← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أما إذا كان الواقع هو الاحتمال الثاني فدعوى الاقتباس باطلة ويكون للقرآن في هذه الحالة سلطانه الخاص به في استقاء الحقائق، وعرضها فلا اقتباس لا من توراة ولا من إنجيل ولا من غيرهما. لا أظن أن القارئ يختلف معنا في هذه الأسس التي قدمناها لصحة الاتهام بالاقتباس عمومًا. وما علينا بعد ذلك إلا أن نستعرض بعض صور التشابه بين التوراة والقرآن، ونطبق عليها تلك الأسس المتقدمة تاركين الحرية التامة للقارئ سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم في الحكم على ما سوف تسفر عنه المقارنة، أنحن على صواب في نفي الاقتباس عن القرآن أم لا؟ . والمسألة بعد ذلك ليست مسألة اختلاف في الرأي يصبح فيها كل فريق موصوفًا بالسلامة، وأنه على الحق أو شعبة من حق. وإنما المسألة مسألة مصير أبدي، من ورائه عقيدة صحيحة توجب النجاة لصاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، أو عقيدة فاسدة تُحل قومها دار البوار، يوم يقدم الله إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباءًا منثورًا. (١) الوجه الثالث: حقيقة التشابه بين القرآن من جهة وبين التوراة والإنجيل: إذا كان هناك تشابه بين القرآن والتوراة والإنجيل فهذا أمر طبيعي؛ لأن المصدر واحد وهو الوحي، أما التناقض فيرجع إلى تحريف اليهود والنصارى للوحي المنزل على موسى وعيسى ﵉. إنما يُوجد تشابه بين القرآن والتوراة والإنجيل في أمور كثيرة، مع هيمنة القرآن عليهما هيمنة كاملة شاملة مقرونة بالإعجاز والتحدي. وهذا التشابه سببه وِحدة المصدر الإلهي؛ فبما أن الله تعالى هو منزل كل الكتب السماوية، والدين عنده واحد هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فمن البديهي والطبيعي، ومن الضروري أيضًا أن يُوجد تشابه بين كل الكتب السماوية. (٢) الوجه الرابع: حقيقة النصرانية عند العرب، ولماذا لم يتأثروا بها كما تأثروا بالإسلام ؟

стр. 2382

إن العرب ما عرفوا من النصرانية إلا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فلو تأثر الإسلام بما عليه دين النصارى من الباطل، لشعُر العرب أن الإسلام لم يأتِ بجديد، وكان جديرًا لهم أن يتبعوا النصرانية بدلًا عن الإسلام. إن الهجرة إلى الحبشة ما جعلت هناك دواعي لتأثر الإسلام بالنصرانية؟ فإنه لم تكن الحبشة النصرانية قادرة في تلك المرحلة على أن تعطي شيئًا للإسلام أو لغير الإسلام؟ بل لم تكن النصرانية عمومًا في الحبشة وغيرها قادرة على أن تعطي الإنسانية شيئًا؟ وقد كان عمر ﵁ يُقَالُ له القبيلة الفلانية اعتنقت النصرانية في الجاهلية والقبيلة الفلانية اعتنقت النصرانية فيقول رضوان الله عليه بسخرية ذات معنى عميق يقول: (إن العرب ما عرفوا من النصرانية إلا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير) (١)؛ وعمر ﵁ كان يتحدث عن العرب ولا يجهل أن النصرانية عمومًا بين العرب وغير العرب ما عرفت في تلك الأيام إلا شرب الخمر وأكل الخنزير والاعتداء على المحرمات، هذا واقع يشهد به تاريخ الحبشة في ذلك الزمان. (٢) الوجه الخامس: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية يبين هيمنة القرآن على غيره، وضعف القول بأن اليهودية والنصرانية هما اللتان أثرتا في القرآن . قال د. عبد الراضي محمد عبد المحسن: لعل هذا الوجه من أبرز دلائل تهافت المزاعم التنصيرية حول تلفيق القرآن من اليهودية والنصرانية؛ لأن واقع الأمر وحقيقة الحال أن اتجاه التأثير كان عكسيًّا، من اللاحق إلى السابق، وليس من السابق إلى اللاحق، وهذا الاتجاه التأثيري العكسي وإن كان على غير المألوف إلا أن له ما يسوغه، حيث جاءت اليهودية والنصرانية دعوة مرحلية لجماعات قبلية محدودة من البشر، فلمّا أرادت تجاوز طبيعتها وأهداف رسالتها احتاجت إلى عناصر تمكنها من ملاءمة الدائرة الزمانية والمكانية والثقافية الجديدة التي أرادتها لنفسها، ولمّا كانت تفتقد إلى تلك العناصر التي لم تتوفر إلا

стр. 2383

للإسلام بحكم طبيعة رسالته العالمية الخاتمة، فإن اليهودية والنصرانية تلمّستا تلك العناصر في الإسلام واقتبستها منه. حتى إننا لا ندري إلى أيّ مدًى يمكن أن تكون ثورات الفكر المسيحي منذ الحركة الألبية حتى حركة الإصلاح البروتستانتي محسوبة كنتائج مباشرة أو غير مباشرة لمفهوم العقيدة في القرآن. (١) يقول قاموس "برتلس مان" لديانات العالم: "لقد أثَّر الإسلام تأثيرًا عظيمًا في العقيدة المسيحية والفلسفة، وقاد على سبيل المثال إلى نقاش جديد حول عبادة الصور وتقديسها في المسيحية". (٢) الوجه السادس: تأثير الإسلام لم يكن قاصرًا على العقيدة في المسيحية فحسب، بل يمتد إلى الشريعة والكتب المقدسة، كذلك فإن تأثير الإسلام تناول اليهودية إلى جانب المسيحية . وذلك في عدد من الجوانب يمكن إجمالها فيما يلي: ١ - المبادئ الثلاثة عشر التي جعلها موسى بن ميمون أساس الدين اليهودي وأركان الإيمان فيه، فصاغها على غرار أصول الإيمان في الإسلام، وأدرج فيها بعض أصول الإيمان الإسلامية مما لم يكن معروفًا في اليهودية من قبل أو مدرجًا في العهد القديم، كالاعتقاد بأن الله عالم، وبالثواب والعقاب في الآخرة، والاعتقاد في بعث الموتى. (٣) وقد أقر ابن كمونة بعدم ذكر الثواب والعقاب الأخروي في التوراة وراح يعتذر عن ذلك ويحاول تسويغه. (٤) وهذا يؤكد اقتباس ابن ميمون هذه الأصول من الإسلام.

стр. 2384

٢ - تحديد مفهوم النبوة والمعجزة لأول مرة في اليهودية، والذي جاء إما متأثرًا بنظرية الفلاسفة المشائين كالفارابي وابن سينا، وإما متابعًا لجمهور علماء الإسلام في استدلالهم على هذه المعتقدات بالنصوص القرآنية. (١) ٣ - نقد التوراة، يقول "واكسمان" صاحب كتاب "الأدب اليهودي": "في القرن الحادي عشر دخلت الفلسفة اليهودية مرحلة جديدة متأثرة بالمؤلفات الفلسفية الإسلامية والأفكار الإسلامية، وكان من أثر هذا أن بدأ الشك في التلمود، وبدأت تظهر أفكار حرة، ولم يقتصر الهجوم والنقد الذي قام به القراءون والطوائف المتصلة بهم على التلمود، بل شمل الكتاب المقدس أعظم إنتاج عقلي في الدين اليهودي". (٢) ٤ - إقرار المسيحية بالوظيفة النبوية للمسيح الأرضي عيسى ﵇ والتي لم تجد لها مكانًا في وثائق الكنيسة إلا في قرار مجمع الفاتيكان الثاني عام ١٩٦٥ م. (٣) ٥ - دعوة البروتستانت إلى حرية قراءة الكتاب المقدس ورفض احتكار الكنيسة تفسيره والتي فتحت الباب أمام حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب، تلك الحركة المنهجية التي تدين بالفضل لعلماء الإسلام كابن حزم والقرطبي وابن تيمية وابن القيم، وغيرهم. ٦ - تحريم البروتستانت لعبادة الأيقونات، ومنع وضعها في الكنائس؛ لأنها عمل وثني. الوجه السابع: تأثر الشرائع النصرانية بالعقيدة الوثنية، وأن هناك ألفاظ ذُكرت في الكتاب المقدس مأخوذة من ديانات أخرى، والإسلام جاء ليقضي على العقيدة الوثنية، فكيف يأخذ الإسلام الشرائع النصرانية بما فيها من وثنية؟ (٤) الوجه الثامن: اختلافات ما بين القرآن وعقيدة جميع الطوائف النصرانية واليهودية القديمة والحديثة:

