← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

مَا تَقُولُونَ. .﴾ [النساء: ٤٣]. ثم تحريمه تحريمًا تامًا في كل الأوقات في سورة المائدة - التي هي من أواخر السور نزولا - في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي النِّسَاءِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي المائِدَةِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. .﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا. ومثل الخمر في هذا الميسر والفاحشة. عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦] وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ (١). الحكمة الرابعة: كثرة الثواب وعظم الأجر. (٢)

стр. 2417

قال الطبري: في تفسير قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها، إما في العاجل لخفته عليكم من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ثم نسخ ذلك فوضع عنهم فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم، وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول؛ فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات غير أن ذلك وإن كان كذلك فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر؛ لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات. فذلك وإن كان على الأبدان أشق فهو خير من الأول في الآجل؛ لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. (١) الحكمة الخامسة: الاختبار وتثبيت المؤمنين. (٢) قال الرازي: في قوله تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا؛ حكم لهم بثباتِ القَدَم في الدين، وصحة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب (٣). الحكمة السادسة: رعاية أحوال القلب. وذلك أن الأعمال البدنية إذا تواطأ عليه الخلق خلفا عن سلف، صارت كالعادة عندهم، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك عن الوصول إلى المقصود من معرفة الله وتمجيده، فإذا غيرت بعض طرقها إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه

стр. 2418

الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة انقطعت الأوهام عن الاشتغال بتلك الظواهر إلى علام السرائر (١). الحكمة السابعة: بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، وبأن رفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة (٢). الحكمة الثامنة: فيه دلالة على بعض صفات الله كالعلم، فهو سبحانه عالم بأحوال الناس جملةً وتفصيلًا، وعالم بما يصلحهم وينفعهم والطريقة التي تصلح لهم، وفيه دلالة على صفة الحكمة والرحمة (٣). الحكمة التاسعة: من الحكم التذكير بنعمة الله لا سيما في بعض أنواع النسخ الذي يكون فيها النسخ من أثقل إلى أسهل، كما هو الحال في عدة المتوفاة عنها زوجها وغير ذلك (٤). المبحث الخامس: شروط النسخ . الشرط الأول: أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضان بحيث لا يمكن العمل بهما جميعًا، أي أنهما متعارضان تعارضًا حقيقيًا لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل (٥). الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مشروعًا؛ أعني أنه ثبت بخطاب الشرع، فأما إن كان ثابتًا بالعادة والتعارف لم يكن رافعه ناسخًا (٦). الشرط الثالث: أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ (٧).

стр. 2419

الشرط الرابع: أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ، فَارْتِفَاعُ الْحُكْمِ بِمَوْتِ المُكَلَّفِ أَوْ جُنُونِهِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ جُمْلَةً (١). الشرط الخامس: أَنْ لَا يَكُونَ المنسوخ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ (٢). الشرط السادس: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ نَسْخًا، مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا. فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَا مَا عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ يَتَأَبَّدُ وَلَا يَتَأَقَّتُ فَلَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ، كَشَرِيعَتِنَا هَذِهِ (٣). المبحث السادس: معرفة تقدم المنسوخ عن الناسخ . (٤) لمعرفة تقدم المنسوخ عن الناسخ طرق هي: الطريق الأول: النطق الصريح وهو أربعة أنواع: الأول: قول من الله تعالى ، وله ثلاثة أنحاء: أولها: أن يدل على رفع الحكم من غير بدل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، بعد الأمر بتقديم الصدقة في قوله سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]. ثانيها: أن يدل على ثبوت نقيض الحكم السابق، كقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يدل على عدم حرمة المباشرة التي كانت ثابتة من قبل.

стр. 2420

ثالثها: أن يدل على ثبوت ضد الحكم السابق، كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فإنه يدل على ثبوت ضد الحكم السابق، وهو وجوب ثبات الواحد للعشرة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. الثاني: قول من النبي ﷺ -: مثل قوله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١)، فإنه يدل على أن الإذن بالزيارة ناسخ للحظر المدلول عليه بالنهي السابق. الثالث: إجماع الصحابة: على حكمٍ أنه ناسخ، وعلى آخر أنه منسوخ كالإجماع على أن وجوب صوم رمضان ناسخ لوجوب صوم عاشوراء، والاستدلال بالإجماع يعني أن معه خبرًا وقع به النسخ؛ لأن الإجماع لا ينسخ به، وذلك أن الأمة قد ضبطت الأخبار، فإذا رأينا خبرًا يخالف إجماعهم استدللنا بإجماعهم على نسخه (٢). الرابع: قول الصحابي: رخص رسول الله ﷺ في كذا؛ لأن الغالب أن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي، مثل حديث أبي هريرة ﵁: توضؤا مما مست النار. (٣) الطريق الثاني: فعله ﷺ يعني إذا تأخر عن القول مخالفًا له، فإنه يدل على أن القول منسوخ، مثاله: اقتصاره ﷺ على رجم ماعز من غير جلد. فإنه يدل قوله ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٤). قد نسخ، والفعل بين ذلك. الطريق [الثاني] [*]: معرفة التاريخ وله صور .

стр. 2421

الأولى: النص على التأخير: كقول جابر ﵁: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. (١) الثانية: النص على سنة الورود أو النزول: مثاله: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول يوم الفتح - وهو بمكة - "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر". (٢) الثالثة: النص على الغزوة: مثاله: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. (٣) الرابعة: أن يكون أحد الحديثين برواية من مات قبل رواية الحديث الآخر ؛ فيدل على تأخر الحديث الثاني. الخامسة: نقل الصحابي لتقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر . كأن يقول: هذه الآية نزلت قبل تلك، أو هذا الحديث سابق على ذلك؛ لعدالة الصحابة وكونه منزلًا منزلة المرفوع، إذ لا دخل للاجتهاد فيه. (٤) المبحث السابع: الأشياء التي يدخلها الناسخ والمنسوخ والتي لا يدخلها . يدخل الناسخ والمنسوخ في الأوامر والنواهي ولا يدخل في الأخبار. (٥) قال ابن عبد البر: وهذا (الناسخ والمنسوخ) إنما يكون في الأوامر والنواهي من الكتاب والسنة، وأما في الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ فلا يجوز النسخ في الأخبار البتة بحال؛ لأن المخبر عن الشيء أنه كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل من السهو أو الكذب،

