← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

بأن ما علمه محمد ليس اقتباسًا بل قد أوحى إليه ربه، ولا ريب بذلك) (١). ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابًا مقدسًا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه) (٢). الوجه الثالث: أسباب النزول واستحالة كون ورقة وغيره مع الرسول . ومن لطائف الاستدلال على أنه لم ينقل من غيره ما يذكره العلماء في فوائد أسباب النزول؛ إذ يذكرون أن من فوائد أسباب النزول أن دلالته على إعجاز القرآن وأنه من الله تعالى من ناحية الارتجال، فنزوله بعد الحادثة مباشرة يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين، أو من كتب السابقين، ذكر هذه الفائدة الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير (٣). فلو كان ينقل كتابه من كتب غيره لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده، وينظر ماذا تقول في هذه المسألة ثم يجيب، ولكن النبي ﷺ لم يكن يفعل؛ بل يسأله الرجل فيعطيه الجواب الموافق للصواب، الذي لم يكن قرأه ولا عرفه إلا في هذه اللحظة التي نزل عليه فيها، وهناك أدلة ووقائع كثيرة تدل على صدق النبي ﷺ . الوجه الرابع: مناقشة مسألة ورقة ومعاصرة القرآن . فنقول: لم يعاصر ورقة التسلسل الزمني للحوادث الواردة في القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين (٢٣) سنة من نزوله، إذ أنه قد توفي في أول البعثة، فأين ورقة من سؤال يسأله المشركون أو اليهود أو غيرهم للرسول ﷺ فنرى الإجابة قد وُجدت في حينها، وجاء القرآن يشرحها ويحدد موقفه منها كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، كثيرًا ما كان يسأل المؤمنون أو اليهود أو المنافقون أو المشركون؛ يسألون عن أشياء يريدون فهمها، أو

стр. 2312

عن أشياء يريدون تعجيز الرسول وإظهاره بمظهر عدم العارف ليضعفوا من شخصيته ومهابته، وكان نزول القرآن مفرقًا يتيح للرسول أن يتلقى الرد عليهم من جبريل بما يريد الله، ولذلك تجد كثيرًا في القرآن (يسألونك)، أو (يسألك الناس)، وتجد الرد بعد ذلك حتى بلغ (يسألونك) نحو خمسة عشر سؤالًا وجهت للرسول في أوقات متباعدة، ونزل القرآن للرد عليها فأين هو ورقة بن نوفل من هذه الأسئلة؟ وهو الذي لم يعاصر التسلسل الزمني للحوادث الواردة في القرآن الكريم على مدى ٢٣ سنة من نزوله إذ أنه قد تُوفي في أول البعثة؟ أين ورقة من أحداث تمت بعد وفاته وقد تحدث عنها القرآن الكريم؟ فليخبرنا هؤلاء هل عاصر ورقة غزوة الأحزاب التي تحدث عنها القرآن الكريم؟ هل عاصر ورقة يوم حنين الذي تحدث عنه القرآن؟ هل عاصر ورقة قصة زيد التي تحدث عنها القرآن الكريم؟ هل عاصر ورقة حادثة الإفك التي تحدث عنها القرآن؟ هل عاصر ورقة قدوم وفد نجران والدعوة للمباهلة؟ . الوجه الخامس: إذا كان النبي ﷺ أخذ من النصارى الذين خالطهم من أمثال سلمان وصهيب وورقة، فلِمَ لم يفضحوه عندما كفَّر النصارى وأظهر عيوبهم في كتابه في عدة آيات، حتى إن سورة المائدة وهي من آخر السور نزولًا كانت من أكثر السور تكفيرًا للنصارى (١). وهل كانوا جميعًا على مذهب واحد من النصرانية، مع أن كلًا منهم له قصة في اتباعه للحق بعيدة عن الآخر. الوجه السادس: وجود بعض الشرائع في القرآن تتفق مع ما في التوراة والإنجيل أو حتى مع ما عند العرب ليس في هذا دليل على أنه مأخوذ منها، فالقرآن لم يأتِ لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق، فالصدق، والشجاعة، والكرم، والحلم، والرحمة، والعزة؛ كل هذه

стр. 2313

المعاني موجودة عند كفار مكة ومع هذا جاء الإسلام ولم يغير منها شيئًا بل باركها وحث عليها، لذلك قال النبي ﷺ : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" (١). إذن ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله حتى يثبت صحة نفسه، فمن الطبيعي أن يقر القرآن بعض الشرائع سواءً في الكتب السابقة السماوية أو في عادات الناس وأعرافهم، وأما الخطأ فإنه لا يقره (٢). وقد نص القرآن على هذا المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. الوجه السابع: لقد ثبت أن النبي محمدًا كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب (٣). فكيف يستطيع أن يشارك ورقة في مسألة ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة العربية، ثم بعد ذلك تحويل هذه الترجمة إلى كلام منسق بصياغة أخرى؛ مع وجود تغيرات أخرى وزيادات وحذف، ووضع مسائل جديدة غيبية، وذكر أحكام فقهية جديدة وتغييرات جذرية مما يصعب على رجلين القيام بذلك أحدهما أمي (٤). شبهة: ترجمة ورقة للكتاب المقدس وتحويل الترجمة إلى قرآن . نص الشبهة: محمد كان بجوار ورقة أثناء ترجمة الإنجيل. فقد كان ورقة يترجم الإنجيل إلى العربية وهذا الإنجيل المترجم كان يلقيه على تلميذه محمد فأصبح قرآنًا.

стр. 2314

ودليلهم على ذلك ما في الصحيحين: "وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ" (١). والرد على ذلك كما يلي: الوجه الأول: الفارق بين القرآن وبين التوراة والإنجيل واضح وبَيِّنٌ، فكيف حوَّل الإنجيل المحرف إلى قرآن بهذه الصورة. الوجه الثاني: الإنجيل لم يترجمه إلى العربية أحد في عصر النبوة ولا قبله. فهذه الحقيقة نشرتها دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، ومجلس كنائس الشرق الأوسط في كتابهم المليء بصور فلسطين - عدا المسجد الأقصى -، وعنوان الكتاب: المرشد إلى الكتاب المقدس؛ طبعة ١٩٩٦ م؛ أول ترجمات الإنجيل إلى العربية يقول ص ٧٩: عام ٦٣٩ م طلب القائد العربي عمر بن سعد بن أبي وقاص من البطريرك اليعقوبي يوحنا أن يضع ترجمة للإنجيل في اللغة العربية ربما تم ذلك حوالى ذلك التاريخ عام ٨٦٧ م أعمال الرسل والرسائل كلها؛ مكتبة سانت كاترين؛ سيناء. حوالي سنة ٩٣٠ م أسفار التوراة الخمسة وأشعيا؛ قام بها العالم اليهودي سعيد الفيومي. وأول ترجمة كاملة للكتاب المقدس بعهديه تمت في روما، وعرفت بالبروباغاندا. هل مجلس الكنائس أصدق؟ أم من ادعى أن ورقة بن نوفل هو أول من ترجم الكتاب المقدس؟ ولماذا لم يشر مجلس الكنائس العالمي إلى ورقة ولو بإشارة؟ الوجه الثالث: الآثار توضح أن ورقة كان قد عمي حين ذهب إليه النبي ﷺ ليخبره بأمر الوحي. فعن عائشة ﵂: ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي؛ وهو ابن عم خديجة ابن أخي أبيها، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان

стр. 2315

يكتب الكتاب العربي، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرًا قد عمي .. ثم لم ينشب ورقة أن توفي. قال زيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِي: قَوْلُهَا (أَيْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَرْفُ نِدَاءٍ لِلْبَعِيدِ مَسَافَةً أَوْ حُكْمًا، فَنَادَتْهُ خديجة نِدَاءَ الْبَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْمَى كَمَا فِي الْحَدِيث (١). فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. (٢) فلم تقل له اقرأ علينا من كتابك المقدس عن خبر النبي الخاتم الذي كنت تحدثنا به كثيرًا، وذلك لعلمها بأنه أعمى في ذلك الوقت. الوجه الرابع: العهد القديم لم يكن مترجمًا إلى اللغة العربية قبل الإسلام. وقد نص على ذلك المستشرقون أنفسهم، فهذا (جوتين) يقول عن صحائف اليهود: (إن تلك الصحائف مكتوبة بلغة أجنبية) (٣). وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى عدم وجود ترجمة عربية لأسفار اليهود قبل الإسلام وأن أول ترجمة كانت في أوائل العصر العباسي، وكانت بأحرف عبرية (٥٥٨). كيف إذن أخذ النبي ﷺ منها؟ لا بد على المستشرقين أن يفتروا كذبة جديدة، وهي أن النبي ﷺ درس لغة التوراة فكان يترجمها للقرآن؟ . الوجه الخامس: كان ورقة يفسر بعض نصوص الإنجيل؛ لا أنه يترجمها للعربية لتكون قرآنًا. قال السمرقندي: وكان ورقة يقرأ الإنجيل ويفسره (٤).

