← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

التواتر، ولذلك اعترض أبو شامة على من قال بتواتر كل فرد من أفراد القراءة الصحيحة كما سبق في كلامه. قوله: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي: كل فرد فرد، وبهذا نفهم ما نص عليه ابن الجزري أكثر من مرة في كتبه باشتراط التواتر، فقال في كتابه منجد المقرئين: كل قراءة وافقت العربية مطلقًا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرًا، وتواتر نقلها؛ هذه القراءة المتواترة المقطوع بها (١). وهذا دفع لشبهة التعارض في كلام ابن الجزري. ثم إن ابن الجزري وأبا شامة اشترطا مع صحة السند الاستفاضة والقبول والشهرة وعدم النكير، إذن فالصحة المجردة عن هذه الضوابط لا تكفي في قبول القراءة (٢). قال أبو شامة: بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة وموافقة خط المصحف بمعنى أنها لا تنافيه مع عدم المنكرين لها نقلًا وتوجيهًا من حيث اللغة (٣). فكأن الاستفاضة تجبر النقص الذي في الآحاد الصحيح الذي لم يبلغ حد التواتر، فالاستفاضة درجة بين الآحاد والمتواتر كما قال إمام الحرمين في البرهان. قال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض واسطة بين التواتر والآحاد (٤). وبهذا يجتمع القولان ويزول التعارض، والله أعلم. قال الزرقاني: إنما اكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة الإسناد مع الركنين الآخرين ولم يشترطوا التواتر: مع أنه لا بد منه في تحقق القرآنية لأسباب ثلاثة: -

стр. 2522

أحدها: أن هذا ضابط لا تعريف. والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن على أنه شطر أو شرط على الأقل. ولم يلحظ في الضابط؛ لأنه يغتفر في الضوابط ما لا يغتفر في التعاريف. فالضوابط ليست لبيان الماهية والحقيقة. ثانيها: التيسير على الطالب في تمييز القراءات المقبولة من غيرها. فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة. أما إذا اشترط التواتر فإنه يصعب عليه ذلك التمييز؛ لأنه يضطر في تحصيله إلى أن يصل إلى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية. وهيهات أن يتيسر له ذلك. ثالثها: أن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة. بيان هذه المساواة: أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة، فإذا صح سند القراءة، ووافقت قواعد اللغة، ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادًا. ثم قال: وهذا التوجيه الذي وجهنا به الضابط السالف يجعل الخلاف أنه لفظي، ويسير بجماعات القراء على جدد الطريق في تواتر القرآن، ومن سلك الجدد أمن العثار (١). ٤ - القراءة الشاذة معناها، وأنواعها . سبق تعريف القراءة لغةً، أما الشاذ في اللغة فهو ما انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ. وأشذه غيره، وشذا الرجل إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ. وقيل: الشاذ المتفرد أو الخارج عن الجماعة، والشاذ ما خالف القاعدة أو القياس والشاذ من الناس خلاف السوي (٢). القراءة الشاذة اصطلاحًا: هي ما نقل قرآنًا من غير تواتر واستفاضة متلقاة بالقبول من الأمة (٣).

стр. 2523

وتخرج القراءة بالمعنى التي لم تنقل على أنها قرآن، فليس ذلك من القراءات الشاذة أصلًا، والمجترئ على ذلك مجترئ على عظيم وضال ضلالًا بعيدًا (١). وقال أبو شامة بعد ما ذكر ضوابط القراءة الصحيحة: فإن اختلت هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين (٢). وقال ابن الجزري: ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عن من هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه. (٣) وقال ابن الجزري في طيبته: وَحَيْثُمَا يَخْتَلَّ رُكْن أثبِتِ ... شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ أنواع القراءات الشاذة: مما تقدم يمكن أن نحصر القراءات الشاذة في الأنواع التالية: ١ - الآحاد، وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، ولم يتواتر. ٢ - الشاذ، وهو ما فقد أحد الأركان الثلاثة أو معظمها. ٣ - المدرج، وهو ما يزيد في القراءات على وجه التفسير. ٤ - الموضوع، وهو ما ينسب إلى قائله من غير أصل. ٥ - المشهور، وهو ما صح سنده، ولم يبلغ درجة التواتر، ووافق العربية والرسم. قال الشيخ الترمسي في شرح الطيبة: القراءات أنواع:

