كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة، وقوله في البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، عده بعضه من المنسوخ بآية السيف، وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر فلا نسخ فيه وقس على ذلك.
وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ. وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٤, ٢٢٧] , ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ، ومنه قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قيل إنه نسخ، بقوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وإنما هو مخصوص به. وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية، وحصر الطلاق في الثلاث، وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب، وهو الذي رجحه مكي وغيره، ووجهوه بأن ذلك لو عُدَّ في الناسخ لعُدَّ جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب.
قالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية اهـ.
نعم النوع الآخر منه وهو رافع ما كان في أول الإسلام إدخاله أوجه من القسمين قبله، إذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها، وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير.
فقد لخص ﵀ جملة هذه الآيات المنسوخة في هذه الأبيات فقال:
стр. 2487
قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهاك تحرير آي لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر
آي التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصي لأهليه عند الموت محتضر
وحرمة الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر
وحق تقواه فيما صح من أثر ... وفي الحرام قتال للألي كفروا
والاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر
والحلف والحبس للزاني وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر
ومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى في العقد محتظر
ودفع مهر لمن جاءت وآية نجـ ... ـواه كذاك قيام الليل مستطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا (١)
الوجه الثاني: موقف العلماء من النسخ .
قال الزرقاني: العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال، فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه.
والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقًا ولم يتوسعوا فيه جزافًا كالغالين، بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة المتقدم منها والمتأخر، والغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة، ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ، وهبة الله بن سلامة، وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا. ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ، وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون
стр. 2488
بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي؛ بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها. (١)
قال د/ مصطفى زيد: لم يُهلنا الأمر عندما وجدنا أن قضايا النسخ كما تجمعت لدينا قد أربى عددها على مائتين وتسعين قضية، فنحن نعلم أن من بين هذه القضايا دعاوى نسخ في آيات إخبارية لا تشريع فيها على الإطلاق، ودعاوى أخرى في أحكام لم يشرع الإسلام غيرها في موضوعها، ودعاوى في آيات ليس فيها إلا تخصيص العام أو تقييد المطلق، أو بيان المبهم، أو تفصيل المجمل، ودعاوى لم تقم أصلًا إلا على سوء الفهم للنص القرآني المنسوخ أو الناسخ أو كليهما بسبب تجاهل سبب النزول أو دلالة السياق، أو بسبب القصور عن إدراك الأسلوب القرآني وإعجازه البليغ، أو بسبب آخر غير هذا وذاك.
ومن هنا أيضًا لم يدهشنا أن ينزل السيوطي في الإتقان بهذا العدد الكبير إلى أقل من عُشره، حين قرر أن عدد الآيات المنسوخة في القرآن لا يتجاوز عشرين آية، فقد تكشف مناقشتنا لدعاوى النسخ في هذه الآيات عن رفض بعض هذه الدعاوى، وتنزل بهذا العدد الذي حدده السيوطي إلى ما دون نصفه: ربعه أو نحوه. (٢)
ثم قال: وينبغي أن يكون معلومًا أن العدد الذي عرضه كل مصنف في كتابه ليس تحديدًا دقيقًا لعدد وقائع النسخ عنده، فهو لا يعدو في جملته أن يكون قضايا كما عبرنا، ومن بين هذه القضايا كثير حكوا في نسخه خلافًا، ومن بين هذه القضايا التي اختلفوا في نسخها قليل انتهوا من مناقشة دعوى النسخ فيه إلى إثبات أنه محكم، ومن بينها كذلك قضايا أثبتت مناقشتها أنها ناسخة وليست منسوخة، حتى عندهم. (٣)
وقال أيضًا: فها هنا تنتهي مناقشتنا للآيات التي ادعى عليها النسخ وليست منسوخة عرضنا منها حسبما مرتبًا:
стр. 2489
خمسًا وسبعين آية بطلت دعوى النسخ عليها، لأنها أخبار.
وثماني وعشرين آية بطلت دعوى النسخ عليها؛ لأنها للوعيد.
وثلاثًا وستين ادعى عليها النسخ خطأ بآية السيف، مع أنها جميعًا محكمة.
وثماني وأربعين ادعى عليها النسخ مع أن علاقة نواسخها بها إنما هي التخصيص بأنواعه، أو التقييد أو التفسير أو التفصيل.
وثلاثًا وستين لم تصح دعوى النسخ عليها لعدم التعارض بينها وبين نواسخها.
وستًا لم تصح دعوى النسخ عليها مع أن المؤلفين في الناسخ والمنسوخ يجمعون عليها، والأصوليون يمثلون ببعضها على أن النسخ فيها مسلم.
ولقد أحسسنا ونحن نعالج كل مجموعة من هذه المجموعات أن بعضها يتداخل في بعضها الآخر، فليس كل منها تقسيمًا لغيره بالمعنى الدقيق المفهوم للتقسيم، لكنا كنا نشعر منذ بدأنا نعالج أن هذا التداخل واقع لا مفر منه، وأنه لا مانع على الإطلاق من أن تبطل دعوى النسخ على آية؛ لأنها خبر، ولأنه لا تعارض بينها وبين الآية الناسخة لها على زعمهم، ولأنها لا تعدو أن تكون من الأولى بمنزلة الخاص من العام، أو المقيد من المطلق، أو المفسر من المبهم، أو المفصل من المجمل، وأنها مع هذا سيقت لتدل على الوعيد، ثم ادعى عليها النسخ بعد هذا كله بآية السيف. (١)
وأخيرًا: فقد عرض في فصل وحيد وقائع النسخ التي صحت، بعد ترتيبها ترتيبًا موضوعيًا فقهيًا، وهي خمس وقائع في ست آيات:
واقعة وجوب التهجد في نسخه، في سورة المزمل.
وواقعة فرض الصدقة بين يدي نجوى الرسول ثم رفعه، في سورة المجادلة.
وواقعة وجوب الثبات في القتال أمام عشرة أمثالهم من الكفار، ثم نسخه بوجوب الثبات أمام مثليهم فقط في سورة الأنفال.
стр. 2490
وواقعة عقوبة الزنا في آيتي سورة النساء، ونسخها بالحد في آية سورة النور.
وواقعة نسخ مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى. . .﴾ [النساء: ٤٣]، بالأمر باجتناب الخمر مطلقًا عن القيود في سورة المائدة. (١)
قال الشيخ محمد أشرف الملباري: - بعد دراسة وتحقيق كتاب نواسخ القرآن لابن الجوزي -:
ابن الجوزي أكثر المؤلفين إيرادًا لوقائع النسخ مع أنه أقلهم قبولًا لها، فقد بلغ عدد القضايا التي قيل فيها بالنسخ عنده ٢٤٧ قضية في ٦٢ سورة. ومن خلال استعراضه لقضايا النسخ، يختار ابن الجوزي وقوعه في عدد ضئيل من الآيات، وبالتحديد لم يقل بوقوع النسخ إلا في ٢٢ واقعة فحسب، بينما يرى الإحكام في حوالي ٢٠٥ واقعة، وفي الآيات الباقية وقف موقف الحياد. ويلاحظ أن ابن الجوزي لم يصرح في كتابه بالنسخ في جميع هذه الوقائع، وإنما صرح به في سبع وقائع فقط. (٢)
كذلك نجد أن أبا جعفر النحاس، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٢٥ أو ٢٦ واقعة أيضًا. (٣)
كذلك نجد أن الدهلوي، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٥ آيات. (٤)
كذلك نجد أن الزرقاني، ذكر كلام السيوطي، رجح وقوع النسخ في القرآن في ٩ آيات. (٥)
стр. 2491
الوجه الثالث: بيان منشأ غلط المتزايدين في النسخ .