стр. 2316

وفي لفظ الحديث: (فيكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب) تدل على التبعيض؛ لا أنه كتب وترجم وفسر كل نصوص الإنجيل. قال زيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: (وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ) فَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ؛ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا، وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ: يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ دَيْنِ النَّصَارَى بِحَيْثُ صَارَ يَتَصَرَّفُ فِي الْإِنْجِيلِ فَيَكْتُبُ أَيَّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إنْ شَاءَ وَبِالْعَرَبِيَّةِ إنْ شَاءَ (١). فإن قيل: لماذا أشاد ورقة بموسى فقال: (ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى)؟ فهذا دليل على أنه كان مطلعًا على التوراة. نقول: هذا مما علمه من سماع من رهبان الشام، وليس فيه إثبات صريح على اطلاعه على التوراة، وكذلك فإن لموسى ذكر في الإنجيل. الرد على شبهة: اختلاف القرآن المكي والمدني لموت ورقة . الوجه الأول: إن هذه الدعوى مجردة من الدليل، خالية من التحديد والتعيين، ومثل هذه الدعاوى لا تُقبل ما دامت غير موافقة للتحقيق العلمي، وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد من ورقة؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان؟ الوجه الثاني: إن الإسلام بدأ من غار حراء حيث كان يتعبد النبي ﷺ كل ليلةٍ معتزلًا عن الناس ومفاتنهم وشهواتهم، متفكرًا في ملكوت السموات والأرض مثل نبي الله إبراهيم ﵇، ولم يبدأ من الكنائس، ولم نسمع أن محمدًا قبل الأربعين قد اعتنق أي دين، ولم توجد لدى أحدٍ أي صحيفة مترجمة، وهناك أيضًا الكثير من الأسئلة التي تدحض افتراءات من يفتري على وحي الله لرسوله منها:

стр. 2317

متى مات ورقة؟ وهل يختلف القرآن المدني عن المكي نتيجة وفاة ورقة؟ وما علاقة موت ورقة بانتشار الإسلام في مكة والمدينة؟ وكم نسبة قرآن ورقة إلى القرآن الكريم؟ وهل محمد (القرشي الأمي) كان أفضل من ورقة بن نوفل (النصراني المؤمن) في ادعاء الإسلام؟ . فإن كان ورقة هو الأب الروحي السري للوحي، فلماذا لم تتأثر السور والآيات المكية بعقيدة الثالوث أو بغيرها من الروايات المقدسة حول الأنبياء، ولم يلتزم بالإطار العام في سر القدرة الإلهية والإيحاءات فيها وعلاقة الشيطان برسالة الله في خلقه؟ الوجه الثالث: كيف يمكن اعتبار التوراة والإنجيل من أهم مصادر القرآن مع أن القرآن خالفها في كثير من الأشياء؛ ففي بعض الأحداث التاريخية نجد القرآن يذكرها بدقة متناهية، ويتمسك بها بإصرار، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل بعضها على الأقل تفاديًا للاصطدام بالتوراة والإنجيل) (١). الوجه الرابع: يقال لهم: لقد خالف القرآن الكريم التوراة والإنجيل في أعظم وأخطر قضية وهي الوحدانية لله تعالى، فالقرآن يؤكد على وحدانية الله وكماله وتفرده بالعظمة والخلق والجلال والجمال، بينما نصوص التوراة والإنجيل تؤكد على الثالوث: الأب، والابن، وروح القدس، وتنسب إلى الله النقائص، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ١ - في جانب التشريع نجد أن الإنجيل يحرم الزواج بالمطلقة، ويعتبره زنىً، فقد جاء فيه: (من تزوج مطلقة فقد زنا)، أما القرآن فإنه يعتبر ذلك مكرمة للمرأة، ويراه أمرًا حسنًا، وقد تزوج النبي ﷺ بزينب ﵂ بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁. ٢ - إنك إذا قارنت بين أسلوب القرآن وبلاغته وفصاحته وبين نصوص العهدين وجدت الفرق العظيم، فنصوص العهدين تغلب عليها الركاكة في الأسلوب، وأما القرآن فقد أعيا أساطين البلاغة إلى اليوم أن يأتوا ولو بسورة أو بآية مثله، فكيف يقال: إنه قد صيغ من كتب أولئك الذين لا يستطيعون الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا؟

стр. 2318

الوجه الخامس: إن اتفق شيء مما تبقى من عقائد وشرائع الأنبياء السابقين مع الوجود في القرآن الكريم فهو من أدلة وحدة مصدرها، وإن تفوق القرآن الكريم عليها بكونه كله قطعي الثبوت. أما الجاحدون من أهل الكتاب - لا سيما دعاة النصرانية في هذا الزمان - فهم يقولون فيما وافق القرآن به كتبهم: إنه مأخوذ منها بدليل موافقته لها، وفيما خالفها: إنه غير صحيح بدليل أنه خالفها، وفيما لم يوافقها ولم يخالفها به: إنه غير صحيح؛ لأنه لم يوجد عندنا، وهذا منتهى ما يُكابر به مُناظِرٌ مناظرًا، وأبطل ما يرُدُّ به خصمٌ على خصم (١). الوجه السادس: لم يصدر عن أيٍّ من ملوك النصارى العرب، أو الروم، أو القبط، أو الأحباش؛ الذين وصلتهم رسالة الإسلام، أن ما في القرآن الكريم مستفاد مستقىً من عندهم. الوجه السابع: هل كان لدى ورقة بن نوفل أي حصيلة علمية أو معرفية، تؤهله ليكون مصدر القرآن الكريم؟ فقد ظل فترة طويلة على الشرك فقصر الوقت الذي شاهدهما فيه، فما في القرآن من عقائد وشرائع وقصص تحتاج إلى فترة زمنية طويلة، بل المنطق يقول: إن أي إنسان عادي لن يستطيع تأليف قوانين وشرائع مماثلة لتلك الموجودة في القرآن الكريم إلا بعد مكث سنوات طويلة من التعلم. فقد كان عمره ﷺ عندما قابل بحيرا أول مرة تسعة أعوام، ولما تاجر لخديجة كان عمره خمسة وعشرين عامًا، وفي الأولى كان معه عمه، وفي الثانية ميسرة غلام خديجة (٢). الوجه الثامن: عدم موافقة القرآن لعقيدة النصارى. ففي القرآن الكريم آيات لا توافق عقيدة المسيحية فكيف يكتبها ورقة؟ فعلى سبيل المثال: إذا كان القرآن مصدره ورقة، وورقة شخص نصراني فكيف ينكر القرآن صلب المسيح؟ . أيضًا في القرآن الكريم آيات لا توافق اليهود ومعتقداتهم وآيات تندد بهم، فكيف يكون كاتبها يهودي؟ وإذا كان معلم الرسول يهوديًا فكيف اعترف محمد بنبوة عيسى؟

стр. 2319

واليهود لا يعترفون بنبوة عيسى ﵇! الوجه التاسع: المعجزات الحسية. نقول لهؤلاء: إذا كان ورقة هو مصدر هذا القرآن المعجز فماذا عن مصدر تلك المعجزات الحسية التي صنعها النبي ﷺ بيده أمام قومه؟ ومنهم من يقول: إنه لا يصح كون نبي من الأنبياء لا يكون له معجزات حسية (١). الوجه العاشر: خدمتهم ضلالات الكنيسة بالاختلاق على الرسول زورًا وبهتانًا. قال حسن ضياء الدين: ماذا قصد المؤلف من زعمه استمرار حياة ورقة ثلاث سنين بعد الوحي الأول، ومن اختلاقه اتصالات دينية تلقى فيها محمد من ورقة منذ وقت مبكر؟ إن بيت القصيد من هذه المزاعم وأمثالها هو الإيهام بأن الإسلام فيه كثير من أفكار ورقة، ولكن أفكار ورقة المتنصر مستمدة من الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) المقرر لدى الكنيسة؛ إذن الإسلام مقتبس من المسيحية، وهذا ما يعبر المستشرقون المحدَثون عنه: بالعلاقة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية أو بين الوحيين كما قال (واط) ههنا: ولهذا فمن الأفضل الافتراض بأن محمدًا كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة بن نوفل منذ وقت مبكر وتعلم أشياء كثيرة، وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة بأفكار ورقة، وهذا ما يعود بنا إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له. لا ريب أن هذا الزعم يحتاج إلى دليل، فإنَّ المقارنة الموضوعية بين التعاليم الإسلامية والمسيحية التي تكشف عن التأثر أو عن الاقتباس، كلام بدون دليل مصيره الإهمال، إن مقارنة المعلومات عند الطرفين تكشف استحالة اقتباس الإسلام من إصدار المستشرق (واط) هذا الحكم اعتباطًا، ولا شك أنه سيعطي الكاتب وأمثاله رتبتهم الحقيقية ويعرف مستوى أبحاثهم وحقيقة أغراضهم، فالمثقف العادي من المسلمين يدرك يقينًا أن الإسلام يختلف جذريًا مع المعترف به عند أهل الديانتين اليهودية والمسيحية، والاختلاف