стр. 2524

الأول المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك. والثاني المشهور: وهو مما صح سنده، ولم يبلغ درجة التواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ كغالب ما اختلف الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض عنهم دون بعض، وهي كثيرة في فرش الحرف من كتب الخلاف في القراءات كهذا المتن (يقصد طيبة النشر) وغيره. والثالث الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، ولم يشتهر الاشتهار المذكور كقراءة (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقَرِيٍّ حِسَانٌ)، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ)، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ) بفتح الفاء. الرابع الشاذ: وهو ما لم يصح سنده كقراءة (مَلَكَ يَوْمَ) بصيغة الماضي ونصب يوم. الخامس الموضوع: كقراءة الخزاعي وزيد. السادس: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير للآية (١)، كقراءة سعد بن أبي وقاص (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِن أُم) وقراءة ابن عباس (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ في مواسِم الحج) (٢). والخلاصة: أن كل مما خرج عن القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم عن القراء العشرة، فهي القراءة الشاذة، واتفق أئمة الفقه والأصول وجمهور القراء على ذلك، ولا يلتفت إلى من يخالف ذلك؛ لأن من شذ لم يقبل (٣). ٥ - حكم الاحتجاج بالقراء الشاذة: اختلف أهل العلم في ذلك، وأجمل السيوطي فقال:

стр. 2525

اختلف في العمل بالقراءة الشاذة، فنقل إمام الحرمين في البرهان عن ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز، وتبعه أبو نصر القشيري، وجزم به ابن الحاجب؛ لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت، وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والروياني والرافعي العمل بها تنزيلًا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكي في جمع الجوامع وشرح المختصر، وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود، وعليه أبو حنيفة أيضًا واحتج على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءته (مُتَتابِعَاتٍ)، ولم يحتج بها أصحابنا لثبوت نسخها (١). التفصيل القول الأول: إنها ليست حجة ولا يثبت بها حكم، وهذا ظاهر مذهب الشافعي والذي قاله أئمة المذهب، والمالكية وظاهر كلام ابن حزم ورواية عن أحمد. قال إمام الحرمين الجويني: ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترًا لا يسوغ الاحتجاج بها، ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات، ولهذا نفى التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين، ولم ير الاحتجاج بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَات) (٢) وقال الغزالي: القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَات)، فلا يشترط التتابع. (٣) وقال النووي: مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ (٤).

стр. 2526

وقال ابن العربي: والقراءة الشاذة لا ينبني عليها حكم؛ لأنه لم يثبت لها أصل (١). وقال أبو الوليد الباجي: القرآن لا يثبت إلا بالخبر المتواتر، وأما خبر الآحاد فلا يثبت به القرآن، وإذا لم يثبت بمثله قرآن؛ فمن مذهبنا أن من ادعى فيه أنه قرآن وتضمن حكمًا، فإنه لا يثبت ذلك الحكم إلا أن يثبت بما يثبت به القرآن من الخبر المتواتر؛ لأن ذلك الحكم ثبوته فرع عن ثبوت الخبر قرآنًا. (٢) وقال ابن حزم: في معرض الرد على من قال: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر: من العجب احتجاجكم بهذه الزيادة - يعني زيادة صلاة العصر - التي أنتم مجمعون معنا على أنها لا يحل لأحد أن يقرأ بها - ولا أن يكتبها في مصحفه، وفي هذا بيان أنها روايات لا تقوم بها حجة. (٣) وقال الشوكاني: لكونه كلام الرب سبحانه، وكونه مشتملًا على الأحكام الشرعية، وكونه معجزًا، وما كان كذلك فلا بد أن يتواتر، فما لم يتواتر، فليس بقرآن. هكذا قرر أهل الأصول التواتر، وقد ادعي تواتر كل واحدة من القراءات السبع، ثم ذكرها وادعى أيضًا تواتر القراءات العشر وذكرها، ثم قال: وليس على ذلك أثارة من علم؛ فإن هذه القراءات كل واحدة منها منقولة نقلًا آحاديًا كما يعرف ذلك من يعرف أسانيد هؤلاء القراء لقراءاتهم، وقد نقل جماعة من القراء الإجماع على أن في هذه القراءات ما هو متواتر، وفيها ما هو آحاد، ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحدة من السبع فضلًا عن العشر، وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول، وأهل الفن أخبر بفنهم (٤). تعقيب: تعقب جمال الدين الإسنوي الجويني والنووي وغيرهما ممن نقل أن الشافعي لا يحتج بالقراءة الشاذة، فقال: وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي على أنها حجة، ذكر ذلك في

стр. 2527

باب الرضاع، وفي باب تحريم الحج، وجزم به الشيخ أبو حامد في الصيام وفي الرضاع، والماوردي في الموضعين أيضًا، والقاضي أبو الطيب في موضعين من تعليقاته: أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة، والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي في الأيام من كتابه المسمي - عدة المسافر وكفاية الحاضر -، وابن يونس شارح التنبيه في كتاب الفرائض في الكلام على ميراث الأخ لأم، وجزم به الرافعي في باب حد السرقة، والذي وقع للإمام فقلده فيه النووي مستنده عدم إيجابه التتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو منع عجيب! ؛ فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك عن الشافعي، أو لقيام معارض (١). ولم نقف على ما ذكره الإسنوي من النصوص عن الشافعي وأصحابه إلا ما ذكره المزني في مختصره، فقال عن الشافعي، وقال في كتاب الصيام: إن صيام كفارة اليمين متتابع، والله أعلم (٢). وذكره الماوردي نقلًا عن المزني وذكره أحد القولين للشافعي في أن التتابع في صيام الكفارة عن اليمين شرط، وقال: واختاره المزني، فإن صام متفرقًا لم يجزه استدلالًا بقراءة ابن مسعود (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَات)، وقراءة أُبيٍّ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتتابِعَة) (٣). حجة أصحاب هذا القول: قال إمام الحرمين: إن القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الشريعة، وإليه رجوع جميع الأصول، ولا أمر في الدين أعظم منه، وكل ما يحل خطره ويعظم وقعه لا سيما في الأمور الدينية فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه، ولا يسوغ في اضطراد الاعتبار رجوع الأمر فيه إلى نقل الآحاد ما دامت الدواعي متوفرة، والنفوس إلى ضبط الدين متشوقة. إن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على ما بين

