← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الوجه الخامس: فهذه الروايات السابقة تدحض ما يدَّعيه النصارى من قداسة القس ورقة وأخته، فتدل بصراحة أن هناك قاعدة لديهما وهي الغاية تبرر الوسيلة، ففِعل الزنا طالما أنه يهدف لغاية حميدة فلا بأس به، وهذا ما لا يرضاه كل عاقل من النصارى فضلًا عن قساوستهم، فلا يَشرُف لهم أن يدَّعو بأن دعوة ورقة دعوة مسيحية. الوجه السادس: وهو الاختلاف في اسم المرأة التي دعت عبد الله لنفسها، فهناك رواية تذكر أنها كاهنة من أهل تبالة متهودة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية (١). الوجه السابع: مسألة النور الذي رأته أخت ورقة، لماذا لم تره أخريات من الراهبات في مكة؟ فأنتم تدَّعون أن مكة كانت معقلًا للنصارى، وكان منهم من علم باقتراب ظهور النبي الخاتم، وكان من الطبيعي أن يتفرسوا أهل مكة واحدًا واحدًا. الوجه الثامن: من الواضح أن عبد المطلب لم يكن متواطئًا مع ورقة كما تدعون، أو أن عبد المطلب كان نصرانيًا أو كان على علاقة وطيدة مع النصارى، فالسؤال: لماذا لم يُحرِّض عبد المطلب ابنه عبد الله على الزواج من أخت ورقة، كما ادعيتم أن أبا طالب حرَّض محمدًا للزواج من خديجة، وذلك كله لكي يتم الهدف المنشود وهو النبوة؟ الوجه التاسع: وعلى افتراض صحة رواية طلب المرأة الفاحشة من والد النبي، فنقول كما قال ابن كثير: وهذه الصيانة لعبد الله ليست له وإنما هي لرسول الله ﷺ ، فإنه كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد أنه

стр. 2347

قال ﷺ : "وُلدت من نكاح لا من سفاح" (١). وإننا نعيب أولًا على أخت ورقة، فإن عبد الله كان مشركًا ليس لديه دين يُوضح حرمة الزنا، وكان الزنا معلنًا به عند أصحاب الرايات. شبهة: دور أم أيمن في نبوة محمد ﷺ -. نص الشبهة: أم أيمن واسمها بركة، وهي حبشية مسيحية، وهي حاضنة محمد، لها دور في تنصير محمد "فكان محمد طفلًا في حضانة مسيحية". الرد على الشبهة: ١ - التعريف بأم أيمن: أم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله ﷺ ، وحاضنته، ورثها من أبيه، ثم أعتقها، اسمها: بركة. وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي، فولدت له: أيمن. ولأيمن هجرة وجهاد، استشهد يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بعث النبي ﷺ ، فولدت له أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ . عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ للنبي ﷺ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِىَ النبي ﷺ فَأَسْأَلَهُ الَّذِينَ كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ. وَكَانَ النبي ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ في عنقي تَقُولُ: كَلَّا والذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا، أَوْ كَمَا قَالَتْ، والنبي ﷺ يَقُولُ "لَكِ كَذَا" وَتَقُولُ كَلَّا وَالله،

стр. 2348

حَتَّى أَعْطَاهَا، حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: "عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ" (١). عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ - قَالَ - فَلَا أَدْرِى أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ. (٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ الله ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِى أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِى أَنَّ الْوَحْي قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. (٣) وفي ذلك دليل على حسن إسلام أم أيمن وتضحياتها من أجل هذا الدين لا من أجل النصرانية كما يزعمون. ٢ - هل من المعقول أن يُسلِّم النصارى أبناءهم إلى المسيحيين الذين قتّلوهم وأجبروهم على الرحيل إلى صحراء العرب بدعوى أنهم هراطقة؟ ! ٢ - لم يُذكر في ترجمة أم أيمن في كتب التاريخ والسير المعتمدة أنها كانت نصرانية، فالذي ذُكر أنها حبشية، وليس كل حبشي نصراني. ٣ - نبينا محمد ﷺ وهو في حضانة أم أيمن كان متعلقًا بماء زمزم لا بماء التعميد: عن أم أيمن ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ شكا صغيرًا ولا كبيرًا جوعًا ولا عطشًا، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فأعرض عليه الغداء فيقول: لا أريده أنا شبعان" (٤). شبهة: تغلغل النصرانية في شبه الجزيرة العربية في العهد الجاهلي . نص الشبهة: نَجِدُ في المدينة في معية محمد حاشية مسيحية ويهودية قد أسلمت أو سايرت الإسلام، نجد بلالًا الحبشي مؤذن النبي، وصهيبًا الرومي المسيحي الثري، وسلمان الفارسي

стр. 2349

المسيحي الأصل، وعبد الله بن سلام اليهودي الوحيد الذي أسلم في المدينة مع كعب الأحبار، وهل كان حديث هذه الحاشية الكريمة سوى التوراة والإنجيل؟ إن ذلك حجة قاطعة على أن بيئة النبي والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها، وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل) (١). الرد على الشبهة: الوجه الأول: إن هذه الحاشية المسيحية واليهودية - كما يزعمون - التي قد أسلمت؛ لدليل واضح على أن الديانات قبل الإسلام حُرِّفت، فلذا لم يسعْ هؤلاء بعد أن عرفوا الحق إلا أن يتركوا ما هم عليه من الباطل ويتبعوا هذا النبي. قال رسول الله ﷺ لزيد بن عمرو: ما لي أرى قومك قد شنفوا لك، فقال: أما والله، إن ذلك لبغير نائرة كانت مني إليهم ولكني أراهم على ضلالة، فخرجت أبتغي هذا الدين حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله، ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدمت على أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى قدمت على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، خرجت حتى أقدمت على أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فقال لي حبر من أحبار الشام: أتسل عن دين ما تعلم أحدًا يعبد الله به إلا شيخًا بالجزيرة، فخرجت فقدمت عليه فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كل من رأيت في ضلال؛ إنك تسأل عن دين هو دين الله ودين ملائكته، وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج يدعو إليه، ارجع فصدقه واتبعه وآمن بما جاء به. (٢) الوجه الثاني: نفى (نِلسُن) أن تكون اليهودية أو المسيحية قد أثَّرتا في وجود التوحيد عند العرب، ففي رأيه أن اليهود كان إلههم الخاص بهم ولم يكن إلهًا عالميًا، كما أن المسيحية التي ظلت حتى عصر

стр. 2350

محمد ﷺ لم تكن توحيدية بل كانت متعددة الآلهة، فالمسيح وأمه كانا يُقدسان كإلهين (١). الوجه الثالث: من أهم ما يرد عليهم أن ورقة عندما أراد أن يتنصر ويتعلم دين النصرانية ذهب إلى الشام، وهذا لعدم توفر ذلك في الجزيرة العربية، فكان على الشرك قبل هذا؛ لأنه نشأ في بيئة وثنية. الوجه الرابع: الواقع يشهد أن ديانة العرب المنتشرة في الجزيرة هي الشرك. والسؤال هو: أين دليلهم على أن الجزيرة كانت على النصرانية؟ ١ - قال المستشار نجيب وهبة (النصراني، المستشار بمجمع اللغة العربية سابقًا): كانت كثرةُ العرب في الجاهلية وثنيةً تؤمن بقوى إلهية كثيرة تنبث في الكواكب ومظاهر الطبيعة (٢). ثم قال: نجران أهم مواطن المسيحية، ثم ذكر عدة أسماء للقبائل التي تنصرت في شبه الجزيرة، ولم يفصل في وجود كنائس أو قبائل نصرانية في مكة (٣). ٢ - وجود ثلاثمائة وستين صنمًا عند الكعبة (٤)، فإن عمرو بن لحي الخزاعي قد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها، ودعا الناس إلى عبادتها، ومنها: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرًا. ثم اتخذ العرب أصنامًا أخرى ومنها: صنم مناة بقديد، واللات بالطائف، والعزى بوادي نخلة، وهبل في جوف الكعبة، وأصنام حول الكعبة، وأصنام في بيوتهم، واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة (٥). فالذي يهمنا هي مكة موطن محمد ومبعثه، التي تؤكد كتب التاريخ أن غالب أهلها كانوا على الشرك. الوجه الرابع: قال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ : إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (٦).

