← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ويدل على ما قلنا: أنه لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى ﵇ لأن الله تعالى لا يصدق بالمعجزة من كذب موسى، فإن أنكروا معجزة عيسى لزمهم ذلك في معجزة موسى، فإن اعترفوا ببعض معجزاته لزمهم تكذيب من نقل عن موسى ﵇ لأنه قال: لا نبي بعدي (١). قال الآمدي: وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى ﵇. وقد قيل: إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي؛ ليعارض به دعوى الرسالة من محمد ﷺ ، لما ظهر من تسمحه في الدين. (٢) الوجه الثاني: أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد ﷺ بشيء من هذا خاصةً من أسلم منهم، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة لحاجُّوا بها أفضل الرسل ﷺ . قال ابن الجوزي: ومما يدل على كذبهم فيما ادعوا أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمد ﷺ بكل شيء، وكان نبينا مصدقًا لموسى ﵇، وحكم عليهم بالرجم عملًا بما في

стр. 2452

شريعة موسى فهلا احتجوا عليه بذلك، ولو احتجوا لشاع نقل ذلك فدلى على أنه قول ابتُدع بعد نبينا محمد ﷺ . (١) قال الآمدي: ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الأحبار، وابن سلام، ووهب بن منبه وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئًا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحًا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي ﷺ في معارضته، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك، ثم إنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث: إن أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السموات والأرض. وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ (٢). الوجه الثالث: على القول بصحته فلا تعارض . قال الآمدي: وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة؛ التوحيد. ويحتمل أنه أراد بقوله (مؤبدة) ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر، ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي ﷺ من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم (٣). الوجه الرابع: التأبيد في التوراة لم يرد به الدوام . قال الآمدي: كيف وإنَّ لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله: إن العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق، فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا. وكقوله في البقرة التي أُمِروا بذبحها: هذه سنة لكم أبدًا، وكقوله: قربوا كل يوم خروفين قربانا دائمًا، (هذه سنة لكم أبدًا) وكقوله: (قربوا كل يوم خروفين قربانًا دائمًا)، مع أن هذه الأحكام قد نسخت باعتراف اليهود أنفسهم، على رغم التصريح فيها بما يفيد

стр. 2453

التأبيد كما ترى (١). الوجه الخامس: زعمهم أن التوراة محفوظة في أيديهم كلام باطل . إننا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح استدلالهم بها؛ بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود، وأنه أصاب من التغيير والتبديل ما جعلها في خبر كان. من تلك الأدلة أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوًا من ألف سنة على ما جاء في نسخة العنانيين، وأن نسخة النصارى تزيد ألفًا وثلاثمائة سنة. ومنها أنه جاء في بعض نسخ التوراة ما يفيد أن نوحًا أدرك جميع آبائه إلى آدم، وأنه أدرك من عهد آدم نحوًا من مائتي سنة، وجاء في بعض نسخ أخرى ما يفيد أن نوحًا أدرك من عمر إبراهيم ثمانيًا وخمسين سنة وكل هذا باطل تاريخيًا. ومنها أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورًا ينكرها العقل ويمجها الطبع ويتأذى بها السمع مما يستحيل معه أن يكون هذا الكتاب صادرًا عن نفس بشرية مؤمنة طاهرة فضلًا عن أن ينسب إلى ولي فضلًا عن أن ينسب إلى نبي فضلًا عن أن ينسب إلى الله رب العالمين. من ذلك أن الله ندم على إرسال الطوفان إلى العالم، وأنه بكى حتى رمدت عيناه، وأن يعقوب صارعه - جل الله عن ذلك كله - ومن ذلك أن لوطًا شرب الخمر حتى ثمل وزنى بابنتيه، ومنه أن هارون هو الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته من دون الله. ومن الأدلة أيضًا على فساد دعوى بقاء التوراة وحفظها ما ثبت بالتواتر عند المؤرخين بل عند اليهود أنفسهم من أن بني إسرائيل وهم حملة التوراة وحفاظها قد ارتدوا عن الدين مرات كثيرة، وعبدوا الأصنام، وقتلوا أنبياءهم شر تقتيل. ولا ريب أن هذه مطاعن شنيعة جارحة لا تبقي لأي واحد منهم أي نصيب من عدالة أو ثقة، ولا تحمل لهذه النسخ

стр. 2454

التي زعموا أنها التوراة أقل شيء من القيمة أو الصحة ما داموا هم رواتها وحفاظها، وما دامت هي لم تعرف إلا عن طريقهم وبروايتهم. (١) الشبهة الثامنة: يقولون إن المسيح ﵇ قال: (السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول) كما قال: (لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدُّ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.) إنجيل متى (٥/ ١٨: ١٧) وهذا يدل على امتناع النسخ سمعًا. والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: قوله (ما جئت لأنقض بل لأكمل) لا يصح بدليل وقوع النقض (النسخ)، والدليل على ذلك: جاء في العهد القديم ما نصه: (إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ؛ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، ٢ وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، ٣ فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، ٤ لَا يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسُّ لَدَى الرَّبِّ. فَلَا تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا.) سفر التثنية (٢٤/ ٤: ١). وبعد ذلك جاء في العهد الجديد ما ينقضه (ينسخه) وهذا نصه: (وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٦ إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". ٧ قَالُوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا

стр. 2455

وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي) إنجيل متى (١٩/ ٩: ٣). الوجه الثاني: الكتاب الذي بين أيديكم محرف، ولا يجوز الاحتجاج به . قال الزرقاني: إنا لا نسلم أن الكتاب الذي بأيديهم هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؛ إنْ هو إلا قصة تاريخية وضعها بعض المسيحيين يبين فيها حياة المسيح وولادته ونشأته ودعوته والأماكن التي تنقل فيها والآيات التي ظهرت على يديه ومواعظه ومناظراته، كما يتحدث فيها عن ذلك الحادث الخيالي حادث الصلب، وعلى رغم أنها قصة فقد عجزوا عن إقامة الدليل على صحتها وعدالة كاتبها وأمانته وضبطه، كما أعياهم اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة بل ثبت علميا تناقض نسخ هذه القصة التي أسموها الإنجيل مما يدل على أنها ليست من عند الله ولو كانت من عند الله ما أتاها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وصدق الله في قوله عن القرآن ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. (١) إن سياق هذه الكلمة في إنجيلهم يدل على أن مراده بها تأبيد تنبؤاته، وتأكيد أنها ستقع لا محالة أما النسخ فلا صلة لها به نفيًا ولا إثباتًا، وذلك لأن المسيح حدّث أصحابه بأمور مستقبلية، وبعد أن انتهى من حديثه هذا أتى بهذه الجملة التي تشبثوا بها: (السَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولَانِ وَلكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ). ولا ريب أن لسياق الكلام تأثيره في المراد منه، وهكذا شرحها المفسرون منهم للإنجيل وقالوا: إن فهمها على عمومها لا يتفق وتصريح المسيح بأحكام ثم تصريحه بما يخالفها، من ذلك أنه قال لأصحابه كما جاء في إنجيل متى (إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لَا تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لَا تَدْخُلُوا. ٦ بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.) وهذا اعتراف بخصوص رسالته لنبي إسرائيل ثم قال مرة أخرى كما في إنجيل مرقس: (اذْهَبُوا