стр. 2528

الدفتين وطرحوا ما عداه، وكان ذلك عن اتفاق منهم، وكل زيادة لا تحويها الأم ولا تشتمل عليها الدفتان، فهي غير معدودة في القرآن (١). قال الغزالي: ومعتمدنا شيئان: أحدهما: أن الشيء إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه (٢)، وإما لكونه متواترًا، ولا إعجاز ولا تواتر (أي في القراءة الشاذة)، ومناط الشريعة وعمدتها تواتر القرآن، ولولاه لما استقرت النبوة وما يبني على الاستفاضة لتوفر الدواعي على نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة؟ (٣). المسلك الثاني: مبنانا فيما نأتي ونذر الاقتداء بالصحابة ﵁، وقد كانوا لا يقبلون القراءة الشاذة (٤). ولذلك جمع عثمان ﵁ المسلمين على مصحف واحد، ورد وأحرق كل ما سواه مما كان فيه قرآن، ومن المعلوم أن عثمان ﵁ ممن أمرنا باتباع سنتهم، ولذلك قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان ﵁، وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كان هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه، وأن كل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي ﷺ أو غيرهم من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان المذكور لا يقطع بشيء من ذلك على الله (٥). قال النووي: لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع (٦)، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا (٧).

стр. 2529

وقال ابن عبد البر: وإنما حل مصحف عثمان ﵁ هذا المحل؛ لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، ويبين لك هذا أن من دفع شيئًا ممن في مصحف عثمان كفر ومن دفع ما جاء في هذه الآثار وشبهها من القراءات لم يكفر. القول الثاني: قال أصحابه إنها حجة، تثبت بها الأحكام وتعامل معاملة خبر الواحد، ذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة والشافعي في رواية البويطي، وبعض المالكية ورجحه الشوكاني في إرشاد الفحول (١). قال ابن النجار الحنبلي في أثناء كلامه عن القرآن: وما صح منه أي مما لم يتواتر حجة عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي فيما حكاه عنه البويطي في باب الرضاع وفي تحريم الجمع، وعليه أكثر أصحابه (٢). وقالوا لأنه إما قرآن، أو خبر، وكلاهما موجب للعمل (٣). قال ابن قدامة: فأما ما نقل نقلًا غير متواتر كقراءة ابن مسعود ﵁ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات) فقد قال قوم ليس بحجة؛ لأنه خطأ قطعًا؛ لأنه واجب على الرسول ﷺ تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم، وليس له مناجاة الواحد به، وإن لم ينقله على أنه من القرآن احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا ومع التردد لا يعمل به، والصحيح أنه حجة، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي ﷺ ، فإن لم يكن قرآنًا فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي ﷺ تفسيرًا فظنه قرآنًا، ففي الجملة لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ومرويًا عنه فيكون حجة كيف ما كان، وقولهم: يجوز أن يكون مذهبًا له؟ قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة ﵃، فإن هذا افتراء على الله تعالى وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله تعالى ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة ﵃ لا يجوز

стр. 2530

نسبة الكذب إليهم في حديث النبي ﷺ ولا في غيره، فكيف يكذبوه في جعل مذاهبهم قرآنًا؟ ! هذا باطل يقينًا (١). قال ابن مفلح: قال الخصم: لم يصرح بكونه قرآنًا، ثم لو صرح فعدم شرط القراءة لا يمنع صحة سماعه فيقول: هو مسموع من الشارع وكل قوله حجة وهذا واضح (٢). وكأن ابن مفلح يرد على النووي ومن تابعه أو قال بمثل قوله في شرح مسلم حيث قال: لأن ناقلها لم ينقلها إلا علي أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا يثبت خبرًا، والمسألة محررة في أصول الفقه وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال الماوردي: والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل؛ لأنها منقولة عن الرسول ﷺ فأما قراءة ابن مسعود وأُبيٍّ فإنما تجري في وجوب العمل بها مجرى خبر الواحد إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت على الاستحباب وإطلاقها على الجواز (٤). وقال أبو بكر السرخسي: وعندنا شرط التتابع فيه (صيام الفدية للحاج) ليس بحمل المطلق على المقيد؛ بل بقراءة ابن مسعود ﵁ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات)، وقراءته لا تكون دون خبر يرويه وقد كان مشهورًا إلى عهد أبي حنيفة ﵀، وبالخبر المشهور تثبت الزيادة على النص (٥). قال ابن قدامة: إن كان قرَآنًا فهو حجة؛ لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن لم يكن قرآنًا فهو رواية عن النبي ﷺ تفسيرًا، فظنَّاه قرآنًا فتثبت له رتبة