стр. 2320

قائم على أشده في العقيدة والشريعة والأخلاق والقصص (١). شبهة: ورقة ودعوة الإسلام . نص الشبهة: تدعيم ورقة لمحمد بالتثبيت ونشر الدعوة. الوجه الأول: هل ورقة هو الذي ثَبَّت محمدًا حقًا؟ فللرد على قولهم: (إن ورقة هو الذي ثَبَّتَ محمدًا في دعوته وبعثته لما عاد خائفًا من غار حراء). قال عبد المحسن المطيري: قد نص الحديث أن التي ثبتته هي خديجة ﵂، وأما ورقة فقد خوفه فقال: ليتني فيها، جَذِعًا، يا ليتني أكونُ فيها حيًا حين يخرج قومك، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ"؟ ! قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ؛ في رواية: عُودِيَ. وإذا كان ورقة يعرف حال النبي ﷺ ، وأنه لازمه خمس عشرة سنة، وأخذ منه القرآن، فلماذا يقول: (هذا الناموس - يعني: الوحي - الذي أنزل على موسى)، ويقول: (وإن يدركني يومك حيًا أنصرك نصرًا مؤزرًا)؟ أليس في هذا تصديق له وإثبات صحة نبوته؟ أم أنهم يأخذون من الحديث ما يوافق هواهم ويعرضون عن غيره (٢). الوجه الثاني: ورقة له دور في الإسلام وهو دور مُعَزِّر لا دور مخطط: قد يُقال: لماذا تذكر كُتب السيرة ورقة بن نوفل؟ أليس هذا دليلًا على دوره في الإسلام؟ قلنا: لا ندعي أن ورقة ليس له أي فاعلية لتأييد الإسلام؛ بل هذا أمر واجب عليه، فمن عرف الحق وجب عليه أن يوضح للناس أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه خصوصًا إذا كان هذا الحق هو أمر الرسالة الخاتمة. قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال ابن عاشور: ومعنى: عزروه: أيدوه وقَوَّوْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان

стр. 2321

به، كما فعل عبد الله بن سَلَام، وكقول ورقة بن نوفل: "هذا الناموس الذي أنزل على موسى"، وهو أيضًا مغاير للنصر؛ لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه (ونصروه). الوجه الثالث: هناك قساوسة علموا بإرهاصات تدل على أن محمدًا ﷺ سيكون هو النبي الخاتم، فلذلك تركوا الأمور تجري كما يريد الله لنبيه واكتفوا بالبشارة بكونه النبي الخاتم، فلماذا لم يصنعوا من الحِيل كما صنع ورقة - كما تزعمون - ليستغلوا فرصة الشهرة ليشير الناس إليهم بأنهم هم الذين صنعوا النبي محمدًا ﷺ ؟ . قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي الربيع بن سالم قال: وذكر الواقدي بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، قال: وقد رويناه أيضًا من طريق أبى على بن السكن، وحديث أحدهما داخل في حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشيء اليسير على الآخر، وكلاهما ينمي إلى نفيسة قالت: "فخرج محمد مع غلام خديجة ميسرة حتى قدم الشام، فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب يقال له: نسطورا، فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة، من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم قال له: في عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم، لا تفارقه، قال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة، ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: احلفْ باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : ما حلفت بهما قط، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: يا ميسرة، هذا نبي والذي نفسي بيده، وإنه لهو تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم فوعى ذلك ميسرة" (١). الوجه الرابع: من ذكر أن ورقة عاش لِما بعد البعثة، فإذا افترضنا صحة ذلك؛ فإنه لم

стр. 2322

يكن له أثر كبير في الدعوة الإسلامية مثل أثر أبي بكر وغيره من الصحابة. فالسؤال: لماذا لم يشارك ورقة النبي ﷺ في الدعوة بقوة كما صنع أبو بكر، فلم يسلم أحد على يد ورقة، بينما كل من أسلم كان له دور في دعوة غيره للإسلام؟ . وادعاء أن ورقة كان دوره هو تثبيتهم على الدين لا يحقق وجه مقارنة بين اهتمام ورقة قبل البعثة وبعدها. قَالَ ابْنَ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرّ بِهِ وَهُوَ يُعَذّبُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَد وَالله يَا بِلَالُ، ثُمّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحَ فَيَقُولُ: أَحْلِفُ بِالله لَئِنْ قتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتّخِذَنهُ حَنَانًا *، حَتّى مَرّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ﵁ يَوْمًا وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحَ، فَقَالَ لِأُمَيّةِ بْنِ خَلَفٍ: أَلَا تَتّقِي الله فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟ حَتّى مَتَى؟ قَالَ أَنْتَ الّذِي أَفْسَدْته، فَأَنَقِذْهُ مِمّا تَرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفْعَلُ؛ عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى عَلَى دِينِك، أُعْطِيكَهُ بِهِ، قَالَ: قَدْ قَبِلْت، فَقَالَ: هُوَ لَك، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ غُلَامَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ (١). وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال، وهو يعذب على الإسلام، وهو يقول: أحد أحد، فيقول ورقة: أحد أحد؛ والله يا بلال. وبإسناده عن عروة: أن أبا بكر الصديق ﵁ أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة فذكرهم وذكره، ثم ذكر منهم الزنيرة، قال: فذهب بصرها وكانت ممن يعذب في الله على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، وقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله ما هو كذلك، فَرَدَّ الله عليها بصرها (٢).

стр. 2323

شبهة: دور سلمان الفارسي لتكوين نبوة محمد ﷺ -. نص الشبهة: سلمان عضو في التنظيم الذي يرأسه ورقة! ! والجواب من وجوه: الوجه الأول: لقاء سلمان مع النبي ﷺ لم يكن قط إلا بعد البعثة بثلاثة عشر عامًا وقت هجرته للمدينة (١). فلا يُعقل أن يكون اشترك مع ورقة قبل بعثة محمد ﷺ رسولًا. عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان؛ من أهل قرية منها يقال لها: جي، وكان أبي دهقانها. وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل بي حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني ببعض ما يريد، فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست عليَّ كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري. فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قلت: كلا، والله

стр. 2324

إنه لخير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، فقدم عليهم ركب من الشام، قال: فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة فأخبروني، قال: ففعلوا، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتم بها كنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلًا - يعني: لا يصلي الخمس - أرى أنه أفضل منه؛ أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا، ما أعلمني أحببت شيئًا قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان، قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئًا قط حبك، فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟ قال لي: يا بني، والله ما أعلمه إلا رجلًا بالموصل، فائته، فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات وغيب، لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد، فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك، قال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال: والله، ما أعلم أي بني إلا رجلا بنصيبين، فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره الموت، فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، واكتسبت حتى كان لي غنيمة

стр. 2325

وبقيرات، ثم احتضر فكلمته إلى من يوصي بي؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوه، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانُه، فلما واريناه أقمت حتى مرَّ بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني عبدا من رجل يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى، فابتاعني من صاحبي، فخرج بي حتى قدمنا المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفت نعتها، فأقمت في رقي، وبعث الله نبيه ﷺ بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم رسول الله ﷺ قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له، فقال يا فلان، قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء يقول: الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقبل على عملك، فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرًا، فأحببت أن أعلمه. فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق مَنْ بهذه البلاد، فهاك هذا، فكل منه، قال: فأمسك، وقال لأصحابه: كلوا، فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي. ثم رجعت، وتحول رسول الله إلى المدينة، فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية، فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان.