стр. 2456

إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.) فالقول الثاني ناسخ للأول. (١) الوجه الثالث: على فرض صحتها إنما تدل على امتناع نسخ شيء من شريعة المسيح ﵇ فقط . قال الزرقاني: إن هذه الجملة على تسليم صحتها، وصحة رواته وكتابها الذي جاءت فيه لا تدل على امتناع النسخ مطلقا؛ إنما تدل على امتناع نسخ شيء من شريعة المسيح فقط، فشبهتهم على ما فيه قاصرة قصورًا بيِّنًا عن مدعاهم. (٢) الشبهة التاسعة: هي الربط بين النسخ والبداء، فقد اتخذوا من إثبات النسخ ووقوعه في القرآن ذريعة إلى وصف الله بالبداء . وتمسحوا في أمرين أولهما قوله سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] فيقولون: إن مجال المحو والإثبات فيها هو صفة العلم ذاتها، وإنّ علم الله تعالى يتبدل، نتيجة لما يبدو له، أي لما يظهر له بعد أن كان خافيًا عليه. الأمر الثاني: أنهم تشبثوا بآثار نسبوها إلى أئمة طاهرين، منها أن عليًا ﵁ كان يقول: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة. ومنها أن جعفر الصادق ﵁ قال: ما بدا الله تعالى في شيء كما بدا له في إسماعيل. ومنها أن موسى بن جعفر قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية. ويقوم هذا الادعاء على أن أئمة آل البيت كانوا يصفون الله بالبداء. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: البداء على الله مستحيل وقد حكم العلماء على من وصف الله به بالكفر. قال ابن النجار: وَلَا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَى الله ، وَهُوَ تَجَدُّدُ الْعِلْمِ. وَهُوَ أَيْ الْقَوْلُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِهِ جَلَّ وَعَلَا (كُفْرٌ) بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَنْ قَالَ: إنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا فَعَلِمَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ (٣).

стр. 2457

قال الشوكاني: وقد جوزت الرافضة البداء عليه لجواز النسخ، وهذه مقالة الكفر بمجردها (١). قال الزرقاني: ذانك معنيان متقاربان للبداء (الظهور بعد الخفاء، نشأة رأي جديد لم يك موجودًا) وكلاهما مستحيل على الله تعالى؛ لما يلزمهما من سبق الجهل، وحدوث العلم، والجهل والحدوث عليه محالان؛ لأن النظر الصحيح في هذا العالم دلنا على أن خالقه ومدبره متصف أزلًا وأبدًا بالعلم الواسع المطلق المحيط بكل ما كان وما سيكون وما هو كائن كما هدانا هذا النظر الصحيح إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون حادثا ولا محلا للحوادث، وإلا لكان ناقصًا يعجز عن أن يبدع هذا الكون ويدبره هذا التدبير المعجز ذلك إجمال لدليل العقل. أما أدلة النقل: فنصوص فياضة ناطقة بأنه تعالى أحاط بكل شيء علما وأنه لا تخفى عليه خافية, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ٨ - ١٠]، إلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث. ولكن على رغم أنف هذه البراهين الساطعة من عقلية ونقلية ضل أقوام سفِهوا أنفسهم فأغمضوا عيونهم عن النظر في الكون الناطق، وصموا آذانهم عن سماع كلام الله وكلام نبيه الصادق، وزعموا أن النسخ ضرب من البداء أو مستلزم للبداء، وهكذا اشتبهوا أو شبهوا على الناس الأمر لولا ظهور مصلحة لله ونشوء رأي جديد له ما نسخ أحكامه وبدل تعاليمه، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض ما

стр. 2458

ظهر له أمر كان خافيًا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل؛ إنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلًا من قبل أن يشرعهما لعباده؛ بل من قبل أن يخلق الخلق ويبرأ السماء والأرض، إلا أنه جلت حكمته علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة وبمصلحة أخرى، ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم، وأن الأحكام وحكمها والعباد ومصالحهم والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة لله من قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده، لا ظهور ذلك له على حد التعبير المعروف: شؤون يبديها ولا يبتديها، وما كان ربك نسيًا. اجتمعت اليهود والرافضة على هذه الضلالة، ضلالة استلزام النسخ للبداء؛ لكنهم افترقوا بعد ذلك إلى ناحيتين خطيرتين: فاليهود أنكروا النسخ وأسرفوا في الإنكار لاستلزامه في زعمهم البداء وهو محال، وسنناقشهم الحساب فيما بعد إن شاء الله. أما الرافضة فأثبتوا النسخ ثم أسرفوا في إثبات هذا البداء اللازم له في زعمهم ونسبوه إلى الله في صراحة ووقاحة سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا (١). قال الغزالي: - في معرض الرد على منكري النسخ وأنه يستلزم البداء: وأما الجواب عن الخامس وهو لزوم البداء، فهو فاسد؛ لأنه إن كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح، وينهى عما أمر فذلك جائز ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ولا تناقض فيه، كما أباح الأكل بالليل وحرمه بالنهار، وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما به فهو محال، ولا يلزم ذلك من النسخ؛ بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم، ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم، فينسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه، وليس فيه تبين بعد جهل.

стр. 2459

فإن قيل: فهم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدًا؟ فإن كان إلى وقت النسخ، فالنسخ قد بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء، وإن كانوا مأمورين أبدا فقد تغير علمه ومعلومه. قلنا: هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ، الذي هو قطع الحكم المطلق عنهم، الذي لولاه لدام الحكم، كما يعلم الله - تعالى - البيع المطلق مفيدا للملك، إلى أن يقطع بالفسخ، ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على مدة؛ بل يعلمه مقتضيا لملك مؤبد بشرط، أن لا يطرأ قاطع، لكن يعلم أن الفسخ سيكون، فينقطع الحكم لانقطاع شرطه، لا لقصوره في نفسه. فليس إذًا في الفسخ لزوم البداء، ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا النسخ، ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء، ونقلوا عن علي ﵁ أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره، وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل، أي: في أمره بذبحه. وهذا هو الكفر الصريح ونسبة الإله - تعالى - إلى الجهل والتغير (١). الوجه الثاني: الآية حجة عليهم، وأن التغير في المعلوم لا في العلم . قال الزرقاني: قوله سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ , والجواب: أنه لا مستند لهم في الآية الكريمة؛ بل هي ترد عليهم كما ردت على أشباههم ممن عابوا النسخ على النبي ﷺ ، ومعناها أن الله يغير ما شاء من شرائعه وخلقه على وفق علمه وإرادته وحكمته، وعلمه سبحانه لا يتغير ولا يتبدل إنما التغير في المعلوم لا في العلم بدليل قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي وعنده المرجع الثابت الذي لا محو فيه ولا إثبات، وإنما يقع المحو والإثبات على وفقه فيمحو سبحانه شريعةً ويثبت مكانها أخرى، ويمحو حكمًا ويثبت آخر، ويمحو مرضًا، ويثبت صحة، ويمحو فقرًا ويثبت غنىً،

стр. 2460

ويمحو حياة ويثبت موتًا، وهكذا تعمل يد الله في خلقه وتشريعاته تغييرًا وتبديلًا، وهو الحق وحده لا يعروه تغيير ولا تبديل، ولا يتطرق إلى علمه محو ولا إثبات. وخلاصة هذا التوجيه أن النسخ تبديل في المعلوم لا في العلم، وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وكشف لنا وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء، ولهذا ذهب كثير من علمائنا إلى تعريف النسخ بأنه بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، ثم قالوا: توجيهًا لهذا الاختيار، إن هذا التعريف دفعًا ظاهرًا للبداء وتقريرًا لكون النسخ تبديلًا في حقنا بيانًا محضًا في حق صاحب الشرع (١). الوجه الثالث: بيان معنى المحو والإثبات في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. والمحو والإثبات في الآية على قولين: القول الأول: أن الآية عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر السياق. قال ابن عطية: وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل، وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها - ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم (٢).