стр. 2385

وثَّمَّ شبهة تقول بأن الإسلام لم يأخذ عقيدته من الكنيسة الكاثوليكية ولا الأرثوذوكسية ولكنه أخذها من الأبيونية وممن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله، وأن القرآن انتقد الطوائف الأخرى إلا هذه الطائفة التي أخذ منها عقيدته: وهذا تم الرد عليه بالتفصيل في شبهة أن ورقة بن نوفل كان أبيونيًا، وأن محمدًا ﷺ أخذ منه هذه العقيدة، وبيَّنا أن هناك اختلافات كبيرة بين الأبيونية ومن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى. (١) الوجه التاسع: دلائل تهافت الدعوى بأن القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل . (٢) لن يجدي في رد هذه الشبهة سوى منهج نقد النصوص المقارن لإبراز جوانب التباين بين مرويات القصص القرآني ومنهجها، وبين القصص التوارتي والإنجيل. وبواسطة هذا المنهج أمكن الوقوف على أربعة دلائل تتهافت معها دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، وهى: الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل. يختلف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل من عدة جوانب منها: ١ - مصدر القصص، حيث إن الذي يقصُّ في القرآن هو الله ﵎، فهو المتكلم بالكلمة القرآنية، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. ويقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. أما في التوراة والإنجيل فالله تعالى متحدَّث عنه بطريق الحكاية لتعريف الناس به. (٣)

стр. 2386

٢ - الخيال القصصي، بينما يقوم الخيال القصصي في التوراة والإنجيل بأكبر الأدوار في صياغة وتأليف قصصهما، وهو ما كشفت عنه دراسات حديثة تعد مرجعيات في هذا الباب، مثل دراسة: جيمس فريزر عن الفلكلور في العهد القديم. (١) ودراسة: "زينون كاسيدوفسكي" عن الحقيقة والأسطورة في التوراة والتي لخّص فيها مكانة الخيال والخرافة في القصص التوراتي، بقوله: "تناقل اليهود تراثهم الديني من جيل إلى جيل، وساهم الطابع الفلكلوري لنقل الروايات الحقيقية بتطعيمها بكثرة من الخرافات والأساطير والأمثال والأقصوصات، جعلت من الصعب الآن التمييز بين الواقع والخرافة فيها". (٢) أما القرآن الكريم فلا يعرف الخيال القصصي طريقًا إلى مادة مروياته، حيث يلجأ القرآن في قصصه إلى الاحتكام لمعياره النقدي في الأخبار: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. فهو يطالب قارئ قصصه بتلمس دلائل واقعيتها وصدقها التاريخي في آثارها الماثلة للعيان: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧]. وقد وقف الأثريون على آثار القصص القرآني الشاهدة على الصدق التاريخي، مثل آثار سيل العرم الذي هدّم سد مأرب باليمن، فلا زالت آثار الجنتين الواقعتين عن يمين السد وشماله ماثلة حتى اليوم تؤكد صحة قصة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥]. وكذلك اكتشف علماء الآثار النقوش الثمودية في أرض تبوك ومدائن صالح وتيماء ولا زالت مزارًا سياحيًّا حتى اليوم. (٣)

стр. 2387

ولذلك يصف القرآن قصصه بأنه: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، لما توافر له من علم ومعاينة: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٧]، وما اتسم به من حقيقة وصدق: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. ٣ - التشخيص البياني، وهو التعبير بالصورة المحسوسة المتخيلة عن المعاني الذهنية والحالات الشعورية والمشاهدات والأحداث الحقيقية، وهذا النهج التشخيصي هو الأداة المفضلة في القصص القرآني. ٤ - التصريح والتلميح، في الوقت الذي يهتم القرآن بإبراز أدق التفاصيل النفسية والشعورية لأشخاص قصصه، فإنه يكتفي بذلك التشخيص معرضًا عن التصريح بالأسماء كما في قصة (العبد الصالح)، (الفتى) مع موسى، وكما في قصة ثمود ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: ١٢]، وكما في مؤمن آل فرعون. وقد يكون هذا التلميح إلى جانب ملاءمته للمنهج القصصي الذي يهتم بإبراز الحدث وقيمته ومغزاه لكونه الهدف من القصّ، فإنه يناسب طبيعة التشريع الإسلامي فيما يخصُّ أسماء النساء مثلا: امرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وكذلك زوجة إبراهيم هاجر وسارة، وأسماء زوجات النبي ﷺ ، والمجادِلة في زوجها (١). ٥ - التجريد الزماني والمكاني، حيث لا يحدد القرآن زمن الحدث أو مدته أو مكانه إلا ما كان محوريًّا في الحدث أو مسرحًا له كمصر في قصة يوسف، أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الإسراء والمعراج، أو مدة رسالة نوح، أو مدة لبث أهل الكهف في نومهم، أو المدة التي أماتها الله للمارّ على القرية الخاوية (٢). وترجع أسباب التجريد في الزمان والمكان في قصص القرآن إلى أمرين:

стр. 2388

أولهما: عناية القصة بالحدث وتقرير الحقائق الدائمة المستقلة عن الأشخاص، والتي يمكن الإفادة من حكمتها ومغزاها في كل زمان ومكان بما يتلاءم مع عالمية رسالة القرآن واستمرارها، فما الأشخاص في القصص القرآني والحال كذلك إلا أمثلة لتلك الحقائق المقصودة لذاتها. (١) الثاني: تحقيق الإيجاز غير المُخِلّ. (٢) ٦ - التنويع بين الإجمال والتفصيل، ففي مواضع: التحذير من العناد والتكذيب والإصرار على الباطل، والتخويف من مصائر المكذبين، يكون الإيجاز والفواصل القصيرة دون ذكر للأسماء أو للمحاورات (٣). فيورد القرآن - مثلًا - في تسع آيات من سورة الفجر ثلاث قصص لمكذبي الرسل تشمل أعمالهم وعقابهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ٦ - ١٤]. وهذا ما لا نظير له في التوراة أو الإنجيل. ٧ - عاقبة القصص، يأتي ختام القصة في القرآن بعكس ختام قصص التوراة والإنجيل حيث تختم القصة مع نهاية السفر أو الإصحاح، ففي قصة يوسف مثلًا يفترض أن تكون الخاتمة في لقاء يوسف بأبيه يعقوب الذي صوَّرته التوراة على النحو التالي: فَشَدَّ يُوسُفُ مَرْكَبَتَهُ وَصَعِدَ لاسْتِقْبَالِ إِسْرَائِيلَ أَبِيهِ إِلَى جَاسَانَ. وَلمَّا ظَهَرَ لَهُ وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا. ٣٠ فَقَالَ إِسْرَائِيلُ لِيُوسُفَ: "أَمُوتُ الآنَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ وَجْهَكَ أَنَّكَ حَيٌّ بَعْدُ" (سفر التكوين ٤٦: ٢٩ - ٣٠).