قال الزرقاني: ونستطيع أن نرد أسباب هذا الغلط إلى أمور خمسة:
أولها: ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه من المنسوخ، وعلى هذا عدوا الآيات التي وردت في الحث على الصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم منسوخة بآيات القتال مع أنها ليست منسوخة؛ بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب، فالله أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم لعلة الضعف والقلة ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم لعلة القوة والكثرة، وأنت خبير بأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا بدليل أن وجوب التحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما إلى اليوم، وأن وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك إلى اليوم.
ثانيها: توهمهم أن إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية من قبيل ما نسخ الإسلام فيه حكما بحكم كإبطال نكاح نساء الآباء، وكحصر عدد الطلاق في ثلاث، وعدد الزواج في أربع بعد أن لم يكونا محصورين مع أن هذا ليس نسخًا؛ لأن النسخ رفع حكم شرعي، وما ذكروه من هذه الأمثلة ونحوها رفع الإسلام فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا شرعي.
ثالثها: اشتباه التخصيص عليهم بالنسخ كالآيات التي خصصت باستثناء أو غاية مثل قوله سبحانه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]، ومثل قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩].
رابعها: اشتباه البيان عليهم بالنسخ في مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإن منهم من توهم أنه ناسخ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ مع أنه ليس ناسخا له، وإنما هو بيان لما ليس بظلم، وببيان ما ليس بظلم يعرف الظلم وبضدها تتميز الأشياء.
стр. 2492
خامسها: توهم وجود تعارض بين نصين على حين أنه لا تعارض في الواقع وذلك مثل قوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فإن بعضهم توهم أن كلتا الآيتين منسوخة بآية الزكاة لتوهمه أنها تعارض كلا منهما على حين أنه لا تعارض ولا تنافي؛ لأنه يصح حمل الإنفاق في كلتا الآيتين الأوليين على ما يشمل الزكاة وصدقة التطوع ونفقة الأهل والأقارب ونحو ذلك، وتكون آية الزكاة معهما من قبيل ذكر فرد من أفراد العام بحكم العام، ومثل هذا لا يقوى على تخصيص العام فضلا عن أن ينسخه وذلك لعدم وجود تعارض حقيقي لا بالنسبة إلى كل أفراد العام حتى يكون ناسخا ولا بالنسبة إلى بعضها حتى يكون مخصصًا (١).
الوجه الثالث: النسخ في الكتاب المقدس . (٢)
وسنتكلم في هذا الوجه بشيء من البيان حول النسخ في الكتاب المقدس في ثلاثة عناصر:
أولًا: النسخ في العهد القديم.
ثانيًا: النسخ في العهد الجديد.
ثالثًا: نسخ العهد الجديد للعهد القديم.
أولًا: الناسخ والمنسوخ في العهد القديم
الأول: السماح بالزواج من الأخت الشقيقة:
فقد تزوج قايين بأخته شقيقته بعد أن قتل أخاه هايين (تكوين ٤: ١٧)
ونسخها: سفر اللاويين (عَوْرَةَ أُخْتِكَ بِنْتِ أَبِيكَ أَوْ بِنْتِ أُمِّكَ الْمَوْلُودَةِ فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَوْلُودَةِ خَارِجًا لَا تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا.) سفر الأويين (١٨: ٩).
الثاني: السماح بالزواج من الأخت غير الشقيقة:
تزوج إبراهيم أخته من أبيه (وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً.) تكوين (٢٠: ١٢).
стр. 2493
ونسخها: سفر اللاويين (عَوْرَةَ أُخْتِكَ بِنْتِ أَبِيكَ أَوْ بِنْتِ أُمِّكَ الْمَوْلُودَةِ فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَوْلُودَةِ خَارِجًا لَا تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا.) سفر الأويين (٩/ ١٨) (إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ أُخْتَهُ، ابْنَةَ أَبِيهِ أَوِ ابْنَةَ أُمِّهِ، فَذَلِكَ عَارٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَأْصَلَا عَلَى مَشْهَدٍ مِنْ أَبْنَاءِ شَعْبِهِ، لأَنَّهُ قَدْ كَشَفَ عَوْرَةَ أُخْتِهِ، وَيُعَاقَبُ بِذَنْبِهِ) سفر اللاويين (١٧/ ٢٠)، (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ يُضَاجِعُ أُخْتَهُ ابْنَةَ أُمِّهِ أَوِ ابْنَةَ أَبِيهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِين.) سفر التثنية (٢٧: ٢٢).
فلو لم يكن هذا النكاح جائزًا في شريعة آدم وإبراهيم ﵉ يلزم أن يكون الناس كلهم أولاد الزنا، والناكحون زانين وواجبي القتل وملعونين، فكيف يظن هذا في حق الأنبياء ﵈؟ فلا بد من الاعتراف بأنه كان جائزًا في شريعتهما ثم نسخ.
الثالث: الجمع بين الأختين فقد تزوج يعقوب الأختين ليئة وراحيل: (وَكَانَ فِي الْمَسَاءِ أَنَّهُ أَخَذَ لَيْئَةَ ابْنَتَهُ وَأتَى بِهَا إِلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا. وَأَعْطَى لَابَانُ زِلْفَةَ جَارِيَتَهُ لِلَيْئَةَ ابْنَتِهِ جَارِيَةً. وَفِي الصَّبَاحِ إِذَا هِيَ لَيْئَةُ. فَقَالَ لِلَابَانَ: "مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي! أَلَيْسَ بِرَاحِيلَ خَدَمْتُ عِنْدَكَ؟ فَلِمَاذَا خَدَعْتَنِي؟ " فَقَالَ لَابَانُ: "لَا يُفْعَلُ هَكَذَا فِي مَكَانِنَا أَنْ تُعْطَى الصَّغِيرَةُ قَبْلَ الْبِكْرِ. أَكْمِلْ أُسْبُوعَ هَذِهِ فَنُعْطِيَكَ تِلْكَ أَيْضًا بِالْخِدْمَةِ الَّتِي تَخْدِمُنِي أَيْضًا سَبْعَ سِنِينٍ أُخَرَ". فَفَعَلَ يَعْقُوبُ هَكَذَا. فَأَكْمَلَ أُسْبُوعَ هَذِهِ فَأَعْطَاهُ رَاحِيلَ ابْنَتَهُ زَوْجَةً لَهُ. وَأَعْطَى لَابَانُ رَاحِيلَ ابْنَتَهُ بَلْهَةَ جَارِيَتَهُ جَارِيَةً لَهَا. فَدَخَلَ عَلَى رَاحِيلَ أَيْضًا. وَأَحَبَّ أَيْضًا رَاحِيلَ أَكْثَرَ مِنْ لَيْئَةَ. وَعَادَ فَخَدَمَ عِنْدَهُ سَبْعَ سِنِينٍ أُخَرَ.) (تكوين ٢٩: ٢٣: ٣٠).