стр. 2326

ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف، فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي: تحول، فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمانَ الرقُ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. ثم قال رسول الله ﷺ : كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم"، فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، حتى اجتمعت ثلاث مئة ودية، فقال: اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي، ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها، جئته وأخبرته، فخرج معي إليها نقرب له الودي، ويضعه بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي عليَّ المال. فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب"؟ فدعيت له، فقال: "خذها فأدِّ بها ما عليك" قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: خذها فإن الله سيؤدي بها عنك، فأخذتها فوزنت لهم منها أربعين أوقية، وأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا، ثم لم يفتني معه مشهد (١). الوجه الثاني: من تناقضِهم زعمُهم أن النبي ﷺ أخذ القرآن من سلمان وصهيب النصرانيين وابن سلام اليهودي وغيرهم ممن أسلم من أهل الكتاب (٢)، وحقيقة الأمر أن إسلام هؤلاء حجة عليهم، إذ لو كان النبي ﷺ أخذ القرآن والشريعة من أهل الكتاب، فلماذا يتركون الأصل ويذهبون إلى الفرع؟

стр. 2327

دور صهيب، وسلمان، وكعب ﵃ -: ١ - فصهيب لم يكن من الأثرياء، بل كان فقيرًا معدمًا مستضعفًا (١). نعم: ذكروا أنه ترك ماله ليهاجر، وأن أهل مكة لم يسمحوا له حتى ترك كل ماله، ولكن لم يذكروا أن هذا المال كان كثيرًا بحيث كان من الأثرياء، وحتى لو كان فلماذا ترك هذا الثراء وتبع النبي ﷺ ؟ ألا يدل هذا أن صهيبًا عرف صحة نبوة محمد ﷺ ؟ ، وسلمان لم يكن مسيحي الأصل بل كان مجوسيًا، ثم تنصر، ثم أسلم بعد وصية الراهب النصراني له بذلك؛ انظر حديثه الطويل في قصة إسلامه في مسند أحمد (٢). وعبد الله بن سلام لم يكن الوحيد الذي أسلم من اليهود، فهناك الغلام اليهودي جار النبي ﷺ الذي عاده من مرضه فأسلم، وصفية بنت حيي بن أخطب وغيرهم (٣). وفي شرح الحديث المتفق عليه: "لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي يهود" حيث قال: (المُرَاد عَشَرَة مُخْتَصَّة وَإِلَّا فَقَدْ آمَنَ بِهِ أَكْثَر مِنْ عَشَرَة، وَوَقَعَ عِنْد ابْن حِبَّان قِصَّة إِسْلَام جَمَاعَة مِنْ الْأَحْبَار كَزَيْدِ بْن سَعَفَة مُطَوَّلًا، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ يَهُودِيًّا سَمِعَ النَّبِيّ (يَقْرَأ سُورَة يُوسُف فَجَاءَ وَمَعَهُ نَفَر مِنْ الْيَهُود فَأَسْلَمُوا كُلّهمْ) اهـ بتصرف واختصار. وكعب الأحبار لم يدرك النبي ﷺ ، بل هو من التابعين (٤). الوجه الثالث: نبوة محمد ﷺ أمر أزلي وليس تنظيمًا مدبرًا. فالنبوة وكرم الأخلاق لا تأتي بالتخطيط والتوقع؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]، فنبوة محمد أمر أزلي، وهذا ما يعلمه ورقة فلماذا كل هذا التعب من ورقة لجعل محمد نبيًا؟ فورقة قام بمخطط مدروس ومصمم قبل أن

стр. 2328

يولد محمد ﷺ كما تدعون - أو لم يقمْ فلا يقدم ولا يؤخر في أمر نبوة محمد ﷺ (١). الوجه الرابع: يقولون إن محمدًا ضحية لتنظيم خُطط له من قِبَل ورقة (رئيس التنظيم)، وخديجة، وأبي طالب، وبحيرا، وسلمان، وعدَّاس، وأبي بكر، و. . . * هل معنى ذلك أنكم تدافعون عن محمد، وأنه ضحية لهذا التنظيم؟ فكيف بكم إذًا تتهمونه بتهم كثيرة في شرفه وعقله وفكره؟ ! فأوقاتٌ تصفونه وكأنه مسلوب الإرادة، وأوقاتٌ تصفونه بالماكر المدبر! * أطراف مختلفة في التخطيط من أماكن مختلفة، وكأننا في حرب عالمية تشترك فيها عدة دول لتحقيق هدف واحد، فهذا ورقة نصراني من مكة، وهذا بحيرا قسيس من الشام، وهذه خديجة كانت امرأة مشغولة بالتجارة، وهذا أبو طالب من كفار قريش لم يسلم حتى بعد البعثة، وهذا أبو بكر قد آمن بمحمد، وهذا سلمان كان مجوسيًا، فكيف تتوافق أفكار هؤلاء لتحقيق هدف واحد؟ ولماذا لم يستقل أبو طالب بالأمر ليكون له شرف السبق لتحقيق نبوة ابن أخيه؟ * العرب لم ينتشر فيهم المخططات السرية المليئة بالدسائس، بل كان هذا منتشرًا لدى الفرس والروم، فقد كان عندهما قتل الولد لوالده ليعتلي عرش الملك بدلًا منه، وتدبير الأخ لأخيه المكايد ليفتك به، ولكن العرب كانت الأمور لديهم واضحة المعالم؛ شخصياتهم مليئة بالصراحة، وعدم الكذب والخيانة، ولا أوضح من موقف أبي سفيان من النبي عند هرقل؛ حيث قال: فَوَالله لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ (٢). نعم، إن في الحرب خدعة، ولكن لم تكن التنظيمات السرية لقلب نظام الحكم أو لتغيير مسار الجزيرة العربية معروفة لدى العرب. * هل محمد يخطط له كل هذا التخطيط من قِبَل هذا العدد من المخططين، ثم هو لا يدري من ذلك شيء؟ ! فهذا لا يتوافق مع كونهم اختاروه لأن له ذكاءً وفطنةً، ولو كان

стр. 2329

يعلم ما يخططون إليه لوفَّر عليهم الكثير: فبدلًا من إقناع أبي طالب له للعمل عند خديجة كمقدمة لكي يرغب في الزواج منها، لكان على الفور طلب الزواج منها، فكل هذا يهدم مسألة وجود تخطيطٍ لتحضير محمد للنبوة. لماذا لم يتحوَّل محمد ﷺ قبل البعثة إلى اتباع أي طائفة من طوائف اليهود أو النصارى؟ فليس هناك تصريح من محمد ﷺ بأنه كان متبعًا لمذهب ما أو طائفة ما من طوائف اليهود أو النصارى قبل البعثة. الوجه الخامس: أمور كونية لا علاقة لورقة ولا لغيره فيها. ولبيان ذلك أمور: الأمر الأول: ما الذي فعله ورقة حتى ينزل الناموس على محمد ﷺ : فربُّ العالمين قد اصطفى نبينا محمد ﷺ بالرسالة ومهدها له، وكان ذلك من قبل ولادته كالإرهاصات، ومن بعد الولادة أشياء كثيرة منها شق صدره، وخاتم النبوة الذي ولد به، وغيرها كثير فهل كان لورقة دخل في مثل هذه الأمور. الأمر الثاني: الرؤية الصالحة كانت توطئة لنبوة محمد وليس لورقة تدخل في الرؤيا. فالرؤيا الصالحة الأصل فيها أنها تكون للأنبياء، ثم لباقي الناس جزءٌ من ذلك، فمن العلامات التي جعلها الله خاصة بالأنبياء: أنهم لا يرون رؤيا إلا وهي تتحقق؛ فكان هذا للنبي ﷺ بمثابة توطئة لنبوته، وقد ذكر ابن كثير قصة نزول الناموس على محمد ﷺ ، ثم قال: فهذا كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة، كما تقدم من قول عائشة ﵂: فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١). ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئِذٍ، ويحتمل أنه كان بعده بمدة (٢). فالسؤال: هل كون ورقة أخبر خديجة بنزول الناموس على محمد أن ذلك هو الأمر الوحيد الذي جعل محمدًا نبيًا؟ أم أن هناك مبشرات وإخبارات أخرى تؤكد لمحمد ﷺ أنه نبي؟ بالطبع هناك مبشرات كثيرة لذلك، فهل كان لورقة تدخل في هذه المبشرات؟ !