стр. 2531

الخبر ولا ينقص عن درجة تفسير النبي ﷺ للآية، وعلى التقدير فهو حجة يصار إليه (١). تعقيب للغزالي على من قال: تعامل معاملة خبر الواحد. قال: فإن قيل: لا ينحط عن خبر الواحد فليعمل به، قلنا: العمل به ينبني على كونه من القرآن، وبطل ذلك، ثم مستندنا في العمل بخبر الواحد سيرة الصحابة وهم لم يعملوا به (٢). قال الزركشي: ويخرج من كلام أبي الحسين في المعتمد مذهب رابع فإنه قال في باب الأخبار: القرآن المنقول بالآحاد إما أن يظهر فيه الإعجاز أولا؛ فإن لم يظهر جاز أن يعمل بما تضمنه من عمل إذا نقل إلينا بالآحاد كقراءة ابن مسعود متتابعات، وإن ظهر فهو حجة للنبوة ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض في عصر النبي ﷺ مع سماع أهل عصره له ولا يعلم ذلك إلا وقد تواتر نقل ظهوره وفي ذلك العصر (٣). ٦ [*]- الذي يقبل من القراءات والذي لا يقبل . قال مكي بن أبي طالب: فإن سأل سائل فقال: فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به، وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به، وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟ فالجواب أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ ، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعًا، ويكون موافقًا لخط المصحف. فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به، وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف وكفرَ من جحده.

стр. 2532

والقسم الثاني ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف؛ فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين (١): إحداهما: أنه لم يوجد بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على مغيّبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده وبئسما ما صنع إذا جحده. والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية. فهذا لا يقبل، وإن وافق خط المصحف، قال: ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارًا (٢). ثم انبرى المحقق ابن الجزري لذاك التمثيل الذي تركه مكي اختصارًا فقال: ومثال القسم الأول: (مَالِكِ وَمَلِكِ)، (وَيَخْدَعُونَ وَيُخَادِعُونَ)، (وَأَوْصَى وَوَصَّى)، (ويَطَّوَّعْ وتَطَوَّع) ونحو ذلك من القراءات المشهورة. مثال القسم الثاني: قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) في ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ - بحذف لفظ ما خلق -، وقراءة ابن عباس (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالحَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا) - بإبدال كلمة (أمام) من كلمة (وراء)، وبزيادة كلمة (صالحة)، وأما الغلام فكان كافرا بزيادة كلمة (كافرًا)، ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات.

стр. 2533

ومثال القسم الثالث: مما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف، كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (نُنَحِّيكَ): بالحاء المهملة. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] بفتح سكون اللام (خَلَفَك)، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي وغيره فإنها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطي: إن الخزاعي وضع كتابًا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة فأخذت خط الدارقطني وجماعة أن الكتاب موضوع لا أصل له. قلت: وقد رويت الكتاب المذكور ومنه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ) برفع الهاء ونصب الهمزة. وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبرئ منها. ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط ويعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدًا؛ بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (مَعَائِشَ) بالهمز. وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء (أَدْرِيَ أَقَرِيبٌ) مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب. وما رواه أبو علي العطار عن العباس عن أبي عمرو (سَاحِرَانِ تَظَّاهَرَا) بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفى (١). قال ابن الجزري: وبقي قسم مردود أيضًا: وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق، ومنعه أشد، ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي المقري النحوي وكان بعد الثلاثمائة. قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان: وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف؛ فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل.

стр. 2534

قلت: وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب؛ فتاب ورجع وكتب عليه بذلك محضر كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأشرنا إليه في الطبقات (١).

стр. 2535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2536

٧ - الوجوه السبعة التي يقع فيها التغاير في أحرف القرآن ولا تخرج القراءات عنها . فقد ذهب فيها العلماء إلى ثلاثة مذاهب: مذهب ابن قتيبة ومن وافقه . الأول: الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بقائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو ﴿البُخْل﴾ و ﴿البَخَل﴾ و ﴿مَيْسَرَة﴾ و ﴿ميسُرة﴾ ﴿وهُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ و ﴿أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، وهو كثير يقرأ منه بما صحت روايته، وصح وجهه في العربية؛ لأنه غير مخالف للخط. الثاني: الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب نحو ﴿رَبَّنا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ و ﴿رَبُّنا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾، وهو كثير يقرأ به لما صحت روايته ووافق العربية. الثالث: الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يزيل صورتها نحو ﴿كيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ و ﴿نُنْشِرُهَا﴾ و ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ و ﴿فَزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ و ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ و ﴿يَقْضِ الْحَقَّ﴾، وهو كثير يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأي العين. الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها ومعناها، نحو: ﴿إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ و (إلا زقية واحدة) و ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ و (كالصَّوف المنقوش)، فهذا يقبل إذا صحت روايته ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف، ولأنه إنما ثبت عن آحاد. الخامس: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها ومعناها، نحو: ﴿طَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ و ﴿طَلْعٍ مَنْضُودٍ﴾، فهذا لا يقرأ به أيضًا لمخالفته الخط، ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد لما عليه المصحف.

