فسلمه لجده عبد المطلب، ثم إن ورقة لم يدخل في النصرانية حينذاك، وإنما كان مشركًا من جملة مشركي مكة، فحتى لو بقي عنده أسبوعًا فما عند ورقة من علم يؤديه لغيره.

стр. 2299

قال حسن الأطير: لم ينكر أحد من عرب مكة معرفة ورقة وآل ورقة بمحمد وآل محمد، والجميع مُجمِعون على وجود قرابة بعيدة تجمع بينهم، حيث يلتقون في الجد الرابع لمحمد ﷺ (١). معرفة ورقة لمحمد منذ طفولته: قال حسن الأطير: العرب أمة قبلية تهتم بتعليم أطفالها أنسابَهم وأصولَهم منذ الصغر، فما يدَّعونه - أي: مِنْ أن محمدًا كان يعرف ورقة في صغره - لا يقدم ولا يؤخر (٢). * ورقة كان مشركًا في هذه الفترة كما قلنا، فهو يُعتبر فردًا عاديًا في قومه، فقد راح يبحث عن محمد عندما فُقد، فلم يكن له صومعة يعتكف فيها عن باقي الناس، بل كان مشاركًا معهم في جميع تقاليدهم من تقديم القرابين للأصنام وغير ذلك حتى هداه الله للحق. * أين كان ورقة من طفولة محمد؟ فلو كان حقًا أراد تكوين شخصية محمد لكان عليه أن يكفله كما كفل زكريا مريمَ، بل تركه يتربى في الصحراء مع أهل البادية، ثم تركه يُضَيِّع وقته في البحث عن العمل من رعي للغنم وتجارة، فكان ينبغي على ورقة أن يحتفظ بمحمد دائمًا أمام عينه لعدة أسباب منها: خوفُه عليه من اليهود الذين يعلمون من كتبهم مواصفات محمد، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]. * لو كان ورقة هو الذي لقيه بمفرده لقيل ربما كان يُعلِّمه النصرانية في هذه الفترة الوجيزة إلى أن يأتي إليه من يبحث عنه، ففي الرواية السابقة: (وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ). * ورقة كان من ضمن المستجيبين لأوامر عبد المطلب للبحث عن محمد، فكان من المفترض أن ورقة هو الذي يُعطي الأوامر لقريش؛ لأنه هو صاحب الكهنوت بمكة وصاحب الكلمة المسموعة - كما يزعمون -، ومن المفترض أن ورقة يخاف على محمد أكثر من خوف عبد المطلب عليه، لكنه لم يوجد من ورقة أي مسارعة وانزعاج إلا بعد ما

стр. 2300

ذَكرت الرواية السابقة من أمر عبد المطلب. ثانيًا: ورقة والنبي ﷺ في شبابه: عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: "وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد؛ وكان ابن عمها؛ وكان نصرانيًا؛ قد تبع أهل الكتاب؛ وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامُها ميسرة من قول الراهب، وما كان رأى منه إذ كان الملكان يظلانه. فقال ورقة: لئن كان هذا حقًّا يا خديجة إن محمدًا لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه. أو كما قال. فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟ فكان فيما يذكرون يقول أشعارًا يستبطئ فيها خبر خديجة ويستريث ما ذكرت خديجة، فقال ورقة بن نوفل: أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن فادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرهما عنه إذا غاب ناصح بفتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى والركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح يخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح كأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقًا ... كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بها ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيا لؤي جماعة ... شبابهم والأشيبون الجحاجح فإن أبقَ حتى يدرك الناس دهره ... فإني به مستبشر الود فارح وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة سائح (١)