стр. 2330

بالطبع لا، فالرؤيا ليس لورقة أدنى تدخل فيها؛ بل ولا الشيطان؛ لأن الشيطان لا يعلم الغيب حتى يأتي لمحمد في منامه ليخبره ما سيحدث، وفي الكتاب المقدس إقرار بأن الرؤيا الصالحة كانت من المبشرات الدالة على صدق الأنبياء: "سَتَأْتِي مُصِيبَةٌ عَلَى مُصِيبَةٍ، وَيَكُونُ خَبَرٌ عَلَى خَبَرٍ، فَيَطْلُبونَ رُؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ، وَالشَّرِيعَةُ تُبَادُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَالْمَشُورَةُ عَنِ الشُّيُوخِ". (سفر حزقيال: ٧/ ٢٦). "تَاخَتْ فِي الأَرْضِ أَبْوَابُهَا. أَهْلَكَ وَحَطَّمَ عَوَارِضَهَا. مَلِكُهَا وَرُؤَسَاؤُهَا بَيْنَ الأُمَمِ. لَا شَرِيعَةَ. أَنْبِيَاؤُهَا أَيْضًا لَا يَجِدُونَ رُؤْيَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (سفر مراثي أرميا: ٢/ ٩). فثابتٌ عند المسلمين أن الرؤيا الصالحة وباقي المبشرات كانت من التوطئة لنبوة محمد، فلا يحق لغير المسلمين أن ينكروا ما ثبت بالأخبار الصحيحة والأسانيد المتصلة. فإن قال قائل: فما سبب ذهاب محمد لورقة مع أنه رأي مبشرات أخرى غير الناموس تبين أنه نبي؟ قيل له: إما لأن المبشرات التي رآها النبي كانت بعد نزول الناموس؛ وإما لأن الإنسان إذا رأي في المنام رؤيا حتى ولو كانت تتحقق في الواقع قد لا ينزعج بقدر ما يرى أشياءً لم يرها من قبل فيفاجأ بها أمام عينيه، فموسى عندما كلَّمه الله لم يفزع بقدر ما فزع من تحول العصا لثعبان. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾ [القصص: ٢٩ - ٣١]. فالنبي محمد لو أنه رأى رؤيا توضح له أنه نبي أو أن الله كلَّمه ليخبره بأنه نبي ما كان ليفزع بقدر ما فزع من رؤية الناموس، فمحمد كان في الغار ولا يوجد أحد يصل إلى الغار إلا هو، فقد اختار غار حراء ليعتزل فيه عن الناس، وفجأة وجد جبريل أمام عينيه بالرغم من أنه لم

стр. 2331

يسمع بصوت أقدام تتسلق الجبل؛ لتُعَرِّفه بأن أحدًا ما يريد الصعود للغار، ثم إن جبريل أمره بالقراءة وضمه، وكل ذلك أمورٌ عجيبة تستحق أن يفزع منها محمد ويخاف على نفسه. شبهة: خطبة ورقة بن نوفل أثناء زواج النبي ﷺ من خديجة . الشبهة تتعلق بقولهم: (وخطب القس ورقة ولي أمر خديجة وقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم ولا شرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله). كما تكلم عمُّها عمرو بن أسد فقال: (اشهدوا عليّ يا معاشر قريش أنّي قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد وشهد على ذلك صناديد قريش). إذن القس ورقة لم يكن فقط حاضرًا حفلة الزواج ومتقدمًا على الحاضرين؛ بل كان محتفلًا بالعقد ومكللًا، فهو الذي أبرم العقد وشهد عليه وأعلن على الحضور ما جرى؛ فهو المحتفل الأول بالعقد أو قل هو الكاهن الذي ربط باسم الله ما لا يحل إنسان بحسب تعاليم الأبيونيين؛ كاهن نصراني يبارك الزواج فعلى أي دين يكون الزوجان إذن؟ ودليل واضح على تخطيط ورقة لإنجاح مهمة محمد فيما بعد، فالقس دبَّر، والزوجة نفذت، والعم عضد، والنبي استسلم لإرادة الله؛ على هؤلاء قامت الدعوة الجديدة. الردود على الشبهة من عدة وجوه: ١ - الروايات الموثقة في الكتب المعتمدة لم تتعرض لمسألة خُطبة ورقة بن نوفل، ولا توكيله في عقد زواج النبي مع خديجة إلا ما في السيرة الحلبية (١)، ولكن نقول إذا تفرد

стр. 2332

كتاب من كتب السيرة برواية ليس لها إسناد صحيح، وكانت هذه الرواية غير مشهورة في كتب السيرة، فهذا دليل على عدم قبول هذه الرواية، فنقول: إن خطبة ورقة بن نوفل المشار إليها غير مقبولة من ناحية التحقيق العلمي. ٢ - وحتى لو اعتمدنا على روايات السيرة الحلبية فسنجد أنها لا تدعم فكرة صاحب الشبهة بكون مخطَّطٍ دُبِّرَ لجعل محمد نبيًا، خصوصًا أن كتاب عيون الأثر لم يذكر تلك الخطبة (١). ٣ - جاء في السيرة الحلبية: "أن خديجة - رضي الله تعالى عنها - قالت للنبي ﷺ : اذهب إلى عمك فقل له تعجل إلينا بالغداة، فلما جاءها معه رسول الله ﷺ قالت له: يا أبا طالب تدخل على عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله، فقال أبو طالب: يا خديجة، لا تستهزئي، فقالت: هذا صنع الله، فقام فذهب وجاء مع عشرة من قومه إلى عمها، وخطب أبو طالب يومئذ فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد - أي: معدنه -، وعنصر مضر - أي: أصله -، وجعلنا حَضَنة بيته - أي: المتكفلين بشأنه -، وسُوَّاس حرمه - أي: القائمين بخدمته -، وجعله لنا بيتا محجوجًا وحرمًا آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفًا ونبلًا وفضلًا وعقلًا، وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقية ونشًا - وهو عشرون درهمًا والأوقية أربعون درهمًا -، وعند ذلك قال عمها عمرو بن أسد: هو الفحل لا يقدع كلاهما، وأنكحها منه. وقيل: قائل ذلك ورقة بن نوفل؛ أي: فإنه بعد أن

стр. 2333

خطب أبو طالب بما تقدم خطب ورقة فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا ينكر العرب فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله وذكر المهر، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا عليَّ معاشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وأولم عليها ﷺ ونحر جزورًا (١). ٤ - ادعاء أن ورقة هو ولي أمر خديجة، وهذا ما تنفيه كل كتب السيرة، كيف يكون ورقة ولي أمرها وعمها موجود؟ قال ابن سيد الناس: وذكر ابن إسحاق أن أباها خويلد بن أسد هو الذي أنكحها من رسول الله ﷺ ، وكذلك وجدته عن الزهري وفيه: وكان خويلد أبوها سكران من الخمر، فلما كلم في ذلك أنكحها فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق، فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب فقيل له: أنكحت محمدًا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه. وقال محمد بن عمر: الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله ﷺ . ورأيت ذلك عن غير الواقدي، وقد قيل: إن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي أنكحها منه، والله أعلم (٢). والراجح أن عمها الذي أنكحها: قال محمد بن يوسف الصالحي الشامي: ما تقدم من أن عمها هو الذي زوجها رسول الله ﷺ ذكره أكثر علماء أهل السير. قال السهيلي: وهو الصحيح؛ لما رواه الطبري عن جبير بن مطعم وابن عباس وعائشة كلهم قال: إن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله ﷺ وإن خويلد كان قد

стр. 2334

هلك قبل الفجار. ورجحه الواقدي وغلَّط من قال بخلافه. وقال عمر بن أبي بكر المؤملي: المجتمَع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه. ٥ - والذي يؤكد ذلك أن أبا طالب رفض حديث ورقة (الذي تكلم بصفته عضوًا في الوفد ليس أكثر)، والدليل على استياء أبي طالب من حديث ورقة قوله بعد أن أنهى ورقة حديثه؛ قال أبو طالب: "قد أحببتُ أن يشركك عمها" ولهذا لم يتم عقد الزواج إلا بعد موافقة عمها الصريحة. ٦ - اشتراط موافقة ولي أمر خديجة (عمها)، والمهر دليل على أن الزواج لم يكن حسب شريعة النصارى. ٧ - لاحظوا النص الذي ذكره: (أرسلت خديجة إلى أعمامها فحضروا) وورقة ليس من أعمامها بل لم يُذكر (رغم حضوره مع الوفد)؛ لأن وجوده أقل أهمية من وجودهم. ٨ - ليس لورقة كل تلك القداسة والمهابة والاحترام لدى قريش بل ولدى أقاربه. ٩ - أخفى صاحب الشبهة قول ورقة: "ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم وشرفكم ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم"، بل حوّر الكلام بحيث يصبح الشرف والمكانة لورقة وأهله أسمى مما لبني هاشم كما هو متواتر في التاريخ. ١٠ - كما حذف صاحب الشبهة اعتراض أبي طالب على حديث ورقة، فكيف دبر أمر الزواج إذن؟ ولماذا حذفه؟ ! ١١ - هل التكليل لأمر الزواج يتم في بيت خديجة أم في الكنيسة؟ ١٢ - لماذا أصر أبو طالب أن يصدر الموافقة على الزواج من عم خديجة. ١٣ - لا يوجد في كلام ورقة أي حرف يدل على النصرانية، وأين اختفت عبارات التكليل المعروفة؟