стр. 2537

السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ)، فهذا يقبل لصحة معناه إذا صحت روايته، ولا يقرأ به لمخالفته المصحف، ولأنه غير واحد. السابع: الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم، نحو: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ (وَمَا عَمِلَتْ)، و (نَعْجَةً أُنثَى)، ونظائره فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكمًا لم يقله أحد، ويقرأ منه ما اختلفت عليه المصاحف في إثباته وحذفه نحو ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا﴾ في براءة عند رأس المائة و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ و ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ في الحديد و ﴿فَإِنَّ الله الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ونحو ذلك مما اختلف فيه المصاحف التي وجَّه بها عثمان إلى الأمصار فيقرأ به إذ لم يخرج عن خط جميع المصاحف. ولا يقرأ منه - ما لم تختلف فيه المصاحف - لا يزاد شيء لم يزد في شيء من المصاحف، ولا ينقص شيء لم ينقص في شيء من المصاحف. (١) مذهب الرازي: الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث. ويمكن التمثيل للوجه الأول منه وهو اختلاف الأسماء. بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ قرئ هكذا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ جمعًا، وقرئ ﴿لِأَمَانَتِهِم﴾ بالإفراد. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. ويمكن التمثيل للوجه الثاني وهو اختلاف تصريف الأفعال بقوله سبحانه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرئ هكذا بنصب لفظ ﴿رَبَّنَا﴾ على أنه منادى، وبلفظ ﴿بَاعِدْ﴾، و ﴿بَعِّدْ﴾ فعل أمر، وبعبارة أنسب بالمقام فعل دعاء. وقرئ هكذا: ﴿رَبُّنَا بَاعَدَ﴾ برفع رب على أنه مبتدأ وبلفظ ﴿بَعَّدَ﴾ فعلًا ماضيًا مضعف العين جملته خبر. الثالث: اختلاف وجوه الإعراب.

стр. 2538

ويمكن التمثيل للوجه الثالث وهو اختلاف وجوه الإعراب بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قرئ بفتح الراء وضمها؛ فالفتح على أن لا ناهية فالفعل مجزوم بعدها والفتحة الملحوظة في الراء هي فتحة إدغام المثلين. أما الضم فعلى أن لا نافية فالفعل مرفوع بعدها. ومثل هذا المثال قوله سبحانه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ قرئ برفع لفظ المجيد وجره. فالرفع على أنه نعت لكلمة ذو، والجر على أنه نعت لكلمة العرش. فلا فرق في هذا الوجه بين أن يكون اختلاف وجوه الإعراب في اسم أو فعل كما رأيت. الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة. ويمكن التمثيل للوجه الرابع: وهو الاختلاف بالنقص والزيادة. بقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قرئ بهذا اللفظ. وقرئ أيضًا (والذكر والأنثى) بنقص كلمة ما خلق. الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير. ويمكن التمثيل للوجه الخامس - وهو الاختلاف بالتقديم والتأخير - بقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، وقرئ: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقّ بالْمَوْتِ). السادس: الاختلاف بالإبدال. ويمكن التمثيل للوجه السادس - وهو الاختلاف بالإبدال - بقوله سبحانه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، وقرئ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالراء، وكذلك قوله سبحانه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ بالحاء، وقرئ ﴿وَطَلْعٍ﴾ بالعين. فلا فرق في هذا الوجه أيضًا بين الاسم والفعل. السابع: اختلاف اللغات - يريد اللهجات - كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، ونحو ذلك، غير أن النقل كما ترى لم يشفع بتمثيل فيما عثرنا. ويمكن التمثيل للوجه السابع - وهو اختلاف اللهجات - بقوله سبحانه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ تقرأ بالفتح والإمالة في: أتى، ولفظ: موسى، فلا فرق في هذا الوجه أيضًا بين الاسم والفعل. والحرف مثلهما نحو ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: ٤] قرئ بالفتح