стр. 2389

وعلى الرغم من أن عبارة يعقوب لم تمس سبب العقدة الأصلية في القصة وهي رؤيا يوسف وتآمر إخوته عليه، فإن القاصّ في التوراة يكمل الأحداث بعد هذا اللقاء ليصف لقاء يعقوب بالفرعون، والمكان الذي أقطعه لبني إسرائيل، ومرض يعقوب وموته. أما ختام القصص في القرآن فيكون غالبًا في شكل عبرة، أو عظة، أو حكمة، أو تقرير موجز. (١) كما في قصة السامري مع العجل: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨]، وفي قصة أهل الكهف: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦]، وفي قصة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠]، وفي قصة مريم وابنها المسيح: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم: ٣٤، ٣٥]. الوجه العاشر: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل . تختلف أهداف القصة في التوراة والإنجيل عنها في القرآن، وذلك على النحو التالي: أ - أهداف القصة في التوراة والإنجيل. يمثل العهد القديم والجديد سجلا تاريخيًّا لحياة الشعب الإسرائيلي والنصراني، فهو كتاب تاريخ وتأريخ للاعتقاد والرؤساء والأنساب والتقاليد والنظم الاجتماعية والعلاقات الشخصية؛ لذلك جاءت عناوين الأسفار ملخّصة لمضمون تاريخها، مثل سفر التكوين الذي يؤرخ لبدء الخليقة، وسفر الخروج الذي يؤرخ لخروج اليهود من مصر،

стр. 2390

وسفر العدد الذي يحصي أعدادهم، وسفر اللاويين الذي يؤرخ لأحكام الكهنة من بني لاوي، وسفر التثنية الذي يعيد الأحكام والفروض والوصايا. ولما كان الهدف من الكتابين التأريخ جاءت القصص فيهما في إطار الهدف العام، فجاءت سردية تأريخية متنوعة ما بين التأريخ للأنساب كما في الإحصاءات التي يقوم بها العهد القديم لأعداد بني إسرائيل الداخلين إلى مصر والخارجين منها والداخلين إلى فلسطين والمهجّرين منها. . . . إلخ. وكذلك التأريخ لنسب المسيح كما في شجرتي النسب الشهيرتين لدى متى ولوقا في العهد الجديد. وما بين التأريخ للسير الذاتية والتيارات الأدبية، كما في خطابات بولس الشخصية لأصدقائه. تيموتاوس العهد الجديد، رسالة بولس الأولى إلى تيموتاوس، فيلمون، وكما في التأريخ لقصائد داود في المناسبات المختلفة. (١) وما بين القصص التأريخي للأحداث، مثل إنجيل لوقا الذي يصرح مؤلفه أن قصصه تأريخ لأحداث جرت بذكرها الألسنة. يقول لوقا (١/ ١ - ٥): ١ إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، ٢ كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، ٣ رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، ٤ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ. وفي سفر أعمال الرسل يخبر الكاتب أن قصصه تكملة لمشروع القصص التأريخي الذي بدأه في كتابه إلى ثاوفيلس وتوقف فيه عند رفع المسيح. (٢) وربما يكون هذا الهدف التأريخي أحد أهم أسباب مجيء القصص التوراتي والإنجيلي سرديًّا باردًا غير مؤثر وجدانيًّا في المتلقي أو مشوق له. ب - أهداف القصص القرآني:

стр. 2391

القصص القرآني ليس مسوقًا لذاته، بل لأجل غايات وأهداف كثيرة يمكن إدراكها بالتفكير والتأمل في القصص؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. ومن هذه الأهداف: ١ - الاستدلال على التوحيد، وهو من أهم أهداف القصص القرآني، كما في قصص إبراهيم مع قومه، ونوح مع قومه، وموسى مع فرعون. . . . إلخ. ٢ - تثبيت الرسول والمؤمنين على الحق الذي يدعون إليه رغم ما يلقونه من مشقة ويتكبدونه من تضحيات، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. ٣ - الحكم والفصل في مواضع الاختلاف والتضارب في قصص التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل: ٧٦]، ولعل هذا الهدف الذي حدده القرآن لقصصه أبلغ رد وأوقع دليل على تهافت دعوى الجدليات التنصيرية بأن القرآن تكرار للقصص في التوراة والإنجيل؛ لأنه يتضمن التفسير المقنع لمواضع التشابه بين القصص القرآني وقصص الكتب السابقة، فما جاءت به الكتب السابقة في مقام ادعاء المدعي، أما قصص القرآن فهو حقيقة الحدث الذي جرى يحكيه القاضي الفاصل في دعوى المدّعي، مبيِّنا به وجه الخطأ والصواب في مزاعم الادعاء ومقررًا الحقيقة التاريخية في الحدث لكل العالمين. ٤ - العظة والاعتبار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ويمكن القول: إن معظم قصص القرآن يُقصد به العظة والاعتبار من باب: إما قياس الطرد وإما قياس العكس، فما يحيق بالمشركين وبمخالفي الرسل هو جزاء كل من جاء بمثل فعلهم، أما من جاء بعكس فعلهم فله عكس جزائهم. ولذلك حينما يورد القرآن قصص الفساد الأخلاقي لدى الأمم السابقة، يقرن ذلك بما تلاه من جزاء ومصير ناله المفسدون، ويصدّر ذلك بطلب النظر والتأمل في التلازم بين

стр. 2392

الذنب والعقاب للاعتبار والتخويف. يقول تعالى عقب قصة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ [الأعراف: ٨٤]. ويعقّب القرآن على قصة ثمود بالترهيب من جزاء من يفعل السيئات مثلهم، وبالترغيب في ثواب من آمن واتقى من قوم صالح. قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥١ - ٥٣]. ٥ - الحجة والإقناع، وذلك بإيراد القصة المناسبة للموقف بما تتضمنه من حوار تبرز فيه دعاوى المخالفين القدامى ضد أنبيائهم، ثم تأتي ردود الأنبياء الإقناعية وكأنها ردود من النبي محمد ﷺ على قومه، أو ردود من كل داعية إلى الإسلام على مخالفيه في كل زمان ومكان، من ذلك مثلا الحوار الذي جرى بين نوح وقومه. قال تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ [هود: ٣١]. ٦ - إظهار قدرة الله المطلقة، وذلك في باب الخلق من عدم كقصة خلق آدم، أو الخلق من أم بلا أب كقصة مريم وابنها المسيح عيسى، أو إثبات القدرة على إحياء الموتى كقصة إبراهيم مع الطير، أو البعث والنشور كقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. الوجه الحادي عشر: القصص الذي انفرد به القرآن . يعد هذا الدليل من أبرز أدلة (نقد النص) وأهمها في بيان تهافت دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، بسبب كون المصدر المزعوم الإفادة منه يفتقد مادة المرويات القصصية ويجهل كل شيء عنها، وذلك في حالة القصص الكاملة التي انفرد بها القرآن، ويزيد الأمر قوة في الإثبات والإفحام عندما تتعلق المرويات ببعض التفاصيل الدقيقة التي أتى بها القرآن في القصص المتناظرة مما لم تذكره كتب العهدين.