стр. 2461

قال الشوكاني: وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر، أو خير أو شرّ، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]. (١) القول الثاني: أن هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون البعض. وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه: أحدها: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء في كتابٍ سوى أُم الكتاب، وهما كتابان أحدهما: أم الكتاب لا يغيره ولا يمحو منه شيئًا كما أراد، قاله عكرمة. الثالث: أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه أي الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ويثبت الناسخ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد. الرابع: أنه يمحو مَنْ قد جاء أجلُه ويثبت من لم يأت أجلُه، قاله الحسن. الخامس: يغفر مما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره، قاله سعيد بن جبير. السادس: أنه الرجل يقدم الطاعة ثم يختمها بالمعصية فتمحو ما قد سلف، والرجل يقدم المعصية ثم يختمها بالطاعة فتمحو ما قد سلف، وهذا القول مأثور عن ابن عباس أيضًا. السابع: أن الحفظة من الملائكة يرفعون جميع أقواله وأفعاله، فيمحو الله ، منها ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب، قاله الضحاك. وثم أقوال أخرى ذكرها أهل العلم. (٢) والقول الأول هو الراجح. فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف،

стр. 2462

فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات؟ قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه (١). الوجه الرابع: هذه الآثار مكذوبة على أئمة آل البيت . وندفع هذا بأنها مفتريات وأكاذيب كان أول من حاك شباكها الكذاب الثقفي (المختار بن أبي عبيد) (٢) الذي كان ينتحل لنفسه العصمة وعلم الغيب، فإذا ما افتضح أمره وكذبته الأيام

стр. 2463

قال: إن الله وعدني ذلك غير أنه بدا له، فإذا أوجس في نفسه خيفة من أن يؤاخذه الناس وينتقموا منه على هذا الكفر الشنيع نسب تلك الكفريات إلى أعلام بيت النبوة وهم منها براء، وهكذا كان اللعين وأشياعه يحتجون بكفر على كفر، ويستدلون بكذب على كذب، ويعالجون داء بداء، ومن يضلل الله فما له من هاد نسأل الله السلامة بمنه وكرمه آمين (١). الوجه الخامس: ماذا قال الكتاب المقدس عن الرب في وصفه بالبداء . سفر القضاة (٢: ١٨) (وَحِينَمَا أَقَامَ الرَّبُّ لَهُمْ قُضَاةً، كَانَ الرَّبُّ مَعَ الْقَاضِي، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ يَدِ أَعْدَائِهِمْ كُلَّ أَيَّامِ الْقَاضِي، لأَنَّ الرَّبَّ نَدِمَ مِنْ أَجْلِ أَنِينِهِمْ بِسَبَبِ مُضَايِقِيهِمْ وَزَاحِمِيهِمْ.)، سفر صموئيل الأول (١٥/ ٣٥) (وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ.)، (سفر يونان ٣/ ١٠) (فَلَمَّا رَأَى الله أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ الله عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ.)، (سفر التكوين ٦/ ٧: ٦) (فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. ٧ فَقَالَ الرَّبُّ: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ)، (سفر صموئيل الأول ١٥/ ١١: ١٠) (وَكَانَ كَلَامُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلًا: ١١ "نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلَامِي". فَاغْتَاظَ صَمُوئِيلُ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ.)، فهذا عين البداء الذي ينسبونه إلى الرب. الشبهة العاشرة: قالوا بأن النبي ﷺ هو الذي كان يدَّعِي النسخ. ويتشبثون بقول الله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] . والجواب عليهم من هذه الوجوه: الوجه الأول: بيان المعنى الصحيح للآية

стр. 2464

قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكم أخرى، والله أعلم بما ينزل: يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغير من أحكامه، قالوا: إنما أنت مفتر. يقول: قال المشركون بالله، المكذبوا رسوله لرسوله: إنما أنت يا محمد مفتر: أي مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله، يقول الله تعالى؛ بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفتر جهال، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته (١). قال الآلوسي: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي إذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلًا منها بأن نسخناها بها، والظاهر على ما في البحر أن المراد نسخ اللفظ والمعنى، ويجوز أن يراد نسخ المعنى مع بقاء اللفظ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ من المصالح، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة؛ فإن كل وقت له مقتضى غير الآخر، فكم من مصلحة تنقلب مفسدة في وقت آخر لانقلاب الأمور الداعية إليها، ونرى الطبيب الحاذق قد يأمر المريض بشربة ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمره بضدها، وما الشرائع إلا مصالح للعباد وأدوية لأمراضهم المعنوية فتختلف حسب اختلاف ذلك في الأوقات وسبحان الحكيم العليم. والجملة إما معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم. وفي الالتفات إلى الغيبة مع الإسناد إلى الاسم الجليل ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض، أو حالية كما قال أبو البقاء وغيره، وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو ﴿يُنَزِّلُ﴾ من الإنزال ﴿قَالُوا﴾ أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ متقول على الله تعالى، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وقد بالغوا - قاتلهم الله - تعالى في نسبة الافتراء إلى حضرة الصادق المصدوق ﷺ حيث وجهوا الخطاب إليه ﷺ ، وجاءوا بالجملة الاسمية مع التأكيد بإنما، وحكاية هذا القول عنهم ههنا للإيذان

стр. 2465

بأنه فكرة ناشئة من نزغات الشيطان وأنه وليهم (١). الوجه الثاني: تكملة الآية وما بعدها يرد عليهم . حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾، فهي لا تكاد تحكي قولتهم المتهورة في اتهام النبي ﷺ حتى تلحقها بما يثبت خطأها وبطلانها، وذلك قوله فيه ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾، وكأن هذين الأسلوبين في الرد عليهم لا يكفيان؛ فإن الآية التالية تأتي بالجواب القاطع قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥]. الوجه الثالث: سباق ولحاق الآية ينكر هذه الدعوى . قال د/ مصطفى زيد: ولا نمضي مع الردود الأخرى التي تضمنها سياق الآيات من بعد، فإن علينا قبل هذا أن نعود إلى السياق لنرى ماذا كان قبل الآية: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. وكون المتحدث عنه في أولها هو القرآن، ووجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته واضح وضوحًا شديدًا، فليس في حاجة إلى أن ننبه عليه، وإنما نرى أن ننبه على ما عالجته بعد ذلك، من نفي سلطان الشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم، وهو نكرة وقع في سياق النفي فيعم، ومن حصر لهذا السلطان الذين يتخذونه وليًا، فيطيعونه