стр. 2335

١٤ - هل المهر والصداق المتقدم والمتأخر موجود عند النصارى؟ فهذا يبطل ادعاء أن ورقة كان قسًا وأنه مارس كهنوته من خلال زواج محمد من خديجة. ١٥ - هل سأل الكاهن المكلل الحاضرين: من له اعتراض على الزواج فليتكلم، أو ليصمت إلى الأبد؟ ١٦ - القول بأن الزواج كان نصرانيًا، ودليلهم على زواج محمد من خديجة يتناقض مع قول بعض النصارى إن الإسلام مأخوذ عن النصرانية بدليل أن الهراطقة تمانع تعدد الزوجات؟ ١٧ - ومما قد يعكر أيضًا على ثبوت خطبة ورقة أن هناك إحدى الروايات تشير لعدم وجوده في زواج محمد من خديجة، ففي كتاب الكامل للمبرد قال: ويروى أن رسول الله ﷺ لما خطب خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ذُكر لورقة بن نوفل فقال: محمد بن عبد الله يخطب خديجة بنت خويلد الفحل لا يقدع أنفه (١). فهذا يدل على أن الزواج حدث ثم أُخبر ورقة بذلك، وأنه لم يحضر لعارض حدث له من سفر أو مرض، وقيل: لم يحضر؛ لأنه كان يريد الزواج من خديجة فاستحيا من الحضور وبالرغم من ذلك لم يُسقط من قدر النبي ﷺ . شبهة: دور أبي طالب في زواج النبي ﷺ -. نص الشبهة: تتعلق بخطبة أبي طالب أثناء زواج النبي ﷺ من خديجة؛ حيث ألح أبو طالب على سيدنا محمد أن يعمل عند خديجة ﵂، وذلك لتأثير أبي طالب على سيدنا محمد ﷺ ، وهذا هو المخطط الذي يُنفذ على يد أبي طالب وخديجة، ويَكمُن اشتراكُ أبي طالب في ذلك قوله: (وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل) فهذا التوقع يدل على تواطئه مع ورقة، إذن لم تبخل علينا كتب السير والأخبار فيما كان عليه القس والعم والزوجة، لقد كان لكل منهم دوره فيما دبَّر الله على أيديهم.

стр. 2336

والرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: افتراء المعتدين. إن هذا القول ما هو إلا سراب وأوهام ألقاها الشيطان في قلوب أعداء الدين، فبنوا أقوالهم على غير أصل، وكذبوا كذبة ثم صدقوها، وعلى أساسها وقعت الشبهة عندهم، ووالله لولا أن بعض هؤلاء نطق بهذا السخف وشغّب به ما كنا نلتفت إلى رده وقمعه، ولكن ماذا نصنع مع قلوب عمي، وآذان صم، ورحم الله من قال: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل. الوجه الثاني: هل أبو طالب مكلف من ورقة لإقناع النبي ﷺ بالزواج من خديجة؟ فإن أبا طالب كان مشركًا، كيف بمشرك يحقق الأهداف التي يرمي إليها القس ورقة لتنصير محمد ﷺ ، هل القساوسة يحققون أهدافهم الدينية عن طريق المشركين؟ ! نعم، قد يساعدك مشرك في أمور الدنيا، ولكن لا يمكن أن يشاركك أهدافك الدينية وغاياتك الأساسية، فالنبي ﷺ لم يقبل أن يشاركه أحد المشركين في الجهاد، والنبي ﷺ لم يكلف أبا طالب بالدفاع عنه، ثم دفاعه هذا لم يقصد به دفاعًا عن الدين ولكنه كان دفاعًا عن العصبية. الوجه الثالث: قول أبي طالب: (وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل). يدل على أن أبا طالب كان يتفرس في النبي ﷺ بأنه سيكون له شأنٌ عظيمٌ؛ بغض النظر عن هذا الشأن أنه سيكون له بسبب كونه سيصير نبيًا أو ملكًا أو غير ذلك. ففي هذه الرواية - بافتراض صحتها - ليس فيها تخصيص صريح بأن هذا الشأن هو النبوة؛ لذلك لا نستطيع أن نبني عليه حكمًا. * أبو طالب كان يتفرس في النبي ﷺ بأنه سيكون له شأنٌ عظيمٌ منذ صغره، فمن العرب من كان يتفرس في المولود الرضيع مثل تفرس الأعرابي في معاوية أنه سيكون مَلِكًا. ولعل أوضح مثال على ذلك تفرس عبد المطلب في أنه سيكون للنبي شأنٌ، فقد كان يجلسه على أريكته ولم يفعل ذلك مع أولاده لا في صغرهم ولا كبرهم.

стр. 2337

قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، وكان رسول الله ﷺ يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه فيقول جده: دعوا ابني، فيمسح ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنًا. وروى أبو نعيم عن ابن عباس ﵁ مثله؛ وزاد: دعوا ابني يجلس فإنه يحس من نفسه بشيء، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. وروى ابن سعد وابن عساكر عن الزهري ومجاهد ونافع وابن جبير قالوا: كان النبي ﷺ يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ليؤنس ملكًا. وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نرَ قدمًا أشبه بالقدم التي في المقام منه. وقال عبد المطلب لأم أيمن: يا بركة احتفظي به، لا تغفلي عنه؛ فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة (١). فهل عبد المطلب ومن كان من قوم بني مدلج: كلهم متواطئون مع ورقة بن نوفل. الوجه الرابع: سبب عمل النبي ﷺ عند خديجة. عمل النبي ﷺ عند خديجة لا لأنه يريد الزواج منها، ولا لأن أبا طالب ألحَّ عليه لخطة مرسومة؛ ولكن لضعف الحالة الاقتصادية في مكة، مما ألجأ الكثير من أهلها للعمل في التجارة؛ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش ١: ٢]، فما كان لمحمد ﷺ أن يظل مشتغلًا بالرعي تلك المهنة قليلة الدخل التي يستطيع الطفل أن يشتغل بها، لذلك نرى كثيرًا من أطفال أهل البادية يسرحون بقطيع من الغنم ولا يجدون صعوبة بالغة في ذلك.

стр. 2338

عن أم سعد بن الربيع عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى سمعتها تقول: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين؛ لما تكاملت فيه من خصال الخير. قال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة ليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا من قومك في عيراتها؛ فيتجرون لها ويصيبون منافع، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك؛ لما يبلغها من طهارتك، وإني كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من اليهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًا، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة، وتبعث بها إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجل وتدفع إليه المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجارًا من لم يكن تاجرًا فليس عندهم بشيء، قال رسول الله ﷺ : فلعلها أن ترسل إليَّ في ذلك. قال أبو طالب: إني أخاف أن تُولي غيرك؛ فتطلب أمرًا مدْبرًا، فافترقا فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما دريت أنه يريد هذا، ثم أرسلت إليه فقالت: إنه قد دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلًا من قومك، ففعل رسول الله ﷺ فلقي أبا طالب فقال له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك (١). الوجه الخامس: ورد في السيرة أن أبا طالب قال لخديجة لما أخبرته بعزمها الزواج من سيدنا محمد ﷺ : أن خديجة ﵂ قالت للنبي ﷺ : اذهب إلى عمك فقل له: عجل إلينا بالغداة، فلما جاء قالت له: يا أبا طالب، ادخل على عمروٍ عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله، فقال أبو طالب: يا خديجة لا تستهزئي، فقالت: هذا صنع الله، فقام أبو طالب مع عشرة من قومه (٢). فقول أبي طالب: يا خديجة لا تستهزئي دليل على أنه لم يكن من (المخططين) لهذا الزواج.