стр. 2301

بيان حال الرواية: ١ - لا يشترط أن خديجة أخبرت ورقة بما حدث لمحمد مما تحدَّث به ميسرة أنه موقف مغاير لما حدثته بأمر الناموس، فهناك تشابه بين الروايتين مثل قول ابن إسحاق: (وكان ابن عمها، وكان نصرانيا، قد تبع الكتب)، وقوله: فإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإني به مستبشر الود فارح وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة سائح فإخبار خديجة ورقة بما حدث من أمر الملكين اللذين يظلانه، وأمر الناموس؛ كان كل هذا في موقف واحد. ٢ - فعندما أخبر ميسرةُ خديجة أنه رأى ملكين يظلان محمدًا، وقال لها ما قاله الراهب، احتفظت خديجة هذا الخبر في ذاكرتها إلى أن تزوجت من محمد، فعندما نزل عليه الناموس أيضًا وخافت على زوجها أخبرت ورقة بما حدث لمحمد في الماضي والحاضر لتعرف هل سيكون عليه خطورة في المستقبل؟ فإننا أثبتنا أن ورقة ما زال مشركًا قبل زواج محمد ﷺ من خديجة، وهذه الرواية يقول فيها: (قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه) فذلك دليل على أن ورقة قال ذلك الكلام بعد قدومه من الشام. وقال أيضًا: لَجِجْت وَكُنْت فِي الذّكْرَى ... لَجُوجًا لِهَمّ طَالمَا بَعَثَ النّشِيجَا وَوَصْفٍ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ ... فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي ... حَدِيثَك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا بِمَا خَبّرْتنَا مِنْ قَوْلِ قَسّ ... مِنْ الرّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا بِأَنّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فِينَا ... وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونُ لَهُ حَجِيجًا وَيُظْهِرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءَ نُورٍ ... يُقِيمُ بِهِ الْبَرّيّةَ أَنْ تَمُوجَا فَيَلْقَى مَنْ يُحَارِبُهُ خَسَارًا ... وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فُلُوجَا

стр. 2302

فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ ... شَهِدْت فَكُنْت أَوّلَهُمْ وُلُوجَا وُلُوجًا فِي الّذِي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ ... وَلَوْ عَجّتْ بِمَكّتِهَا عَجِيجًا أَرُجّيَ بِالّذِي كَرِهُوا جَمِيعًا ... إلَى ذِي الْعَرْشِ إنْ سَفَلُوا عُرُوجَا وَهَلْ أَمْرُ السّفَالَةِ غَيْرُ كُفْرٍ ... بِمَنْ يَخْتَارُ مِنْ سُمْكِ الْبُرُوجَا فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمُورٌ ... يَضِجّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجَا وَإِنْ أَهْلِكْ فَكُلّ فَتًى سَيَلْقَى ... مِنْ الْأَقْدَارِ مَتْلَفَةً خَرُوجَا (١) قال ابن كثير: فشعره يدل على إضماره الإيمان وعقده عليه وتأكده عنده (٢). ثالثا: لقاء ورقة بمحمد ﷺ عند نزول الوحي: الوجه الأول: جمع الروايات التي تشير إلى لقاء ورقة بمحمد ﷺ عند نزول الناموس عليه . تُحدثنا كتب الحديث الصحاح عن لقاء تم بين محمد ﷺ وبين ورقة، بعد أن بلغ من الكبر عتيًا فعمي، وذلك حين تنزل على محمد ملكُ الوحي في غار حراء، وقد حملت محمدًا زوجُه خديجةُ على لقيا ورقة ليستفسر عن حقيقة هذا الذي دخل عليه الغار بتلك الطريقة المهيبة، (فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا ترَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ! قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (٣). ولا أحب الاقتصار على رواية أصح الكتب بعد القرآن وهو صحيح الإمام البخاري، بل أسرد من المصادر التي يحتج بها المستشرقون عادة، ومنهم (واط) وهي كتب التاريخ،