وقد نسخها سفر اللاويين ١٨: ١٨ (وَلَا تَأْخُذِ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا لِلضِّرِّ لِتَكْشِفَ عَوْرَتَهَا مَعَهَا فِي حَيَاتِهَا).
الرابع: أثبت سفر الخروج إباحة الزواج بالعمة:
(وَأَخَذَ عَمْرَامُ يُوكَابَدَ عَمَّتَهُ زَوْجَةً لَهُ. فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُونَ وَمُوسَى. وَكَانَتْ سِنُو حَيَاةِ عَمْرَامَ مِئَةً وَسَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً) سفر الخروج (٦: ٢٠)
стр. 2494
ونسخها: سفر اللاويين: (عَوْرَةَ أُخْتِ أَبِيكَ لَا تَكْشِفْ. إِنَّهَا قَرِيبَةُ أَبِيكَ) (اللاويين ١٨: ١٢).
الخامس: أثبت سفر التكوين إباحة الزواج بابنة الأخ: وَهَذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا.) (تكوين ١١: ٢٧)، واتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لَهُمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ.) (تكوين ١١: ٢٩).
إذًا فقد تزوج ناحور ابنة أخيه هاران (أخت لوط)، أي تزوجت مِلْكَة عمها.
ونسخها: اللاويين: (عَوْرَةَ أُخْتِ أَبِيكَ لَا تَكْشِفْ. إِنَّهَا قَرِيبَةُ أَبِيكَ. عَوْرَةَ أُخْتِ أُمِّكَ لَا تَكْشِفْ. إِنَّهَا قَرِيبَةُ أُمِّكَ. عَوْرَةَ أَخِي أَبِيكَ لَا تَكْشِفْ. إِلَى امْرَأَتِهِ لَا تَقْتَرِبْ. إِنَّهَا عَمَّتُكَ.) (سفر اللاويين ١٨/ ١٢ - ١٤).
وأثبتها مرة أخرى سفر القضاة: (فَقَالَ كَالِبُ: "الَّذِي يَضْرِبُ قَرْيَةَ سَفَرٍ وَيَأْخُذُهَا، أُعْطِيهِ عَكْسَةَ ابْنَتِي امْرَأَةً". فَأَخَذَهَا عُثْنِيئِيلُ بْنُ قَنَازَ أَخُو كَالِبَ الأَصْغَرِ مِنْهُ. فَأَعْطَاهُ عَكْسَةَ ابْنَتَهُ امْرَأَةً) (قضاة ١: ١٢ - ١٣).
السادس: أباح الرب لنوح وقومه كل حيوانات الأرض: (وَلْيَكُنْ كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٍ طَعَامًا لَكُمْ، فَتَأْكُلُونَ كُلَّ شَيْءٍ كَما تَأْكُلُونَ الْبُقُولَ الْخَضْرَاءَ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ.) (تكوين ٩/ ٣).
ونسخ: هذا الحكم في الشريعة الموسوية، وحرمت حيوانات كثيرة: منها الجمل والوبر والأرنب والخنزير: (أَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الْمُجْتَرَّةُ فَقَطْ، أَوِ الْمَشْقُوقَةُ الظِّلْفِ فَقَطْ، فَلَا تَأْكُلُوا مِنْهَا، فَالْجَمَلُ غَيْرُ طَاهِرٍ لَكُمْ لأَنَّهُ مُجْتَرٌّ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْقُوقِ الظِّلْفِ، وَكَذَلِكَ الْوَبْرُ نَجِسٌ لَكُمْ لأَنَّهُ مُجْتَرٌّ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْقُوقِ الظِّلْفِ، أَمَّا الأَرْنَبُ فَإِنَّهُ مُجْتَرٌّ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْقُوقِ الظِّلْفِ، لِذَلِكَ هُوَ نَجِسٌ لَكُمْ، وَالْخِنْزِيرُ أَيْضًا نَجِسٌ لَكُمْ لأَنَّهُ مَشْقُوقُ الظِّلْفِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُجْتَرٍّ. لَا تَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَلَا تَلْمِسُوا جُثَثَهَا لأَنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ.) سفر اللاويين (١١/ ٤ - ٨).
السابع: شريعة أنبياء بني إسرائيل كلهم أن يتزوج كل منهم من نفس سبطه وسبط أبيه: فقد أمر نبى الله إبراهيم أن يُزوِّج ابنه من بنت من بنات عشيرته، وقد كان عمر ابنه لم يتعد
стр. 2495
بضعة أيام: (وَوَلَدَتْ سَارَةُ امْرَأَةُ سَيِّدِي ابْنًا لِسَيِّدِي بَعْدَ مَا شَاخَتْ فَقَدْ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَهُ. وَاسْتَحْلَفَنِي سَيِّدِي قَائِلًا: لَا تَأْخُذْ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنا سَاكِنٌ فِي أَرْضِهِمْ. بَلْ إِلَى بَيْتِ أَبِي تَذْهَبُ وَإِلَى عَشِيرَتِي وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي) (تكوين ٢٤/ ٣٦ - ٣٨).
إلا أن الرب سمح لموسى أن يتزوج من امرأة ليست من أهله أو سبطه: (وَتَكَلمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلى مُوسَى بِسَبَبِ المَرْأَةِ الكُوشِيَّةِ التِي اتَّخَذَهَا (لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً) (سفر العدد ١٢/ ١) وتم إلغائها فيما بعد: (وَكُلُّ بِنْتٍ وَرَثَتْ نَصيبًا مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيل تَكُونُ امْرَأَةً لِوَاحِدٍ مِنْ عَشِيرَةِ سِبْطِ أَبِيهَا ليَرِثَ بَنُو إِسْرَائِيل كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ آبَائِهِ.) (سفر العدد ٣٦: ٨).
إلا أن الرب نسخ هذا الحكم وسمح لشمشون أن يتزوج من امرأة فلسطينية: (وَنَزَلَ شَمْشُونُ إِلَى تِمْنَةَ وَرَأَى امْرَأَةً فِي تِمْنَةَ مِنْ بَنَاتِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، ٢ فَصَعِدَ وَأَخْبَرَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَقَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ امْرَأةً فِي تِمْنَةَ مِنْ بَنَاتِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، فَالآنَ خُذَاهَا لِيَ امْرَأَةً". فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ: "أَلَيْسَ فِي بَنَاتِ إِخْوَتِكَ وَفِي كُلِّ شَعْبِي امْرَأَةٌ حَتَّى أَنَّكَ ذَاهِبٌ لِتَأْخُذَ امْرَأَةً مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْغُلْفِ؟ " فَقَالَ شَمْشُونُ لأَبِيهِ: "إِيَّاهَا خُذْ لِي لأَنَّهَا حَسُنَتْ فِي عَيْنَيَّ". ٤ وَلَمْ يَعْلَمْ أَبُوهُ وَأُمُّهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الرَّبِّ لأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ عِلَّةً عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ مُتَسَلِّطِينَ عَلَى إِسْرَائِيلَ.) (قضاة ١٤/ ١ - ٤)، ثم نُسِخَ مرة أخرى: (ولعل من أجل ذلك ساقكما الله إلىّ حتى تتزوج هذه بذى قرابتها على حسب شريعة موسى) (طوبيا ٧: ١٤).