стр. 2539

والإمالة في لفظ بلى. (١) مذهب ابن الجزري: قال: تتبعت القراءات صحيحها، وشاذها، وضعيفها، ومنكرها؛ فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا يخرج عنها وذلك: ١ - إما في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة: نحو (البخل) بأربعة (ويحسب) بوجهين. ٢ - أو بتغير في المعنى فقط نحو ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، و (أَمَة). ٣ - وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو (تبلوا، وتتلوا، وننحيك (بالحاء) ببدنك لتكون لمن خلفك، وننجيك (بالجيم) ببدنك). ٤ - أو عكس ذلك نحو (بصطة، وبسطة، والصراط، والسراط). ٥ - أو بتغيرهما نحو (أشد منكم، ومنهم، ويأتل، ويتأل، و- فامضوا، اسعوا إلى ذكر الله). ٦ - وإما في التقديم والتأخير نحو (فيقتلون، ويقتلون، وجاءت سكرت الحق بالموت). ٧ - أو في الزيادة والنقصان نحو (وأوصى، ووصى، والذكر والأنثى) فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها. (٢) وهذه المذاهب بينها عموم وخصوص ويدخل بعضها في بعض، ولذا قال ابن حجر عن مذهب الرازي: إنه أخذ كلام ابن قتيبة ونقَّحه. (٣)، وهذا لا يؤدي إلى الخلاف الكبير، بدليل أن الإمام مكي بن أبي طالب بيَّن الذي يُقرأ من ذلك والذي لا يقرأ من هذه الوجوه. (٤)، وهذا التغاير أيضًا في حدود القراءات العشر المتواترة التي أجمع عليها أهل العلم. وإذا خرج عنها وجه من هذه الوجوه فلا يقرأ به. ٨ - فائدة اختلاف القراءات وتنوعها، وعلى أي شيء يتوجه اختلاف القراءات .

стр. 2540

أولًا: فائدة اختلاف القراءات . فإن في ذلك فوائد غير ما قدمناه من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. ومنها: ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز، إذ كل قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل. ومنها: ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة؛ إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ولا تخالف؛ بل كله يُصدِّق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد، وما ذلك إلا آية بالغة، وبرهان قاطع على صدق من جاء به ﷺ . ومنها: سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمة؛ إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة، فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأدعى لقبوله من حفظه جملًا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات لا سيما فيما كان خطه واحدًا؛ فإن ذلك أسهل حفظًا وأيسر لفظًا. ومنها: إعظام أجور هذه الأمة من حيث إنهم يفرغون جهدهم؛ ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمين أسراره وخفي إشاراته، وإنعامهم النظر وإمعانهم الكشف عن التوجه والتعليل والترجيح، والتفصيل بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، والأجر على قدر المشقة. ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظة لفظة، والكشف عن صيغة صيغة، وبيان صوابه، وبيان تصحيحه، وإتقان تجويده، حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكًا ولا تسكينًا، ولا تفخيمًا ولا ترقيقًا،

стр. 2541

حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم. ومنها: ما ادخره الله من المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة الشريفة، من إسنادها كتاب ربها، واتصال هذا السبب الإلهي بسببها خصيصة الله تعالى هذه الأمة المحمدية، وإعظامًا لقدر أهل هذه الملة الحنيفية، وكل قارئ يوصل حروفه بالنقل إلى أصله، ويرفع ارتياب الملحد قطعًا بوصله، فلو لم يكن من الفوائد إلا هذه الفائدة الجليلة لكفت، ولو لم يكن من الخصائص إلا هذه الخصيصة النبيلة لوفت. ومنها: ظهور سر الله في توليه حفظ كتابه العزيز وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإن الله تعالى لم يخل عصرًا من الأعصار، ولو في قطر من الأقطار، من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببًا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور، وبقاؤه دليلًا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور (١). ثانيًا: على أي شيء يتوجه اختلاف هذه السبعة . فإنه يتوجه على أنحاء ووجوه مع السلامة من التضاد والتناقض، فإن الاختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض؛ فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. أولًا: فمنها: ما يكون لبيان حكم مجمع عليه كقراءة سعد بن أبي وقاص وغيره (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ - من أُم)؛ فإن هذه القراءة تبين أن المراد بالأخوة هنا هو الإخوة للأم، وهذا أمر مجمع عليه. ثانيًا: منها: ما يكون مرجحًا لحكم اختلف فيه كقراءة ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ في كفارة اليمين، ففيها ترجيح لاشتراط الإيمان فيها كما ذهب إليه الشافعي وغيره، ولم