стр. 2303

وفي مقدمتها تاريخ الطبري. ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في رواية في تاريخه: أن خديجة طمأنت زوجها. ثم قال: فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأؤمنن به (١). وروى الطبري في رواية أخرى طويلة: أن خديجة بعد أن طمأنت زوجها (انطلقت إلى ورقة ابن نوفل بن أسد؛ وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر - يعني بالناموس: جبريل ﵇ الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بقول ورقة فسهَّل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال: يابن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله ﷺ فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرًا يعلمه، ثم أدنى رأسه فقبل يأفوخه *، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله، وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتًا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم (٢). ونصت رواية ابن سعد أن خديجة ذهبت لوحدها إلى ورقة بن نوفل، فأعلن إيمانه ويقينه بأن هذا الحدث هو وحي الله، وتعهد بنصرة الرسول وتأييده، فلم يترك بذلك مجالًا لتوهم الأخذ عنه، وليس امرؤ لديه علم بدين الله تعالى وهو على حافة القبر يستسيغ أن

стр. 2304

يكذب على الله في أقدس الأمور؛ في وحي الله ورسالته. جاء في رواية ابن سعد: ثم أتت خديجة ورقة بن نوفل فذكرت له ذلك فقال: إن يك صادقًا فهذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن يبعث وأنا حي فسأعزره وأنصره وأؤمن به (١). الوجه الثاني: الجمع بين روايات كتب الحديث والسيرة: قال حسن ضياء الدين: أما اللقاء الذي تم بين سيدنا محمد ﷺ وبين ورقة فإنه تم في زمن متأخر بعد مجيء ملك الوحي المرة الأولى، واستثاره عجب الرسول واستفساره؛ هذا أمر أجمعت عليه جميع المصادر، لكنها اختلفت في زيارة خديجة لورقة، هل كانت لوحدها أم بصحبة محمد ﷺ ؟ وأرى أن الجمع بين روايات السيرة ورواية الإمام البخاري يفيد أن خديجة ذهبت أول مرة وحدها لتسأل ورقة تأويل هذا الحدث، ثم ذهبت أيضًا مع محمد ﷺ إلى ورقة وحضرت هذا اللقاء وشهدته، وإذا كانت رواية ابن سعد قد أوردت زيارة خديجة لورقة منفردة، فإن رواية ابن إسحاق لم تنفِ هذا الحضور ولم تثبته، بينما جمعت رواية الإمام الطبري بين الزيارتين في سياق واحد، فكانت أوفى تعبيرًا عن الحادثة، ولا يغيب عن بالك أن خديجة هي المرأة الشهيرة بفطنتها ورزانتها ورجاحة عقلها (٢). قال عبد المحسن المطيري: لم تذكر كتب السيرة في رواياتها الصحيحة أن النبي ﷺ التقى بورقة إلا تلك المرة، فكيف يزعم أنه لازمه خمس عشرة سنة؟ فيكفي في الرد على هذا الكلام أنها دعوى لا دليل عليها (٣). الوجه الثالث: النصوص تنفي أي صلة سابقة بين ورقة ومحمد ﷺ ، فلو افترضنا وجود لقاءات بينهما فلا يشترط وجود تأثيرات لأحدهما على الآخر.