(ولما أن صار رجلًا اتخذَ له امرأة من سبطه اسمها حنه) (طوبيا ١: ٩).
الثامن: قرَّرَ الرب أخذ كل بكر من بني إسرائيل ومن البهائم: (وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خروج ١٣/ ٢: ١).
وقد نسخه بأن أخذَ اللاويين من بني إسرائيل بدل كل بكر "وَهَا إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ اللاوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيل بَدَل كُلِّ بِكْرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَيَكُونُ اللاوِيُّونَ
стр. 2496
لِي. لأَنَّ لِي كُل بِكْرٍ. يَوْمَ ضَرَبْتُ كُل بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدَّسْتُ لِي كُل بِكْرٍ فِي إِسْرَائِيل مِنَ النَّاسِ وَالبَهَائِمِ. لِي يَكُونُونَ. أَنَا الرَّبُّ". (عدد ٣/ ١٢ - ١٣).
التاسع: كانت خدمة اللاويين في بداية التيه تبدأ من سن الثلاثين إلى الخمسين: (وَقَال الرَّبُّ لمُوسَى وَهَارُونَ: "خُذْ عَدَدَ بَنِي قَهَاتَ مِنْ بَيْنِ بَنِي لاوِي حَسَبَ عَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ مِنِ ابْنِ ثَلاثِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا إِلى ابْنِ خَمْسِينَ سَنَةً كُلِّ دَاخِلٍ فِي الجُنْدِ لِيَعْمَل عَمَلًا فِي خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ. هَذِهِ خِدْمَةُ بَنِي قَهَاتَ فِي خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ: قُدْسُ الأَقْدَاسِ.) (عدد ٤/ ١ - ٤).
ثم نسِخَت وانخفضت إلى الخامسة والعشرين: (وَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: "هَذَا مَا لِلاوِيِّينَ: مِنِ ابْنِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا يَأْتُونَ لِيَتَجَنَّدُوا أَجْنَادًا فِي خِدْمَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ. وَمِنِ ابْنِ خَمْسِينَ سَنَةً يَرْجِعُونَ مِنْ جُنْدِ الخِدْمَةِ وَلا يَخْدِمُونَ بَعْدُ.) (عدد ٨/ ٢٣ - ٢٥).
ثم نسِخَت وانخفضت مرة أخرى بعد أن استقروا في كنعان إلى سن العشرين: (ثُمَّ بَعْدَ الوَبَإِ أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ بْنَ هَارُونَ الكَاهِنِ: "خُذَا عَدَدَ كُلِّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيل مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمْ كُلِّ خَارِجٍ لِلجُنْدِ فِي إِسْرَائِيل".) (عدد ٢٦/ ١ - ٢).
العاشر: حكم سفر اللاويين على من اضطجع مع فتاة عذراء مخطوبة أن يُؤدَّبَا فقط ويُغفر للفاعل إذا قدَّمَ ذبيحة إثم: (وَإِذَا اضطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ اضْطِجَاعَ زَرْعٍ وَهِيَ أَمَةٌ مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ وَلَمْ تُفدَ فِدَاءً وَلَا أُعْطِيَتْ حُرِّيَّتَهَا فَلْيَكُن تَأْدِيبٌ. لَا يُقْتَلَا لأَنَّهَا لَمْ تُعْتَقْ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ: كَبْشًا ذَبِيحَةَ إِثْمٍ. فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ بِكَبْشِ الْإِثْمِ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ فَيُصْفَحُ لَهُ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ) سفر الاويين (١٩/ ٢٠ - ٢٢).
إلا أنه نسخ هذا الحكم في سفر التثنية وجعل عقوبته القتل رجمًا بالحجارة: "إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُلٍ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي المَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا. فَأَخْرِجُوهُمَا كِليْهِمَا إِلى بَابِ تِلكَ المَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لمْ تَصْرُخْ فِي المَدِينَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَل امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ.) (تثنية ٢٢/ ٢٤: ٢٣).
стр. 2497
الحادى عشر: حكم من اضطجع مع امرأة طامث: يكون نجسًا سبعة أيام: (وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.) (سفر الاويين ١٥/ ٢٤).
إلا أنه نسخ بقوله: (وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ طَامِثٍ وَكَشَفَ عَوْرَتَهَا عَرَّى يَنْبُوعَهَا وَكَشَفَتْ هِيَ يَنْبُوعَ دَمِهَا يُقْطَعَانِ كِلَاهُمَا مِنْ شَعِبْهِمَا.) (سفر الاويين ٢٠/ ١٨).
الثاني عشر: نال فينحاس وذريته ميثاق الكهنوت إلى الأبد:
(فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: "فِينَحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الكَاهِنُ قَدْ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل بِكَوْنِهِ غَارَ غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ حَتَّى لمْ أُفْنِ بَنِي إِسْرَائِيل بِغَيْرَتِي. لِذَلِكَ قُل هَئَنَذَا أُعْطِيهِ مِيثَاقِي مِيثَاقَ السَّلامِ. فَيَكُونُ لهُ وَلنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِيثَاقَ كَهَنُوتٍ أَبَدِيٍّ لأَجْلِ أَنَّهُ غَارَ للهِ وَكَفَّرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل".) عدد ٢٥/ ١٠ - ١٣.
ثم يتراجع الرب في وعده قائلًا: (٣٠ لِذَلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: إِنِّي قُلْتُ إِنَّ بَيْتَكَ وَبَيْتَ أَبِيكَ يَسِيرُونَ أَمَامِي إِلَى الأَبَدِ. وَالآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: حَاشَا لِي! ) (صموئيل الأول ٢/ ٣٠).
الثالث عشر: حرَّمَ الرب أكل الوحوش والزَّحَّافات على بني إسرائيل: "وَهَذِهِ تَكْرَهُونَهَا مِنَ الطُّيُورِ. لَا تُؤْكَلْ. إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ: النَّسْرُ وَالأَنُوقُ وَالْعُقَابُ. وَالْحِدَأَةُ وَالْبَاشِقُ عَلَى أَجْنَاسِهِ. وَكُلُّ غُرَابٍ عَلَى أَجْنَاسِهِ. وَالنَّعَامَةُ وَالظَّلِيمُ وَالسَّأَفُ وَالْبَازُ عَلَى أَجْنَاسِهِ. وَالْبُومُ وَالْغَوَّاصُ وَالْكُرْكِيُّ. وَالْبَجَعُ وَالْقُوقُ وَالرَّخَمُ. وَاللَّقْلَقُ وَالْبَبْغَاءَ عَلَى أَجْنَاسِهِ وَالْهُدْهُدُ وَالْخُفَّاشُ. وَكُلُّ دَبِيبِ الطَّيْرِ الْمَاشِي عَلَى أَرْبَعٍ. فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَكُمْ) (سفر اللاويين ١١/ ١٣ - ٢٠).