стр. 2351

فإذا كان محمد نصرانيًا، وإذا كان المجتمع نصرانيًا، فلماذا حدث العداء، فلم يصدِّقوه بل حاربوه، حتى إن القبائل النصرانية بالجزيرة العربية - التي يشهد التاريخ الصحيح بأنها نصرانية - لم تنطوِ له بسهولة. الوجه الخامس: الحركة الدينية اليهودية والنصرانية في مكة لم تكن مزدهرة؛ بل كان الشرك هو المسيطر: لم يظهر بين يهود الجزيرة العربية مَنْ اشتهر بعلم أو فقه أو فلسفة، وهذا يدل بالضرورة على عدم ازدهار الحركة الفكرية والثقافية عندهم، فهم آثروا البقاء منعزلين عن العالم، مكتفين بأبسط أنواع الحياة (١). الوجه السادس: من الأدلة على ضعف الحركة الدينية اليهودية والنصرانية في مكة عدم استغلال النصارى للشعر لتقوية موقفهم في مكة ونشر دينهم، فإن هذا كان أهم وسيلة لنشر دينهم، فلا يختلف الشعر النصراني عن شعر الشعراء الوثنيين بشيء، فمن الصعب على الباحث أن يجد فرقًا كبيرًا بين شعر الشعراء النصارى وشعر الشعراء الوثنيين، ولهذا ذهب بعض المستشرقين إلى أن من الصعب التحدث عن وجود شعر نصراني عربي له ميزات امتاز بها عن الشعر الوثني قبل الإسلام (٢). الوجه السابع: من حكمة الله تعالى وتقديره، أنه لم يُعلم في مكة يهودي واحد، واليهود استقبلوا محمدًا ﷺ بعد الهجرة بالعداوة صراحة. الوجه الثامن: لم يكن في مكة أي كتاب ديني مدون، ولا مدرسة، ولا فلاسفة كما كانت عليه حضارات اليونان والصين وفارس والهند. كما أنه لم يُعرف عن اليهود في كل الجزيرة العربية نبوغٌ فكريٌ ورقيٌ حضاريٌ، وفاقد الشيء لا يعطيه. ولم يكن النصارى أحسن حالًا منهم، بل كانوا لا يملكون حتى التميز بشعر خاص بهم - على الأقل -، وهذا ما يؤكده المستشرقون من أتباع دينهم. * * *

стр. 2352

١٦ - شبهة: ادعاؤهم تلقي النبي الوحي من بحيرى . نص الشبهة: زعموا أنه من الممكن أن يكون رسول الله ﷺ تلقَّف الوحي من بحيرى الراهب. فالنصارى يرون أن الإسلام ما هو في حقيقة الأمر إلا دعوى مسيحية! فعندهم أن الراهب بحيرى اختار محمدًا ليكون نبيًا للعرب وفق مسوّدة أعمال كان قد أعدها بالاتفاق مع "القس" ورقة بن نوفل وبالاشتراك مع خديجة أيضًا! والرد على هذه الشبهة من وجوه (١): الوجه الأول: بيان بطلان الروايات التي أشارت إلى مقابلة النبي لأحد الرهبان. الوجه الثاني: بحيرى ليس له أصل في الروايات الصحيحة، وذلك عند التحقيق العلمي للروايات، بل هو شخصية مجهولة، ولم يُذكر اسمه إلا في الروايات الموضوعة والمقطوعة. الوجه الثالث: إذًا؛ إنها دعوى مجردة من الدليل. الوجه الرابع: التعريف ببحيرى في كتب التاريخ مع العلم بأن الروايات التي ذكرت اسمه ضعيفة. الوجه الخامس: بحيرى ليس من الصحابة. الوجه السادس: تضعيف من ظن أن لبحيرى أحاديث سمعها من النبي ﷺ . الوجه السابع: تضعيف آثار لا تثبت تتحدث عن فضائل بحيرى. الوجه الثامن: هل زار بحيرى مكة أو المدينة؟ الوجه التاسع: لا يليق أبدًا بقسٍّ كبحيرى أن يحلف باللات والعزى حتى ولو كان يختبر محمدًا ﷺ . الوجه العاشر: إن اللقاء بين محمد ﷺ وبحيرى لا يعدو الساعة أو الساعتين في كلا اللقاءين ولو حدثت قصة اللقاء لأثارت جدلًا في قريش.

стр. 2353

الوجه الحادي عشر: يستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته في لقاءين ليجعله ذلك أستاذ العالم كله. الوجه الثاني عشر: حتى ولو أثبتنا أن بحيرى لقي النبي ﷺ ، فإنه لم يثبت ذكر تعلُّمِ النبي ﷺ من بحيرى. الوجه الثالث عشر: بحيرى مُبشر لا مُعلم. الوجه الرابع عشر: ذكر خبر بحيرى في كتب السيرة تدل على الأمانة العلمية عند علماء السيرة. الوجه الخامس عشر: هل يصح لراهب أن يكذب؟ الوجه السادس عشر: لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز هو بحيرى لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة. الوجه السابع عشر: الأديان التي كانت في عصر نزول القرآن ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة؛ بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة. الوجه الثامن عشر: لو كانت روايتى لقاء النبي ﷺ ببحيرى صحيحة لما خاف محمد ﷺ يوم ظهر له جبريل. الوجه التاسع عشر: لو ثبت لقاء بحيرى للنبي ﷺ لكان أرجى في قبول أبي طالب الإسلام. الوجه العشرون: أين ذكر بحيرى في كتب النصارى؟ . الوجه الحادي والعشرون: بحيرى لم يكلم النبي مباشرة، إنما كان يتكلم مع الناس عنه. الوجه الثاني والعشرون: لو كان سجود الشجر للنبي ﷺ صحيحًا وقد رآه الناس لما حدث من اعتراضات للمشركين على النبي ﷺ . وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان بطلان الروايات التي أشارت إلى مقابلة النبي لأحد الرهبان . جميع الروايات التي تذكر مقابلة النبي ﷺ لرجل من الرهبان باطلة، إلا رواية واحدة اختلف العلماء فيها، ألا وهي رواية أبي موسى الأشعري: وهي تصف مقابلة الراهب مع النبي ﷺ في صغره، أما الروايات التي تصف مقابلته والنبي شابًا فهي روايات ضعيفة،

стр. 2354

وقد وضعتُ كل الروايات الضعيفة - المجمع على ضعفها - في آخر البحث. رواية أبي موسى الأشعري: عن قراد أبي نوح قال: أنبأ يونس بن أبي إسحاق، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النبي ﷺ في أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ. قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ؛ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ الله رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُم حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لنبي، وإني أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ. ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ في رِعْيَةِ الإِبِلِ قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فيء الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فيء الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فيء الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَتقْتُلُونَهُ فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا أَنَّ هَذَا النبي خَارِجٌ في هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ الله أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا لَا. قَالَ فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ أَنْشُدُكُمُ الله أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. (١)

стр. 2355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2356

ومع سقوط إسناد هذه الرواية كما هو مبين في الحاشية فكذلك في متنها نكارة. قال الذهبي: ١ - فأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف. ٢ - وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد. ٣ - وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها. ٤ - ولم نر النبي ﷺ ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار. ٥ - ولبقي عنده ﷺ حس من النبوة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولًا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله.