стр. 2305

قال حسن ضياء الدين: إن اللقاء بين محمد ﷺ وبين ورقة بن نوفل قد تم في زمن متأخر بعد مجيء الوحي المرة الأولى إلى رسول الله ﷺ ، وقد دلت النصوص على عدم وجود صلة سابقة بين محمد ﷺ وبين ورقة بن نوفل، حتى إن فكرة الاتصال بورقة لم تطرأ على بال الرسول الكريم سعيًا لإزالة الإشكال عن نفسه، بل كانت الفكرة من اقتراح خديجة، فلو كانت هناك صلة سابقة كما زعم بغير دليل (واط) المستشرق لتبادرت إلى ذهن الرسول سريعًا فكرة استفتاء ورقة، أما وإن الفكرة وليدة خاطر خديجة؛ فأمر طبيعي أن تعلم المرأة من قريباتها وأقربائها أحوال ابن عمها واتجاهه الديني الذي خالف به أهل الجاهلية، ولكن زعمه أن خديجة وقعت تحت تأثير ورقة فزعم مجرد لا دليل عليه إطلاقًا؛ بل الدليل قائم على عكسه تمامًا. شبهة: موقف قريش من ورقة ومحمد ﷺ -. مساندة قريش بقيادة أبي طالب لورقة لتنفيذ فكرته. الرد على الشبهة: الوجه الأول: موقف قريش يثبت عزلة محمد ﷺ عن ورقة وعدم تأثره به . قال حسن ضياء الدين: إن قريشًا لم تتوان لحظة في تصيد أدنى مطعن محتمل وتوجيهه إلى رسول الله ﷺ ، فقد بالغت في ذلك وأفرطت حتى زعمت أنه مجنون، وزعمت أنه يُعَلَّمُ من فتىً أعجمي رومي رقيق لديهم، فلو كان هناك أقل قدر من التواصل بين محمد ﷺ وورقة لافترضته قريش ولبنت مزاعمها عليه، ومثل هذه الصلات الدينية لا تخفى في مجتمع وثني قديم ضيق مكشوف بعضه تجاه بعض، لكن قريشًا مع إفراطها في العداء والبهتان لما لم تورد شيئًا من هذا القبيل دل ذلك على عدمه أصلًا، وعلى أن القول به باطل مفضوح لا طائل وراءه، بل لو كان شيءٌ من ذلك محتملًا لمالت قريش على ورقة ليعلم شبابها فيناهضوا بذلك دعوة محمد ﷺ (١).

стр. 2306

فأين قريش من بحيرا وورقة؟ ولماذا لم يحضروهما ليكونا دليلين بين أيديهم على بشرية مصدر القرآن الكريم؟ ! الوجه الثاني: افتراض تعلم النبي ﷺ من نصارى الشام ويهود المدينة وغيرهم لا يتفق مع الحقيقة التاريخية . فالحقيقة التاريخية التي تحدثنا عن الحيرة والتردد في موقف المشركين من رسول الله ﷺ في محاولتهم لتفسير ظاهرة الرسالة؛ لأن مثل هذه العلاقة مع النصارى أو اليهود لا يمكن التستر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم الذين عاصروه وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامة بما فيها من سفرات ورحلات (١). الوجه الثالث: لماذا لم يُعذِب كفار قريش ورقة على اعتباره أنه هو الذي ألَّف الدين لمحمد ؟ ! فكما تساءلنا عن أنه لو كان ورقة كاهنًا مسموعة كلمته في مكة؛ فلماذا عذَّب أهل مكة محمدًا وأتباعه الذين تدعون أنهم في الأصل أتباع ورقة؟ فكذلك نتساءل لماذا كان محمدٌ وأتباعه يتعرضون للأذى والتعذيب من كبيرهم إلى صغيرهم ومن ذكرهم إلى أنثاهم؟ ! فهذا ياسر كبير السن هو وزوجته يُعذَّبان حتى الموت، فلو كان ورقة كبير السن فإن كفار قريش لن يرحموه خصوصًا بعد زعمكم أنه هو مُنشئ الإسلام؟ نعم، إن محمدًا كان عمه وغيره ممن يحمونه يمنعونه من بعض الأذى كأبي بكر، ولكننا لا ننسى ما حدث له في الطائف وفي مواقف أخرى كثيرة. فهل ورقة كان مستترًا لا يلوح بنفسه خوفًا من الموت؟ ثم هو يودي بمحمد وأتباعه إلى الهلاك؟ فالجواب: لا، لأنه إذا كان كذلك فلا بد أن قريشًا علمت بأن ورقة يؤيد الإسلام ولم تتعرض له؛ إما لأنه مات قبل صدوع محمد بالدعوة، وإما لأنه مجرد تابع لمحمد، وليس له كبير أثر في الدعوة لكبر سنه الذي ألزمه الفراش كثيرًا، فكانت قولته الشهيرة: يا ليتني فيها جذعًا إذ يخرجك قومك. أي: يا ليْتَني كنْتُ شابًّا عند ذلك. الوجه الرابع: إن قريشًا أحرص من المنصِّرين على إثبات بشرية مصدر الوحي .