стр. 2466

ويشركون بالله، ذلك أن من مظاهر طاعتهم له ونتائجها هذا الاتهام لمحمد ﷺ بالافتراء، إذا نسخ الله آية من كتابه بآية. إنه واقع حدث منهم، نتيجة لسلطان الشيطان عليهم، وماذا عسى أن تكون وسوسة الشيطان إلا خطأ وباطلًا وجهلًا؟ غير أنهم بسبب تسلطه غافلون عن هذا كله، فسرعان ما يرمون بالافتراء أصدق الناس وأوثقهم وآمنهم. ولكن هناك واقعًا آخر كله صدق وحق وحكمة، وهذا الواقع هو النسخ، فقد نسخ الله من كتابه الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه آيات بآيات أخرى، وكان ذلك لحكمة اقتضته وإن جهلناها نحن أحيانًا غير أن الله وهو أعلم بما ينزل - يعلمها منذ الأزل، وقد جاء النسخ - حين جاء - تحقيقًا لهذه الحكمة، ولم يكن اعتراضًا عليها. ونعود لمتابعة السياق مرة أخرى بعد آية التبديل والآية التالية لها - وفيها الرد الذي يجب أن يجابههم به الرسول - فنجد أن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ [النحل: ١٠٣ - ١٠٧]. وفي هذه الآية حكاية لدعواهم الباطلة: أن الذي يعلم رسول الله ﷺ إنما هم بشر, لكن بطلان هذه الدعوى وكذبها وخطأها - هو أيضًا - واضح شديد الوضوح, فإن الذي ينسبون إليه أنه هو الذي يُعلِّم النبي ﷺ أعجمي اللسان, والقرآن الذي يزعمون أنه من تعليم هذا الأعجمي عربي اللسان, بل هو عربي مبين: في بلاغة, وقوة, وإعجاز. فكيف يصدر مثله عن مثل ذلك الأعجمي؟ .

стр. 2467

وإنهم ليكذبون بما تدل عليه آيات الكتاب الحكيم: من حجج على وجود الله، وعلى علمه، وعلى قدرته، وعلى أنه المنزل لكتابه: الناسخ والمنسوخ منه وغيره، فكيف يهتدون؟ وكيف ينجون من العذاب الأليم؟ على أن الذي يكذب على الله ليس هو محمدًا وأصحابه الذين آمنوا به، وإنما يكذب ويفتري ويختلق على الله: من ينكر وحدانية الله ولا يؤمن بآياته، من يكفر بالله ولا يطمئن قلبه بالإيمان، من استحب الحياة الدنيا لزخرفها الباطل وغرورها وخداعها، فآثرها لهذا السبب على الآخرة. فهم الذين افتروا ويفترون على الله إذن؛ بإنكارهم للنسخ، وبادعائهم أن محمدًا يفتري على ربه، وبزعمهم أنه إنما يعلمه بشر، أما محمد فلم يفتر على الله شيئًا، وما كان ليفتري وهو الصادق الأمين (١). الشبهة الحادية عشرة: قالوا: إن النسخ يدل على وجود التحريف والتبديل في القرآن وأنه لم يحفظ؛ بل حصل فيه كثير من التغيير . فقد ثبت أن كثيرًا من الآيات المنسوخة كانت تتلى بعد الرسول ﷺ ، مثل حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِن الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: النسخ موجود في الشرائع السابقة؛ فمن طعن في القرآن من هذا الباب فهو يطعن في جميع الشرائع المنزلة. فقد نسخت التوراة إباحة تزوج الأخوة والأخوات كما كان في عهد آدم ﵇، ونصها في سفر اللاويين (١٨/ ١٤: ١٣) "عَوْرَةَ أُخْتِ أُمِّكَ لَا تَكْشِفْ. إِنَّهَا قَرِيبَةُ أُمِّكَ. ١٤ عَوْرَةَ أَخِي أَبِيكَ لَا تَكْشِفْ. إِلَى امْرَأَتِهِ لَا تَقْتَرِبْ. إِنَّهَا عَمَّتُكَ."، ونسخ إباحة الجمع بين الأختين كما كان ذلك في عهد يعقوب ﵁ فإنه كان يجمع بين ليا وراحيل ابنتي خاله،

стр. 2468

وقصته مذكورة في سفر التكوين الإصحاح التاسع والعشرين، ودليل النسخ ما جاء في سفر اللاويين (١٨/ ١٨) "وَلَا تَأْخُذِ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا لِلضِّرِّ لِتَكْشِفَ عَوْرَتَهَا مَعَهَا فِي حَيَاتِهَا."، ونسخت إباحة أكل جميع الحيوانات كما كان في عهد نوح ﵁ ففي سفر التكوين الإصحاح التاسع خطابًا لنوح وبنيه "كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع"، ودليل النسخ ما جاء في سفر اللاويين، الإصحاح الحادي عشر من تحريم الجمل والأرنب والخنزير وغير ذلك، فهذا قليل من كثير مما نسخته التوراة من أحكام الشرائع السابقة. وأما الإنجيل فقد نسخ إباحة الطلاق كما كان ذلك في الشريعة الموسوية بأي سبب كان زنا أو غيره، وإباحة تزوج المطلقة، ففي سفر التثنية (٢٤/ ٣: ١) "إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، ٢ وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، "، فحرم الإنجيل الطلاق إلا بعلة الزنا، وحرم تزوج المطلقة، ونص متى في ذلك الإصحاح الخامس "وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب الطلاق، وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني"، ونسخ حرمة أكل الحيوانات التي كانت محرمة في شريعة موسى، وتقدمت الإشارة إلى بعضها. . . إلى آخر تلك النصوص. الوجه الثاني: أن النسخ من محاسن القرآن لا من المطاعن فيه . إن النسخ من محاسن القرآن لا من مساوئه كما تقدم في ذكر طرف من هذه الحكم، وأكثر ما يدندن عليه الطاعنون هو نسخ الحكم وبقاء التلاوة أو العكس، وهي قضية نسخ التلاوة وبقاء الحكم، فيقولون: ما فائدة بقاء الآية إذا ذهب حكمها ونسخ، وكيف يقال إن هذه الآية نسخت وحكمها باق؟ ولم يعلموا أن لهذا حكما كثيرة. فمن حكم نسخ الحكم وبقاء التلاوة:

стр. 2469

أ - التذكير بنعمة الله تعالى حيث إن غالب الآيات المنسوخة الحكم لا التلاوة فيها تخفيف على الأمة، مثل نسخ عدة المتوفاة من سنة إلى أربعة أشهر وعشرًا، وفي الصحيحين قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا). (١) ب - أن نسخ حكم الآية التكليفي لا يبطل كل الأحكام المتعلقة بالآية مثل الأجر لمن قرأها، فقارئها له ثواب التلاوة، وكذلك الاستفادة من الآية في الأحكام البلاغية والنحوية والتجويدية، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية فيها. ٣ - أن العقل لا يمنع أن يقول الملك لرعيته: افعلوا كذا، وهو يقصد أن يهيئهم لأمر آخر، فإذا تهيئوا قال: افعلوا كذا، وكما يقول الطبيب لمدمن التدخين مثلًا: قلل من شرب الدخان، فإذا تجاوز هذه المرحلة قال له: اقطع التدخين. وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فله حِكَم كثيرة منها: ١ - الابتلاء، لمعرفة كمال اتباع الناس للنصوص، فالمؤمن كامل الإيمان يسلم، والمنافق يجادل، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ يوم الجمعة فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا

стр. 2470

يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ؛ إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا (بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ الله آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ والله مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ الله فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلهَا الله وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ الله حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ. . .) (١). ٢ - بيان فضل هذه الأمة؛ إذ بلغ من كمال إتباعها أنها تتبع حتى ما نسخ لفظه ولا تجده في المصحف. قال الزركشي: وهنا سؤال وهو أن يقال ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون فقال: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي). (٢) ٣ - لنفرض جدلًا أن هذه الأحكام التي نسخ لفظها لا يجوز العمل بها؛ لأن ما نسخ لفظه فقد نسخ حكمه، فإن ثبوتها في السنة يكفي للعمل بها. (٣) الوجه الثالث: كتابكم غير محفوظ. والأدلة على ذلك كثيرة جدًا ومن أهم هذه الأدلة هي ضياع أسفار ليست موجودة في كتابكم. فقد تكلم الرب عن أسفار نسخها بنفسه، أو فقدت أو حرفها الكتبة والكهنة منهم: ١ - سفر حروب الرب وقد جاء ذكره في (العدد ٢١: ١٤). ٢ - سفر ياشر وقد جاء ذكره في (يشوع ١٠: ١٣ وصموئيل الثاني ١: ١٧).

стр. 2471

٣ - سفر أمور سليمان جاء ذكره في (الملوك الأول ١١: ٤١). ٤ - سفر مرثية إرميا على يوشيا ملك أورشليم (أخبار الأيام الثاني ٣٥: ٢٥) ٥ - سفر أمور يوشيا (أخبار الأيام الثاني ٣٥: ٢٥) ٦ - سفر مراحم يوشيا (أخبار الأيام الثاني ٣٥: ٢٥) ٧ - سفر أخبار ناثان النبي (أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩) ٨ - سفر أخيا النبي الشيلوني (أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩) ٩ - وسفر رؤيا يعدو الرائي وجاء ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩) ١٠ - سفر أخبار جاد الرائي وقد جاء ذكره في (أخبار الأيام الأول ٢٩: ٢٩ - ٣١). ١١ - سفر أخبار أيام ملوك يهوذا: ورد ذكره في (ملوك الثاني ٢٤/ ٥ و ٢١: ٢٥). ١٢ - سفر تاريخ إسرائيل ويهوذا: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٢٧: ٧). ١٣ - سفر تاريخ عدو الرائى: ذكر في (أخبار الأيام الثاني ١٢: (١٥ و (١٣: ٢٢). ١٤ - سفر تاريخ شمعيا النبي: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ١٢/ ١٥). ١٥ - سفر كتاب إشعياء النبي عن الملك عزّيا: ذكر في (أخبار الأيام الثاني ٢٦: ٢٢). ١٦ - سفر تاريخ الملوك: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٢٤/ ٢٧). ١٧ - سفر أخبار الأنبياء: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٣٣: ١٩). ١٨ - سفر الرب: ورد ذكره في اشعياء (٣٤: ١٦). ١٩ - سفر تاريخ ياهو بن حناني: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٢٠: ٣٤). ٢٠ - سفر تاريخ ملوك إسرائيل ويهوذا: ورد ذكره في (أخبار الأيام الثاني ٣٦: ٨). ٢١ - سفر سنن الملك: ورد ذكره في (صموئيل الأول ١٠: ٢٥). ٢٢ - سفر أخبار أيام ملوك إسرائيل: ورد ذكره في (ملوك الأول ١٤/ ١٩ و ١٦/ ٥) و (١٦/ ١٤). ٢٣ - سفر شريعة الله (يشوع ٢٤: ٢٦). ٢٤ - سفر توراة موسى (يشوع ٨: ٣١).

стр. 2472

٢٥ - سفر شريعة موسى (يشوع ٢٣: ٦). ٢٦ - سفر أخبار الأيام: ورد ذكره في (نحميا ١٢: ٢٣). ٢٧ - سفر يسوع (تسالونيكى الثانية) (١/ ٨). ٢٨ - سفر أخبار صموئيل الرائي (أخبار الأيام الأول ٢٩: ٢٩). ٢٩ - سفر حياة الخروف (رؤيا يوحنا اللاهوتي ١٣: ٨ و ٢١: ٢٧). ٣٠ - كتاب العهد لموسى ﵇ (الخروج ٢٤: ٧). ٣١ - رسالة بولس إلى أهل اللاذقية: ورد ذكرها في (كولسي ٤/ ١٦). ٣٢ - رسالة بولس الأولى إلى أهل فيلبي: ورد ذكرها في (فيلبي ٣: ١). الموجودة في العهد الجديد .. (انظر العهد الجديد (بولس باسيم) هامش صفحة ٧٧١). ٣٣ - رسالة بولس إلى أهل كورنثوس: ورد ذكرها في كورنثوس الثانية ٧: ٨). ٣٤ - وتقول دائرة المعارف الكتابية (كلمة أبوكريفا): إن هناك رسالة مفقودة إلى الكورنثيين: ففي (كورنثوس الأولى ٥: ٩) يذكر الرسول رسالة إلى الكورنثيين يبدو أنها قد فقدت. الشبهة الثانية عشر: قالوا: إن النسخ حيلة ابتدعها المسلمون للخروج من مأزق التناقض بين الآيات . والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: النسخ كان في زمن النبي ﷺ وليس مبتدعًا بعده، وكان الصحابة ﵃ لا يأذنون لأحد بالفتوى حتى يتعلم الناسخ والمنسوخ. عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَتَى عَلَى قَاص فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. (١)

стр. 2473

الوجه الثاني: أن النسخ موجود في كل الشرائع كما تقدم. الوجه الثالث: أن بعض الآيات تدل هي ذاتها على النسخ من غير تدخل من أحد، مثل قوله تعالى في آيات المصابرة ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا. .﴾ [الأنفال: ٦٦]. الوجه الرابع: أن النسخ قد تم الإجماع على وقوعه والأمة لا تجتمع على ضلالة. الوجه الخامس: أن الحكم على آية أو حديث بالنسخ له شروط شديدة لا بد أن تتوفر حتى يحكم على هذا النص بالنسخ، فلا يمكن لأي أحد التلاعب في النصوص بحجة النسخ، فمن هذه الشروط: ١ - أن يكون النسخ حكما شرعيًا. ٢ - أن يكون الناسخ دليلا شرعيًا. ٣ - أن يكون الناسخ متراخيًا عن المنسوخ. ٤ - أن يكون بين النصين تعارض حقيقي، فلا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بينهما. ٥ - أن النسخ لا يكون في الأخبار كما تقدم. (١) الشبهة الثالثة عشر: اعتراضهم على قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فقالوا: بأن الكلام فيه مفاضلة، وهذه الخيرية تتعارض مع النسخ بالأثقل فكيف تكون الخيرية إذن. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: المراد بالخيرية في الآية التخفيف أو المصلحة وليست في التلاوة . قال الجصاص: فَحَصَلَ مِنْ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ أَنَّ الْمُرَادَ "خَيْرٌ لَكُمْ إمَّا فِي التَّخْفِيفِ أَوْ فِي الْمَصْلَحَةِ "وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: خَيْرٌ مِنْهَا فِي التِّلَاوَةِ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ فِي مَعْنَى التِّلَاوَة وَالنَّظْمِ؛ إذْ جَمِيعُهُ مُعْجِزٌ كَلَامُ الله (٢).