стр. 2357

٦ - وأيضًا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة؟ . ٧ - وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطّرقيّة مع أن ابن عائذ قد روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر بلالًا إلى آخره فقال: ثنا الوليد بن مسلم أخبرني أبو داود سليمان بن موسى فذكره بمعناه. (١) قلت: وبالنسبة لمن صحح الحديث من المتقدمين، إذا أردنا تفنيد أقوالهم لا يصفو لنا إلا قول ابن حجر، وهو معترف بوجود خلل ما في الحديث، حيث قال عن اللفظة المنكرة في الحديث: الجملة الأخيرة مقتطعة من حديث آخر أدرجت في هذا الحديث. وفي الجملة هي وهم من أحد رواته. (٢) أما بالنسبة للحاكم، والترمذي فقد تساهلا في الحكم على هذا الحديث كما تساهلا في الحكم على غيره، وهذا معلوم عند علماء مصطلح الحديث. وأما قول البيهقي: هذه قصة مشهورة عند أهل المغازي، فشهرة القصة في كتب التاريخ لا تقضي حتمًا بصحتها. (٣) رواية أبي مجلز: عن أبي مجلز أن عبد المطلب أو أبا طالب - شك خالد - قال: لما مات عبد الله عطف على محمد ﷺ قال فكان لا يسافر سفرًا إلا كان معه فيه، وإنه توجه نحو الشام فنزل منزله فأتاه فيه راهب، فقال: إن فيكم رجلًا صالحًا، فقال: إن فينا من يقري الضيف ويفك الأسير ويفعل المعروف، أو نحوًا من هذا، ثم قال: إن فيكم رجلًا صالحًا، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال: ها أنا ذا وليه، أو قيل: هذا وليه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به

стр. 2358

إلى الشام، إن اليهود حُسَّدٌ، وإني أخشاهم عليه، قال: ما أنت تقول ذاك، ولكن الله يقول، فرده، قال: اللهم إني أستودعك محمدًا، ثم إنه مات (١). رواية: عبد الله عن عبد الله بن محمد بن عقيل: عن عبد الله بن جعفر الرقي قال: أنبأنا أبو المليح عن عبد الله عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أراد أبو طالب المسير إلى الشام فقال له النبي ﷺ : "أي عم إلى من تخلفني ها هنا فما لي أم تكفلني ولا أحد يؤويني؟ قال: فرَقَّ له ثم أردفه خلفه فخرج به فنزلوا على صاحب دير، فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي، وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ به أهل الأرض. قال: الله أجل مما تقول. قال: فاتق عليه اليهود. قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضًا صاحب دير. فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو ابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن وجهه وجه نبي، وعينه عين نبي. قال: سبحان الله! الله أجل مما تقول، وقال يا ابن أخي ألا تسمع ما يقول. قال: أي عم لا تنكر لله قدره". (٢) رواية: داود بن الحصين:

стр. 2359

قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن صالح بن دينار وعبد الله بن جعفر الزهري قال: وحدثنا ابن أبي حبيبة، داود بن الحصين قالوا: لما خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله ﷺ في المرة الأولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى من الشأم، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا بحيرى وكان كثيرًا ما يمرون به لا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلًا قريبًا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعامًا ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله ﷺ من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة واخضلت أغصان الشجرة على النبي ﷺ حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرى ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به وأرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروه كلكم، ولا تخلفوا منكم صغيرًا ولا كبيرًا، حرًا ولا عبدًا، فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرى، ما كنت تصنع بنا هذا فما شأنك اليوم؟ قال: فإني أحببت أن أكرمكم ولكم حق، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم، تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل ينظر ولا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول الله ﷺ . قال بحيرى: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنًا في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم! فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبًا وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف: والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه،

стр. 2360

وجعل بحيرى يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك، فقال رسول الله ﷺ : لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئًا بغضهما! قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه، قال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه، فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، قال فقبل موضع الخاتم، وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرًا، وجعل أبو طالب، لما يرى من الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابني، قال ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا، قال: فابن أخي: قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبًا، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبْغُنَّه عنتًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة. فلما فرغوا من تجاراتهم خرج به سريعًا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرى فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب فما خرج به سفرًا بعد ذلك خوفًا عليه. أخبرنا محمد بن عمر حدثني يعقوب بن عبد الله الأشعري عن جعفر ابن أبي المغيرة عن سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى، قال الراهب لأبي طالب: لا تخرجن بابن أخيك إلى ما ههنا؛ فإن اليهود أهل عداوة، وهذا نبي هذه الأمة، وهو من العرب، واليهود تحسده تريد أن يكون من بني إسرائيل، فاحذر على ابن أخيك. (١) رواية ابن إسحاق:

стр. 2361

قال محمد بن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله ﷺ بعد جده كان إليه ومعه، ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرًا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله ﷺ فأخذ بزمام ناقته، وقال: "يا عم، إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم لي"، فرق له أبو طالب، وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال، قال: فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيراء في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة قط راهب يصير علمهم عن كتاب فيه، فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيراء، وكانوا كثيرا مما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا به قريبا من صومعته، فصنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك فيما يزعمون، عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وشمرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيراء نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم فقال له رجل منهم: يا بحيراء، إن لك اليوم لشأنًا ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيراء: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيراء في القوم ولم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معاشر قريش، لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، فقالوا له: يا بحيراء ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنًا، تخلف في رحالهم قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب

стр. 2362

عن الطعام من بيننا. قال: ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رآه بحيراء جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، قام بحيراء فقال له: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيراء ذلك؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما وزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسلني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئًا قط. فقال له بحيراء: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده قال: فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: هل هذا الغلام منك؟ فقال: ابني، فقال له بحيراء: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا، قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات، وأمه حبلى به. قال: صدقت. قال: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبْغُنَّه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن، فأسرع به إلى بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيرًا وثمامًا ودريسًا، وهم نفر من أهل الكتاب، قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء، فأرادوه فردهم عنه بحيراء، وذكرهم الله، وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا بما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا وقال أبو طالب في ذلك أبياتًا منها: فما رجعوا حتى رأوا من محمد ... أحاديث تجلو غم كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة ... سجودا له من عصبة وفراد زريرا وتماما وقد كان شاهدا ... دريسا وهمو كلهم بفساد فقال لهم قولا بحيرى وأيقنوا ... له بعد تكذيب وطول بعاد

стр. 2363

كما قال للرهط الذين تهودوا ... وجاهدهم في الله كل جهاد فقال ولم يترك له النصح رده ... فإن له أرصاد كل مصاد فإني أخاف الحاسدين وأنه ... لفي الكتب مكتوب بكل مداد (١) رواية ابن عباس: عن ابن عباس "أن أبا بكر الصديق، ﵃ صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، والنبي ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزلوا منزلًا فيه سدرة، قعد رسول الله ﷺ في ظلها، ومضى إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شيء، فقالوا له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له: ذاك محمد بن عبد الله. فقال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى إلا محمد ﵉، فوقع من ذلك في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فلما نُبئ النبي ﷺ اتبعه". (٢) رواية نفيسة بنت أمية أخت يعلى: عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى سمعتها تقول: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين؛ لما تكاملت فيه من خصال الخير قال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة، ليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث

стр. 2364

رجالا من قومك في عيراتها فيتجرون لها ويصيبون منافع، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك؛ لما يبلغها من طهارتك وإني كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من اليهود ولكن لا نجد من ذلك بدًا، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة وتبعث بها إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجل وتدفع إليه المال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا من لم يكن تاجرًا فليس عندهم بشيء. قال رسول الله ﷺ : فلعلها أن ترسل إليَّ في ذلك. قال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك؛ فتطلب أمرًا مدبرًا. فافترقا فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فقالت: ما دريت أنه يريد هذا. ثم أرسلت إليه فقالت: إنه قد دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلًا من قومك. ففعل رسول الله ﷺ فلقي أبا طالب فقال له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك. فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم الشام فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب من الرهبان يقال له نسطورا قال: فتطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال: من قريش من أهل الحرم. قال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم قال: أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه قط. قال الراهب: هذا هو، وهو آخر الأنبياء ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج. فوعى ذلك ميسرة ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة فقال له الرجل: احلف باللات والعزى! فقال رسول الله ﷺ : ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: يا ميسرة هذا نبي والذي نفسي بيده إنه لهو هو ويجده أحبارنا منعوتا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعًا وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا

стр. 2365

كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره. وقال: وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها قد ربحت ضعف ما كانت تربح وأضعفت له ما سمته له. قال الشيخ: وما تضمن هذا الفصل من أحوال رسول الله ﷺ من حين تزوجت آمنة وحملها ووضعها به واسترضاعه وحضانة حليمة ظئره إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة المقرونة بالآيات دلالة على نبوة رسول الله ﷺ بخروجها عن المتعارف والمعتاد مع توسم أهل الكتب وغيرهم الأمارات التي دونتها الكتب المتقدمة والأخبار السالفة بالبشارات به فترقبهم لمبعثه ومخرجه علامات ودلائل لمن أراد به الإيمان وصار به مؤمنا موقنا ولنبوته محققًا. (١) الوجه الثاني: بحيري ليس له أصل في الروايات الصحيحة، وذلك عند التحقيق العلمي للروايات، بل هو شخصية مجهولة، ولم يُذكر اسمه إلا في الروايات الموضوعة والمقطوعة . إنَّ من صحح رواية أبي موسى الأشعري قال بعدم صحة ذكر بحيرى في الروايات: قال الألباني: إن الراهب بحيرى لم يسم مطلقًا في رواية أبي موسى، وإنما سمي في رواية ابن إسحاق التي هي ضعيفة معضلة، وسُمي في رواية أخرى فيها الواقدي الكذاب. (٢) قلت: فالمذكور في الروايات التي صححها بعض العلماء أن النبي ﷺ مر على راهب في صومعته. الوجه الثالث: إذًا؛ إنها دعوى مجردة من الدليل . قال الزرقاني: يقولون إن محمدًا لقي بحيرى الراهب فأخذ عنه وتعلم منه، وما تلك المعارف التي في القرآن إلا ثمرة هذا الأخذ وذاك التعلم. وندفع هذا: بأنها دعوى مجردة من الدليل، خالية من التحديد والتعيين، ومثل هذه الدعاوى لا تقبل ما دامت غير مدللة وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد من بحيرى الراهب ومتى كان ذلك وأين كان؟ (٣)

стр. 2366

الوجه الرابع: التعريف ببحيرى فما كتب التاريخ مع العلم بأن الروايات التي ذكرت اسمه ضعيفة . فوجود اسمه في كتب التاريخ ليس شرطًا في صحة وجوده عند التحقيق العلمي. قال ابن حجر: بحيرى الراهب ذكره ابن منده، وتبعه أبو نعيم وقصته معروفة في المغازي وما أدري أدرك البعثة أم لا؟ وقد وقع في بعض السير عن الزهري أنه كان من يهود تيماء وفي "مروج الذهب" للمسعودي أنه كان نصرانيًا من عبد القيس يقال له جرجيس. (١) قال ابن كثير: قصة بحيرى حكى السهيلي عن سِير الزهري أن بحيرى كان حبرًا من أحبار يهود، قلت: والذي يظهر من سياق القصة أنه كان راهبًا نصرانيًا. وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جرجيس. وفي كتاب المعارف لابن قتيبة: سُمع هاتف في الجاهلية قبل الإسلام بقليل يهتف ويقول: ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة، بحيرى، ورئاب بن البراء الشني، والثالث المنتظر وكان الثالث المنتظر هو الرسول ﷺ . (٢) فإن كان هناك روايات صريحة أن ورقة بن نوفل كان نصرانيًا، لكن ليس هناك أدلة يقينية على أن بحيرى كان نصرانيًا، بل كل ما ورد أنه إما يهوديًا أو نصرانيًا، فقد اختلف العلماء في نصرانيته. الوجه الخامس: بحيرى ليس من الصحابة . قال ابن حجر: وإنما ذكرته في هذا القسم - أي من كتاب الإصابة في معرفة الصحابة - لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه وهو: مسلمٌ لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك. فقولنا: مسلم، يخرج من لقيه مؤمنًا به قبل أن يبعث كهذا الرجل والله أعلم. (٣) الوجه السادس: تضعيف من ظن أن لبحيري أحاديث سمعها من النبي ﷺ -: قال بحيرى الراهب قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب الرجلُ كأسًا من خمر. . .". (٤)

стр. 2367

الوجه السابع: تضعيف آثار لا تثبت تتحدث عن فضائل بحيرى: منها أن الله أودع علمه ونوره عند آدم وذريته من بعده من الأنبياء والصالحين إلى أن أتى مرعيدا ثم بحيرى: قال أبو الشيخ الأصبهاني حدثني محمد بن يوسف، عن محمد بن جعفر قال: فلما أراد الله تعالى أن يقبض مرعيدًا أوحى إليه أن يستودع علم الله تعالى ونوره بحيرى الراهب ففعل، فعند ذلك ملك هرمز بن كسرى فملك اثنتي عشرة سنة، وولي أمرَ الله بحيرى الراهب وأصحابه المؤمنون، فعند ذلك ملك يزدجر بن كسرى فملك أربع سنين، فعند ذلك بعث الله تعالى محمدًا ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى آله وعلى جميع الأنبياء والرسل، والحمد لله رب العالمين. (١) الوجه الثامن: هل زار بحيرى مكة أو المدينة ؟ لم يَزُر بحيرى مكة ولا المدينة قبل أو أثناء البعثة النبوية، فكيف له أن يعرف ظروف بيئة الرسول ﷺ ، وأحداثًا قبل الهجرة في مكة كموقف المشركين من الدعوة، وغيرها من أسباب نزول الآيات المكية. وبعد الهجرة: كالغزوات والعلاقة مع المنافقين. . وغيرها من أسباب نزول الآيات المدنية؟ (٢).

стр. 2368

٢ - الراهب بحيرى لم يكن من سكان مكة بل قد كان يسكن على مسافة بعيدة عنها، فكيف تمكن من تعليم محمد ﷺ وهو صبي كتابًا ضخمًا في زيارة واحدة؟ ! ولماذا انتقى بحيرى محمدًا بالذات وأعطاه هذا التشريع، ولم يعطه لابنه أو قريبه أو يدَّعيه لنفسه؟ ! ولماذا لم يحدث ذلك قبل حياة محمد ﷺ ؟ هل نفهم أن النصارى بقوا بدون كتاب لمئات من السنين؟ . ٣ - فكل آية نزلت بعد وقوع حدث معين، وهذا ما يسمى في التفسير بأسباب النزول، يعني كان بحيرى مستخفيًا في مكة ثم في المدينة وظل يملي عليه القرآن عند وقوع كل حدث. ٤ - ولا يعقل أن يكون محمد ﷺ قد أخذ عنه، وهو في هذه السن شيئًا. . . وأنى "لبحيرى" وما حواه الوحي الإلهي قرآنًا وسنة، من علوم وأخبار ماضية ومستقبلة؟ هذا لو فرضنا أنه يمكن أن يكون قد أخذ عنه شيئًا. إن الباحث المنصف لو استنطق التاريخ، ما زاد على أن يقول له: إن الراهب "بحيرى" لما رآه تظله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه، أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بأذى. (١) الوجه التاسع: لا يليق أبدًا بقس كبحيرى أن يحلف باللات والعزى حتى ولو كان يختبر محمدًا ﷺ - جاء في قصة بحيرى الراهب أنه استحلف النبي ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرى للنبي ﷺ : (يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبي ﷺ : "لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت بغضها شيئًا قط". (٢) وهو من قول ابن إسحاق. وذلك ردًا على من يأخذ بقول ابن إسحاق ليرد علينا.