وقد نسِخَت في سفر الأعمال: يحكى لنا سفر أعمال الرسل أنه نزل على بطرس من عند الله ملاءة مليئة بالطيور وغيره من الوحوش والزَّحَّافات، وصوت الرب من السماء يقول له ("قُمْ يَا بُطْرُسُ اذْبَحْ وَكُلْ".): (فَرَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً وَإِنَاءً نَازِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ مُلَاءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلَّاةٍ عَلَى الأَرْضِ. وَكَانَ فِيهَا كُلُّ دَوَابِّ الأَرْضِ وَالْوُحُوشِ وَالزَّحَّافَاتِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. وَصَارَ إِلَيْهِ صَوْتٌ: "قُمْ يَا بُطْرُسُ اذْبَحْ وَكُلْ". فَقَالَ بُطْرُسُ:
وقد نسخها متى: (وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهٌ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " فَأَجَابَ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ " وَقَالَ: "مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". فَسَأَلُوهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاقٍ فَتُطَلَّقُ؟ " قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي" (متى ١٩/ ٩: ٣).
أما قول متى (إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا) متى ٩/ ٨ فيدل على أنه قبل موسى كان الطلاق محرمًا، فنسخت شريعة موسى هذا التحريم، ثم نُسِخَ مرة أخرى في كلام متى.
السابع: أمر عزرا بعد العودة من السبي الكهنة واليهود أن يهجروا زوجاتهم الوثنيات حتى لا يزيدوا إثم بني إسرائيل ولنيل رضا الرب عليهم. (عزرا ١٠/ ١١: ٢).
وقد نسخها بولس في كورنثوس الأولى بسماحه لليهودي أن يستمر في حياته الزوجية مع الوثنية، وللمسيحية أن تستمر في زواجها مع الوثني: (وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لَا الرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ فَلَا يَتْرُكْهَا. وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا فَلَا تَتْرُكْهُ. لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ - وَإِلَّا فَأَوْلَادُكُمْ نَجِسُونَ. وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ) (كورنثوس الأولى ٧/ ١٤: ١٢).
* * *
стр. 2504
١٩ - شبهات عن الأحرف السبعة، والقراءات
ويقوم هذا البحث على ثلاثة مباحث وهي:
المبحث الأول: الأحرف السبعة.
١ - الأدلة على نزول القرآن على سبعة أحرف.
٢ - معنى الأحرف السبعة.
٣ - الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف.
٤ - هل المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة أم لا؟ .
المبحث الثاني: القراءات ونشأتها
١ - تعريف القراءات.
٢ - نشأة القراءات.
٣ - ضوابط القراءة الصحيحة.
٤ - القراءة الشاذة معناها، وأنواعها.
٥ - حكم الاحتجاج بالقراء الشاذة.
٦ - الذي يقبل من القراءات والذي لا يقبل.
٧ - الوجوه السبعة التي يقع فيها التغاير في القرآن ولا تخرج القراءات عنها.
٨ - فائدة اختلاف القراءات وتنوعها، وعلى أي شيء يتوجه اختلاف القراءات.
٩ - سبب الاقتصار على قراءة الأئمة المشهورين.
١٠ - معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها.
١١ - دور المصحف، والرسم العثماني في القراءات.
المبحث الثالث: الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: ادعاؤهم أن نشأة القراءات كان بسبب خلو المصحف من النقط، والشكل.
الشبهة الثانية: الاختلاف في القراءات يوقع في شك وريب من القرآن.
стр. 2505
الشبهة الثالثة: نزول القرآن على سبعة أحرف يخالف قول الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
الشبهة الرابعة: معنى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع.
الشبهة الخامسة: نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها.
الشبهة السادسة: اتهام بعض القراء بالضعف كـ (عاصم، وحفص)؛ فكيف يقبل منهم القرآن؟ !
وإليك التفصيل
المبحث الأول: الأحرف السبعة .
١ - الأدلة على نزول القرآن على سبعة أحرف:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ أنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: "أَرْسِلْهُ"، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اقْرَأْ"، فَقَرَأَ. قَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ". ثُمَّ قَالَ لِي: "اقْرَأْ"، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ" (١).
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ: "أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ: أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ،
٢ - معنى الأحرف السبعة
اختلف العلماء كثيرًا في المراد بالأحرف السبعة المذكورة في الأحاديث المذكورة التي تقدم ذكرها (١)، وهذا لا يعني أن كل هذه الأقوال صحيحة؛ بل بعضها ضعيف وهو أكثرها، وبعضها يدخل في بعض. وعلى هذا فيمكن تقسيم هذه الأقوال إلى أربعة طوائف وهي: (٢)
الطائفة الأولى: وهم الذين أولوا مدلول الأحرف السبعة ولهم قولان:
الأول: أن هذا الحديث من المشكل المتشابه الذي لا يُعلم معناه، وذلك أن الحرف مشترك لفظي يصدق علي معانٍ كثيرة، ولم يعين المراد منها في الحديث.
الثاني: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، وإنما هو رمز لما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد.
الطائفة الثانية: رأت أن هذه الأحرف تتعلق بالمعاني وليس بالألفاظ، ثم اختلفوا في تحديد هذه المعاني إلى أقوال كثيرة منها:
١ - أمر، وزجر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه.
٢ - وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال.
٣ - ناسخ، ومنسوخ، وخصوص، وعموم، وقصص وغير ذلك.
الطائفة الثالثة: رأت أن المراد بالأحرف السبعة: الوجوه التي يقع بها التغاير والاختلاف في الكلمات القرآنية وهي سبع وجوه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من أهل العلم: ابن قتيبة، والباقلاني، والرازي، ومكي بن أبي طالب، وابن الجوزي، وغيرهم، واختلفوا في تحديد هذه الوجوه على أقوال نذكرها بعد ونجمع بينها إن شاء الله.
الطائفة الرابعة: رأت أن المراد بالأحرف السبعة هي سبع لغات من لغات العرب، وإلى هذا ذهب ابن جرير، والطحاوي، وسفيان، وأبو عبيد وغيرهم.
стр. 2508
وقد اختلفوا في هذه السبع لغات على أقوال:
١ - أنها سبع لغات من لغات العرب يدل عليها القرآن بمعنى: أن كلمات القرآن لا تخرج عن سبع لغات هي أفصح لغات العرب.
٢ - سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد على معنى: أنه إذا اختلفت لغة العرب في كلمة جاء القرآن بسبع لغات منها.
هذا هو مجمل أقوال العلماء في هذه الأحرف.
وبعد البحث تبين أن الأقرب للصواب قول الطائفة الثالثة والرابعة وكلامهما يتداخل مع بعضهما.
قال ابن حجر: يمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد الأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات (١).
٣ - الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف .
تتلخص حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف في أمور:
١ - تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لكل قبيل منهم لسان، ولا عهد لهم بحفط الشرائع فضلًا عن أن يكون ذلك مما ألفوه.
قال أبو عمرو الداني: وأما وجه إنزال القرآن هذه السبعة أحرف، وما الذي أراد تبارك اسمه بذلك؟ فإنه إنما أنزل علينا توسعة من الله تعالى على عباده، ورحمة لهم، وتخفيفًا عنهم عند سؤال النبي ﷺ إياه لهم، ومراجعته له فيه لعلمه ﷺ بما هم عليه من اختلاف اللغات، واستصعاب مفارقة كل فريق منهم الطبع والعادة في الكلام إلى غيره، فخفف تعالى عنهم وسهل عليهم بأن أقرهم على مألوف طبعهم وعادتهم في كلامهم (٢).