стр. 2393

ومن القصص الذي انفرد به القرآن ما يلي: - أ - القصص الكاملة مثل قصص: صالح، هود، شعيب، الخضر، ذي القرنين. ب - تفاصيل دقيقة في القصص المتناظر انفرد بها القرآن أو خالف فيها كتب التوراة والإنجيل مثل: ١ - ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وامتناع إبليس عن هذا السجود. ٢ - ما ورد في القرآن الكريم من قصص الخليل ﵇ مع قومه وتحطيمه لأصنامهم ونظرته في النجوم، وحجاجه مع قومه، ومحاولتهم إحراقه في النار، وإسكانه بعض ذريته عند بيت الله الحرام، واشتراكه هو وابنه إسماعيل في رفع القواعد من البيت وبناء الكعبة. ٣ - ما قصه علينا القرآن الكريم من محاورة بين نوح وابنه الكافر، وعدم ركوب هذا في السفينة وغرقه، ومحاورة نوح مع الله في ذلك. ٤ - ما قصه علينا القرآن الكريم من تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف، وحديث النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن. ٥ - ما قصه القرآن الكريم عن خبرة سحرة فرعون والتقام العصا التي انقلبت حية لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم برب هارون وموسى، ومحاورتهم مع فرعون. ٦ - الشخص الثاني الذي أراد سيدنا موسى ﵇ أن يبطش به من عدوه، في حين أن العهد القديم يدعي أن هذا الشخص عبراني. ٧ - السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل في حين أن التوراة تذكر أنه هارون ﵇. ٨ - ما قصه القرآن الكريم عن الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ودافع عن موسى حين هموا بقتله، وذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى فنصح موسى بالخروج من أرض مصر. ٩ - القرآن الكريم يذكر أن بنات الشيخ المديني اثنتان، في حين أن التوراة تذكر أنهن سبع.

стр. 2394

١٠ - ما ورد في القرآن الكريم من محاورة بين فرعون وهامان لأجل بناء صرح ليطلع إلى إله موسى. ١١ - ما جاء في القرآن الكريم من خبر أمر موسى قومه بذبح بقرة ومحاورته معهم. ١٢ - أمر الله لقوم موسى بدخول الباب سجدًا ومخالفتهم لهذا الأمر. ١٣ - قصة أصحاب السبت ومسخهم قردة بعد أن اعتدوا فيه. ١٤ - ما قصه القرآن الكريم من تسخير الله الشجر والطير والحديد لداود ﵇. ١٥ - تسخير الجن والريح لسليمان ﵇. ١٦ - قصة الهدهد، وكتاب سليمان لملكة سبأ وإسلامها وإحضار عرشها بلمح البصر من قبل الذي عنده علم الكتاب. ١٧ - كلام عيسى ﵇ في المهد. ١٨ - صنع عيسى من الطين كهيئة الطير وصيرورته طيرًا بإذن الله. ١٩ - قصة المائدة (١). الوجه الثاني عشر: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل . لا شك أن المقابلة بين نصوص القصص القرآني ونصوص القصص في التوراة والإنجيل تُعَدُّ معيارًا موضوعيًّا في بيان تهافت مزاعم الجدليات التنصيرية بتكرار القصص القرآني لقصص العهد القديم والجديد، وذلك لما يكشف عنه هذا المنهج المقارن للنصوص من اختلافات وفوارق تفصيلية وجوهرية بين متون القصص في الكتب الثلاثة، مما يحسم بشكل جليّ وقاطع أمر الاقتباس والمتابعة، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية: قصة هابيل وقابيل ابني آدم، قصة الطوفان، قصة يوسف، بشارة زكريا ب "يحيى" (٢). الوجه الثالث عشر: العهد القديم لم يكن مترجما إلى اللغة العربية قبل الإسلام .

стр. 2395

وقد نص على ذلك المستشرقون أنفسهم، فهذا (جوتين) يقول عن صحائف اليهود (إن تلك الصحائف مكتوبة بلغة أجنبية) وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى عدم وجود ترجمة عربية لأسفار اليهود قبل الإسلام وأن أول ترجمة كانت في أوائل العصر العباسي، وكانت بأحرف عبرية (١). كيف إذن أخذ النبي ﷺ منها، لا بد على المستشرقين أن يفتروا كذبة جديدة، وهي أن النبي ﷺ درس لغة التوراة فكان يترجمها للقرآن؟ ! ! . (٢) الوجه الرابع عشر: لو كان محمد ﷺ ينقل كتابه من كتب غيره، لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده . ومن لطائف الاستدلال على أنه لم ينقل من غيره ما يذكره العلماء في فوائد أسباب النزول؛ إذ يذكرون أن من فوائد أسباب النزول أن دلالته على إعجاز القرآن، وأنه من الله تعالى من ناحية الارتجال، فنزوله بعد الحادثة مباشرة يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين، أو من كتب السابقين (٣)، فلو كان ينقل كتابه من كتب غيره، لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده، وينظر ماذا تقول في هذه المسألة ثم يجيب، ولكن النبي ﷺ لم يكن يفعل، بل يسأله الرجل فيعطيه الجواب الموافق للصواب، الذي لم يكن قرأه ولا عرفه إلا في هذه اللحظة التي نزل عليه فيها، وقد ذكرت في مبحث أدلة صدق النبي وقائع كثيرة تدل على هذا المعنى. الوجه الخامس عشر: التحدي أن يأتي بمثله: من أوضح الأدلة على رد دعوى النقل من غيره التحدي أن يأتي بمثله. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] (٤). الوجه السادس عشر: هذه الأصول المأخوذة من التوراة والإنجيل والكتب السابقة التي يزعمون أن محمدًا ﷺ قد نقل عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى

стр. 2396

الناس بشيء موجود؟ لو كان القرآن مأخوذًا من التوراة والإنجيل والكتب السابقة، لما استطاع محمد ﷺ أن يتحدى الناس ويقدم على هذا الخطأ الفادح؛ لأن هذه الأصول المنقول عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى الناس بشيء موجود، ألا يخشى أن يقوم بعض الناس بالرجوع إلى مراجعه والعمل مثل عمله، فينكشف؟ . ثم هذه الأساطير والمراجع ليست خاصة بمحمد ﷺ ، بل هي كتب متداولة بيد الجميع، فلماذا لا تحضرون لنا هذه الكتب التي نقل منها؟ . وعلى فرض تعلم النبي ﷺ من نصارى الشام ويهود المدينة وغيرهم، لا يتفق مع الحقيقة التاريخية التي تحدثنا عن الحيرة والتردد في موقف المشركين من رسول الله في محاولتهم لتفسير ظاهرة الرسالة؛ لأن مثل هذه العلاقة مع النصارى أو اليهود لا يمكن التستر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم، الذين عاصروه وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامة بما فيها من سفرات ورحلات (١). الوجه السابع عشر: القرآن لم يأت لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق . إن وجود بعض الشرائع في القرآن، التي تتفق مع ما في التوراة والإنجيل، أو حتى ما عند العرب ليس في هذا دليل على أنه مأخوذ منها، فالقرآن لم يأت لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق، فالصدق والشجاعة والكرم والحلم والرحمة والعزة كل هذه المعاني موجودة عند كفار مكة ومع هذا جاء الإسلام ولم يغير منها شيئا بل باركها وحث عليها، لذلك قال النبي ﷺ : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" (٢)، ولم يقل: لأنشئها؛ إذن ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل، أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله حتى يثبت صحة نفسه، فمن الطبيعي أن يقر القرآن بعض الشرائع، سواء في الكتب السابقة السماوية، أو في عادات الناس وأعرافهم، وأما الخطأ فإنه لا يقره، وقد نص القرآن على هذا المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ

стр. 2397

اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. الوجه الثامن عشر: الطعن في القرآن طعن في التوراة والإنجيل إن صح القول بالاقتباس . إذا كان القرآن مأخوذ من التوراة والإنجيل فلماذا هذا الطعن في كتاب مأخوذ منهما؟ ولماذا إذن هذه الحرب الشعواء عليه؟ أليس حقيقة هذا الأمر أنه طعن في الأصل المأخوذ منه؟ . أم أن هؤلاء الطاعنين علموا في قرارة أنفسهم أنه كتاب عظيم منزل من الله تعالى، وأنه ناسخ للشرائع السابقة؛ فهالهم هذا الأمر وحاولوا تنفير الناس منه بأي طريق، فأخذوا يتكلمون بأي كلام، لا لشيء إلا بغضا لهذا الكتاب، فجرفهم الحماس حتى قالوا كلاما طعنوا به في التوراة والإنجيل - التي يدينون بها - وهم لا يشعرون (١). لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد ذلك: يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر: (بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباسًا، بل قد أوحى إليه ربه، ولا ريب بذلك). ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابا مقدسا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه). (٢) الوجه التاسع عشر: مثال أخير فيما ذكره القرآن وما ذكرته التوراة والإنجيل عن عصمة الأنبياء، والبون الشاسع بينهما . فصفات الأنبياء في القرآن: أنهم معصومون، أما في الكتاب المقدس فلهم رذائل لم يتوبوا منها: نوح ﵇ في التوراة: فقد تحدثت التوراة عن سكر نوح وتعريه داخل خبائه فأبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما وسترا أباهما، فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير قال: "ملعون كنعان (ابن الجاني حام)، عبد العبيد يكون لإخوته. . . وليكن كنعان عبدًا لهم". فبدلًا من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مع الوالد حين سكره وعربدته، صب لعناته على كنعان ابن حام، كنعان الذي لعله لم يخلق بعد، فما ذنب هذا! بل وما ذنب أبيه الذي

стр. 2398

لم يكن ليستحق هذا كله؟ وماذا عن الأب الذي شرب الخمر. ما الذي يستحقه؟ ؟ لوط ﵇: وأما لوط ﵇ النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، كما في (التكوين ١٩: ٣٠ - ٣٧). ويذكر السفر تبريرًا لهذه الفاحشة أن الكبيرة منهما قالت لأختها: "أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. . . . نحيي من أبينا نسلًا" (التكوين ١٩: ٣١ - ٣٢) فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد. موسى وهارون ﵉: كما تسيء التوراة إلى موسى أعظم أنبياء بني إسرائيل، وتذكر كلمات لا يمكن أن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله، منها: "فقال موسى للرب: لماذا أسأت إلى عبدك؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟ ألعلي حبلت بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولدته. . فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا، إن وجدتُ نعمة في عينيك فلا أرى بليتي" (العدد ١١: ١٠ - ١٥)، فهل يتحدث عبد مع ربه بمثل هذا؟ . سليمان ﵇: وحين يذكر اليهود سليمان ﵇، يذكره كثير منهم، على أنه ملك أو ساحر، كما في جرأة اليهود على رسول الله ﷺ بقولهم (ألا تعجبون لمحمد يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا) كما في بعض نصوص التوراة (١). قال ابن تيمية: فإن كثيرًا من اليهود والنصارى يطعنون فيه منهم من يقول: كان ساحرًا وأنه سحر الجن بسحره، ومنهم من يقول سقط عن درجة النبوة فيجعلونه حكيمًا لا نبيًا. (٢) قال ابن كثير: وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان. (٣) وذمهم الله باتباعهم السحر ثم نسبته إلى نبي الله سليمان ﵇، واختلف هل المذموم اليهود

стр. 2399

الذين كانوا على عهد سليمان ﵇، أم المعاصرين لنبينا ﷺ ، والصواب أنه للجميع؛ "لأن المتبعة ما تلته الشياطين في عهد سليمان ﵇ وبعده إلى أن بعث الله نبيه ﷺ بالحق وأمر السحر لم يزل في اليهود. وكل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية." (١) قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فقد جعلته التوراة عابدًا لأصنام نسائه اللاتي بلغن ألفًا، كما بنى المعابد لعبادتها، فغضب عليه الرب وسخط، تقول التوراة: "وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلَاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. ٤ وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. ٥ فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. ٦ وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. ٧ حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ المُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. ٨ وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. ٩ فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، ١٠ وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبِعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. ١١ فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ." (الملوك (١) ١١: ٣ - ١١). (٢) * * *

стр. 2400

١٨ - شبهة: الناسخ والمنسوخ . نص الشبهة: اعترضوا على مسألة الناسخ والمنسوخ خاصةً في القرآن الكريم، وانقسموا إلى فريقين: قسم أنكره، وقسم أثبته، وكلٌ له غرضه: الأول: وَهم الذين أنكروه وهم يحاولون بزعمهم أن يثبتوا هذه الدعوى، ويقولون بأن النسخ في القرآن يتعارض مع بعض آياته مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، بزعمهم أن النسخ من الباطل، وأيضًا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. كيف يُحفظ مع أنه يقول في آية النسخ ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. ويقولون: أن النسخ يدل على إثبات البداء لله، وهو مستحيل عليه؛ لأنه يستلزم الجهل والعبث، وأن النسخ شيء استخدمه النبي ﷺ والصحابة للخروج من مأزق التناقض في القرآن، وغير ذلك من الافتراءات، ويزعمون بأن النسخ لا يوجد إلا في شريعة النبي ﷺ ، ولم يكن موجودًا قبل ذلك، وأن الكتاب المقدس لا يوجد فيه شيء من ذلك، ويحاولون أن يتمسكوا بهذه الأكاذيب التي نسبوها إلى أنبياء الله حيث يقولون: إن موسى- ﵇ أخبر أن شريعته لا تُنسخ حيث إنه قال لهم: "هذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض"، وأن عيسى ﵇ قال: "السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول"، وهم بذلك يريدون أن يثبتوا أن النسخ من مساوئ هذه الشريعة، وهو يدل على عدم حفظ القرآن. الثاني: وهم الذين أثبتوه، وكان لهم غرض آخر، فقد أثبتوا النسخ في القرآن، واتخذوا ذلك ذريعة للقول بالبداء على الله تعالى، ووصفوه بالجهل والعبث في أحكامه تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: مقدمة حول الناسخ والمنسوخ.

стр. 2401

وهي تشتمل على هذه المباحث: المبحث الأول: تعريف النسخ . المبحث الثاني: أدلة وقوع النسخ. المبحث الثالث: أهمية علم الناسخ والمنسوخ. المبحث الرابع: الحكمة من النسخ. المبحث الخامس: شروط النسخ. المبحث السادس: معرفة تقدم الناسخ والمنسوخ. المبحث السابع: الأشياء التي يدخلها النسخ والتي لا يدخلها. المبحث الثامن: أنواع النسخ في القرآن. المبحث التاسع: أنواع الناسخ. المبحث العاشر: النسخ بالإجماع والقياس. المبحث الحادي عشر: الفرق بين النسخ والبداء. الوجه الثاني: الرد على الشبهات المتعلقة بالناسخ والمنسوخ. الوجه الثالث: الناسخ والمنسخ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: مقدمة حول الناسخ والمنسوخ تشتمل هذه المقدمة على بعض المباحث المتعلقة بالناسخ والمنسوخ وهي: المبحث الأول: تعريف النسخ: أولًا: تعريف النسخ لغة نسخ الشيءَ ينسَخُه نَسْخًا وانتسَخَه واستنسَخَه: اكتتبه عن معارضه. التهذيب: النَّسْخ اكتتابك كتابًا عن كتاب حرفًا بحرف. والنَّسْخ إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه. وفي التنزيل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ والآية الثانية ناسخة والأُولى منسوخة.