стр. 2422

وذلك لا يعزى إلى الله ولا إلى رسوله فيما يخبر به عن ربه في دينه، وأما الأمر والنهي فجائز عليهما النسخ للتخفيف ولما شاء الله من مصالح عباده وذلك من حكمته لا إله إلا هو. وقال أيضًا: والنسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة وغيرهما من العبادات الشرعية، فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله تعالى الذاتية كعلمه وقدرته وما عدا ذلك من صفاته فلا يصح فيه النسخ، وكذلك ما أخبر الله تعالى عنه من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة فلا يجوز فيها النسخ، وهكذا ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ﵇ إلى الأرض ونحو ذلك فإن النسخ فيه لا يجوز (١). ومن قال بأن النسخ يدخل في الأخبار فيقصد الخبر الذي يراد به الأمر والنهي. قال ابن الجوزي: فأما الأخبار فهي على ضربين: الأول: ما كان لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الأمر كقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، فهذا لا حق بخطاب التكليف في جواز النسخ عليه. والثاني: الخبر الخالص فلا يجوز علي؛ لأنه يؤدي إلى الكذب وذلك محال وقد حكى جواز ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي وليس شيء يعول عليه. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عظيم جدًا يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلًا لو قال: قام فلان ثم قال: لم يقم، فقال: نسخته لكان كاذبًا. وقال ابن عقيل: الأخبار لا يدخلها النسخ؛ لأن نسخ الأخبار كذب وحوشى القرآن من ذلك (٢). المبحث الثامن: أقسام (أنواع) النسخ في القرآن . النسخ الواقع في القرآن يتنوع إلى أنواعٍ ثلاثة:

стр. 2423

نسخ التلاوة والحكم معا، ونسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم (١). القسم الأول: نسخ الحكم والتلاوة جميعًا: وذلك مثل التحريم بعشر رضعات. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ. (٢) القسم الثاني: نسخ التلاوة دون الحكم . وذلك كنسخ آية الرجم، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أنه قال: (إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ الله آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَالله مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتَابِ الله، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله، وَالرَّجْمُ في كِتَابِ الله حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَاف (٣). وكذلك التحريم بخمس رضعات. قال الزركشي: هنا سؤال وهو أن يقال ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلَّا أبقيت التلاوة، ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون فقال: إنما كان كذلك؛ ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق

стр. 2424

الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي (١). القسم الثالث: نسخ الحكم دون التلاوة . فيدل على وقوعه آيات كثيرة منها: أن آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ منسوخة بقوله سبحانه ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ [المجادلة: ١٣] على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية مع أن تلاوة كلتيهما باقية. قال الزركشي: وهنا سؤال وهو أن يسأل ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة. وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة ورفع المشقة، وأما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر (٢). قال الزرقاني: أما حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم فتسجل تلك الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه هو الدين الحق، وأن نبيه نبي الصدق، وأن الله هو الحق المبين العليم الحكيم الرحمن الرحيم. يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب

стр. 2425

على هذه التلاوة، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها (١). المبحث التاسع: أنواع الناسخ . ينقسم النسخ بالنظر إلى دليله إلى أقسام متعددة، يمكن جمعها في قسمين: قسم متفق على جوازه، وقسم مختلف فيه. أولًا: القسم المتفق على جوازه وهو: ١ - نسخ القرآن بالقرآن. ٢ - نسخ السنة المتواترة والأحادية بالسنة المتواترة. ٣ - نسخ الآحاد من السنة بالآحاد وبالمتواتر. لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وجواز نسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر (٢). ثانيًا: القسم المختلف فيه فيمكن بيانه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: نسخ القرآن بالسنة . ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة (٣). وذهب الإمام الشافعي وأحمد في رواية إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة (٤). قال الجصاص: وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي امْتِنَاعِ جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَةَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ لَا تَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَهَذَا إغْفَالٌ مِنْ قَائِلِهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ: "بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي التِّلَاوَةِ وَالنَّظْمِ" لِاسْتِوَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي

стр. 2426

إعْجَازِ النَّظْمِ، وَالْآخِرُ اتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّظْمَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ إمَّا التَّخْفِيفُ أَوْ الْمَصْلَحَةِ. وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَكُونُ بِالْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ أَرَادَ التِّلَاوَةَ، فَدَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِهِ بِهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إنَّمَا تَقْتَضِي نَسْخَ التِّلَاوَةِ، وَلَيْسَ لِلْحُكْمِ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ وَالْآيَةُ إنَّمَا هِيَ اسمٌ لِلتِّلَاوَةِ، وَلَيْسَ فِي نَسْخِ التِّلَاوَةِ مَا يُوجِبُ نَسْخَ الْحُكْمِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: "مَا نَنْسَخْ مِنْ تِلَاوةِ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ مِنْ مُحْكَمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهَا" (١). قال القرطبي: وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة. . . وهو ظاهر مسائل مالك. وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي، والأول أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء. (٢) وأختم بهذا الكلام النفيس: قال ابن حزم: اختلف الناس في هذا (نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن) بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة، فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن ولا القرآن بالسنة، وقالت طائفة: جائز كل ذلك، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة. قال ابن حزم: وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضًا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب، من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي ﷺ ، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، وأن كل ذلك من عند الله

стр. 2427

بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فإذا كان كلامه وحيا من عند الله ، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز؛ لأن كل ذلك سواء في أنه وحي (١). قال الشوكاني: ولا يخفاك أن السنة شرع من الله كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وأمر سبحانه باتباع رسوله في غير موضع في القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع. (٢) المسألة الثانية: نسخ السنة بالقرآن . ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن. (٣) وذهب الإمام الشافعي في رواية إلى أن السنة لا تنسخ بالقرآن، حيث قال في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: (لا يَنْسخ كتابَ الله إلا كتابُه كما كان المبتدئ لفرضه فهو المُزيلُ المثبت لِما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه) (٤). وبهذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي أن السنة لا تنسخ بالكتاب. (٥)

стр. 2428

والراجح هو القول الأول. المسألة الثالثة: نسخ المتواتر (قرآن وسنة) بالآحاد: ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أنه لا يجوز شرعا نسخ المتواتر بالآحاد (١). وذهب البعض إلى أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد (٢). قال الشوكاني: ومما يرشدك إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنًا أو دلالةً منها: أن الناسخ في الحقيقة إنما رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه وذلك ظني، وإن كان دليله قطعيًا فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي فتأمل هذا (٣). المبحث العاشر: النسخ بالإجماع والقياس أولًا: النسخ بالإجماع قال الخطيب البغدادي: ولا يجوز نسخ إجماع المسلمين؛ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله ﷺ ، والنسخ لا يجوز بعد موته (٤). وإذا وجد في كلام العلماء أن الإجماع نسخ نصًا، فالمراد بالإجماع الناسخ النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع، فيكون من قبيل نسخ النص بنص مثله.