стр. 2307

ولكنهم - وهم الأكثر دراية بحاله وتحركاته - لم يرصدوا أنه ذهب إلى معلم كتابي واحد، ولم يفضحه رفاقه في السفر بأنه التقى بأي حبر أو كاهن، ومن غير الممكن أن يتردد سيدنا محمد إلى بيت معلم يعلمه دون أن يلاحظ ذلك أحد، فمكة المكرمة مدينة صغيرة المساحة؛ أحياؤها بل بيوتها معروفة لكل واحد من أهلها. شبهة: القرآن وورقة والنصارى ونسبة تأليفهم له . قالوا: ورقة ألَّف القرآن، ونسبه هو ومحمد إلى الله. والرد على الشبهة كما يلي: الوجه الأول: إثبات أن القرآن من عند الله . لخص ابن كثير هذه المسألة في بداية تفسيره تحت هذه الآيات من سورة البقرة، فقال: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾. ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارِضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك. قال ابن عباس: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم، أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك. وقال السدي عن أبي مالك: شركاءكم أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم. وقال مجاهد: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناس يشهدون به يعني: حكام الفصحاء. وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩]،

стр. 2308

وقال أيضًا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم الله تعالى بذلك أيضًا في المدينة فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: (في) شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني: من مثل (هذا) القرآن؛ قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير بدليل قوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ يعني: من رجل أمي مثله. والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ "ولن": لنفي التأبيد أي: ولن تفعلوا ذلك أبدًا، وهذه - أيضًا - معجزة أخرى، وهي أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدًا وكذلك وقع الأمر؛ لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟ ! ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى؛ قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت

стр. 2309

طبق ما أخبر سواءً بسواءٍ، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر؛ كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدىً؛ ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة، أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته. وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواءً كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواءً تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا؛ لا يَخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وَعَدَ أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن؛ كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٦، ١٧] وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا

стр. 2310

أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة. وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأوعها سمعك فإنه خيرٌ ما يأمر به أو شرٌ ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم؛ بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أُعْطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" لفظ مسلم، وقوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا" أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزة (عند كثير من العلماء)، والله أعلم. وله ﷺ من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة. (١) الوجه الثاني: لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد قول المشككين . يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر: (بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول

стр. 2311

بأن ما علمه محمد ليس اقتباسًا بل قد أوحى إليه ربه، ولا ريب بذلك) (١). ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابًا مقدسًا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه) (٢). الوجه الثالث: أسباب النزول واستحالة كون ورقة وغيره مع الرسول . ومن لطائف الاستدلال على أنه لم ينقل من غيره ما يذكره العلماء في فوائد أسباب النزول؛ إذ يذكرون أن من فوائد أسباب النزول أن دلالته على إعجاز القرآن وأنه من الله تعالى من ناحية الارتجال، فنزوله بعد الحادثة مباشرة يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين، أو من كتب السابقين، ذكر هذه الفائدة الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير (٣). فلو كان ينقل كتابه من كتب غيره لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده، وينظر ماذا تقول في هذه المسألة ثم يجيب، ولكن النبي ﷺ لم يكن يفعل؛ بل يسأله الرجل فيعطيه الجواب الموافق للصواب، الذي لم يكن قرأه ولا عرفه إلا في هذه اللحظة التي نزل عليه فيها، وهناك أدلة ووقائع كثيرة تدل على صدق النبي ﷺ . الوجه الرابع: مناقشة مسألة ورقة ومعاصرة القرآن . فنقول: لم يعاصر ورقة التسلسل الزمني للحوادث الواردة في القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين (٢٣) سنة من نزوله، إذ أنه قد توفي في أول البعثة، فأين ورقة من سؤال يسأله المشركون أو اليهود أو غيرهم للرسول ﷺ فنرى الإجابة قد وُجدت في حينها، وجاء القرآن يشرحها ويحدد موقفه منها كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، كثيرًا ما كان يسأل المؤمنون أو اليهود أو المنافقون أو المشركون؛ يسألون عن أشياء يريدون فهمها، أو