стр. 2369

فهذا يدل على أن بحيرى لا يصلح كمعلم يعلم تلميذه العقيدة الصحيحة، فكان من الأفضل للمربي أن يسأل تلميذه فيقول له هل أنت تحلف باللات والعزى؟ فإن قال: لا، فهو ما كان يرمي إليه بحيرى؟ . المبدأ التعليمي السابق الذي ركن إليه بحيرى يختلف تمامًا عن المبدأ التعليمي الذي ركن إليه النبي محمد ﷺ لتعليم أصحابه، مما يؤكد أن محمدًا لم يتعلم على يد بحيرى، فقد كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينبه على خطأ يفعله أحد الصحابة فإنه ينهى عن ذلك بأسلوب صريح. عَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَا إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ". (١) الوجه العاشر: إن اللقاء بين محمد ﷺ وبحيرى لا يعدو الساعة أو الساعتين في كلا اللقاءين، ولو حدثت قصة في اللقاء لأثارت جدلًا في قريش . ولو افترضنا جدلًا أنها وقعت؛ فإن اللقاء بينهما لا يعدو الساعة أو الساعتين، وعمر النبيّ ﷺ اثنتا عشرة سنة، ولو حدثت قصة في اللقاء لأثارت جدلًا في قريش. لكننا لا نجد صدًى لها مما يؤكد بطلانها. وماذا يتحمل صبي في الثانية عشر من عمره عن بحيرى؟ وقد اجتمع به بحضور قريش ساعة من زمان؟ . (٢) عندما قابل النبي ﷺ بحيرى كان عمره ﷺ تسع سنين، ومع جماعة من قومه، وفي أثناء تجارته بمال خديجة ﵂، ولم يفارقه غلامها ميسرة، فضلا عن بعد المسافة بين بصرى ومكة ولا يتم هذا في جلسة أو جلستين؛ بل حتى يعلمه النبوة كان من المفترض أن يكون ملازمًا له، فيكثر اللقاءات بينهما حتى يتم لهما ما ينبغي أن يُخططوا له. الوجه الحادي عشر: يستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته في لقاءين ليجعله ذلك أستاذ العالم كله .

стр. 2370

قال الزرقاني: إنه يستحيل في مجرى العادة أن يُتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف بحيث يصبح أستاذ العالم كله لمجرد أنه لقي مصادفة واتفاقًا راهبًا من الرهبان مرتين! على حين أن التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلًا عن التعليم بالتجارة، وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة، وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى، وكان حاملًا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها كاملة في المرة الثانية وهي أمانة العمل والإخلاص في مال خديجة وتجارتها. (١) الوجه الثاني عشر: حتى ولو أثبتنا أن بحيرى لقي النبي ﷺ ، فإنه لم يثبت ذكر تعلُم النبي ﷺ من بحيرى . إن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه سافر إلى الشام في تجارة مرتين: مرة في طفولته ومرة في شبابه، ولم يسافر غير هاتين المرتين ولم يجاوز سوق بصرى فيهما، ولم يسمع من بحيرى ولا من غيره شيئًا من الدين ولم يك أمره سرًا هناك؛ بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمه أبو طالب، وشاهد في الثانية وهو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول بتجارتها أيامئذ؛ وكل ما هنالك أن بحيرى الراهب رأى سحابة تظلله من الشمس فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن، ثم حذره عليه من اليهود وقد رجع به عمه خوفًا عليه ولم يتم رحلته. كذلك روي هذا الحادث من طرق في بعض أسانيدها ضعف ورواية الترمذي ليس فيها اسم بحيرى وليس في شيء من الروايات أنه سمع من بحيرى أو تلقى منه درسا واحدا أو كلمة واحدة لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق فأنى يؤفكون. (٢) الوجه الثالث عشر: بحيرى مُبشر لا مُعلم . إن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب موقف المعلم المرشد لمحمد؛ لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التي

стр. 2371

يزفها ثم ينصب نفسه أستاذا لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى عن جبريل ويكون هو أستاذ الأستاذين وهادي الهداة والمرشدين وإلا كان هذا الراهب متناقضًا مع نفسه. (١) الوجه الرابع عشر: ذكر خبر بحيرى في كتب السيرة تدل على الأمانة العلمية عند علماء السيرة . وللأمانة العلمية كان من المفترض أن رواة الأحاديث يُنكرون أمر بحيرى وغيره حتى لا يتشكك أحد فيقول: إن محمدًا قد علّمه بحيرى ولكن لأمانتهم ذكروا ذلك، فذكروا أنه ما قابل بحيرى إلا مرتين، ومنهم من قال مرة واحدة، فكما أنهم صدَقوا في إثبات أمر بحيرى ولم يخافوا من قول المتشككين كذلك صدقوا في ذِكر عدد اللقاءات بين بحيرى والنبي ﷺ أنهما لا تعدو عن مرتين، بغض النظر عن ضعف روايتهما. الوجه الخامس عشر: هل يصح لراهب أن يكذب ؟ كيف يقول بحيرى إن القرآن من عند الله نزل على قلب محمد وهو من عنده؟ كيف يرضى أصحاب الشبهة هذه أن يكون عالم دينهم كذاب؟ وخلاصة القول: إن من المفيد إلقاء نظرة على الملاحظات الحيادية لبعض المستشرقين. يقول جون ب. نوس، وديفيد س. نوس في كتابهم الشهير "أديان الرجل": (. . . . إن من الواجب إدراج الحديث الشريف الذي يقول إن محمدًا ﷺ تعلم اليهودية والنصرانية خلال رحلاته مع القافلة التجارية المتجهة للشام، وكانت الأولى بصحبة عمه أبي طالب عندما كان في سن الثانية عشر، والثانية عندما كان عمره ٢٥ عامًا كموظف لخديجة التي تزوجها فيما بعد، على أنه حديث غير مقبول). ويقول توماس كارلايل: لا أعرف ماذا أقول بشأن سيرجيوس [بُحيرى أو بَحيرى، مهما كان اللفظ، وقد أُطلق عليه أيضًا اسم سرجيوس]، الراهب النسطوري الذي قيل إنه تحادث مع أبي طالب، أو كم من الممكن أن يكون أي راهب قد علم صبيًا في مثل تلك السن، لكنني أعرف أن حديث الراهب النسطوري مبالغ فيه بشكل كبير، فقد كان عمر

стр. 2372

محمد ﷺ ١٤ عامًا [كان عمره إما ٩ أو ١٢ عامًا على أكثر تقدير] ولم يعرف لغةً غير لغته، وكان معظم ما في الشام غريبًا وغير مفهوم بالنسبة له. الوجه السادس عشر: لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز هو بحيرى لكان هو الأحري بالنبوة والرسالة . إن بحيرى الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم. (١) الوجه السابع عشر: الأديان التي كانت في عصر نزول القرآن ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة؛ بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة: إن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون: إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل، فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه، وندعوهم أن يقرؤوه ولو مرة واحدة بتعقل ونَصَفَة؛ ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتابها في عصره؟ وليعلموا أنها ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة؛ بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة، إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحون ويريحون الناس من هذا الضلال والزيغ، ومن ذلك الخبط والخلط. هدانا وهداهم الله؛ فإن الهدي هداه ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. فإن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرى تأبى أن تكون مصدرًا للقرآن وهداياته خصوصًا بعد أن أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف. (٢) وفي الحديث: "وَإِنَّ الله نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" (٣). قال النووي: الْمَقْت: أَشَدّ الْبُغْض، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر: مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول الله ﷺ ، وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب: الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِيِنهمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل (٤).

стр. 2373

قال ابن القيم: فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان، أو الصلبان، أو النيران، أو الكواكب والشمس والقمر، أو الحيرة والشك، أو السحر، أو تعطيل الصانع والكفر به، فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجًا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم (١). الوجه الثامن عشر: لو كانت روايتى لقاء النبي ﷺ ببحيرى صحيحة لما خاف محمد ﷺ يوم ظهر له جبريل . فنتساءل: إن كان بحيرى الراهب قد قال لمحمد ومن معه أنه سيكون رسول الله، فلماذا تشكك واضطرب محمد ﷺ يوم ظهر له جبريل وخاف على نفسه؟ . فقد قال ﷺ عند نزول الوحي لخديجة: "أي خَدِيجَةُ مَا لي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نفسي" فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَالله لَا يُخْزِيكَ الله أبَدًا (٢). الوجه التاسع عشر: لو ثبت لقاء بحيرى للنبي ﷺ لكان أرجى في قبول أبي طالب الإسلام . قال ابن حجر: ذكر ابن التين أن في شعر أبي طالب - أي شعره في مدح محمد ﷺ هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي ﷺ قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرى أو غيره من شأنه، وفيه نظر لما تقدم عن ابن إسحاق أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث، ومعرفةُ أبي طالب بنبوة رسول الله ﷺ جاءت في كثير من الأخبار، وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلمًا، ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا جمع فيه شعر أبي طالب، وزعم في أوله أنه كان مسلمًا، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات على الكفر، وأنهم لذلك يستجيزون لعنه، ثم بالغ في سبهم والرد عليهم واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه (٣).