стр. 2429

قال ابن قدامة: فإن قيل: فيجوز أن يكونوا ظفروا بنصٍ كان خفيًا هو أقوى من النص الأول أو ناسخ له. قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع. (١) ثانيًا: النسخ بالقياس قال الخطيب البغدادي: ولا يحوز نسخ القياس؛ لأن القياس تابع للأصول، والأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها. (٢) المبحث الحادي عشر: الفرق بين النسخ والبداء أولًا: تعريف البداء . (٣) البَداء: بفتح الباء يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين: أحدهما: الظهور بعد الخفاء، ومنه قوله الله تعالى ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقال تعالى ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣)﴾ [الجاثية: ٣٣] ومنه قولهم: بدا لنا سور المدينة. والآخر: نشأة رأي جديد لم يك موجودًا، قال في القاموس: وبَدَا له في الأمرِ بَدْوًا وبَدَاءٌ وبداةً: نَشَأَ له فيه رَأْيٌ. ومنه قول الله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ [يوسف: ٣٥] أي نشأ لهم في يوسف رأي جديد هو أن يسجن سجنًا وقتيًا بدليل قوله: ليسجننه حتى حين (٤). ثانيًا: الفرق بين النسخ والبداء .

стр. 2430

قال ابن الجوزي: فأما الفرق بين النسخ والبداء فذلك من وجهين: الأول: أن النسخ تغيير عبادة أُمر بها المكلف وقد علم الآمر حين الأمر أن لتكليف المكلف بها غاية ينتهي الإيجاب إليها ثم يرتفع بنسخها. والبداء أن ينتقل الأمر عن ما أمر به وأراده دائما بأمر حادث لا بعلم سابق. والثاني: أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأول. والبداء يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول مثل أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبا، فيتبين أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل، فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه، وكلا الأمرين يدلى على قصور في العلم، والحقُّ منزه عن ذلك (١). قال ابن حزم: الفرق بينهما لائح وهو: أن البداء هو أن يأمر بالأمر، والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنسخ هو أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد، قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه، فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين، وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر؛ ليقع التفاهم، ويلوح الحق، فالبداء ليس من صفات الباري تعالى، ولسنا نعني الباء والدال والألف، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالأمر لا يدري ما عاقبته، فهذا مبعد من الله ، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا. وأما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها، وهو القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده ، كما سبق في علمه تعالى. ولسنا نكابر على النون والسين والخاء، وإنما نعني المعنى الذي بينّا، وسواء سموه نسخًا أو بداء أو ما أحبوا من الأسماء، ولكن اسمه عندنا النسخ، وبهذه العبارة نعبر عن هذا المعنى الذي لا يخلو لله تعالى فعل منه أصلًا في دار الابتلاء، وكل شيء منها كائن فاسد، وهذا هو النسخ، وهو نوع من أنواع الكون والفساد الجاريين في طبيعة العالم بتقدير خالقه ومخترعه ومدبره ومتممه لا إله إلا هو.

стр. 2431

واسم الصفة الأولى عندنا البَدَاء، فيها يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الإنس والجن وسائر الحيوان، وهو خلق مذموم؛ لأنه نتيجة الملل والندم والسآمة، وهذه الأخلاق منفية عن الملائكة بنص القرآن، فكيف عن الباري تعالى. (١) الوجه الثاني: الرد على بعض الشبهات حول النسخ في القرآن . الشبهة الأولى: قالوا: بأن النسخ يتعارض مع قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، حيث إن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدًا، والنسخ فيه إبطال لحكم سابق. والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: بيان معنى الآية . الآية تحتمل عدة معانٍ: الأول: أي: لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا قالوا: والباطل هو الشيطان. عن قتادة ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلًا (٢). الثاني: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضًا ما يبطله (٣). الثالث: النسخ ليس باطلًا، إذ هو حق وذلك أن الله أضافه إلى نفسه في قوله ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ولا ينسب الله إلى نفسه باطلا، والباطل يضاد الحق فوجب حمل الباطل على غير النسخ. (٤) الوجه الثاني: أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق، والنسخ حق .

стр. 2432

ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل وأحكامه، مسايرة للحكمة وأخباره، مطابقة للواقع، ألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥]، ولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه؛ لأن النسخ كما قررنا تصرفٌ إلهيٌ حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة (١). الوجه الثالث: الآية تدل على نوع خاص من النسخ . لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته؛ لكان دليله قاصرًا عن مدعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ وهو نسخ الحكم دون التلاوة، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل (٢). الوجه الرابع: إنكار وتشديد القول من أهل العلم على من قال بهذا القول (٣)، مما يدل على بطلان قوله.

стр. 2433

قال الجصاص: زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد ﷺ ، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ؛ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب؛ قال: لأن نبينا ﵇ آخر الأنبياء، وشريعته ثابتة باقية إلى أن تقوم الساعة. وقد كان هذا الرجل ذا حظ من البلاغة وكثير من علم اللغة، غير محظوظ من علم الفقه وأصوله، وكان سليم الاعتقاد غير مظنون به غير ظاهر أمره، ولكنه بَعُدَ من التوفيق بإظهار هذه المقالة؛ إذ لم يسبقه إليها أحد، بل قد عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه، ونقل ذلك إلينا نقلا لا يرتابون به ولا يجيزون فيه التأويل، كما قد عقلت أن في القرآن عاما وخاصا ومحكما ومتشابها، فكان دافع وجود النسخ في القرآن والسنة كدافع خاصة وعامه، ومحكمة ومتشابهه؛ إذ كان ورود الجميع ونقله على وجه واحد، فارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل الأمة مع تعسف المعاني واستكراهها، وما أدري ما الذي ألجاه إلى ذلك؟ وأكثر ظني فيه أنه إنما أتى به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك، واستعمال رأيه فيه من غير معرفة منه بما قد قال السلف فيه ونقلته الأمة (١). قال أبو جعفر النحاس: فمن المتأخرين من قال: ليس في كتاب الله ناسخ ولا منسوخ وكابر العيان واتبع غير سبيل المؤمنين (٢). قال ابن كثير: وقال أبو مسلم الأصفهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن. وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ. (٣)