стр. 2312

عن أشياء يريدون تعجيز الرسول وإظهاره بمظهر عدم العارف ليضعفوا من شخصيته ومهابته، وكان نزول القرآن مفرقًا يتيح للرسول أن يتلقى الرد عليهم من جبريل بما يريد الله، ولذلك تجد كثيرًا في القرآن (يسألونك)، أو (يسألك الناس)، وتجد الرد بعد ذلك حتى بلغ (يسألونك) نحو خمسة عشر سؤالًا وجهت للرسول في أوقات متباعدة، ونزل القرآن للرد عليها فأين هو ورقة بن نوفل من هذه الأسئلة؟ وهو الذي لم يعاصر التسلسل الزمني للحوادث الواردة في القرآن الكريم على مدى ٢٣ سنة من نزوله إذ أنه قد تُوفي في أول البعثة؟ أين ورقة من أحداث تمت بعد وفاته وقد تحدث عنها القرآن الكريم؟ فليخبرنا هؤلاء هل عاصر ورقة غزوة الأحزاب التي تحدث عنها القرآن الكريم؟ هل عاصر ورقة يوم حنين الذي تحدث عنه القرآن؟ هل عاصر ورقة قصة زيد التي تحدث عنها القرآن الكريم؟ هل عاصر ورقة حادثة الإفك التي تحدث عنها القرآن؟ هل عاصر ورقة قدوم وفد نجران والدعوة للمباهلة؟ . الوجه الخامس: إذا كان النبي ﷺ أخذ من النصارى الذين خالطهم من أمثال سلمان وصهيب وورقة، فلِمَ لم يفضحوه عندما كفَّر النصارى وأظهر عيوبهم في كتابه في عدة آيات، حتى إن سورة المائدة وهي من آخر السور نزولًا كانت من أكثر السور تكفيرًا للنصارى (١). وهل كانوا جميعًا على مذهب واحد من النصرانية، مع أن كلًا منهم له قصة في اتباعه للحق بعيدة عن الآخر. الوجه السادس: وجود بعض الشرائع في القرآن تتفق مع ما في التوراة والإنجيل أو حتى مع ما عند العرب ليس في هذا دليل على أنه مأخوذ منها، فالقرآن لم يأتِ لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق، فالصدق، والشجاعة، والكرم، والحلم، والرحمة، والعزة؛ كل هذه

стр. 2313

المعاني موجودة عند كفار مكة ومع هذا جاء الإسلام ولم يغير منها شيئًا بل باركها وحث عليها، لذلك قال النبي ﷺ : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" (١). إذن ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله حتى يثبت صحة نفسه، فمن الطبيعي أن يقر القرآن بعض الشرائع سواءً في الكتب السابقة السماوية أو في عادات الناس وأعرافهم، وأما الخطأ فإنه لا يقره (٢). وقد نص القرآن على هذا المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. الوجه السابع: لقد ثبت أن النبي محمدًا كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب (٣). فكيف يستطيع أن يشارك ورقة في مسألة ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة العربية، ثم بعد ذلك تحويل هذه الترجمة إلى كلام منسق بصياغة أخرى؛ مع وجود تغيرات أخرى وزيادات وحذف، ووضع مسائل جديدة غيبية، وذكر أحكام فقهية جديدة وتغييرات جذرية مما يصعب على رجلين القيام بذلك أحدهما أمي (٤). شبهة: ترجمة ورقة للكتاب المقدس وتحويل الترجمة إلى قرآن . نص الشبهة: محمد كان بجوار ورقة أثناء ترجمة الإنجيل. فقد كان ورقة يترجم الإنجيل إلى العربية وهذا الإنجيل المترجم كان يلقيه على تلميذه محمد فأصبح قرآنًا.