стр. 2542

يشترطه أبو حنيفة ﵀. ثالثًا: منها: ما يكون للجمع بين حكمين مختلفين ﴿يَطْهُرْنَ﴾ و ﴿يَطَّهَّرْن﴾ بالتخفيف والتشديد ينبغي الجمع، وهو أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها وتطهر بالاغتسال. رابعًا: منها: ما يكون لأجل اختلاف حكمين شرعيين كقراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض والنصب، فإن الخفض يقتضى فرض المسح، والنصب يقتضي فرض الغسل فبينهما النبي ﷺ ، فجعل المسح للابس الخف، والغسل لغيره. خامسًا: منها: ما يكون لإيضاح حكم يقتضى الظاهر خلافه كقراءة (فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ الله) فإن قراءة ﴿فَاسْعَوْا﴾ يقتضى ظاهرها المشي السريع وليس كذلك، فكانت القراءة الأخرى موضحة لذلك ورافعة لما يتوهم منه. سادسًا: منها: ما يكون مفسرًا لما لعله لا يعرف مثل قراءة (كالصُّوفِ المنفُوشِ). سابعًا: منها: مما يكون حجة لأهل الحق ودفعًا لأهل الزيغ كقراءة ﴿وَمَلِكًا كَبِيرًا﴾ بكسر الكلام، وردت عن ابن كثير وغيره وهي من أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. ثامنًا: منها: ما يكون حجة بترجيح لقول بعض العلماء كقراءة ﴿أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إذ اللمس يطلق على الجس والمس كقوله تعالى ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: مسوه. تاسعًا: منها: ما يكون حجة لقول بعض أهل العربية كقراءة ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالخفض ﴿وَليَجْزِيَ قَوْمًا﴾ على ما لم يسم فاعله مع النصب (١). والخلاصة: أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات. وذلك ضرب من ضروب البلاغة يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز. أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله ﷺ ، فإن هذه الاختلافات في

стр. 2543

القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد ولا إلى تهافت وتخاذل؛ بل القرآن كله على تنوع قراءاته يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم. وذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف. ومعنى هذا: أن القرآن يُعجز إذا قرئ بهذه القراءة، ويُعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية، ويُعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة، وهلم جرًا. ومن هنا تتعدد المعجزات بتعدد تلك الوجوه والحروف. ولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد؛ لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان على كل حرف ووجه وبكل لهجة ولسان. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. (١) سبب الاقتصار على قراءة الأئمة المشهورين: فإن قيل: فهذا سبب الخلاف وأصله مستمد من الوحي، فما السبب في الاقتصار على قراءة هؤلاء القراء؟ فهذا جوابه: ١ - اشتهارهم بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه . لما جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، وأمر بأن يرسل للآفاق مصاحف على ما جمعه، كما تقدم، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط، فقرأ أهل كل مصر في مصحفهم وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه عن النبي ﷺ . . . ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد قراءته وفاقًا لبدعهم كمن قال من المعتزلة ﴿وَكلَّمَ - الله - مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] بالنصب على الهاء - رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصر وجه إليه مصحف أئمةً مشهورين بالثقة، والأمانة بالنقل، وحسن كمال الدين، وكمال العلم، أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء واشتهر أمرهم. . . ولم

стр. 2544

تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم، فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة ونافع، وبمكة: عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج، وبالكوفة يحيى بن وثَّاب وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وبالشام عبد الله بن عامر وعطية بن قيس الكلابي ويحيى بن الحارث الزماري، وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي. ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره. فلما كثر الاختلاف، وعسر الضبط، وشق الائتلاف، وظهر التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذِّها، ومشهورها بشاذِّها، فمن ثَمّ وضع الأئمة لذلك ميزانًا يرجع إليه، ومعيارًا يعول عليه، وهو السند والرسم والعربية فكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط مصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ (١). والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا - مما يوافق خط المصحف - على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه غير الأئمة هؤلاء من القراءات ولا القراءة بها، كقراءة يعقوب الحضرمي وأبي جعفر المدني وشيبة وغيرهم. ولقد أسهم المؤلفون في القراءات في الاقتصار على عدد معين؛ لأنهم إذ يؤلفون مقتصرين على عدد مخصوص من أئمة القراء يكون ذلك من دواعي شهرتهم، وإن كان غيرهم أجل منهم قدرًا فيتوهم الناس بعدُ أن هؤلاء الذين اقتصر التأليف على قراءتهم هم الأئمة المعتبرون في القراءات، وقد صنف ابن جبر المكي كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا (٢).

стр. 2545

٢ - تم ترشيح هؤلاء القراء السبعة للأخذ عنهم دون غيرهم على أساس من الموثوقية والحيادية المطلقة . قال ابن مجاهد وهو يبين منهجه في اختيار القراء السبعة: اختلف الناس في القراءة كما اختلفوا في الأحكام، ورويت الآثار بالاختلاف عن الصحابة والتابعين توسعة ورحمة للمسلمين وبعض ذلك قريب من بعض. وحمَلَةُ القرآن متفاضلون في حمله، ولنقلة الحروف منازل في نقل حروفه، وأنا ذاكر منازلهم، ودال على الأئمة منهم، ومخبر عن القراءة التي عليها الناس بالحجاز والعراق والشام، وشارح مذاهب أهل القراءة، ومبين اختلافهم واتفاقهم إن شاء الله وإياه أسأل التوفيق بمنه. (١) فبين هنا أن الأئمة من القراء هم أصحاب القراءة التي عليها الناس، ثم قال مؤكدًا فكرته (٢): فمن حملة القرآن المعرب، العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعيب القراءات، المنتقد للآثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين، ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك؛ فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه. ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب ولا غيره فذلك الحافظ فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده، فيُضَيِّعُ الإعرابَ لشدة تشابهه، وكثرة فتحه وضمه وكسره في الآية الواحدة؛ لأنه لا يعتمد على علم بالعربية، ولا بصر بالمعاني يرجع إليه، وإنما اعتماده على حفظه وسماعه، وقد ينسى الحافظ فيضيع السماع، وتشتبه عليه الحروف؛ فيقرأ بلحن لا يعرفه، وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره ويبرئ نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقًا، فيحمل ذلك عنه قد نسيه ووهم فيه وجسر على لزومه والإصرار عليه، أو يكون قد قرأ على من نسى وضيع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم، فذلك لا يقلد القراءة ولا يحتج بنقله.