стр. 2434

قال الشوكاني: النسخ جائز عقلا واقع سمعًا بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يروى عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال: إنه جائز غير واقع. وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة؛ فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية. (١) الشبهة الثانية: إنكار لبعض الآيات التي تثبت النسخ بتأويلات غير صحيحة الآية الأولى: قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]، فقد سلكوا مسلكًا آخر يقصدون به إبطال دلالة الآية على وقوع النسخ. واستدلوا بوجوه من عندهم وهي: الأول: أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره؛ فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية. الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال: نسخت الكتاب. الثالث: الآية لا تدل على وقوع النسخ؛ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه (٢). والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا. والمعنى أن العرب لم يستعملوا كلمة آية بمعنى شريعة، وأن القرآن الكريم أيضًا لم يستعملها في أداء هذا المعنى بدليل خُلو معجم القرآن، ومعاجم اللغة منه فتفسير الآية بالشريعة تفسير لا يستقيم (٣).

стр. 2435

الوجه الثاني: بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن، وهذا النسخ مختص ببعضه. والمعنى أننا قد بينا أن معنى النسخ في اللغة يدور بين الإزالة والنقل، وأن الأصل فيه الإزالة، وأسلوب الآية يقتضي ذلك؛ فإنه صريح في إفادة الإتيان بالبدل حين ينسخ، ولما كان البدل لا يجتمع مع المبدل منه؛ فإن تقرير الإتيان به - أي البدل - يستلزم أن يكون المبدل منه قد أزيل، وهذا هو معنى نسخه. وكون النسخ قد ورد في القرآن بمعنى النقل لا يسوغ تفسيره بالنقل في كل موضع ورد فيه (١). الوجه الثالث: الرد على قوله أن الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل لو وقع لوقع إلى خير منه. قال د. مصطفى أبو زيد: فهو يلتقي معنا كما هو واضح في تفسير النسخ، والآية. غير أنه يتشبث بشرطية الجملة؛ لأنه يجد فيها المخرج. وقد اقتضاه هذا أن يسلم بجواز النسخ شرعًا، لكنه - فيما يبدو - لم يبال بهذا، ما دامت شرطية الجملة هنا قد مكنته من القول بأنها لا تفيد الوقوع! وأما نحن فحسبنا أن تدل الآية لجواز النسخ؛ لأن وقوعه قد تكلفت بالدلالة عليه آية سورة النحل. (٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. ولذا قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من

стр. 2436

يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. . فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله - في دعوى استحالة النسخ إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرًا، وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكًا. وقال الطبري: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء. ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه (١). الآية الثانية: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قالوا:

стр. 2437

الاعتداد بالحول ما زال بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملًا ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولًا كاملًا، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصًا لا ناسخًا. والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: ذهب جمهور المفسرين والأصوليين إلى أنها منسوخة بقوله (أربعة أشهر وعشرًا). (١) قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أخي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ (٢). ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها (٣). الوجه الثاني: عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر. قال ابن كثير: هذا أمر من الله للنساء اللاتي يُتَوّفى عنهن أزواجهن: أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عُمُوم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سُئِل عن رجل تزوّج امرأة فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟ فترددوا إليه مرارًا في ذلك، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكُن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: أرى لها الصداق كاملًا. وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَط، وعليها العدّة،

стр. 2438

ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قَضى به في بَرْوَع بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا. وفي رواية: فقام رجال من أشجع، فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق (١). ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدّتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة؛ لعموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وكان ابن عباس ﵁ يرى: أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية، المخرج في الصحيحين من غير وجه: أنه توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك، فقال لها: ما لي أراك مُتَجَمِّلة؟ لعلك ترجين النكاح. والله ما أنتِ بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعَشْر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (٢). قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني لما احُتج عليه به. قال: ويصحح ذلك عنه: أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال، على قول الجمهور (٣).

стр. 2439

قال النووي: فَأَخَذَ بِهَذَا (حديث سبيعة) جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، فَقَالُوا: عِدَّة المُتَوَفَّى عَنْهَا بِوَضْعِ الْحَمْل، حَتَّى لَوْ وَضَعَتْ بَعْد مَوْت زَوْجهَا بِلَحْظَةٍ قَبْل غَسْله اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا وَحَلَّتْ فِي الْحَال لِلْأَزْوَاجِ. هَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة (١). الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، قالوا: المراد بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ السحاقات، وحدُّهن الحبس إلى الموت، وبقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهل اللواط، وحدهما الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور: الزنا بين الرجل والمرأة، وحده في البكر الجلد، وفي المحصن الرجم. والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: إجماع أهل العلم على أن الآية منسوخة. كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵄: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم. وكذا رُوي عن عِكْرِمة، وسَعيد بن جُبَيْر، والحسن، وعَطاء الخُراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه. (٢) وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور. (٣)

стр. 2440

الوجه الثاني: أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلًا. (١) الوجه الثالث: أنه جاء في الحديث أنه ﷺ قال: "قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب ترجم والبكر تجلد. (٢) وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة وليست في السحاق واللواط. (٣) الوجه الرابع: أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة. (٤) الوجه الخامس: أن تأويله للآية الثانية على أنها في اللواط، لا يستند إلى أساس سليم، فإن الحديث الذي ذكره تأييدًا لتسمية اللواط زنًا - وهو قوله ﷺ : "إذا أتى الرجلُ الرجل فهما زانيان" (٥) ضعيف لا يصح. (٦) و الوجه السادس: أنه لا يسوغ لغة أن تذكر الفاحشة في الآية الأولى بمعنى المساحقة، ثم يعاد الضمير عليها بمعنى اللواطة في الآية الثانية، مع أن العقوبة التي تشرعها الآيتان مختلفة (٧). و الوجه السابع: أن هذا التأويل لا يبطل واقعة النسخ، على فرض قبوله والتسليم بصحته، فقد صح عن النبي ﷺ (برواية عكرمة، عن ابن عباس ﵁، عنه) أنه قال: (من وجدتموه