стр. 2339

شبهة: دور أخت ورقة بن نوفل لتنصير عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ -. نص الشبهة: إن عبد الله أَبا النبي ﷺ مرّ بأُختِ ورَقَةَ بن نَوْفَلٍ، وهي تَنْظُرُ وتَعْتافُ فرأَتْ في وجهه نُورًا فدعته إِلى أَن يَسْتَبْضِعَ منها وتُعْطِيَهُ مائةً من الإِبل فأَبى. فهذا دليل على استمالة ورقة بن نوفل لأخته لإعداد النبي محمد. الرد على الشبهة: الوجه الأول: ذكر روايات القصة: ١ - قال الطبري: حدثني على بن حرب الموصلي، قال حدثنا محمد بن عمارة القرشي، قال: حدثنا الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر، متهودة من أهل تبالة قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورًا، فقالت له: يا فتى، هل لك أن تقع عليَّ الآن وأعطيك مائة من الإبل، فقال: أما الحرام فالممات دونه، والحل لا حل فأستبينه، فكيف بالأمر الذي تبغينه؟ ! ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه، فمضى به فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثًا ثم انصرف، فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت؟ فقالت: يا فتى، إني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورًا فأردت أن يكون فيَّ، وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد فما صنعت بعدي؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثًا فأنشأت فاطمة بنت مر تقول: إني رأيت محيلة لمعت ... فتلألأت بحناتم القطر فلمأتها نورًا يضيء له ... ما حوله كإضاءة البدر فرجوتها فخرًا أبوء به ... ما كل قادح زنده يورى يورى لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدرى وقالت أيضًا:

стр. 2340

بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميهت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرًا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ماحوت ... حوت منه فخرًا ما لذلك ثان (١) ٢ - عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم انصرف عبد المطلب آخذًا بيد عبد الله، فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع أبي، قالت: لك عندي من الإبل مثل التي نحرت عنك، وقَعْ عليَّ الآن فقال لها: إن معي أبي الآن؛ لا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئًا، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة؛ ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وأم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد: لبرة بنت عوف بن عبيد؛ يعني: ابن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي. قال: وذكروا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه، فوقع عليها عبد الله، فحملت برسول الله ﷺ ، قال: ثم خرج

стр. 2341

من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهي في مجلسها، فجلس إليها، وقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت أمس؟ فقالت: قد فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة، وكانت فيما زعموا تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب؛ يقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل، فقالت في ذلك شعرًا، واسمها أم قتال بنت نوفل بن أسد: آلآن وقد ضيعت ما كنت قادرًا عليه ... وفارقك الذي كان جاءكا غدوت عليّ حافلًا قد بذلته ... هناك لغيري فالحقن بشانكا ولا تحسبني اليوم خلوًا وليتني ... أصبت جنينًا منك يا عبد داركا ولكن ذاكم صار في آل زهرة ... به يدعم الله البرية ناسكا وقالت أيضًا: عليك بآل زهرة حيث كانوا ... وآمنة التي حملت غلاما ترى المهدي حين ترى عليه ... ونورا قد تقدمه أماما وذكرت أبياتًا، وقالت فيها: فكل الخلق يرجوه جميعًا ... يسود الناس مهتديًا إماما براه الله من نور صفاء ... فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربك إذ ... حباه إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدي أهل مكة بعد كفر ... ويفرض بعد ذلكم الصياما قلت: وهذا الشيء قد سمعته من أخيها في صفة رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن كانت أيضًا امرأة عبد الله مع آمنة (١). ٣ - قال ابن إسحاق: اصرف عبد المطلب آخذًا بيد عبد الله، فمرَّ به - فيما يزعمون - على امرأةٍ من بني أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت

стр. 2342

إلى وجهه - فيما يذكرون -: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك وقَعْ عليَّ الآن، فقال: إن معي أبي الآن؛ ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئًا، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة، ووهب يومئذٍ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وأم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن كعب بن لؤي. قال ابن إسحاق: فذكروا أنه دخل عليها حين مَلَكها مكانه، فوقع عليها عبد الله، فحملت برسول الله ﷺ ، فخرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت؛ وهي أخت ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى؛ وهي في مجلسها، فجلس إليها، وقال: مالك لا تعرضين عليَّ اليوم مثل الذي عرضت عليَّ أمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة. قال ابن إسحاق: وكانت فيما ذكروا تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، ويقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل، فقالت في ذلك شعرًا، واسمها أم قبال ابنة نوفل بن أسد، كذا قال: أم قبال: الآن وقد ضيعت ما كنت قادرًا ... عليه وفارقك الذي كان جابكا غدوت عليَّ حافلًا قد بذلته ... هناك لغيري فالحقن بشأنكا ولا تحسبني اليوم جلوا وليتني ... أصبت حبيبًا منك يا عبد داركا ولكن ذاكم صار في آل زهرة ... به يدعم الله البرية ناسكا فأجابها عبد الله فقال:

стр. 2343

تقولين قولًا لست أعلم ما الذي ... يكون وما هو كائن قبل ذلك فإن كنت ضيعت الذي كان بيننا ... من العهد والميثاق في ظل دارك فمثلك قد أصبت عند كل حله ... ومثلي لا يستام عند الفوارك فقالت له أيضًا أم قبال: عليك بآل زهرة حيث كانوا ... وآمنة التي حملت غلاما يرى للمهدي حين يرى ... عليه ونور قد تقدمه أماما فيمنع كل محصنة حر يد ... إذا ما كان مرتديًا حساما وتحقره الشمال وبان منها ... رياح الجدب تحسبه قتاما فأنجبه ابن هاشم غير شك ... وءادته كريمته هماما فكل الخلق يرجوه جميعًا ... يسود الناس مهتديًا إماما براه الله من نور مصفي ... فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربك إذ حباه ... إذا ما سار يومًا أو أقاما فيهدي أهل مكة بعد كفر ... ويفرض بعد ذلكم الصياما وقال عبد المطلب: دعوت ربي مخفيًا وجهرا ... أعلنت قولي وحمدت الصبرا يا رب لا تنحر بني نحرًا ... وفاده بالمال شفعًا ووترا أعطيتك من كل سوام عشرًا ... أو مائة دهما وكمتا وحمرا معروفة أعلامها وصحرا ... لله من مالي وفاء ونذرا عفوا ولم تشمت عيونًا خزرا ... بالواضح الوجه المزين عذرا فالحمد لله الأجل شكرا ... أعطاني البيض بني زهرا ثم كفاني في الأمور أمرا ... قد كان أشجاني وهد الظهرا فلمست والبيت المغطى سترا ... واللات والركن المحاذى حجرا

стр. 2344

منك لأنعمك إلهي كفرا ... ما دمت حيًا وأزور القبرا (١) ٤ - قال الزبير: وكان عبد الله أحسن رجل مرئي في قريش قط، وكان أبوه عبد المطلب قد مرَّ به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل وهي عند الكعبة فقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك - وكانت مائة - وقَعْ علي الآن قال: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه وأنشد بعض أهل العلم في ذلك لعبد الله بن عبد المطلب: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه (٢) ٥ - عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار، قال: حدثت أنه: "كان لعبد الله بن عبد المطلب امرأة مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فمر بامرأته تلك وقد أصابه أثر من طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت من أثر الطين، فدخل، فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامدًا إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كان أراد إلى نفسها، فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة، فأصابها، ثم خرج، فدعاها إلى نفسه، فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي وبين عينيك غرة، فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة ذهبت بها منك. قال ابن إسحاق: فحدثت أن امرأته تلك كانت تقول: مر بي وإن بين عينيه لنورًا مثل الغرة، ودعوته له رجاء أن يكون لي، فدخل على آمنة، فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ " (٣). الوجه الثاني: كيف يليق بالقس أن يُحَفِز أخته أن تزني بعبد الله والد محمد؟ !

стр. 2345

ويبدو من بعض النصوص السابقة أنها كانت من بغايا المعابد الوثنية كما في هذه الرواية: (قد مر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل وهي عند الكعبة فقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك - وكانت مائة - وقَعْ علي الآن (١). فهذه الرواية توضح جرأتها الشنيعة بأنها طلبت منه الزنا وهي عند الكعبة، وهذا الأمر لا تفعله إلا امرأة قد استحلَّت الزنا فصارت لا تعبأ بالوقوع فيه حتى ولو كانت عند الكعبة. الوجه الثالث: فبافتراض أن عبد الله استمع لأمر أخت ورقة وجامعها لإنجاب محمد، فهل يليق برجل يؤهله ورقة لأمر النبوة أن يكون قد أتى من سفاح؟ ! وكيف يليق هذا بامرأة كانت تقرأ الكتاب المقدس، وتأتمر بأمر القس، وتدَّعي أنها من الراهبات المتطلعات لظهور نبي آخر الزمان؟ ! فإحدى الروايات تقول: (مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب) (٢). كيف يليق بها أن تُعَرِّض نفسها للزنا؟ أهذا من تعاليم الكتاب المقدس وتطبيق محكم لنشيد الإنشاد؟ ! فالواضح من الرواية أنها طلبت من عبد الله الفاحشة فأبى، وفي اليوم التالي عرض هو عليها فأبت، وعللت إباءها بأن النور الذي كان في وجهه قد زال، وفي هذا اتهام لعبد الله، وفلسفة للفاحشة بأنها كانت رغبة في النور! وليس نور النبوة إفراز عضو ولا إشراقة وجه! والرواية ظاهرة الاختلاق، وهي ذم في صورة مدح، هذا وقد جاء بعدُ أنها طلبت منه الزواج. الوجه الرابع: النص يوضح أن والد محمد بعد ما فرغ من جماع آمنة، رجع لأخت ورقة، ألم يكتفِ بالجماع من سيدة قريش؟ أيرضى بالدون بعد ما شَرُف بزواجه منها؟ ! فهذا لا يليق برجل يتفطن فيه ورقة أنه سيكون والد نبيه، والعجيب أن رواية تصفه بأنه يتعفف عن الزنا، ورواية أخرى تدل على أنه ما منعه عن الزنى إلا لوجود عبد المطلب معه.