стр. 2374

فعن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ الله فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ الله بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ الله لأَبِى طَالِبٍ: "يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله (١). الوجه العشرون: أين ذكر بحيرى في كتب النصارى ؟ . لو كان بحيرى حقًا عالمًا عظيمًا وبارعًا لدرجة أنه خطط لنبوة محمد ﷺ ، فإن من المفروض أن يوجد له في السجلات النصرانية أدب كثير، ومجلدات عن حياته وأعماله، ولكننا لا نجد عنه شيئًا إلا في الروايات الضعيفة التي ذكرناها. ففي كتب النصارى والمستشرقين - كتاريخ الكنيسة ودائرة المعارف - ذُكر أن بحيرى كان في القرن الرابع، بل ظاهر كلام النصارى عند التحقيق في كتبهم التاريخية أنهم لا يعرفون عنه شيئًا مما يتعلق بتاريخ حياته في أرض العرب. قال الألباني: ١ - إن كتاب تاريخ الكنيسة أثبت أن الراهب بحيرى كان في القرن الرابع من الميلاد، وهي دعوى عارية عن الصحة إذ ليس لذلك حجة علمية يستطاع بها إثباتها، وكل ما كان من الحجة تاريخ الكنيسة! فيا لله العجب كيف يوثق بهذا التاريخ هذه الثقة البالغة إلى درجة أن يُعارض به تاريخ المسلمين؟ مع أن تاريخهم - مهما كان في بعض حوادثه نظر من الوجهة الحديثية خاصة - أصح وأنقى بكثير من تاريخ الكنيسة الذي تعجز الكنيسة نفسها عن إثبات صحة كتابها المقدس الذي هو أصل دينها، فكيف تستطيع أن تثبت تاريخها الذي هو بحق "أمشاج من الروايات التي لا سند لها".

стр. 2375

٢ - إنني رجعت إلى دائرة المعارف الإسلامية تأليف جماعة من المستشرقين، وإلى دائرة المعارف للبستاني، وإلى: "المنجد" فلم أجدهم ذكروا ما عزاه الأستاذ المصري إلى تاريخ الكنيسة؛ بل ظاهر كلامهم أنهم لا يعرفون عنه شيئًا مما يتعلق بتاريخ حياته في أرض العرب، إلا مما جاء في مصادرنا الإسلامية، وخاصة ما يتعلق منه بقصة اتصاله بالنبي ﷺ حسبما تقدم تخريجه، وإن كانوا يعتبرونها "من الأساطير التي أحاطت بسيرة النبي محمد ﷺ " حسبما تقدم تخريجه، وذلك في "دائرة المعارف الإسلامية". ٣ - لنفترض أن ما عُزِيَ إلى تاريخ الكنيسة صحيح ثابت، وهو أن بحيرى الراهب كان في القرن الرابع من الميلاد، فذلك لا ينفي أن يأتي شخص آخر على شاكلته في الترهب سمي باسمه منذ ولادته على عادة النصارى وغيرهم من التسمي بأسماء الصالحين عندهم، أو لقب به بعد؛ لظهور شبه فيه به، هذا كله جائز ليس في العقل السليم ما ينفيه، وإذا كان الأمر كذلك، فبإمكان الأستاذ أن يعتقد وجود شخصين في زمنين متباينين باسم واحد (بحيرى) وبذلك يستطيع أن يوفق بين ثقته بالتاريخ الكنسي، وثقته بالتاريخ الإسلامي ولا يقع في هذه المغالطة التي كتبها بقلمه: "فكيف التقى الزمان القرن الرابع والقرن السادس والتقى المكان؟ " (١). الوجه الحادي والعشرون: بحيرى لم يكلم النبي مباشرة، إنما كان يتكلم مع الناس عنه . من الغريب ملاحظته في هذا الحديث الذي وبالرغم من أنه كله ملفق، إلا أنه أقوى من جميع الأحاديث التي تناولت حادثة بحيرى، لكن الراهب لم يخاطب محمدًا ﷺ وهو صبي في أي وقت من الأوقات، وبإمكان الشخص ملاحظة ذلك من خلال قراءته للحديث ليرى بنفسه تلك الظاهرة الغريبة. لا يوجد في الحديث ضمير غائب بديلًا لمحمد ﷺ ، لقد استعمل الراهب في كل مرة شخصًا ثالثًا أو ضمير إشارة. فتراه يتكلم عن محمد

стр. 2376

كشخص بعيد عنه، فيتكلم مع القوم عنه، لا يحاوره بمحاورات مباشرة، فهل هذا يدل على أن الراهب لم يعتبر أن محمدًا ﷺ وهو صبي أمي يمكنه أن يفهم ما يقول عنه؟ . والروايات التي تبين أن الراهب وهو يخاطب محمدًا ﷺ وهو صبي بشكل مباشر اتفق العلماء على تضعيفها؛ لأنه من الطبيعي أن لا يتصور أن صبيًا في مثل عمره قد لا يلتفت لتلك المحادثة التي فيها إخبار بأمر النبوة. الوجه الثاني والعشرون: لو كان سجود الشجر للنبي صحيحًا وقد رآه الناس لما حدث من اعتراضات للمشركين على النبي ﷺ - ١ - اختار بحيرى نبي المستقبل وفي حضور كبار رجال قريش قال: إن محمد ﷺ وهو صبي سيصبح نبي رب العالمين ورحمة للعالمين. وبذلك يكون رجال قريش شهودًا على تلك الحادثة غير عادية، وينقلونها إلى أهل مكة عند عودتهم إليها وبذلك تصبح حديث الناس، ومن الطبيعي أنه لو حدث شيء يتعلق بنبي المستقبل فإن أولئك الرجال ومن سمع الحادثة منهم سيعودون للحديث عن تلك الحادثة، لقد ظهر محمد في الصباح الباكر في البيت الحرام بعد ذلك ببضعة سنوات، حيث حل النزاع حول وضع الحجر الأسود، كان من المفروض حسب الحديث أن يصيح الناس "لقد وصل رسول رب العالمين، وظهر رحمة العالمين، ونحن نؤيده ونقبل رأيه". لكن كتب التاريخ لم تذكر شيئًا من هذا القبيل، بل تذكر أنهم قالوا "جاء الأمين - الصادق - إلخ" ومرة أخرى عندما أعلن النبي المنتظر أنه اختير لأداء المهمة، كان من المفترض حسب الحديث أيضًا أن يعلن كل من اعتنقوا الإسلام أنهم كانوا يعرفون ذلك وينتظرونه، فإننا نجد أن ذلك لم يحدث.

стр. 2377

١٧ - شبهة: دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل . نص الشبهة: الشبهة التي تمسكوا بها: وُرُودُ مواضع بينها تشابهٌ في كل من التوراة والقرآن الكريم. ومن أبرزها الجانب القصصي. وبعض المواضع التشريعية تمسكوا بها، وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة، وبعضهم يضيف إلى هذا أن القرآن اقتبس مواضع أخرى من "الأناجيل". الرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: لقد تكفل الله تعالى بالرد على هذه الشبهة. الوجه الثاني: معرفة كيفية تحقق الاقتباس عمومًا، وذلك بالتحقيق العلمي لمسألة كون القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل أم لا؟ الوجه الثالث: حقيقة التشابه بين القرآن من جهة وبين التوراة والإنجيل. الوجه الرابع: حقيقة النصرانية عند العرب، ولماذا لم يتأثروا بها كما تأثروا بالإسلام؟ الوجه الخامس: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية يبين هيمنة القرآن على غيره، وضعف القول بأن اليهودية والنصرانية هما اللتان أثَّرتا في القرآن. الوجه السادس: تأثير الإسلام لم يكن قاصرًا على العقيدة في المسيحية فحسب، بل يمتد إلى الشريعة. والكتب المقدسة كذلك، فإن تأثير الإسلام تناول اليهودية إلى جانب المسيحية. الوجه السابع: تأثر الشرائع النصرانية بالعقيدة الوثنية. الوجه الثامن: اختلافات مما بين القرآن وعقيدة جميع الطوائف النصرانية واليهودية القديمة والحديثة. الوجه التاسع: دلائل تهافت الدعوى بأن القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل. الوجه العاشر: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل. الوجه الحادي عشر: القصص الذي انفرد به القرآن. الوجه الثاني عشر: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل. الوجه الثالث عشر: العهد القديم لم يكن مترجمًا إلى اللغة العربية قبل الإسلام.