стр. 2441

يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) (١)، مع أن الآية تأمر بإيذاء اللذين يأتيان الفاحشة، لا بقتلهما، فيجب إذن أن تكون الآية - على تأويلهم - منسوخة بالسنة، مع أنهم لم يتكلفوا في تأويل الآية كل هذا التكلف إلا ليتفادوا القول بأنها منسوخة. (٢) و الوجه الثامن: أنه لا يعقل ولا يتصور أن تكون عقوبة المساحقة الحبس حتى الموت، وعقوبة اللواط مجرد الإيذاء، مع أن جريمة اللواط أخطر على كيان المجتمع من المساحقة، ومع أن المساحقة لم يشرع لها حد، وشرع للواط قتل الفاعل والمفعول به، ومع أن الله قد خسف الأرض بمرتكبيها، واستأصلهم بالعذاب بكرهم وثيبهم، ولم يوقع بالمساحقات بعض هذا (٣). الوجه التاسع: هذه الدعاوي ليست صحيحة: أما ما ادعوه من أن إفراد النساء بالنص عليهن في الآية الأولى يقتضي أن يكون المراد بقوله (واللذان) الذكرين، لا الذكر والأنثى تغليبًا، فغير صحيح؛ لأن النساء إنما أفردن بالذكر لأنهن يتفردن بعقوبة الحبس، لا بارتكاب الفاحشة وحدهن دون مشاركة من الرجال. وأما ما زعموه من التكرار إذا فسرت الفاحشة في كل من الآيتين بالزنا فهو أيضًا غير صحيح؛ لأن الآية الثانية تبين العقوبة المشتركة بعد أن بينت الآية الأولى ما يخص النساء من عقوبة الحبس، ثم إنه لا مكان لادعاء التكرار، مع أن الذي في الثانية هو ضمير الفاحشة المذكورة في الأولى.

стр. 2442

وأما ما غالطوا به من تفسير السبيل بأنها السبيل إلى قضاء الشهوة بطريق النكاح، فإن القرآن قد أنكره على المؤمنين في قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، فكيف تكون السبيل التي يشرعها الله لهن موضع إنكار وتحريم في آية أخرى؟ ، ثم ما قيمة تلك الشهوة التي وقعن بسببها في الفاحشة، حتى يهتم القرآن بإشباعها فيهن، وبالسبيل التي تيسر لهن إشباعها؟ . أكل هذا من أجل أنه قال: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ولم يقل عليهن؟ ، ولكن ألا يقال للمخلص من الشيء هو سبيل له، سواء كان أخف أو أثقل؟ . (١) الآية الرابعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢، ١٣]. قالوا: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وإن قومًا من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرًا وباطنًا إيمانًا حقيقيًا، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى؛ ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانًا حقيقيًا عمن بقي على نفاقه الأصلي، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت. وحاصل قولهم: أن ذلك التكليف كان مقدرًا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخًا. والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقًا، وهو باطل؛ لأنه (جاء في الخبر) أنه لم يتصدق غير علي ﵁. (٢)

стр. 2443

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] (١). الوجه الثاني: الإجماع على أنها منسوخة. (٢) الوجه الثالث: بيان معنى الآية . قال ابن كثير: قول تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ ، أي: يساره فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي: إلا من عجز عن ذلك لفقده ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ أي: أخِفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فنسخ وجوب ذلك عنهم (٣). قال الشوكاني: وليس في الآية ما يدلّ على تقصير المؤمنين في امتثال هذا الأمر، أما الفقراء منهم فالأمر واضح، وأما من عداهم من المؤمنين، فإنهم لم يكلفوا بالمناجاة حتى تجب عليهم الصدقة بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة فمن ترك المناجاة، فلا يكون مقصرًا في امتثال الأمر بالصدقة، على أن في الآية ما يدل على أن الأمر للندب (٤). الوجه الرابع: بيان الفائدة من هذا التكليف . هذا التكليف وهو الصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ كان له عدة فوائد منها: ١ - إعظام الرسول ﷺ وإعظام مناجاته.

стр. 2444

٢ - نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة. ٣ - تخفيف عن النبي ﷺ من المشقة، فقد أكثروا مناجاته. ٤ - التمييز بين قوي الإيمان وضعيف الإيمان، وبين محب الآخرة ومحب الدنيا. (١) الشبهة الثالثة: يقولون: لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكمًا من أحكامه؛ لكان ذلك إما لحكمة ظهرت له كانت خافية عليه، وإما لغير حكمة وكل هذين باطل. أما الأول: فلأنه يستلزم تجويز البداء والجهل بالعواقب على علام الغيوب. وأما الثاني: فلأنه يستلزم تجويز العبث على الحكيم العليم اللطيف الخبير. والبداء والعبث مستحيلان عليه سبحانه بالأدلة العقلية والنقلية فما أدى إليهما وهو جواز النسخ محال. والجواب على هذه الشبهة: الوجه الأول: أن الله لا يُسألُ عما يفعل . قال ابن حزم: ما الفرق بين أن يأمرنا الله بشيء في وقت ما، ويبينه لنا، ويعلمنا أنه إذا أتى وقت كذا وجب الانتقال إلى شيء آخر، وبين أن يأمرنا ولا يعلمنا أنه سينقلنا إلى شيء آخر؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجود فرق فيه أبدا لذي تمييز وعقل؛ لأنه ليس لنا على الله تعالى شرط، ولا عليه أن يطلعنا على علمه، ولا يتقمن (٢) مسارنا، ولا أن يأخذ آراءنا في شيء، ومدَّعِي هذا ملحد في دين الله ، كافر به، مفتر عليه، وقد نص تعالى على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وبقوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. (٣) الوجه الثاني: النسخ مبنيٌّ على حكمةٍ يعلمها الله .