стр. 2474

قال ابن أبي زمنين: هذه الآية الناسخة خير في زماننا هذا لأهلها، وتلك الأولى المنسوخة خير لأهلها في ذلك الزمان، وهي مثلها بعد في حقها وصدقها. (١) الوجه الثاني: الخيرية في كلام الله ثابتة فهذا كلامه سبحانه وهو الذي حكم بذلك . قال ابن تيمية: وأيضًا فإن الناس متنازعون في صفاته: هل بعضها أفضل من بعض مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع؟ . والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض وبعض صفاته أفضل من بعض مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] , وكقوله ﷺ حاكيًا عن ربه: " إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "سبقت غضبي" (٢). وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن (٣). وقوله في فاتحة الكتاب: لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، فنفى أن يكون لها مثل، وقوله عن آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن، وقوله ﷺ "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٤). وقوله: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع" (٥).

стр. 2475

فأخبر أن الفضل بيده اليمنى، والقسط بيده الأخرى مع أن كلا يديه يمين كما في الصحيح عن النبي ﷺ : "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" (١). فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها، وبعضها أفضل من بعض لم يمتنع أنه هو العالي علوًا مطلقًا، وإن كان منه ما هو أعلى من غيره (٢). وقال أيضًا: والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض، هو القول المأثور عن السلف وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم (٣). الوجه الثالث: الجمهور على وقوع البدل إلى أثقل . قال ابن حزم: قال قوم من أصحابنا ومن غيرهم: لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل. وقد أخطأ هؤلاء القائلون. وجائز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف، والشيء بمثله، ويفعل الله ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، وإن احتج محتج بقوله الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ , وبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وبقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فلا حجة لهم في شيء من ذلك. أما قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فنعم، دين الله كله يسر، والعسر والحرج هو ما لا يستطاع، أما ما استطيع فهو يسر، وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ﴾ منه، ولا ثقيل البتة إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه هذا أمر يعلم حسًا ومشاهدةً، ولا يشك ذو عقل أن الصلوات الخمس المفروضة علينا أخف من خمسين صلاة، وأنها لو كانت صلاة واحدة

стр. 2476

كانت أخف علينا من الخمس، وقد خفف الله تعالى عن المسافر فجعلها ركعتين وعن الخائف فجعلها ركعة واحدة، ولو شاء ألا يكلفنا صلاة أصلًا لكان أخف بلا شك. وقد نص الله تعالى في الصلاة على أنها كبيرة إلا على الخاشعين، ولا يشك ذو عقل وحس أن صيام شهر أخف من صيام عام، وأن صيام ساعة أخف من صيام يوم، فكل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالإضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا، كما قال الله تعالى آمرا لنا أن ندعوه فنقول: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. وكما نص تعالى أنه وضع بنبيه ﷺ الإصر الذي كان عليهم، والأغلال التي كانوا يطوقونها، إذ يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج، وأين يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى، من قتل أنفسهم بأيديهم، فكل شيء كلفناه يهون عند هذا، وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه من خطر على ميت تنجس يوما إلى الليل، وسائر الثقائل التي كلفوا وحرم عليهم، وخفف عنا ذلك كله. ولله الحمد والمنة. وأما قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾؛ فإنما معناه بخير منها لكم، وكلام الله لا يتفاضل في ذاته، فمعناه أكثر أجرًا. ولو احتج بهذه الآية من يستجيز أن يقول: لا ننسخ الأخف إلا بالأثقل لكنا أقوى شغبًا ممن خالفه، لأنه لا خلاف أن الأثقل فاعله أعظم أجرًا، وقد قال ﷺ لعائشة في العمرة: هي على قدر نصبك ونفقتك، كانت الناسخة أعظم أجرًا، فلا يكون ذلك إلا لثقلها، فهذه الآية عليهم لا لهم فسقط احتجاجهم بكل ما شغبوا به.

стр. 2477

ثم نقول: إن من قال: إن الله تعالى إنما يلزمنا أخف الأشياء: فإنه يلزمه إسقاط الشرائع كلها؛ لأنها كلها ثقال بالإضافة إلى ترك عملها، والاقتصار على عمل جزء من كل عمل منها، وهذا شيء يعلم بالحس والمشاهدة. فصار قول من خالفنا مؤديًا إلى الخروج عن الإسلام جملة، ولا عمل في الدنيا إلا وفيه كلفة ومشقة. وقد قال الشاعر: هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل وفي الأكل والشرب مشقة، فلو أن الإنسان يصل إلى ذوق الطعوم المستطابة والشبع، دون تكلف تناول ومضغ وبلع، لكان أخف عليه وأقل مشقة وأيسر غررا، فرب مختنق بأكله كان في ذلك حتفه، أو الإشراف على الحتف. ورب متأذ بما يدخل من ذلك في جوفه، وبما يدخل بين أضراسه، ومغث لمعدته فيتقيأ فيألم لذلك، ومن ملوث لثوبه بما يسقط من يده ولو تتبعنا ما في اللذات من عسر ومشقة لطال ذلك جدا، فكيف بالأعمال المكلفة. ولكن العسر والمشقة تتفاضل، فإنما رفع الله عنا في بعض المواضع ما لا نطيق، وخفف تعالى في بعضها تخفيفا أكثر من تخفيف آخر. وقد جاء في الأثر: "حُفت الجنة بالمكاره" فبطل بهذا الحديث نصًا قول من قال: إن الله تعالى لا ينسخ الأخف بالأثقل. وصح أن الله تعالى يفعل ما يشاء فينسخ الأخف بالأثقل، والأثقل بالأخف، والشيء بمثله، والشيء بإسقاطه جملة، ويزيدنا شريعة من غير أن يخفف عنا أخرى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل. فإن اعترضوا بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فهذه حجة عليهم بينة لا محيد عنها؛ لأن التخفيف لا يكون إلا بعد تثقيل، فإذا ثقل علينا تعالى أولا فما الذي يمنع من أن يثقل علينا آخرا إن شاء.