ويدل على ذلك:
стр. 2509
٢ - إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب. فتعدد مناحي التأليف الصوتي للقرآن تعددًا يكافئ الفروع اللسانية التي عليها فطرة اللغة في العرب حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به الرسول ﷺ ، ومع اليأس من معارضته لا يكون إعجازًا للسان دون آخر، وإنما يكون إعجازًا للفطرة اللغوية عند العرب.
٣ - إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه. فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائمًا لكل عصر (١).
٤ - الأحرف السبعة من خصائص القرآن الكريم.
قال الطبري: وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله، وأنزل كتابنا بألسُن سبعة، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفسِّرًا (٢).
٤ - هل المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة أم لا ؟
لقد اختلف العلماء في المسألة، وذهبوا فيها إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: بقي من الأحرف السبعة ما يحتمله رسم المصحف .
قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبرائيل ﵇، متضمنة لها لم تترك حرفًا منها (٣).
стр. 2510
قال أبو شامة: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ ، وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها (١).
قال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
وقال أيضًا: فالمصحف الذي كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف؛ إذ لم يكن منقوطًا ولا مضبوطًا، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة أحرف الباقية (٢).
قال ابن الجزري: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له (٣).
القول الثاني: بقاء حرف واحد من الأحرف السبعة .
ذهب البعض إلى أنها لا تشتمل إلا على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن عليها وهو حرف قريش خاصة.
وذهب إلى هذا القول الطبري، والطحاوي، وابن عبد البر، وابن حبان وغيرهم (٤).
الأدلة على ذلك:
واستدلوا على ذلك بقول عثمان ﵁ للقرشيين الثلاثة: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ في شيء مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ) (٥).
واحتجوا: بأن الأحرف السبعة نزلت في صدر الإسلام؛ للتيسير على الأمة ورفع الحرج والمشقة عنها في أمر القراءة، ولما ذللت الألسنة ومرنت على لغة قريش أمرت جميع القبائل بالقراءة بلغة قريش، كما أن القراءة باللغات الكثيرة كانت مثار نزاع وخلاف بين
стр. 2511
المسلمين، لذلك اقتصر عثمان ﵁ على لغة واحدة، وهي لغة قريش، أما القراءات الموجودة اليوم - على كثرتها وتعددها - فهي كلها تمثل حرفًا واحدًا فقط.
قال الطبري: . . . والآثار الدالة على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان ﵁ جمع المسلمين نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذارَ الردّةِ من بعضهم بعدَ الإسلامِ، والدّخولِ في الكفر بعد الإيمان؛ إذ ظهر من بعضهم بمحضَره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله ﷺ من رسول الله ﷺ النهيَ عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم أنّ المِراء فيها كفر - فحملهم رحمةُ الله عليه، إذْ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره، ولحَدَاثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله ﷺ إياهم بما أمِنَ عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن - على حرف واحد.
وجمعهم على مصحف واحد، وحرف واحد، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه. وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه، أن يخرقه. فاستوسقت (اجتمعت) له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها، حتى دَرَست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها وعُفُوِّ آثارها، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها، ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها. فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية (١).
стр. 2512
قال ابن تيمية: فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّهَا حَرْفٌ مِنْ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ هُوَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ للعرضة الْآخِرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جِبْرِيلَ وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ الْمَشْهُورَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (١).
القول الثالث: بقاء الأحرف السبعة كلها .
ذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أنها كانت مشتملة على جميع الأحرف السبعة (٢).
واحتجوا على ذلك بأنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر، وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك. قال هؤلاء: ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ولا أن يجمعوا على ترك شيء من القرآن (٣).
والجواب عليهم:
بما قاله الطبري: وهو أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزًا لهم ومرخصًا فيه (٤).
стр. 2513
والراجح بعد عرض هذه الأقوال: هو القول الأول. والقول الثاني ينطوي تحته (١).
المبحث الثاني: القراءات ونشأتها
١ - تعريف القراءات
القراءة لغة: يقال قرأ الكتاب قراءة وقرآنًا أي: تتبع كلماته نظرًا ونطق به، أو تتبع كلماته ولم ينطق، وقرأ الآية من القرآن أي نطق بألفاظها عن نظر وعن حفظ، والقراءة مصدر لقرأ.
اصطلاحًا: والتعريف الاصطلاحي مبني على معرفة علم القراءات لذا نبدأ بتعريف علم القراءات وهو: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًا لناقله، خرج بذلك النحو واللغة والتفسير وما أشبه ذلك (٢).
القراءة: مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها (٣).
قال الزركشي: واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما (٤).
٢ - نشأة القراءات: لما انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ومضى الناس يقرءون القرآن، ويقرئ بعضهم بعضًا بالحروف التي تلقوها عن الرسول ﷺ أو عن الحفظة المتقنين من الصحابة، وكان هؤلاء الحفظة يختلفون في بعض الأداء حسب سماعهم من رسول الله ﷺ وتفرق الصحابة في الأمصار، فأخذ هذا الخلاف في الأداء يشتد، فأمر عثمان بكتابة عدة
стр. 2514
نسخ من المصاحف على حرف قريش، وأمر بإحراق ما عدا هذه المصاحف حتى لا يدع فرصة لأي خلاف ممكن، وأمر المقرئين في كل الأمصار أن يقرئوا الناس على حروفها وأطاعته الأمة وأجمعت على ما تضمنته نسخ مصحف مهملة ما خالفها (١).
من ثَمَّ تتجلى لنا الحكمة في الترخيص للناس بشتى انتماءاتهم بقراءة القرآن بقدر ما تسعفهم به لهجاتهم، ثم الترخيص في العامين الأخيرين من عمر الرسالة المحمدية بعد أن كان الجميع يقرأ بحرف واحد. هذا التشريع البالغ الحكمة هو الذي ولد الولاء للقرآن في نفس كل مسلم، حتى إذا جاءت لحظة الخطر سنة ٣٠ هـ سارع الناس بالتنازل عن الرخصة طائعين مختارين في سبيل الحفاظ على هوية القرآن والذي أصبح هوية لكل فرد منهم، وهذا هو السبب الجوهري في هذا الإجماع العبقري (٢).
٣ - ضوابط القراءة الصحيحة . فالقراءة الصحيحة هي كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها (٣) عند ابن الجزري ومن وافقه، أو تواترت (٤) عند جمهور القراء والأصوليين.
قال برهان الدين الجعبري (٥): ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية، ورسم المصحف ولو تقديرًا، فهي من الأحرف السبعة المتفق عليه (٦).
وقال أبو شامة في شرح الشاطبية (٧): وذكر المحققون من أهل العلم بالقراءة ضابطًا حسنًا في تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة (٨).
стр. 2515
ومما سبق يتبين لنا أن ضوابط القراءة الصحيحة هي إجمالًا:
١ - موافقة اللغة العربية بوجه من الوجوه سواء أكان أفصح، أم فصيحًا، راجحًا، أو مرجوحًا.
٢ - أن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
٣ - على قولين: التواتر، أو صحة السند.