стр. 2445

قال الزرقاني: إن نسخ الله تعالى ما شاء من أحكامه مبني على حكمة كانت معلومة له أولًا، ظاهرة لم تخف عليه ولن تخفى عليه أبدًا؛ غاية الأمر أن مصالح العباد تتجدد بتجدد الأزمان وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وأسراره وحكمه سبحانه لا تتناهى، ولا يحيط بها سواه. فإذا نسخ حكما بحكم، لم يخل هذا الحكم الثاني من حكمة جديدة غير حكمة الحكم الأول هي مصلحة جديدة للعباد في الحكم الجديد، أو هي غير تلك؛ وسبحان من أحاط بكل شي علما. وإذن فلا يستلزم نسخ الله لأحكامه بداءً ولا عبثًا (١). الوجه الثالث: الالتباس وقع لتشبيههم علم المخلوق بعلم الله، وبينهما بون عظيم. وبيان هذا أنه ما دام قد أمكن النسخ على احتمال لا يأباه العقل فمن الخطأ الحكم باستحالته عقلًا، وما في النسخ من جديد - على هذا - إنما يعتبر جديدًا بالنسبة لنا نحن، أما بالنسبة لله فقد سبق به علمه، ثم جاء النسخ تحقيقًا لهذا العلم، لا اعتراضًا عليه. ولو أنه تعالى حين شرع الحكم الأول حدد مدة العمل، وشرع معه الحكم الذي سينسخه حين يجيء أوان النسخ لاستقبل الناس هذا دون أن يثير في نفوسهم تساؤلًا أو استنكارًا، فلماذا التساؤل والاستنكار حين يخفى عنا الناسخ حتى يجيء أوانه؟ وهل النسخ إلا هذا؟ وهل ننكره لشيء إلا لأنه يشرع لنا حكمًا جديدًا علينا؟ . على أننا نلحظ هذا الجديد كل يوم في جميع شئون الحياة، ولا نجد فيه دليلا ولا شبه دليل على أن الله تعالى يمكن أن يوصف بالبداء أو بالعبث. فالصحيح الجسم قد ينتابه المرض، ومن يعاني مرضًا قد يسبغ الله عليه ثوب العافية، ولم يقل أحد إن الله قد تغير علمه، أو إنه قد بدا له، فابتلى الصحيح بالمرض، وأنعم على المريض بالصحة. والغنى والفقر يتعاوران الناس، فالغني يصاب بالفقر، والفقير يبتلى بالغنى، ولم يفهم أحد أن الله تعالى قد تبدل، أو أنه قد بدا له، فبدل الغني بغناه فقرًا، وبدل الفقير غنى بفقره.

стр. 2446

وكل حي فمصيره إلى الموت لا محالة، طال عمره أو قصر، ولم يزعم أحد حين مات إنسان أن موته تغير في علم الله، أو أنه تعالى قد بدا له فأماته. أفيقال إن النسخ يستلزم البداء أو العبث مع أنه لا جديد فيه بالنسبة لله ، ومع أن كلًا من الحكمين الأول والثاني قد شرع لحكمة، فكان هو الصواب، وهو المحقق للمصلحة في وقته؟ . وحين يعالج الطبيب مريضًا، فيرى أن المرحلة التي يجتازها من مراحل مرضه يصلح لها دواء معين، فيصف له هذا الدواء وهو يعلم المدة التي سيتناوله في أثنائها، وأنه لا يصلح له بعد هذه المدة، ثم يصف له في المرحلة التالية الدواء الذي كان يعلم من أول الأمر أنه يصلح له في هذه المرحلة لا يوصف عادة بأن علمه قد تغير، أو أنه قد بدا له. فهل يسوغ أن نصف الله بالبداء، لا لشيء إلا لأنه - وهو يَطِبُّ للنفوس من أدوائها - قد شرع في كل وقت ما يحقق المصلحة، وهو يعلم كل شيء قبل أن يقع؟ وهل يمكن أن يوصف بالعبث حكم لم يشرع إلا حين اقتضته الحكمة، وإن سبق في علم الله تعالى أزلًا أنه سيشرع؛ ليحل محل حكم آخر قد رُفع؟ ، سبحانه، وله المثل الأعلى! . (١). الشبهة الرابعة: يقولون: لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم، للزم على ذلك أحد باطلين: جهله جل وعلا، وتحصيل الحاصل. وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد، وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت. فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد، ثم نسخه وصيره غير مستمر؛ انقلب علمه جهلًا، والجهل عليه تعالى محال. وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت؛ ورد عليه أن المؤقت ينتهي بمجرد انتهاء وقته، فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل، وهو باطل. والجواب على هذه الشبهة الوجه الأول: أن النسخ لا يتعارض مع علم الله .

стр. 2447

قال الزرقاني: إن الله تعالى قد سبق في علمه أن الحكم المنسوخ مؤقت لا مؤبد، ولكنه عَلِم بجانب ذلك أن تأقيته إنما هو بورود الناسخ لا بشيء آخر كالتقييد بغاية في دليل الحكم الأول، وإذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ؛ بل يوجبه. وورود الناسخ محقق لما في علمه لا مخالف له شأنه تعالى في الأسباب ومسبباتها، وقد تعلق علمه بها كلها، ولا تنس ما قررناه ثمة من أن النسخ بيان بالنسبة إلى الله، رفع بالنسبة إلينا (١). الشبهة الخامسة . يقولون: لو جاز النسخ للزم أحد باطلين تحصيل الحاصل، وما هو في معناه. وبيان ذلك أن الحكم المنسوخ إما أن يكون دليله قد غياه بغاية ينتهي عندها أو يكون قد أبَّدَه نصًا؛ فإن كان قد غياه بغاية فإنه ينتهي بمجرد وجود هذه الغاية، إذ لا سبيل إلى إنهائه بالنسخ وإلا لزم تحصيل الحاصل. وإن كان دليل الحكم الأول قد نص على تأبيده ثم جاء الناسخ على رغم هذا التأبيد لزم المحال من وجوه ثلاثة: أولها: التناقض؛ لأن التأبيد يقتضي بقاء الحكم ولا ريب أن النسخ ينافيه. ثانيها: تعذر إفادة التأبيد من الله للناس؛ لأن كل نص يمكن أن يفيده تبطل إفادته باحتمال نسخه، وذلك يفضي إلى القول بعجز الله وعِيِّه عن بيان التأبيد لعباده فيما أبده لهم - تعالى الله - عن ذلك. ثالثها: استلزام ذلك لجواز نسخ الشريعة الإسلامية مع أنها باقية إلى يوم القيامة عند القائلين بالنسخ. والجواب على هذه الشبهة: الوجه الأول: إن حصر الحكم المنسوخ في هذين الوجهين اللذين ذكرهما المانع غير صحيح؛ لأن الحكم المنسوخ يجوز ألا يكون مؤقتًا ولا مؤبدًا؛ بل يجيء مطلقا عن التأقيت وعن التأبيد كليهما، وعليه فلا يستلزم طرو النسخ عليه شيئا من المحالات التي ذكروها،