стр. 2378

الوجه الرابع عشر: لو كان محمد ﷺ ينقل كتابه من كتب غيره، لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده. الوجه الخامس عشر: التحدي أن يأتي بمثله. الوجه السادس عشر: هذه الأصول المأخوذة من التوراة والإنجيل والكتب السابقة التي يزعمون أن محمدًا ﷺ قد نقل عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى الناس بشيء موجود. الوجه السابع عشر: القرآن لم يأت لهدم كل شيء، بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق. الوجه الثامن عشر: الطعن في القرآن طعن في التوراة والإنجيل إن صح القول بالاقتباس. الوجه التاسع عشر: مثال أخير فيما ذكره القرآن وما ذكرته التوراة والإنجيل عن عصمة الأنبياء، والبون الشاسع بينهما. وإليك التفصيل الوجه الأول: لقد تكفل الله تعالى بالرد على هذه الشبهة . وبالسبر والتقسيم يكون هناك احتمالات لمسألة إثبات ألوهية القرآن ألا وهي: أن القرآن يمكن أن يأتي إلى النبي ﷺ عن أربع طرق: من عند نفسه، من عند شخص، من كتاب، من الله تعالى، أما من عند نفسه فقد تقدم معنا الرد على هذه الشبهة (١) - أما من عند شخص؛ فمن هو هذا الشخص؟ أكثر الطاعنين على أنهم نصارى أو يهود، فردَّ الله تعالى عليهم أن لسان أولئك القوم ولغتهم أعجمية، ولكن لغة هذا القرآن عربي مبين، فكيف للأعجمي أن يأتي بأعلى الفصاحة وذروة البلاغة في اللغة العربية؟ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. (٢)

стр. 2379

- أما من كتاب، فالنبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. (١) فلم يبق إلا أنه من الله تعالى (٢). الوجه الثاني: معرفة كيفية تحقق الاقتباس عمومًا، وذلك للتحقيق العلمي لمسألة كون القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل أم لا ؟ ١ - الاقتباس عملية فكرية لها ثلاثة أركان: الأول: الشخص المُقتَبَس منه. الثاني: الشخص المُقتَبِس (اسم فاعل). الثالث: المادة المُقتَبَسَة نفسها (اسم مفعول). والشخص المُقتَبَس منه سابق إلى الفكرة، التي هي موضوع الاقتباس، أما المادة المُقتَبَسَة فلها طريقتان عند الشخص المُقتَبِس، إحداهما: أن يأخذ المقتبس الفكرة بلفظها ومعناها كلها أو بعضها. والثانية: أن يأخذها بمعناها كلها أو بعضها كذلك ويعبر عنها بكلام من عنده. والمقتبِس في عملية الاقتباس أسير المقتبَس منه قطعًا ودائر في فلكه؛ إذ لا طريق له إلى معرفة ما اقتبس إلا ما ذكره المقتبَس منه. فهو أصل، والمقتبِس فرع لا محالة. ٢ - وعلى هذا فإن المقتبِس لا بد له وهو يزاول عملية الاقتباس من موقفين لا ثالث لهما: أحدهما: أن يأخذ الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط. وثانيهما: أن يأخذ جزءًا من الفكرة باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط. ويمتنع على المقتبِس أن يزيد في الفكرة المقتبسة أية زيادة غير موجودة في الأصل؛ لأننا قلنا: إن المقتبِس لا طريق له لمعرفة ما اقتبس إلا ما ورد عند المقتبَس منه، فكيف يزيد على الفكرة والحال أنه لا صلة له بمصادرها الأولى إلا عن طريق المقتبَس منه؟

стр. 2380

٣ - إذا جرى الاقتباس على هذا النهج صدقت دعوى من يقول إن فلانًا اقتبس منى كذا. أما إذا تشابه ما كتبه اثنان، أحدهما سابق والثاني لاحق، واختلف ما كتبه الثاني عما كتبه الأول مثل: أ - أن تكون الفكرة عند الثاني أبسط وأحكم ووجدنا فيها ما لم نجده عند الأول. ب - أو أن يصحح الثاني أخطاء وردت عند الأول، أو يعرض الوقائع عرضًا يختلف عن سابقه. في هذه الحال لا تصدق دعوى من يقول إن فلانًا قد اقتبس مني كذا. ورَدُّ هذه الدعوى مقبول من المدعى عليه؛ لأن المقتبِس (اتهامًا) لما لم يدر في فلك المقتبَس منه (فرضًا) بل زاد عليه وخالفه فيما ذكر من وقائع؛ فإن معنى ذلك أن الثاني تخطى ما كتبه الأول حتى وصل إلى مصدر الوقائع نفسها واستقى منها ما استقى. فهو إذن ليس مقتبِسًا وإنما مؤسس حقائق تلقاها من مصدرها الأصيل ولم ينقلها عن ناقل أو وسيط. ٤ - وسوف نطبق هذه الأسس التي تحكم عملية الاقتباس على ما ادعاه القوم هنا وننظر: هل القرآن عندما اقتبس كما يدعون من التوراة كان خاضعًا لشرطي عملية الاقتباس وهما: نقل الفكرة كلها، أو الاقتصار على نقل جزء منها فيكون بذلك دائرًا في فلك التوراة، وتصدق حينئذ دعوى القوم بأن القرآن (معظمه) مقتبس من التوراة؟ أم أن القرآن لم يقف عند حدود ما ذكرته التوراة في مواضع التشابه بينهما؟ بل: أ - عرض الوقائع عرضًا يختلف عن عرض التوراة لها. ب - أضاف جديدًا لم تعرفه التوراة في المواضع المشتركة بينهما. ج - صحح أخطاء خطيرة وردت في التوراة في مواضع متعددة. د - انفرد بذكر مادة خاصة به ليس لها مصدر سواه. ٥ - في حالة اختلافه مع التوراة حول واقعة يكون الصحيح هو ما ذكره القرآن. والباطل ما جاء في التوراة بشهادة العقل والعلم إذا كان الاحتمال الأول هو الواقع فالقرآن مقتبس من التوراة.

стр. 2381

أما إذا كان الواقع هو الاحتمال الثاني فدعوى الاقتباس باطلة ويكون للقرآن في هذه الحالة سلطانه الخاص به في استقاء الحقائق، وعرضها فلا اقتباس لا من توراة ولا من إنجيل ولا من غيرهما. لا أظن أن القارئ يختلف معنا في هذه الأسس التي قدمناها لصحة الاتهام بالاقتباس عمومًا. وما علينا بعد ذلك إلا أن نستعرض بعض صور التشابه بين التوراة والقرآن، ونطبق عليها تلك الأسس المتقدمة تاركين الحرية التامة للقارئ سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم في الحكم على ما سوف تسفر عنه المقارنة، أنحن على صواب في نفي الاقتباس عن القرآن أم لا؟ . والمسألة بعد ذلك ليست مسألة اختلاف في الرأي يصبح فيها كل فريق موصوفًا بالسلامة، وأنه على الحق أو شعبة من حق. وإنما المسألة مسألة مصير أبدي، من ورائه عقيدة صحيحة توجب النجاة لصاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، أو عقيدة فاسدة تُحل قومها دار البوار، يوم يقدم الله إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباءًا منثورًا. (١) الوجه الثالث: حقيقة التشابه بين القرآن من جهة وبين التوراة والإنجيل: إذا كان هناك تشابه بين القرآن والتوراة والإنجيل فهذا أمر طبيعي؛ لأن المصدر واحد وهو الوحي، أما التناقض فيرجع إلى تحريف اليهود والنصارى للوحي المنزل على موسى وعيسى ﵉. إنما يُوجد تشابه بين القرآن والتوراة والإنجيل في أمور كثيرة، مع هيمنة القرآن عليهما هيمنة كاملة شاملة مقرونة بالإعجاز والتحدي. وهذا التشابه سببه وِحدة المصدر الإلهي؛ فبما أن الله تعالى هو منزل كل الكتب السماوية، والدين عنده واحد هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فمن البديهي والطبيعي، ومن الضروري أيضًا أن يُوجد تشابه بين كل الكتب السماوية. (٢) الوجه الرابع: حقيقة النصرانية عند العرب، ولماذا لم يتأثروا بها كما تأثروا بالإسلام ؟