الشرح والبيان:
الضابط الأول: يشترط في القراءة الصحيحة أن توافق اللغة العربية سواء كانت هذه الموافقة لما هو شائع على ألسنة العرب، أو ما يسمى بالأفصح، أو كان أقل شيوعًا على ألسنتهم وهو الفصيح.
وقال ابن الجزري ﵀ (١): وقولنا في الضابط: ولو في وجه، نريد به وجهًا من وجوه النحو، سواء كان أفصح، أم فصيحًا مجمعًا، أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما ذاع وشاع، وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم؛ بل أجمع الأئمة المقتدى بهم على قبولها كإسكان (بارئْكم) و (يأمرْكم). . . قال الحافظ أبو عمرو الداني (٢) في كتابه (جامع البيان (٣)) بعد ذكره إسكان (بارئْكم) و (يأمرْكم)) (٤) لأبي عمرو (٥)، وحكاية إنكار
стр. 2516
سيبويه (١) له، فقال - أعني الداني -: والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء وهو الذي أختاره وآخذ به. ثم لما ذكر نصوص رواته قال: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية، إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنَّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. (٢)، وكما قال صاحب حرز الأماني: والمقصود بموافقة العربية موافقة ما كان مستعملًا في زمن النزول ولو كان أقل شيوعًا من غيره، وليس المقصود موافقة القواعد النظرية المجردة، حيث إن العلماء استمدوها من القرآن الكريم؛ لأنه أفصح الكلام قاطبة ثم من بقية كلام العرب، وقد حدث ذلك بعد موت النبي ﷺ واكتمال نزول القرآن، وعليه فالقرآن سابق لتدوين القواعد ولا يمكن للاحق أن يكون حكمًا على السابق، وفي هذا رد على شبهة أذاعها أعداء الدين وتبعهم بعض المتشككين الجاهلين.
الضابط الثاني: أن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية التي أمر عثمان ﵁ بكتابتها وإرسالها إلى الأمصار على خلاف في عددها، وقد تمت كتابة هذه المصاحف بأمر من عثمان ﵁؛ سدًا للفتنة التي ظهرت بوادرها، ورأي طرفًا منها حذيفة بن اليمان ﵁ في فتح أرمينية فأفزعه ما رأى، فأشار على عثمان أن يتدارك الأمر (٣).
يقول ابن الجزري: ويعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر (٤)، قالوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ في البقرة بغير واو ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي، وكقراءة ابن كثير ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من) فإن ذلك ثابت في المصحف المكي (٥).
стр. 2517
وموافقة الرسم تأتي على ثلاثة أنواع:
أ - الموافقة التحقيقية، وهي الصريحة الموافقة للفظ القياسية التي لا يتطرق إليها الاحتمال مثل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ففي قراءة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ تكون موافقة للرسم تحقيقًا إذ الأصل عدم النقط وكذا ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.
ب - الموافقة التقديرية، وهي الموافقة الاصطلاحية، وهي ما خالف اللفظ، ومخالفة الرسم للفظ محصورة في خمسة أقسام وهي:
١ - الدلالة على البدل. نحو ﴿الصِّرَاطِ﴾.
٢ - الدلالة على الزيادة. نحو ﴿مَالِكِ﴾.
٣ - الدلالة على الحذف. نحو ﴿لَكِنَّا هُوَ﴾.
٤ - الدلالة على الفصل. نحو ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾.
٥ - الدلالة على أن الأصل الوصل. نحو ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾.
ج - الموافقة الاحتمالية، وهي ما وافق الرسم احتمالًا، ويدخل فيه ما وقع الاختلاف فيه بالحركة والسكون مثل (القدْس) بسكون الدال وتحريكها، والتخفيف والتشديد مثل (يَنْشُرُكُمْ) بيونس فتقرأ هكذا، وتقرأ ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾، وبعضهم أدخل بعض هذه الأنواع في بعض (١).
الضابط الثالث: اختلف أهل العلم في هذا الضابط على قولين:
القول الأول: التواتر وهو قول جمهور أهل العلم من القراء والأصوليين والفقهاء؛ بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك كما سيأتي. والمقصود بالتواتر هو ما قاله ابن الجزري: ما
стр. 2518
رواه جماعة عن جماعة كذا إلى منتهاه تفيد العلم من غير تعيين عدد، وقيل بالتعيين، واختلفوا فيه فقيل: ستة، وقيل: اثنا عشر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون، والذي جمع في زماننا هذه الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة (١).
بعض أقوال العلماء في هذا:
قال أبو القاسم النويري: أجمع الأصوليون كافة على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر (٢).
وقال ابن حجر: صرح أئمة الفقه والأصول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والمراد به: الاتفاق من مجتهدي كل عصر على أن ذلك قرآن فما حصل الاتفاق عليه حصل فيه الشرط (٣).
قال السرخسي: اعلم بأن الكتاب هو القرآن المنزل على رسول الله ﷺ ، المكتوب في دفات المصاحف، المنقول إلينا على الأحرف السبعة المشهورة نقلًا متواترًا؛ لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان، ولا يثبت بمثله القرآن مطلقًا (٤).
وقال ابن النجار الحنبلي: القرآن لا يكون إلا متواترًا (٥).
وقال ابن تيمية: والعادة والشرع أوجبا أن ينقل القرآن نقلًا متواترًا كما نقلت جمل الشريعة نقلًا متواترًا مثل إيجاب الصلوات الخمس، وأن صلاة الحضر أربع إلا المغرب والفجر. (٦)
وقال ابن قدامة في تعريفه للقرآن: وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا (٧)
وقال ابن الصلاح: لا يجوز القراءة إلا بما تواتر نقله واستفاض وتلقته الأمة بالقبول. (٨)
هذه بعض نصوص أهل العلم في اشتراط التواتر (٩).
стр. 2519
القول الثاني: صحة السند والاستفاضة والقبول من جموع الأمة من غير نكير، وهذا ما ذهب إليه ابن الجزري ونسبه إلى بعض المتقدمين من أهل العلم، قال ابن الجزري: وقولنا: وصح سندها فإنا نعني به: أن يروي تلك القراءة العدلى الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بهما بعضهم، وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن.
وتعقب أصحاب القول الأول بقوله: هذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذًا لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. ولقد كنت قبلُ أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف. قال الإمام الكبير أبو شامة في مرشده: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي في كل فرد ممن روى عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب، ونحن بهذا نقول ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها.
وقال الجعبري: الشرط واحد وهو صحة النقل ويلزم الآخران (١).
وقال أبو شامة أيضًا: فكل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيهما ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة (٢).
стр. 2520
قال ابن الجزري:
فَكُلِ مَا وَافَق وَجْه نَحْوِ ... وَكَانَ للرّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِى
وَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَركَانُ (١)
مناقشة هذا الشرط:
تعقب النويري (٢) شيخه ابن الجزري في قوله: وَصَحَّ إسْنادًا. . .، فقال: ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم كما ستراه إن شاء الله.
نقول: كأن النويري أراد باشتراط التواتر سد الذريعة لعدم التساهل مع كتاب الله تعالى لذا أكمل فقال: ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرءون أحرفًا لا يصح لها سند أصلًا، ويقولون: التواتر ليس بشرط وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك! ولا بد لهذه المسألة من بعض بسط، فأقول: القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا (٣).