стр. 2478

وقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الأول ثم ثقلنا به، فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه، ويكفي من هذا كله وجودنا ما لا سبيل لهم إلى دفع نسخه تعالى أشياء خفافا بأشياء ثقال. فمن ذلك نسخه تعالى صيام يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان، ونسخ إباحة الإفطار في رمضان، وإطعام مساكين - بدل ما يفطر من أيامه - بوجوب صيامه فرضًا على كل حاضر صحيح بالغ عاقل عالم بالشهر، ولزوم الصيام فيه، ونسخ سقوط الغسل عن المولج العامد الذاكر لطهارته بإيجاب الغسل عليه، ونسخ تعالى إباحة الكلام للمصلي بعد أن كان حلالا بتحريمه، وقد كان الكلام فيها فيما ناب الإنسان أخف بلا شك، ونسخ تعالى سقوط فرض الجهاد وبيعة المسلمين لرسول الله ﷺ على بيعة النساء بإيجاب القتال، وحرم الخمر بعد إحلالها وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، فصح أنه تعالى حرم عليهم أشياء كانت لهم حلالًا وقد كان المنسوخ من كل ما ذكرنا أخف من الناسخ بالحس والمشاهدة. وقد بين الله تعالى ذلك بإخباره أن في الخمر والميسر منافع للناس، فأبطل تعالى علينا تلك المنافع ولا يشك ذو عقل أن عدم المنفعة أثقل من وجودها، ونسخ تعالى الأذى والحبس عن الزواني والزناة والرجم والتغريب، ولا شك عند من له عقل أن الحجارة والسياط أثقل من السب والسجن (١). الشبهة الرابعة عشر: قالوا بأن النسخ يتعارض مع قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] لأن الآية هنا تثبت الحفظ، وفي آية النسخ تثبت النسيان حيث يقول الله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:

стр. 2479

الوجه الأول: القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى فالله له الحكمة البالغة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠١، ١٠٢]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكم أخرى، والله أعلم بما ينزل: يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغير من أحكامه، قالوا: إنما أنت مفتر يقول: قال المشركون بالله، المكذبو رسوله لرسوله: إنما أنت يا محمد مفتر: أي مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله، يقول الله تعالى بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفتر جهال، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته. (١) ولذا قال الله تعالى عقب هذه الآية (آية سورة البقرة): ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧]. قال ابن كثير: يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم -

стр. 2480

لعنهم الله - في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكًا. قال الطبري: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء. ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه. وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل. قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نُسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد ﷺ والأمر بإتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، ﵊، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى

стр. 2481

بعثته ﵇ فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين؛ لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله ﵎. ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود، عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١). الوجه الثاني: بيان معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية فيها قراءتان: أولًا: قراءة (ننسأها) وعلى هذا تكون بمعنى التأخير، فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) (٢)، وَ"نَنْسَأهَا" مِنْ التَّأْخِيرِ، يُقَالُ: نَسَأَت الشَّيْءَ: أَخَّرْته، وَالنَّسِيئَةُ: الدَّيْنُ الْمُتَأَخِّرُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ يَعْنِي تَأْخِيرَ الشُّهُور، وَأَمَّا مَعْنَى قِرَاءَةِ "أَوْ نَنْسَأْهَا" فَإِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُؤَخِّرَهَا فَلَا يُنَزِّلُهَا وَيُنَزِّلُ بَدَلًا مِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمصْلحَةِ أَوْ يَكُونُ أَصْلَحَ لِلْعِبَادِ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَخِّرَ إنْزَالَهَا إلَى وَقْتٍ يَأْتِي فَيَأْتِي بَدَلًا مِنْهَا لَوْ أَنْزَلَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَقُومَ مَقَامَهَا فِي الْمُصْلِحَةِ (٣). قال مكي بن أبي طالب: "جعلاه - أبو عمرو وابن كثير - من التأخير على معنى: أو نؤخر نسخ لفظها نأت بخير منها، فهو من: نسأ الله في أجلك، أي أخر فيه. وتأخر النسخ

стр. 2482

على وجهين: أحدهما: أن يؤخر التنزيل للآية فلا ينزل من اللوح المحفوظ، والثاني: أن ينزل القرآن فيتلى، ويعمل به. ثم يؤخر فينسخ العمل به دون اللفظ أو ينسخ العمل به واللفظ، أو ينسخ اللفظ ويبقى العمل. (١) ثانيًا: قراءة (ننسها) وهي قراءة الجمهور وتحمل معنيين: الأول: الترك. (أو ننسها) من النسيان الذي هو بمعنى الترك، فيكون المعنى: ما ننسخ من آية أو نتركها بلا نسخ نأت بخير منها أو مثلها، وقدر بعض العلماء هنا مقدر وهو (حكم)، فالمعنى ما ننسخ من حكم آية أو نترك حكمها نأت بخير منها أو مثلها. ويرد على هذا إيراد وهو: كيف تكون الآية باقية (أي متروكة لم تُنسخ)، ويُقال نأت بخير منها أو مثلها؟ وللإجابة على ذلك وجوه: أولها: أن المراد بننسها نثبت لفظها ونترك حكمها. ثانيها: أن المراد بالآية: الآية من آيات التوراة، فالمعنى ما ننسخ من آية من آيات التوراة نأت بآية في القرآن مثلها أو خير منها، لكن هذا القول لم يقل به هنا إلا قلة قليلة من أهل العلم (أعني القول بأن المراد بالآية آية التوراة). القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى (ننسها) أي: نرفع لفظها فلا يستقر منها في القلوب والأذهان شيء، (وهو من النسيان المعهود لدى الناس)، ومثال ذلك ما صح عن أنس بن مالك من وجوه أن الذين قُتلوا ببئر معونة أنزل الله فيهم قرآنًا يتلى (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ثم نُسخ ذلك بعد. ومثال ذلك أيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي الأسود: بَعَثَ أَبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ

стр. 2483

الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ. وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى حَفِظْتُ مِنْهَا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (١) قال ابن عطية: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر. فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة، وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لا بد أن ننزل رفقًا بكم خيرًا من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. والمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضًا، على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في ﴿مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ عائدين على المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها.

стр. 2484

وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير؛ فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله، والثاني ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته، والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه، والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتًا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها؛ لأنها تحتمل، وقد قال "جميعها" العلماء إما نصًا وإما إشارة فكملناها. وقال الزجاج: إن القراءة "أو نُنْسِها" بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى الترك؛ لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي ﷺ ولا نسي قرآنًا، وقال أبو علي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسئة، واحتج الزجاج بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] أي لم نفعل، قال أبو علي معناه لم نذهب بالجميع. قال ابن عطية: على معنى إزالة النعمة كما توعد، وقد حكى الطبري القول عن أقدم من الزجاج، ورد عليه، والصحيح في هذا أن نسيان النبي ﷺ لما أراد الله، تعالى أن ينساه ولم يرد أن يثبت قرآنًا جائز. فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي ﷺ معصوم منه قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر؛ لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: أفي القوم أبيّ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فلم لم تذكرني؟ قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ : لم ترفع ولكني نسيتها (١).

стр. 2485

وعلى قول الجمهور بأن المراد بقوله (نُنْسِهَا) النسيان الذي هو ضد الذكر، فالذي نسيه النبي ﷺ إنما هو بقدر الله قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. قال الطبري: بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله (١). الشبهة الخامسة عشر: يقولون بأن النسخ يوجد في القرآن بكثرة وهذا يدل على عدم الحفظ . والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: عند التحقيق النسخ قليل جدًا في القرآن . قال السيوطي: الضرب الثاني: ما نسخ حكمه دون تلاوته، وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهو على الحقيقة قليل جدًا، وإن أكثر الناس من تعديد الآيات فيه فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه. والذي أقوله: إن الذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له علاقة بهما بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ونحو ذلك، قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك هو باق، أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة، والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك. وكذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، قيل: إنها مما نسخ بآية السيف، وليس كذلك؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدًا، لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن

стр. 2486

كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة، وقوله في البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، عده بعضه من المنسوخ بآية السيف، وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر فلا نسخ فيه وقس على ذلك. وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ. وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٤, ٢٢٧] , ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ، ومنه قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قيل إنه نسخ، بقوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وإنما هو مخصوص به. وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية، وحصر الطلاق في الثلاث، وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب، وهو الذي رجحه مكي وغيره، ووجهوه بأن ذلك لو عُدَّ في الناسخ لعُدَّ جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب. قالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية اهـ. نعم النوع الآخر منه وهو رافع ما كان في أول الإسلام إدخاله أوجه من القسمين قبله، إذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها، وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير. فقد لخص ﵀ جملة هذه الآيات المنسوخة في هذه الأبيات فقال:

стр. 2487

قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر وهاك تحرير آي لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر آي التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصي لأهليه عند الموت محتضر وحرمة الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر وحق تقواه فيما صح من أثر ... وفي الحرام قتال للألي كفروا والاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر والحلف والحبس للزاني وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر ومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى في العقد محتظر ودفع مهر لمن جاءت وآية نجـ ... ـواه كذاك قيام الليل مستطر وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا (١) الوجه الثاني: موقف العلماء من النسخ . قال الزرقاني: العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال، فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه. والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقًا ولم يتوسعوا فيه جزافًا كالغالين، بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة المتقدم منها والمتأخر، والغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة، ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ، وهبة الله بن سلامة، وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا. ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ، وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون

стр. 2488

بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي؛ بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها. (١) قال د/ مصطفى زيد: لم يُهلنا الأمر عندما وجدنا أن قضايا النسخ كما تجمعت لدينا قد أربى عددها على مائتين وتسعين قضية، فنحن نعلم أن من بين هذه القضايا دعاوى نسخ في آيات إخبارية لا تشريع فيها على الإطلاق، ودعاوى أخرى في أحكام لم يشرع الإسلام غيرها في موضوعها، ودعاوى في آيات ليس فيها إلا تخصيص العام أو تقييد المطلق، أو بيان المبهم، أو تفصيل المجمل، ودعاوى لم تقم أصلًا إلا على سوء الفهم للنص القرآني المنسوخ أو الناسخ أو كليهما بسبب تجاهل سبب النزول أو دلالة السياق، أو بسبب القصور عن إدراك الأسلوب القرآني وإعجازه البليغ، أو بسبب آخر غير هذا وذاك. ومن هنا أيضًا لم يدهشنا أن ينزل السيوطي في الإتقان بهذا العدد الكبير إلى أقل من عُشره، حين قرر أن عدد الآيات المنسوخة في القرآن لا يتجاوز عشرين آية، فقد تكشف مناقشتنا لدعاوى النسخ في هذه الآيات عن رفض بعض هذه الدعاوى، وتنزل بهذا العدد الذي حدده السيوطي إلى ما دون نصفه: ربعه أو نحوه. (٢) ثم قال: وينبغي أن يكون معلومًا أن العدد الذي عرضه كل مصنف في كتابه ليس تحديدًا دقيقًا لعدد وقائع النسخ عنده، فهو لا يعدو في جملته أن يكون قضايا كما عبرنا، ومن بين هذه القضايا كثير حكوا في نسخه خلافًا، ومن بين هذه القضايا التي اختلفوا في نسخها قليل انتهوا من مناقشة دعوى النسخ فيه إلى إثبات أنه محكم، ومن بينها كذلك قضايا أثبتت مناقشتها أنها ناسخة وليست منسوخة، حتى عندهم. (٣) وقال أيضًا: فها هنا تنتهي مناقشتنا للآيات التي ادعى عليها النسخ وليست منسوخة عرضنا منها حسبما مرتبًا:

стр. 2489

خمسًا وسبعين آية بطلت دعوى النسخ عليها، لأنها أخبار. وثماني وعشرين آية بطلت دعوى النسخ عليها؛ لأنها للوعيد. وثلاثًا وستين ادعى عليها النسخ خطأ بآية السيف، مع أنها جميعًا محكمة. وثماني وأربعين ادعى عليها النسخ مع أن علاقة نواسخها بها إنما هي التخصيص بأنواعه، أو التقييد أو التفسير أو التفصيل. وثلاثًا وستين لم تصح دعوى النسخ عليها لعدم التعارض بينها وبين نواسخها. وستًا لم تصح دعوى النسخ عليها مع أن المؤلفين في الناسخ والمنسوخ يجمعون عليها، والأصوليون يمثلون ببعضها على أن النسخ فيها مسلم. ولقد أحسسنا ونحن نعالج كل مجموعة من هذه المجموعات أن بعضها يتداخل في بعضها الآخر، فليس كل منها تقسيمًا لغيره بالمعنى الدقيق المفهوم للتقسيم، لكنا كنا نشعر منذ بدأنا نعالج أن هذا التداخل واقع لا مفر منه، وأنه لا مانع على الإطلاق من أن تبطل دعوى النسخ على آية؛ لأنها خبر، ولأنه لا تعارض بينها وبين الآية الناسخة لها على زعمهم، ولأنها لا تعدو أن تكون من الأولى بمنزلة الخاص من العام، أو المقيد من المطلق، أو المفسر من المبهم، أو المفصل من المجمل، وأنها مع هذا سيقت لتدل على الوعيد، ثم ادعى عليها النسخ بعد هذا كله بآية السيف. (١) وأخيرًا: فقد عرض في فصل وحيد وقائع النسخ التي صحت، بعد ترتيبها ترتيبًا موضوعيًا فقهيًا، وهي خمس وقائع في ست آيات: واقعة وجوب التهجد في نسخه، في سورة المزمل. وواقعة فرض الصدقة بين يدي نجوى الرسول ثم رفعه، في سورة المجادلة. وواقعة وجوب الثبات في القتال أمام عشرة أمثالهم من الكفار، ثم نسخه بوجوب الثبات أمام مثليهم فقط في سورة الأنفال.

стр. 2490

وواقعة عقوبة الزنا في آيتي سورة النساء، ونسخها بالحد في آية سورة النور. وواقعة نسخ مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى. . .﴾ [النساء: ٤٣]، بالأمر باجتناب الخمر مطلقًا عن القيود في سورة المائدة. (١) قال الشيخ محمد أشرف الملباري: - بعد دراسة وتحقيق كتاب نواسخ القرآن لابن الجوزي -: ابن الجوزي أكثر المؤلفين إيرادًا لوقائع النسخ مع أنه أقلهم قبولًا لها، فقد بلغ عدد القضايا التي قيل فيها بالنسخ عنده ٢٤٧ قضية في ٦٢ سورة. ومن خلال استعراضه لقضايا النسخ، يختار ابن الجوزي وقوعه في عدد ضئيل من الآيات، وبالتحديد لم يقل بوقوع النسخ إلا في ٢٢ واقعة فحسب، بينما يرى الإحكام في حوالي ٢٠٥ واقعة، وفي الآيات الباقية وقف موقف الحياد. ويلاحظ أن ابن الجوزي لم يصرح في كتابه بالنسخ في جميع هذه الوقائع، وإنما صرح به في سبع وقائع فقط. (٢) كذلك نجد أن أبا جعفر النحاس، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٢٥ أو ٢٦ واقعة أيضًا. (٣) كذلك نجد أن الدهلوي، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٥ آيات. (٤) كذلك نجد أن الزرقاني، ذكر كلام السيوطي، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٩ آيات. (٥)
следующие страницы →