стр. 2402

قال ابن الأعرابي: النسخ تبديل الشيء من الشيء وهو غيره، ونَسْخ الآية بالآية: إِزالة مثل حكمها، والنسخ نقل الشيء من مكان إِلى مكان وهو هو، . . .، الفرّاء وأَبو سعيد: مَسَخه الله قردًا ونسخه قردًا بمعنى واحد. ونسخ الشيء بالشيء ينسَخه وانتسخه أَزاله به وأَداله، والشيء ينسخ الشيء نَسْخًا أَي يزيله ويكون مكانه (١). قال الليث: النسْخ أَن تزايل أَمرًا كان من قبلُ يُعْمَل به ثم تنسخه بحادث غيره. قال الفرّاء: النسخ أَن تعمل بالآية ثم تنزل آية أُخرى فتعمل بها وتترك الأُولى (٢). وعلى هذا فيطلق في اللغة على معنيين: المعنى الأول: إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، فتارة يفهم منه الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ والعرب تقول نسخت الشمس الظل: أي أذهبت الظل وحلت محله. المعنى الثاني: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو، وفي التنزيل قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والنسخ اكتتاب كتاب عن كتاب حرفًا بحرف والأصل نسخة والمكتوب عنه نسخة؛ لأنه قام مقامه. (٣) ثانيًا: تعريف النسخ شرعًا: أولًا: تعريف النسخ في اصطلاح المتقدمين . لم يكن النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم - على وجه التقريب - مميزًا عن غيره من أساليب البيان، فقد كانوا يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل المجمل، وإيضاح المبهم، ونحو ذلك كما كانوا يطلقونه على النسخ بمعناه المعروف عند الأصوليين، بعد تحديد المصطلحات العلمية، ولقد سجل العلماء ذلك:

стр. 2403

قال ابن تيمية: والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر تُرك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق. (١) وقال أيضًا: إن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك. (٢) قال ابن القيم: ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة؛ إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ؛ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. (٣) قال الشاطبي: وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به. وهذا المعنى جار في تقييد المطلق؛ فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه؛ بل المعمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ

стр. 2404

إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد. (١) ثانيًا: تعريف النسخ في اصطلاح الأصوليين اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف النسخ، (٢) ومن أهمها: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (متراخ) عنه. (٣) قال الزرقاني: وإني أوجه نظرك في هذا التعريف إلى نقاط أربع: أولاها: أن التعبير برفع الحكم يفيد أن النسخ لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين: أحدهما: أن يكون هذا الدليل الشرعي متراخيًا عن دليل ذلك الحكم الشرعي المرفوع، والآخر: أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معًا، أما إذا انتفى الأمر الأول ولم يكن ذلك الدليل الشرعي متراخيًا عن دليل الحكم الأول فلا نسخ وذلك كقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن الغاية المذكورة وهي قوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ تفيد انتهاء حكم الصوم وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل، ولكن لا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم إنها نسخ وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول، وهو قوله ثم أتموا الصيام بل تعتبر الغاية المذكورة بيانًا أو إتمامًا لمعنى الكلام وتقديرًا له بمدة أو شرط فلا يكون رافعًا، وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثاني بعد أن ورد الحكم مطلقًا واستقر من غير تقييد بحيث يدوم لولا الناسخ ولهذا زاد بعضهم تقييد الدليل الشرعي في تعريف الناسخ بالتراخي وزاد بعضهم كلمة

стр. 2405

على وجهٍ لولاه لكان الحكم الأول ثابتًا، وقد علمت من هذا الذي ذكرناه أنه لا حاجة إلى هاتين الزيادتين بل هما تصريح بما علم من التعبير في التعريف بكلمة رفع. وأما إذا انتفى الأمر الثاني بأن لم يكن بين الدليلين تعارض حقيقي فإنه لا نسخ؛ لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقي، دفعًا للتناقض في تشريع الحكيم العليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحيث لا تعارض هناك على الحقيقة فلا حاجة إلى النسخ؛ لأنه لا تناقض. ولا ريب أن إعمال الدليلين ولو بنوع تأويل خير من إعمال دليل وإهدار آخر. ثانيتها: أن التعريف المذكور يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر، وتقسيمهم النسخ إلى نسخ تلاوة ونسخ حكم تقسيم صوري للإيضاح فحسب؛ لأن ما أسموه نسخ تلاوة لم يخرج عن كونه نسخ حكم إذ إن نسخ تلاوة الآية لا معنى له في الحقيقة إلا نسخ حكم من أحكامها، وهو رفع الإثابة على مجرد ترتيلها وصحة الصلاة بها ونحوهما. ثالثتها: أن هذا التعريف يشمل النسخ الواقع في الكتاب وفي السنة جميعًا، سواء أكانت السنة قولية أم فعلية أو وصفية أم تقريرية، وسواء منها ما كان نبويًا وما كان قدسيًا؛ لأنها كلها وحي بالفعل أو بالقوة، والرسول أقامه الله في محراب الإمامة لخلقه، وجعله الأسوة الحسنة لعباده، وأمر الجميع باتباعه، فهو إذن لا يمكن أن يصدر فيما يشرع لأمته ابتداء أو نسخًا إلا عن إيحاء الله إليه تصريحًا أو تقريرًا. رابعتها: أن الإضافة في كلمة رفع الحكم الشرعي الواردة في تعريف النسخ من قبيل إضافة المصدر لمفعوله والفاعل مضمر وهو الله تعالى وذلك يرشد إلى أن الناسخ في الحقيقة هو الله كما يدل عليه قوله سبحانه ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ويرشد أيضًا إلى أن المنسوخ في الحقيقة هو الحكم المرتفع، وقد يطلق الناسخ على الحكم الرافع، فيقال: وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء. وقد يطلق النسخ على دليله

стр. 2406

كذلك، فيقال: آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين، ويقال: خبر أكل الرسول من الشاة ولم يتوضأ ناسخ لخبر وضوئه مما مست النار وهلم جرا، والخطب في ذلك جد يسير. ما لا بد منه في النسخ: ولعلك تدرك مما سبق أنه لا بد في تحقق النسخ من أمور أربعة: أولها: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا. ثانيها: أن يكون دليل رفع الحكم دليلًا شرعيًا. ثالثها: أن يكون هذا الدليل الرافع متراخيًا عن دليل الحكم الأول غير متصل به كاتصال القيد بالمقيد والتأقيت بالمؤقت. رابعها: أن يكون بين ذينك الدليلين تعارض حقيقي. (١) المبحث الثاني: أدلة وقوع النسخ: أولًا: الدليل من القرآن الدليل الأول: قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]. ووجه الدلالة: أن الله تعالى بين أنه سبحانه إذا نسخ آية أورد مكانها آية أخرى، وكلام الله صدق. الدليل الثاني: قال تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل: ١٠١]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكمًا آخر، والله أعلم بما ينزل يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغير من أحكامه، قالوا: إنما أنت مفتر يقول: قال المشركون بالله، المكذبون لرسوله ﷺ لرسوله: إنما أنت يا محمد مفتر: أي مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله، يقول الله تعالى بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفتر جهال، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته (٢).

стр. 2407

قال الرازي: والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم، فكيف كان فهو رفع ونسخ (١). الدليل الثالث: قال تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. قال السعدي: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه؛ فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ. (٢) الدليل الرابع: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]، ووجه الدلالة فيها أنها تفيد تحريم ما أحل من قبل وما ذلك إلا نسخ، وكلمة ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يفهم منها أن الحكم الأول كان حكمًا شرعيًا لا براءة أصلية (٣).