خلاصة القول:
اختلف العلماء على فريقين: فريق قال باشتراط التواتر، وفريق قال باشتراط صحة السند مع الاستقامة والقبول وعدم النكران، وظاهر القولين التعارض ولكن يمكن الجمع ودفع التعارض بينها على النحو التالي:
قول الجمهور باشتراط التواتر. أي تواتر مجمل القرآن وليس كل حروفه وأفراده؛ إذ إن ذلك غير حاصل، فكم من قراءة متواترة كما قال اشتملت على حروف لم تبلغ درجة
стр. 2521
التواتر، ولذلك اعترض أبو شامة على من قال بتواتر كل فرد من أفراد القراءة الصحيحة كما سبق في كلامه.
قوله: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي: كل فرد فرد، وبهذا نفهم ما نص عليه ابن الجزري أكثر من مرة في كتبه باشتراط التواتر، فقال في كتابه منجد المقرئين: كل قراءة وافقت العربية مطلقًا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرًا، وتواتر نقلها؛ هذه القراءة المتواترة المقطوع بها (١).
وهذا دفع لشبهة التعارض في كلام ابن الجزري.
ثم إن ابن الجزري وأبا شامة اشترطا مع صحة السند الاستفاضة والقبول والشهرة وعدم النكير، إذن فالصحة المجردة عن هذه الضوابط لا تكفي في قبول القراءة (٢).
قال أبو شامة: بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة وموافقة خط المصحف بمعنى أنها لا تنافيه مع عدم المنكرين لها نقلًا وتوجيهًا من حيث اللغة (٣).
فكأن الاستفاضة تجبر النقص الذي في الآحاد الصحيح الذي لم يبلغ حد التواتر، فالاستفاضة درجة بين الآحاد والمتواتر كما قال إمام الحرمين في البرهان.
قال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض واسطة بين التواتر والآحاد (٤).
وبهذا يجتمع القولان ويزول التعارض، والله أعلم.
قال الزرقاني: إنما اكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة الإسناد مع الركنين الآخرين ولم يشترطوا التواتر: مع أنه لا بد منه في تحقق القرآنية لأسباب ثلاثة: -
стр. 2522
أحدها: أن هذا ضابط لا تعريف. والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن على أنه شطر أو شرط على الأقل. ولم يلحظ في الضابط؛ لأنه يغتفر في الضوابط ما لا يغتفر في التعاريف. فالضوابط ليست لبيان الماهية والحقيقة.
ثانيها: التيسير على الطالب في تمييز القراءات المقبولة من غيرها. فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة. أما إذا اشترط التواتر فإنه يصعب عليه ذلك التمييز؛ لأنه يضطر في تحصيله إلى أن يصل إلى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية. وهيهات أن يتيسر له ذلك.
ثالثها: أن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة. بيان هذه المساواة: أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة، فإذا صح سند القراءة، ووافقت قواعد اللغة، ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادًا.
ثم قال: وهذا التوجيه الذي وجهنا به الضابط السالف يجعل الخلاف أنه لفظي، ويسير بجماعات القراء على جدد الطريق في تواتر القرآن، ومن سلك الجدد أمن العثار (١).
٤ - القراءة الشاذة معناها، وأنواعها .
سبق تعريف القراءة لغةً، أما الشاذ في اللغة فهو ما انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ.
وأشذه غيره، وشذا الرجل إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ. وقيل: الشاذ المتفرد أو الخارج عن الجماعة، والشاذ ما خالف القاعدة أو القياس والشاذ من الناس خلاف السوي (٢).
القراءة الشاذة اصطلاحًا:
هي ما نقل قرآنًا من غير تواتر واستفاضة متلقاة بالقبول من الأمة (٣).
стр. 2523
وتخرج القراءة بالمعنى التي لم تنقل على أنها قرآن، فليس ذلك من القراءات الشاذة أصلًا، والمجترئ على ذلك مجترئ على عظيم وضال ضلالًا بعيدًا (١).
وقال أبو شامة بعد ما ذكر ضوابط القراءة الصحيحة: فإن اختلت هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين (٢).
وقال ابن الجزري: ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عن من هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه. (٣)
وقال ابن الجزري في طيبته:
وَحَيْثُمَا يَخْتَلَّ رُكْن أثبِتِ ... شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ
أنواع القراءات الشاذة:
مما تقدم يمكن أن نحصر القراءات الشاذة في الأنواع التالية:
١ - الآحاد، وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، ولم يتواتر.
٢ - الشاذ، وهو ما فقد أحد الأركان الثلاثة أو معظمها.
٣ - المدرج، وهو ما يزيد في القراءات على وجه التفسير.
٤ - الموضوع، وهو ما ينسب إلى قائله من غير أصل.
٥ - المشهور، وهو ما صح سنده، ولم يبلغ درجة التواتر، ووافق العربية والرسم.
قال الشيخ الترمسي في شرح الطيبة: القراءات أنواع:
стр. 2524
الأول المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك.
والثاني المشهور: وهو مما صح سنده، ولم يبلغ درجة التواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ كغالب ما اختلف الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض عنهم دون بعض، وهي كثيرة في فرش الحرف من كتب الخلاف في القراءات كهذا المتن (يقصد طيبة النشر) وغيره.
والثالث الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، ولم يشتهر الاشتهار المذكور كقراءة (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقَرِيٍّ حِسَانٌ)، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ)، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ) بفتح الفاء.
الرابع الشاذ: وهو ما لم يصح سنده كقراءة (مَلَكَ يَوْمَ) بصيغة الماضي ونصب يوم.
الخامس الموضوع: كقراءة الخزاعي وزيد.
السادس: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير للآية (١)، كقراءة سعد بن أبي وقاص (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِن أُم) وقراءة ابن عباس (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ في مواسِم الحج) (٢).
والخلاصة: أن كل مما خرج عن القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم عن القراء العشرة، فهي القراءة الشاذة، واتفق أئمة الفقه والأصول وجمهور القراء على ذلك، ولا يلتفت إلى من يخالف ذلك؛ لأن من شذ لم يقبل (٣).
٥ - حكم الاحتجاج بالقراء الشاذة:
اختلف أهل العلم في ذلك، وأجمل السيوطي فقال:
стр. 2525
اختلف في العمل بالقراءة الشاذة، فنقل إمام الحرمين في البرهان عن ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز، وتبعه أبو نصر القشيري، وجزم به ابن الحاجب؛ لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت، وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والروياني والرافعي العمل بها تنزيلًا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكي في جمع الجوامع وشرح المختصر، وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود، وعليه أبو حنيفة أيضًا واحتج على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءته (مُتَتابِعَاتٍ)، ولم يحتج بها أصحابنا لثبوت نسخها (١).
التفصيل
القول الأول: إنها ليست حجة ولا يثبت بها حكم، وهذا ظاهر مذهب الشافعي والذي قاله أئمة المذهب، والمالكية وظاهر كلام ابن حزم ورواية عن أحمد.
قال إمام الحرمين الجويني: ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترًا لا يسوغ الاحتجاج بها، ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات، ولهذا نفى التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين، ولم ير الاحتجاج بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَات) (٢)
وقال الغزالي: القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَات)، فلا يشترط التتابع. (٣)
وقال النووي: مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ (٤).