стр. 2314

ودليلهم على ذلك ما في الصحيحين: "وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ" (١). والرد على ذلك كما يلي: الوجه الأول: الفارق بين القرآن وبين التوراة والإنجيل واضح وبَيِّنٌ، فكيف حوَّل الإنجيل المحرف إلى قرآن بهذه الصورة. الوجه الثاني: الإنجيل لم يترجمه إلى العربية أحد في عصر النبوة ولا قبله. فهذه الحقيقة نشرتها دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، ومجلس كنائس الشرق الأوسط في كتابهم المليء بصور فلسطين - عدا المسجد الأقصى -، وعنوان الكتاب: المرشد إلى الكتاب المقدس؛ طبعة ١٩٩٦ م؛ أول ترجمات الإنجيل إلى العربية يقول ص ٧٩: عام ٦٣٩ م طلب القائد العربي عمر بن سعد بن أبي وقاص من البطريرك اليعقوبي يوحنا أن يضع ترجمة للإنجيل في اللغة العربية ربما تم ذلك حوالى ذلك التاريخ عام ٨٦٧ م أعمال الرسل والرسائل كلها؛ مكتبة سانت كاترين؛ سيناء. حوالي سنة ٩٣٠ م أسفار التوراة الخمسة وأشعيا؛ قام بها العالم اليهودي سعيد الفيومي. وأول ترجمة كاملة للكتاب المقدس بعهديه تمت في روما، وعرفت بالبروباغاندا. هل مجلس الكنائس أصدق؟ أم من ادعى أن ورقة بن نوفل هو أول من ترجم الكتاب المقدس؟ ولماذا لم يشر مجلس الكنائس العالمي إلى ورقة ولو بإشارة؟ الوجه الثالث: الآثار توضح أن ورقة كان قد عمي حين ذهب إليه النبي ﷺ ليخبره بأمر الوحي. فعن عائشة ﵂: ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي؛ وهو ابن عم خديجة ابن أخي أبيها، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان

стр. 2315

يكتب الكتاب العربي، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرًا قد عمي .. ثم لم ينشب ورقة أن توفي. قال زيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِي: قَوْلُهَا (أَيْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَرْفُ نِدَاءٍ لِلْبَعِيدِ مَسَافَةً أَوْ حُكْمًا، فَنَادَتْهُ خديجة نِدَاءَ الْبَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْمَى كَمَا فِي الْحَدِيث (١). فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. (٢) فلم تقل له اقرأ علينا من كتابك المقدس عن خبر النبي الخاتم الذي كنت تحدثنا به كثيرًا، وذلك لعلمها بأنه أعمى في ذلك الوقت. الوجه الرابع: العهد القديم لم يكن مترجمًا إلى اللغة العربية قبل الإسلام. وقد نص على ذلك المستشرقون أنفسهم، فهذا (جوتين) يقول عن صحائف اليهود: (إن تلك الصحائف مكتوبة بلغة أجنبية) (٣). وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى عدم وجود ترجمة عربية لأسفار اليهود قبل الإسلام وأن أول ترجمة كانت في أوائل العصر العباسي، وكانت بأحرف عبرية (٥٥٨). كيف إذن أخذ النبي ﷺ منها؟ لا بد على المستشرقين أن يفتروا كذبة جديدة، وهي أن النبي ﷺ درس لغة التوراة فكان يترجمها للقرآن؟ . الوجه الخامس: كان ورقة يفسر بعض نصوص الإنجيل؛ لا أنه يترجمها للعربية لتكون قرآنًا. قال السمرقندي: وكان ورقة يقرأ الإنجيل ويفسره (٤).
следующие страницы →