стр. 2346

الوجه الخامس: فهذه الروايات السابقة تدحض ما يدَّعيه النصارى من قداسة القس ورقة وأخته، فتدل بصراحة أن هناك قاعدة لديهما وهي الغاية تبرر الوسيلة، ففِعل الزنا طالما أنه يهدف لغاية حميدة فلا بأس به، وهذا ما لا يرضاه كل عاقل من النصارى فضلًا عن قساوستهم، فلا يَشرُف لهم أن يدَّعو بأن دعوة ورقة دعوة مسيحية. الوجه السادس: وهو الاختلاف في اسم المرأة التي دعت عبد الله لنفسها، فهناك رواية تذكر أنها كاهنة من أهل تبالة متهودة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية (١). الوجه السابع: مسألة النور الذي رأته أخت ورقة، لماذا لم تره أخريات من الراهبات في مكة؟ فأنتم تدَّعون أن مكة كانت معقلًا للنصارى، وكان منهم من علم باقتراب ظهور النبي الخاتم، وكان من الطبيعي أن يتفرسوا أهل مكة واحدًا واحدًا. الوجه الثامن: من الواضح أن عبد المطلب لم يكن متواطئًا مع ورقة كما تدعون، أو أن عبد المطلب كان نصرانيًا أو كان على علاقة وطيدة مع النصارى، فالسؤال: لماذا لم يُحرِّض عبد المطلب ابنه عبد الله على الزواج من أخت ورقة، كما ادعيتم أن أبا طالب حرَّض محمدًا للزواج من خديجة، وذلك كله لكي يتم الهدف المنشود وهو النبوة؟ الوجه التاسع: وعلى افتراض صحة رواية طلب المرأة الفاحشة من والد النبي، فنقول كما قال ابن كثير: وهذه الصيانة لعبد الله ليست له وإنما هي لرسول الله ﷺ ، فإنه كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد أنه

стр. 2347

قال ﷺ : "وُلدت من نكاح لا من سفاح" (١). وإننا نعيب أولًا على أخت ورقة، فإن عبد الله كان مشركًا ليس لديه دين يُوضح حرمة الزنا، وكان الزنا معلنًا به عند أصحاب الرايات. شبهة: دور أم أيمن في نبوة محمد ﷺ -. نص الشبهة: أم أيمن واسمها بركة، وهي حبشية مسيحية، وهي حاضنة محمد، لها دور في تنصير محمد "فكان محمد طفلًا في حضانة مسيحية". الرد على الشبهة: ١ - التعريف بأم أيمن: أم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله ﷺ ، وحاضنته، ورثها من أبيه، ثم أعتقها، اسمها: بركة. وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي، فولدت له: أيمن. ولأيمن هجرة وجهاد، استشهد يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بعث النبي ﷺ ، فولدت له أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ . عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ للنبي ﷺ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِىَ النبي ﷺ فَأَسْأَلَهُ الَّذِينَ كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ. وَكَانَ النبي ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ في عنقي تَقُولُ: كَلَّا والذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا، أَوْ كَمَا قَالَتْ، والنبي ﷺ يَقُولُ "لَكِ كَذَا" وَتَقُولُ كَلَّا وَالله،

стр. 2348

حَتَّى أَعْطَاهَا، حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: "عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ" (١). عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ - قَالَ - فَلَا أَدْرِى أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ. (٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ الله ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِى أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِى أَنَّ الْوَحْي قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. (٣) وفي ذلك دليل على حسن إسلام أم أيمن وتضحياتها من أجل هذا الدين لا من أجل النصرانية كما يزعمون. ٢ - هل من المعقول أن يُسلِّم النصارى أبناءهم إلى المسيحيين الذين قتّلوهم وأجبروهم على الرحيل إلى صحراء العرب بدعوى أنهم هراطقة؟ ! ٢ - لم يُذكر في ترجمة أم أيمن في كتب التاريخ والسير المعتمدة أنها كانت نصرانية، فالذي ذُكر أنها حبشية، وليس كل حبشي نصراني. ٣ - نبينا محمد ﷺ وهو في حضانة أم أيمن كان متعلقًا بماء زمزم لا بماء التعميد: عن أم أيمن ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ شكا صغيرًا ولا كبيرًا جوعًا ولا عطشًا، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فأعرض عليه الغداء فيقول: لا أريده أنا شبعان" (٤). شبهة: تغلغل النصرانية في شبه الجزيرة العربية في العهد الجاهلي . نص الشبهة: نَجِدُ في المدينة في معية محمد حاشية مسيحية ويهودية قد أسلمت أو سايرت الإسلام، نجد بلالًا الحبشي مؤذن النبي، وصهيبًا الرومي المسيحي الثري، وسلمان الفارسي

стр. 2349

المسيحي الأصل، وعبد الله بن سلام اليهودي الوحيد الذي أسلم في المدينة مع كعب الأحبار، وهل كان حديث هذه الحاشية الكريمة سوى التوراة والإنجيل؟ إن ذلك حجة قاطعة على أن بيئة النبي والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها، وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل) (١). الرد على الشبهة: الوجه الأول: إن هذه الحاشية المسيحية واليهودية - كما يزعمون - التي قد أسلمت؛ لدليل واضح على أن الديانات قبل الإسلام حُرِّفت، فلذا لم يسعْ هؤلاء بعد أن عرفوا الحق إلا أن يتركوا ما هم عليه من الباطل ويتبعوا هذا النبي. قال رسول الله ﷺ لزيد بن عمرو: ما لي أرى قومك قد شنفوا لك، فقال: أما والله، إن ذلك لبغير نائرة كانت مني إليهم ولكني أراهم على ضلالة، فخرجت أبتغي هذا الدين حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله، ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدمت على أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى قدمت على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، خرجت حتى أقدمت على أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فقال لي حبر من أحبار الشام: أتسل عن دين ما تعلم أحدًا يعبد الله به إلا شيخًا بالجزيرة، فخرجت فقدمت عليه فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كل من رأيت في ضلال؛ إنك تسأل عن دين هو دين الله ودين ملائكته، وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج يدعو إليه، ارجع فصدقه واتبعه وآمن بما جاء به. (٢) الوجه الثاني: نفى (نِلسُن) أن تكون اليهودية أو المسيحية قد أثَّرتا في وجود التوحيد عند العرب، ففي رأيه أن اليهود كان إلههم الخاص بهم ولم يكن إلهًا عالميًا، كما أن المسيحية التي ظلت حتى عصر

стр. 2350

محمد ﷺ لم تكن توحيدية بل كانت متعددة الآلهة، فالمسيح وأمه كانا يُقدسان كإلهين (١). الوجه الثالث: من أهم ما يرد عليهم أن ورقة عندما أراد أن يتنصر ويتعلم دين النصرانية ذهب إلى الشام، وهذا لعدم توفر ذلك في الجزيرة العربية، فكان على الشرك قبل هذا؛ لأنه نشأ في بيئة وثنية. الوجه الرابع: الواقع يشهد أن ديانة العرب المنتشرة في الجزيرة هي الشرك. والسؤال هو: أين دليلهم على أن الجزيرة كانت على النصرانية؟ ١ - قال المستشار نجيب وهبة (النصراني، المستشار بمجمع اللغة العربية سابقًا): كانت كثرةُ العرب في الجاهلية وثنيةً تؤمن بقوى إلهية كثيرة تنبث في الكواكب ومظاهر الطبيعة (٢). ثم قال: نجران أهم مواطن المسيحية، ثم ذكر عدة أسماء للقبائل التي تنصرت في شبه الجزيرة، ولم يفصل في وجود كنائس أو قبائل نصرانية في مكة (٣). ٢ - وجود ثلاثمائة وستين صنمًا عند الكعبة (٤)، فإن عمرو بن لحي الخزاعي قد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها، ودعا الناس إلى عبادتها، ومنها: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرًا. ثم اتخذ العرب أصنامًا أخرى ومنها: صنم مناة بقديد، واللات بالطائف، والعزى بوادي نخلة، وهبل في جوف الكعبة، وأصنام حول الكعبة، وأصنام في بيوتهم، واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة (٥). فالذي يهمنا هي مكة موطن محمد ومبعثه، التي تؤكد كتب التاريخ أن غالب أهلها كانوا على الشرك. الوجه الرابع: قال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ : إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (٦).
следующие страницы →