стр. 2448

وإطلاق هذا الحكم كاف في صحة نسخه؛ لأنه يدل على الاستمرار بحسب الظاهر وإن لم يعرض له النص. الوجه الثاني: أن ما ذكروه من امتناع نسخ الحكم المؤبد غير صحيح أيضًا وما استندوا إليه منقوض بوجوه ثلاثة: أولها: أن استدلالهم بأنه يؤدي إلى التناقض مدفوع بأن الخطابات الشرعية مقيدة من أول الأمر بألا يرد ناسخ، كما أنها مقيدة بأهلية المكلف للتكليف، وألا يطرأ عليه جنون أو غفلة أو موت وإذن فمجيء الناسخ لا يفضي إلى تناقض بينه وبين المنسوخ بحال. ثانيها: أن استدلالهم بأنه يؤدي إلى أن يتعذر على الله بيان التأبيد لعباده مدفوع بأن التأبيد يفهمه الناس بسهولة من مجرد خطابات الله الشرعية المشتملة على التأبيد، وهو ما يشعر به كل واحد منا، وذلك لأن الأصل بقاء الحكم الأول، وما اتصل به من تأقيت أو تأبيد وطرو الناسخ احتمال مرجوح، واستصحاب الأصل أمر يميل إليه الطبع كما يؤيده العقل والشرع. ثالثها: أن جواز نسخ الشريعة الإسلامية إن لزمنا معاشر القائلين بالنسخ فإنه يلزمنا على اعتبار أنه احتمال عقلي لا شرعي بدليل أننا نتكلم في الجواز العقلي لا الشرعي، أما نسخ الشريعة الإسلامية بغيرها من الناحية الشرعية فهو من المحالات الظاهرة؛ لتضافر الأدلة على أن الإسلام دين عام خالد ولا يضير المحال في حكم الشرع أن يكون من قبيل الجائز في حكم العقل. (١) الشبهة السادسة: يقولون إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين، واجتماعهما محال . وبيان ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبوب لله، والنهي عنه يقتضي أنه قبيح ومعصية ومكروه له تعالى، فلو أمر الله بالشيء ثم نهى عنه، أو نهى عن الشيء ثم أمر به لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي. والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: الله له الحكمة البالغة.

стр. 2449

قال ابن حزم: إن منكري النسخ قالوا: ليس من الحكمة أن يأمر الله تعالى بشيء أمس ثم ينهى عن مثله اليوم، وهذا من نظائر قول أصحابنا بالعلل، وهؤلاء قوم يتعقبون على ربهم تعالى، فيقال لهم: أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به؟ أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر به لكانت تبطل حكمته؟ أو لو أمر بغير ما أمر به لكانت تبطل حكمته؟ أو ترون إذ قدس الأرض المقدسة، ولعن أريحا، ولعن أورشليم أكان ذلك مفسدا لحكمته؟ وإذ حظر العمل في السبت وأباحه في الأحد، أرأيتم لو عكس الأمر أكان ذلك مبطلا لحكمته؟ فإن راموا فرقًا بين شيء من ذلك لحقوا بالمجانين، وجاهروا بما لا يفهم وبما يعلم بطلانه. ثم يُقال لهم: أليس الله تعالى قد ملّك قومًا من الكفار العصاة الظلمة ومكّنهم، وأذل قومًا من الكفار العصاة الظلمة وملّك غيرهم رقابهم، وملك قومًا صالحين فضلاء مؤمنين، ومكنهم وبسط أيديهم، وأذل قومًا صالحين فضلاء مؤمنين وملك غيرهم رقابهم، ومد أعمار قوم كفار طغاة، واخترم آخرين منهم قبل بلوغ الاكتهال، وفعل مثل ذلك بقوم مؤمنين أفاضل، ومكّن قومًا عصاة مردة من البيان والكلام في العلوم حتى أضلوا أمما من الخلق، وجعل آخرين منهم بلداء أغبياء، وفعل مثل ذلك أيضًا بالمؤمنين سواء بسواء، فما الذي جعل هذا حكمه دون عكس كل ذلك؟ وما الفرق بين هذا من أفعاله تعالى وبين أن يأمر اليوم بأمر ثم ينهى عن مثله غدا؟ وما يفرق بين كل ما ذكر إلا عديم عقل أو وقح سخيف. (١) الوجه الثاني: الذي يحكم بالحسن والقبح هو الله. فإن الحُسن والقبح وما اتصل بهما ليست من صفات الفعل الذاتية حتى تكون ثابتة فيها لا تتغير؛ بل هي تابعة لتعلق أمر الله ونهيه بالفعل وعلى هذا يكون الفعل حسنًا وطاعة ومحبوبًا لله ما دام مأمورًا به من الله، ثم يكون هذا الفعل نفسه قبيحًا ومعصية

стр. 2450

ومكروهًا له تعالى ما دام منهيًا عنه منه تعالى. والقائلون بالحسن والقبح العقليين من المعتزلة يقرون بأنهما يختلفان باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال، وبهذا التوجيه ينتفي اجتماع الضدين؛ لأن الوقت الذي يكون فيه الفعل حسنا غير الوقت الذي يكون فيه ذلك الفعل قبيحا؛ فلم يجتمع الحسن والقبح في وقت واحد على فعل واحد (١). الشبهة السابعة: يقولون إن التوراة التي أنزلها الله على موسى، لم تزل محفوظة لدينا منقولة بالتواتر فيما بيننا وقد جاء فيها: (هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض). وجاء فيها أيضًا، (الزموا يوم السبت أبدًا) وذلك يفيد امتناع النسخ؛ لأن نسخ شيء من أحكام التوراة لا سيما تعظيم يوم السبت إبطال لما هو من عنده تعالى. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه الوجه الأول: هذا الخبر المنقول عن موسى ﵇ لا يصح . قال ابن الجوزي: وأما دعوى من ادعى أن موسى ﵇ أخبر أن شريعته لا تنسخ فمحال ويقال: إن ابن الراوندي (٢) علَّمهم أن يقولوا: إن موسى قال: لا نبي بعدي.