стр. 2408

الدليل الخامس: الآيات الواردة في القرآن الكريم الدالة على وقوعه ومن هذه الآيات: ١ - نسخ وجوب التربص حولًا كاملًا عن المتوفي عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشرًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ٢ - نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]. نسخت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]، والأمثلة في ذلك كثيرة. ثانيًا: الدليل من السنة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ أَقْرَؤُنَا أُبَىٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِىٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَىٍّ، وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١). قال ابن حجر: قوله: (وقد قال الله تعالى. . الخ)، هو مقول عمر محتجًا به على أبي بن كعب ومشيرًا إلى أنه ربما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ، واحتج عمر لجواز وقوع ذلك بهذه الآية. وقال: واستُدل بالآية المذكورة على وقوع النسخ خلافًا لمن شذ فمنعه (٢). ثالثًا: الدليل من الإجماع: أجمع المسلمون على جواز النسخ. (٣)

стр. 2409

قال ابن النجار: ويَجُوزُ النَّسْخُ عَقْلًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ. (١) قال الآمدي: وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا، وعلى وقوعه شرعًا. (٢) قال ابن الجوزي: اتفق جمهور علماء الأمم على جواز النسخ عقلًا وشرعًا. وقال أيضًا: انعقد إجماع العلماء على هذا (إثبات أن في القرآن منسوخًا) إلا أنه قد شذ من لا يُلتفت إليه، فحكى أبو جعفر النحاس أن قومًا قالوا: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ، وهؤلاء قوم لا يُقرون؛ لأنهم خالفوا نص الكتاب وإجماع الأمة. (٣) قال ابن كثير: والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحِكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. (٤) قال الشوكاني: النسخ جائز عقلًا، واقع سمعًا بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يُروى عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال: إنه جائز غير واقع، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة؛ فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية. (٥) هذا وقد نقل كثير من أهل العلم الإجماع على ذلك. (٦) رابعًا: أدلة وقوعه عقلًا:

стр. 2410

الدليل الأول: الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء، وأيضًا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة؛ فلا يكون النسخ ممتنعًا. قال الآمدي: والدليل على الجواز العقلي؛ العقل والسمع. أما العقل؛ فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى؛ فإن كان الأول، فلا يمتنع عليه تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد؛ وإن كان الثاني، فمع بطلانه على ما عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الأمر بالفعل في وقتٍ معين للمصلحة، واستلزام النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإنّ المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف، ومصلحة الآخر في نقيضه؛ فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان، حتى أن مصلحة بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الأحوال. وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه عنه في زمن آخر لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة. ولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات والحج والصيام، ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك. ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعًا (١). الدليل الثاني:

стр. 2411

وهو دليل إلزامي للمنكرين أن النسخ لو لم يكن جائزًا عقلًا وواقعًا سمعًا، لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته لكنهم يجوزون هذا عقلا ويقولون بوقوعه سمعا؛ فليجوزوا هذا؛ لأنه لا معنى للنسخ إلا انتهاء الحكم الأول لميقات معلوم عند الله بيد أنه لم يكن معلوما لنا من قبل ثم أعلمنا الله إياه بالنسخ وهذا ليس بفارق مؤثر. فقول الشارع مثلًا أول يوم من رمضان صوموا إلى نهاية هذا الشهر مساوٍ لأن يقول أول يوم من رمضان صوموا من غير تقييد بغاية حتى إذا ما انتهى شهر رمضان قال: أول يوم من شوال أفطروا، وهذا الأخير نسخ لا ريب فيه وقد جوز منكروه المثال الأول فليجوزوا هذا المثال الثاني؛ لأنه مساويه والمتساويات يجب أن يتحد حكمهما إلا لما كانا متساويين (١). الدليل الثالث: أن الدلالة القاطعة دلت على نبوة محمد ﷺ ، ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله فوجب القطع بالنسخ. قال الزرقاني: إن النسخ لو لم يكن جائزًا عقلًا وواقعًا سمعًا لما ثبتت رسالة سيدنا محمد ﷺ إلى الناس كافة، لكن رسالته العامة للناس ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي يطول شرحها؛ إذن فالشرائع السابقة ليست باقية؛ بل هي منسوخة بهذه الشريعة الختامية، وإذن فالنسخ جائز وواقع. أما ملازمة هذا الدليل فنبرهن عليها بأن نسخه لو لم يكن جائزًا وواقعًا؛ لكانت الشرائع الأولى باقية، ولو كانت باقية ما ثبتت رسالته إلى الناس كافة (٢). الدليل الرابع: أنه لا يمتنع عقلًا أن يأمر الله بالشيء ثم ينسخ، سواء نسخ قبل الفعل، أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثال الأمر قبل أن ينسخ: فإنه يثاب (٣).

стр. 2412

قال ابن حزم: إن النفس إذا مرنت على أمر ألفته، فإذا نقلت عنه إلى غيره شق عليها لمكان الاعتياد المألوف، فظهر منها بإذعان الانقياد لطاعة الأمر (١). الدليل الخامس: أنه إذا جاز أن يخلق الله - تعالى - خلقا على صفة، ثم ينقله إلى صفة أخرى: مثل أن يخلقه طفلًا، ثم ينقله إلى الشباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الموت من غير اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحًا في شرع ولا عقل، فوجب أن يجوز - هنا - أن يكلف الله خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها. (٢) المبحث الثالث: أهمية علم الناسخ والمنسوخ . قال ابن حزم: ثم اعلم أن هذا الفن من العلم من تتمات الاجتهاد؛ إذ الركن الأعظم في باب الاجتهاد معرفة النقل، ومن فوائد النقل معرفة الناسخ والمنسوخ؛ إذ الخطب في ظواهر الأخبار يسير، وتحمل كلفها غير عسير؛ وإنما الإشكال في كيفية استنباط الأحكام من خفايا النصوص، ومن التحقيق فيها معرفة أول الأمرين وآخرهما إلى غير ذلك من المعاني. (٣) قال القرطبي: معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. (٤) وقد جمع الزرقاني فوائد علم الناسخ والمنسوخ، فقال ﵀: لهذا المبحث أهمية خاصة وذلك من وجوه خمسة: أولها: أنه طويل الذيل، كثير التفاريع، متشعب المسالك. ثانيها: أنه تناول مسائل دقيقة كانت مثارًا لخلاف الباحثين من الأصوليين الأمر الذي يدعو إلى اليقظة والتدقيق، وإلى حسن الاختيار مع الإنصاف والتوفيق.

стр. 2413

ثالثها: أن أعداء الإسلام من ملاحدة ومبشرين ومستشرقين قد اتخذوا من النسخ في الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة، طعنوا بها في صدر الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن الكريم، ولقد أحكموا شراك شبهاتهم، واجتهدوا في ترويج مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم والدين من المسلمين؛ فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع، وأمعنوا في هذا الجحود الذي ركبوا له أخشن المراكب من تمحلات ساقطة وتأويلات غير سائغة. رابعها: أن الإلمام بالناسخ والمنسوخ بكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويُطلع الإنسان على حكمة الله في تربيته للخلق، وسياسته للبشر، وابتلائه للناس مما يدل دلالة واضحة على أن نفس محمد النبي الأمي لا يمكن أن تكون المصدر لمثل هذا القرآن، ولا المنبع لمثل هذا التشريع إنما هو تنزيل من حكيم حميد. خامسها: أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام خصوصًا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها، وناسخها من منسوخها؛ ولهذا كان سلفنا الصالح يعنون بهذه الناحية يحذقونها ويلفتون أنظار الناس إليها ويحملونهم عليها (١). ولهذا فقد حذر السلف من تفسير القرآن إلا بعد معرفة الناسخ والمنسوخ. قال ابن حزم: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله - عزوجل - يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ؛ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل.