стр. 2382

إن العرب ما عرفوا من النصرانية إلا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فلو تأثر الإسلام بما عليه دين النصارى من الباطل، لشعُر العرب أن الإسلام لم يأتِ بجديد، وكان جديرًا لهم أن يتبعوا النصرانية بدلًا عن الإسلام. إن الهجرة إلى الحبشة ما جعلت هناك دواعي لتأثر الإسلام بالنصرانية؟ فإنه لم تكن الحبشة النصرانية قادرة في تلك المرحلة على أن تعطي شيئًا للإسلام أو لغير الإسلام؟ بل لم تكن النصرانية عمومًا في الحبشة وغيرها قادرة على أن تعطي الإنسانية شيئًا؟ وقد كان عمر ﵁ يُقَالُ له القبيلة الفلانية اعتنقت النصرانية في الجاهلية والقبيلة الفلانية اعتنقت النصرانية فيقول رضوان الله عليه بسخرية ذات معنى عميق يقول: (إن العرب ما عرفوا من النصرانية إلا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير) (١)؛ وعمر ﵁ كان يتحدث عن العرب ولا يجهل أن النصرانية عمومًا بين العرب وغير العرب ما عرفت في تلك الأيام إلا شرب الخمر وأكل الخنزير والاعتداء على المحرمات، هذا واقع يشهد به تاريخ الحبشة في ذلك الزمان. (٢) الوجه الخامس: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية يبين هيمنة القرآن على غيره، وضعف القول بأن اليهودية والنصرانية هما اللتان أثرتا في القرآن . قال د. عبد الراضي محمد عبد المحسن: لعل هذا الوجه من أبرز دلائل تهافت المزاعم التنصيرية حول تلفيق القرآن من اليهودية والنصرانية؛ لأن واقع الأمر وحقيقة الحال أن اتجاه التأثير كان عكسيًّا، من اللاحق إلى السابق، وليس من السابق إلى اللاحق، وهذا الاتجاه التأثيري العكسي وإن كان على غير المألوف إلا أن له ما يسوغه، حيث جاءت اليهودية والنصرانية دعوة مرحلية لجماعات قبلية محدودة من البشر، فلمّا أرادت تجاوز طبيعتها وأهداف رسالتها احتاجت إلى عناصر تمكنها من ملاءمة الدائرة الزمانية والمكانية والثقافية الجديدة التي أرادتها لنفسها، ولمّا كانت تفتقد إلى تلك العناصر التي لم تتوفر إلا

стр. 2383

للإسلام بحكم طبيعة رسالته العالمية الخاتمة، فإن اليهودية والنصرانية تلمّستا تلك العناصر في الإسلام واقتبستها منه. حتى إننا لا ندري إلى أيّ مدًى يمكن أن تكون ثورات الفكر المسيحي منذ الحركة الألبية حتى حركة الإصلاح البروتستانتي محسوبة كنتائج مباشرة أو غير مباشرة لمفهوم العقيدة في القرآن. (١) يقول قاموس "برتلس مان" لديانات العالم: "لقد أثَّر الإسلام تأثيرًا عظيمًا في العقيدة المسيحية والفلسفة، وقاد على سبيل المثال إلى نقاش جديد حول عبادة الصور وتقديسها في المسيحية". (٢) الوجه السادس: تأثير الإسلام لم يكن قاصرًا على العقيدة في المسيحية فحسب، بل يمتد إلى الشريعة والكتب المقدسة، كذلك فإن تأثير الإسلام تناول اليهودية إلى جانب المسيحية . وذلك في عدد من الجوانب يمكن إجمالها فيما يلي: ١ - المبادئ الثلاثة عشر التي جعلها موسى بن ميمون أساس الدين اليهودي وأركان الإيمان فيه، فصاغها على غرار أصول الإيمان في الإسلام، وأدرج فيها بعض أصول الإيمان الإسلامية مما لم يكن معروفًا في اليهودية من قبل أو مدرجًا في العهد القديم، كالاعتقاد بأن الله عالم، وبالثواب والعقاب في الآخرة، والاعتقاد في بعث الموتى. (٣) وقد أقر ابن كمونة بعدم ذكر الثواب والعقاب الأخروي في التوراة وراح يعتذر عن ذلك ويحاول تسويغه. (٤) وهذا يؤكد اقتباس ابن ميمون هذه الأصول من الإسلام.

стр. 2384

٢ - تحديد مفهوم النبوة والمعجزة لأول مرة في اليهودية، والذي جاء إما متأثرًا بنظرية الفلاسفة المشائين كالفارابي وابن سينا، وإما متابعًا لجمهور علماء الإسلام في استدلالهم على هذه المعتقدات بالنصوص القرآنية. (١) ٣ - نقد التوراة، يقول "واكسمان" صاحب كتاب "الأدب اليهودي": "في القرن الحادي عشر دخلت الفلسفة اليهودية مرحلة جديدة متأثرة بالمؤلفات الفلسفية الإسلامية والأفكار الإسلامية، وكان من أثر هذا أن بدأ الشك في التلمود، وبدأت تظهر أفكار حرة، ولم يقتصر الهجوم والنقد الذي قام به القراءون والطوائف المتصلة بهم على التلمود، بل شمل الكتاب المقدس أعظم إنتاج عقلي في الدين اليهودي". (٢) ٤ - إقرار المسيحية بالوظيفة النبوية للمسيح الأرضي عيسى ﵇ والتي لم تجد لها مكانًا في وثائق الكنيسة إلا في قرار مجمع الفاتيكان الثاني عام ١٩٦٥ م. (٣) ٥ - دعوة البروتستانت إلى حرية قراءة الكتاب المقدس ورفض احتكار الكنيسة تفسيره والتي فتحت الباب أمام حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب، تلك الحركة المنهجية التي تدين بالفضل لعلماء الإسلام كابن حزم والقرطبي وابن تيمية وابن القيم، وغيرهم. ٦ - تحريم البروتستانت لعبادة الأيقونات، ومنع وضعها في الكنائس؛ لأنها عمل وثني. الوجه السابع: تأثر الشرائع النصرانية بالعقيدة الوثنية، وأن هناك ألفاظ ذُكرت في الكتاب المقدس مأخوذة من ديانات أخرى، والإسلام جاء ليقضي على العقيدة الوثنية، فكيف يأخذ الإسلام الشرائع النصرانية بما فيها من وثنية؟ (٤) الوجه الثامن: اختلافات ما بين القرآن وعقيدة جميع الطوائف النصرانية واليهودية القديمة والحديثة:

стр. 2385

وثَّمَّ شبهة تقول بأن الإسلام لم يأخذ عقيدته من الكنيسة الكاثوليكية ولا الأرثوذوكسية ولكنه أخذها من الأبيونية وممن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله، وأن القرآن انتقد الطوائف الأخرى إلا هذه الطائفة التي أخذ منها عقيدته: وهذا تم الرد عليه بالتفصيل في شبهة أن ورقة بن نوفل كان أبيونيًا، وأن محمدًا ﷺ أخذ منه هذه العقيدة، وبيَّنا أن هناك اختلافات كبيرة بين الأبيونية ومن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى. (١) الوجه التاسع: دلائل تهافت الدعوى بأن القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل . (٢) لن يجدي في رد هذه الشبهة سوى منهج نقد النصوص المقارن لإبراز جوانب التباين بين مرويات القصص القرآني ومنهجها، وبين القصص التوارتي والإنجيل. وبواسطة هذا المنهج أمكن الوقوف على أربعة دلائل تتهافت معها دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، وهى: الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل. يختلف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل من عدة جوانب منها: ١ - مصدر القصص، حيث إن الذي يقصُّ في القرآن هو الله ﵎، فهو المتكلم بالكلمة القرآنية، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. ويقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. أما في التوراة والإنجيل فالله تعالى متحدَّث عنه بطريق الحكاية لتعريف الناس به. (٣)
следующие страницы →