стр. 2451

ويدل على ما قلنا: أنه لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى ﵇ لأن الله تعالى لا يصدق بالمعجزة من كذب موسى، فإن أنكروا معجزة عيسى لزمهم ذلك في معجزة موسى، فإن اعترفوا ببعض معجزاته لزمهم تكذيب من نقل عن موسى ﵇ لأنه قال: لا نبي بعدي (١). قال الآمدي: وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى ﵇. وقد قيل: إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي؛ ليعارض به دعوى الرسالة من محمد ﷺ ، لما ظهر من تسمحه في الدين. (٢) الوجه الثاني: أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد ﷺ بشيء من هذا خاصةً من أسلم منهم، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة لحاجُّوا بها أفضل الرسل ﷺ . قال ابن الجوزي: ومما يدل على كذبهم فيما ادعوا أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد ﷺ بكل شيء، وكان نبينا مصدقًا لموسى ﵇، وحكم عليهم بالرجم عملًا بما في

стр. 2452

شريعة موسى فهلا احتجوا عليه بذلك، ولو احتجوا لشاع نقل ذلك فدلى على أنه قول ابتُدع بعد نبينا محمد ﷺ . (١) قال الآمدي: ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الأحبار، وابن سلام، ووهب بن منبه وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئًا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحًا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي ﷺ في معارضته، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك، ثم إنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث: إن أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السموات والأرض. وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ (٢). الوجه الثالث: على القول بصحته فلا تعارض . قال الآمدي: وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة؛ التوحيد. ويحتمل أنه أراد بقوله (مؤبدة) ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر، ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي ﷺ من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم (٣). الوجه الرابع: التأبيد في التوراة لم يرد به الدوام . قال الآمدي: كيف وإنَّ لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله: إن العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق، فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا. وكقوله في البقرة التي أُمِروا بذبحها: هذه سنة لكم أبدًا، وكقوله: قربوا كل يوم خروفين قربانا دائمًا، (هذه سنة لكم أبدًا) وكقوله: (قربوا كل يوم خروفين قربانًا دائمًا)، مع أن هذه الأحكام قد نسخت باعتراف اليهود أنفسهم، على رغم التصريح فيها بما يفيد

стр. 2453

التأبيد كما ترى (١). الوجه الخامس: زعمهم أن التوراة محفوظة في أيديهم كلام باطل . إننا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح استدلالهم بها؛ بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود، وأنه أصاب من التغيير والتبديل ما جعلها في خبر كان. من تلك الأدلة أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوًا من ألف سنة على ما جاء في نسخة العنانيين، وأن نسخة النصارى تزيد ألفًا وثلاثمائة سنة. ومنها أنه جاء في بعض نسخ التوراة ما يفيد أن نوحًا أدرك جميع آبائه إلى آدم، وأنه أدرك من عهد آدم نحوًا من مائتي سنة، وجاء في بعض نسخ أخرى ما يفيد أن نوحًا أدرك من عمر إبراهيم ثمانيًا وخمسين سنة وكل هذا باطل تاريخيًا. ومنها أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورًا ينكرها العقل ويمجها الطبع ويتأذى بها السمع مما يستحيل معه أن يكون هذا الكتاب صادرًا عن نفس بشرية مؤمنة طاهرة فضلًا عن أن ينسب إلى ولي فضلًا عن أن ينسب إلى نبي فضلًا عن أن ينسب إلى الله رب العالمين. من ذلك أن الله ندم على إرسال الطوفان إلى العالم، وأنه بكى حتى رمدت عيناه، وأن يعقوب صارعه - جل الله عن ذلك كله - ومن ذلك أن لوطًا شرب الخمر حتى ثمل وزنى بابنتيه، ومنه أن هارون هو الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته من دون الله. ومن الأدلة أيضًا على فساد دعوى بقاء التوراة وحفظها ما ثبت بالتواتر عند المؤرخين بل عند اليهود أنفسهم من أن بني إسرائيل وهم حملة التوراة وحفاظها قد ارتدوا عن الدين مرات كثيرة، وعبدوا الأصنام، وقتلوا أنبياءهم شر تقتيل. ولا ريب أن هذه مطاعن شنيعة جارحة لا تبقي لأي واحد منهم أي نصيب من عدالة أو ثقة، ولا تحمل لهذه النسخ

стр. 2454

التي زعموا أنها التوراة أقل شيء من القيمة أو الصحة ما داموا هم رواتها وحفاظها، وما دامت هي لم تعرف إلا عن طريقهم وبروايتهم. (١) الشبهة الثامنة: يقولون إن المسيح ﵇ قال: (السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول) كما قال: (لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدُّ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.) إنجيل متى (٥/ ١٨: ١٧) وهذا يدل على امتناع النسخ سمعًا. والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: قوله (ما جئت لأنقض بل لأكمل) لا يصح بدليل وقوع النقض (النسخ)، والدليل على ذلك: جاء في العهد القديم ما نصه: (إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ؛ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، ٢ وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، ٣ فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، ٤ لَا يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسُّ لَدَى الرَّبِّ. فَلَا تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا.) سفر التثنية (٢٤/ ٤: ١). وبعد ذلك جاء في العهد الجديد ما ينقضه (ينسخه) وهذا نصه: (وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٦ إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". ٧ قَالُوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا

стр. 2455

وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي) إنجيل متى (١٩/ ٩: ٣). الوجه الثاني: الكتاب الذي بين أيديكم محرف، ولا يجوز الاحتجاج به . قال الزرقاني: إنا لا نسلم أن الكتاب الذي بأيديهم هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؛ إنْ هو إلا قصة تاريخية وضعها بعض المسيحيين يبين فيها حياة المسيح وولادته ونشأته ودعوته والأماكن التي تنقل فيها والآيات التي ظهرت على يديه ومواعظه ومناظراته، كما يتحدث فيها عن ذلك الحادث الخيالي حادث الصلب، وعلى رغم أنها قصة فقد عجزوا عن إقامة الدليل على صحتها وعدالة كاتبها وأمانته وضبطه، كما أعياهم اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة بل ثبت علميا تناقض نسخ هذه القصة التي أسموها الإنجيل مما يدل على أنها ليست من عند الله ولو كانت من عند الله ما أتاها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وصدق الله في قوله عن القرآن ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. (١) إن سياق هذه الكلمة في إنجيلهم يدل على أن مراده بها تأبيد تنبؤاته، وتأكيد أنها ستقع لا محالة أما النسخ فلا صلة لها به نفيًا ولا إثباتًا، وذلك لأن المسيح حدّث أصحابه بأمور مستقبلية، وبعد أن انتهى من حديثه هذا أتى بهذه الجملة التي تشبثوا بها: (السَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولَانِ وَلكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ). ولا ريب أن لسياق الكلام تأثيره في المراد منه، وهكذا شرحها المفسرون منهم للإنجيل وقالوا: إن فهمها على عمومها لا يتفق وتصريح المسيح بأحكام ثم تصريحه بما يخالفها، من ذلك أنه قال لأصحابه كما جاء في إنجيل متى (إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لَا تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لَا تَدْخُلُوا. ٦ بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.) وهذا اعتراف بخصوص رسالته لنبي إسرائيل ثم قال مرة أخرى كما في إنجيل مرقس: (اذْهَبُوا
следующие страницы →