стр. 2414

ومن استجاز خلاف ما قلنا؛ فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها؛ لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى، وحديث آخر، فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الإسلام. وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه (١). قال الزركشي: قال الأئمة ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ (٢). المبحث الرابع: الحكمة من النسخ . أولًا: حكمة نسخ الشرائع السابقة بشريعة النبي ﷺ -: الحكمة الأولى: أن الأعمال البدنية إذا واظبوا عليها خلفًا عن سلف صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك من الوصول إلى المقصود، وهو معرفة الله وتمجيده، فإذا غُيِّر ذلك الطريق إلى نوع من الأنواع، وتبين أن المقصود من هذه الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة انقطعت الأوهام عن الاشتغال عن تلك الصور والظواهر إلى علام السرائر. الحكمة الثانية: أن الخلق طُبعوا على الملالة من الشيء، فوضع في كل عصر شريعة جديدة؛ لينشطوا في أدائها. الحكمة الرابعة: بيان شرف نبينا ﷺ ، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها. الحكمة الرابعة: أن النوع الإنساني يتقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورًا غيره. فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة وضعفًا وجهالةً ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدًا رويدًا، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة من ضآلة العقل وعماية الجهل وطيش الشباب وغشم القوة على تفاوت في ذلك

стр. 2415

بينهم اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت، حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه؛ جاء هذا الدين الحنيف ختامًا للأديان، ومتممًا للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية، ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد جمعا وَفَّق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظَّم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد مما جعله بحق دينًا عامًا خالدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثانيًا: حكمة نسخ الأحكام التكليفية في الشريعة الإسلامية: الحكمة الأولى: رحمة المكلفين والتخفيف عنهم. قال الشافعي: وأنزل عليهم الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيهم فرائض أثبتها وأخرى نسخها؛ رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته، والنجاة من عذابه فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه. (١) الحكمة الثانية: حفظ مصالح العباد. (٢) الحكمة الثالثة: التدرج في الأحكام على الأمة حتى لا تنفر ويسهل عليها تقبله. كما حصل في الخمر فقد تدرج القرآن فيه على مراحل؛ أولاها: الإشارة إلى أنه ليس من الرزق الحسن، كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا. . .﴾ [النحل: ٦٧]، والواو تقتضي المغايرة، ثم بيان أن فيه ضررًا وشرًا كبيرًا من غير التعرض لمنعه كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا. .﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم تحريمه في أوقات الصلاة كما في قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا

стр. 2416

مَا تَقُولُونَ. .﴾ [النساء: ٤٣]. ثم تحريمه تحريمًا تامًا في كل الأوقات في سورة المائدة - التي هي من أواخر السور نزولا - في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي النِّسَاءِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي المائِدَةِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. .﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا. ومثل الخمر في هذا الميسر والفاحشة. عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦] وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ (١). الحكمة الرابعة: كثرة الثواب وعظم الأجر. (٢)

стр. 2417

قال الطبري: في تفسير قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها، إما في العاجل لخفته عليكم من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ثم نسخ ذلك فوضع عنهم فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم، وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول؛ فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات غير أن ذلك وإن كان كذلك فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر؛ لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات. فذلك وإن كان على الأبدان أشق فهو خير من الأول في الآجل؛ لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. (١) الحكمة الخامسة: الاختبار وتثبيت المؤمنين. (٢) قال الرازي: في قوله تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا؛ حكم لهم بثباتِ القَدَم في الدين، وصحة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب (٣). الحكمة السادسة: رعاية أحوال القلب. وذلك أن الأعمال البدنية إذا تواطأ عليه الخلق خلفا عن سلف، صارت كالعادة عندهم، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك عن الوصول إلى المقصود من معرفة الله وتمجيده، فإذا غيرت بعض طرقها إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه

стр. 2418

الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة انقطعت الأوهام عن الاشتغال بتلك الظواهر إلى علام السرائر (١). الحكمة السابعة: بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، وبأن رفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة (٢). الحكمة الثامنة: فيه دلالة على بعض صفات الله كالعلم، فهو سبحانه عالم بأحوال الناس جملةً وتفصيلًا، وعالم بما يصلحهم وينفعهم والطريقة التي تصلح لهم، وفيه دلالة على صفة الحكمة والرحمة (٣). الحكمة التاسعة: من الحكم التذكير بنعمة الله لا سيما في بعض أنواع النسخ الذي يكون فيها النسخ من أثقل إلى أسهل، كما هو الحال في عدة المتوفاة عنها زوجها وغير ذلك (٤). المبحث الخامس: شروط النسخ . الشرط الأول: أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضان بحيث لا يمكن العمل بهما جميعًا، أي أنهما متعارضان تعارضًا حقيقيًا لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل (٥). الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مشروعًا؛ أعني أنه ثبت بخطاب الشرع، فأما إن كان ثابتًا بالعادة والتعارف لم يكن رافعه ناسخًا (٦). الشرط الثالث: أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ (٧).

стр. 2419

الشرط الرابع: أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ، فَارْتِفَاعُ الْحُكْمِ بِمَوْتِ المُكَلَّفِ أَوْ جُنُونِهِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ جُمْلَةً (١). الشرط الخامس: أَنْ لَا يَكُونَ المنسوخ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ (٢). الشرط السادس: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ نَسْخًا، مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا. فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَا مَا عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ يَتَأَبَّدُ وَلَا يَتَأَقَّتُ فَلَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ، كَشَرِيعَتِنَا هَذِهِ (٣). المبحث السادس: معرفة تقدم المنسوخ عن الناسخ . (٤) لمعرفة تقدم المنسوخ عن الناسخ طرق هي: الطريق الأول: النطق الصريح وهو أربعة أنواع: الأول: قول من الله تعالى ، وله ثلاثة أنحاء: أولها: أن يدل على رفع الحكم من غير بدل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، بعد الأمر بتقديم الصدقة في قوله سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]. ثانيها: أن يدل على ثبوت نقيض الحكم السابق، كقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يدل على عدم حرمة المباشرة التي كانت ثابتة من قبل.

стр. 2420

ثالثها: أن يدل على ثبوت ضد الحكم السابق، كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فإنه يدل على ثبوت ضد الحكم السابق، وهو وجوب ثبات الواحد للعشرة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. الثاني: قول من النبي ﷺ -: مثل قوله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١)، فإنه يدل على أن الإذن بالزيارة ناسخ للحظر المدلول عليه بالنهي السابق. الثالث: إجماع الصحابة: على حكمٍ أنه ناسخ، وعلى آخر أنه منسوخ كالإجماع على أن وجوب صوم رمضان ناسخ لوجوب صوم عاشوراء، والاستدلال بالإجماع يعني أن معه خبرًا وقع به النسخ؛ لأن الإجماع لا ينسخ به، وذلك أن الأمة قد ضبطت الأخبار، فإذا رأينا خبرًا يخالف إجماعهم استدللنا بإجماعهم على نسخه (٢). الرابع: قول الصحابي: رخص رسول الله ﷺ في كذا؛ لأن الغالب أن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي، مثل حديث أبي هريرة ﵁: توضؤا مما مست النار. (٣) الطريق الثاني: فعله ﷺ يعني إذا تأخر عن القول مخالفًا له، فإنه يدل على أن القول منسوخ، مثاله: اقتصاره ﷺ على رجم ماعز من غير جلد. فإنه يدل قوله ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٤). قد نسخ، والفعل بين ذلك. الطريق [الثاني] [*]: معرفة التاريخ وله صور .
следующие страницы →