стр. 2546

فهو هنا يؤكد على شرط من شروط القراءة وهو: موافقة العربية، ثم يشير إلى الشرط الآخر، وهو: صحة السند بقوله: ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعاني ويعرف اللغات، ولا علم له بالقراءات واختلاف الناس والآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعًا. ويكشف لنا ابن مجاهد عن أن اختيار الناس لم يكن مجرد تبعية أو تقليدًا أو انسياقًا أعمى؛ بل كان انتقاء واعيًا وبصيرة نافذة فيقول: (١) وأما الآثار التي رويت في الحروف فكالآثار التي رويت في الأحكام، منها المجتمع عليه السائر المعروف، ومنها المتروك المكروه عند الناس المعيب من أخذ به، وإن كان قد روى وحفظ، ومنها ما توهم فيه من رواه فضيع روايته ونسى سماعه لطول عهده فإذا عرض على أهله عرفوا توهمه وردوه على من حمله، وربما سقطت روايته لذلك بإصراره على لزومه وتركه الانصراف عنه، ولعل كثيرًا ممن تُرك حديثه واتُهم في روايته كانت هذه علته، وإنما ينتقد ذلك أهل العلم بالأخبار والحرام والحلال والأحكام، وليس انتقاد ذلك إلى من لا يعرف الحديث ولا يبصر الرواية والاختلاف، كذلك ما روى من الآثار في حروف القرآن منها المعرب السائر الواضح، ومنها المعرب الواضح غير السائر، ومنها اللغة الشاذة القليلة، ومنها الضعيف المعنى في الإعراب غير أنه قد قرئ به، ومنها ما توهم فيه فغلط به، فهو لحن غير جائز عند من لا يبصر من العربية إلا اليسير، ومنها اللحن الخفي الذي لا يعرفه إلا العالم النحرير، وبكلٍّ قد جاءت الآثار في القراءات. ويقول ابن مجاهد أيضًا مؤكدًا على أن اختياره لم يكن سوى اختيار الناس الخاصة منهم والعامة: والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقيًا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن

стр. 2547

التابعين أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذهبه على ما رُوي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي، ثم ساق بإسناده عن هؤلاء بألفاظ متقاربة قولهم: قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول. وفي رواية: القراءة سنة فاقرءوا كما قرأ أولكم. وقال ابن مجاهد - وهو يترجم للقراء السبعة الذين أجمعت الأمة على قبول قراءتهم ويبين مكانتهم -: على قراءة نافع اجتمع الناس بالمدينة العامة منهم والخاصة (١). وكان الإمام الذي انتهت إليه القراءة بمكة وائتم به أهلها في عصره عبد الله بن كثير. (٢) وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان ﵁ الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي، واسمه: عبد الله بن حبيب. فجلس في المسجد الأعظم ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة فيما ذكر (٣)، فلما مات أبو عبد الرحمن رحمه الله تعالى خلفه في موضعه أبو بكر عاصم بن أبي النجود (٤). وكان عاصم مقدمًا في زمانه مشهورًا بالفصاحة معروفًا بالإتقان (٥). ثم بيَّن ابن مجاهد العلة في عدم انتشار قراءة عاصم في زمانه فقال: وإلى قراءة عاصم صار بعض أهل الكوفة، وليست بالغالبة عليهم؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش فيما يقال؛ لأنه تعلمها منه تعلما خمسًا خمسًا، وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش، وكان أبو بكر لا يكاد

стр. 2548

يمكن من نفسه من أرادها منه، فقلَّت بالكوفة من أجل ذلك، وعز من يحسنها، وصار الغالب على أهل الكوفة إلى اليوم قراءة حمزة بن حبيب الزيات (١). وكان حمزة ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها. وكان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، وكان حمزة إمام أهل الكوفة في عصره، وكان إمام الناس في القراءة في عصره، وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم. وأما البصرة فقام بالقراءة بها بعد التابعين جماعة منهم أبو عمرو بن العلاء. قال أبو بكر: وكان مقدمًا في عصره عالمًا بالقراءة ووجوهها، قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية، وكان مع علمه باللغة وفقهه بالعربية متمسكًا بالآثار، لا يكاد

стр. 2549

يخالف في اختياره ما جاء عن الأئمة قبله متواضعًا في علمه، قرأ على أهل الحجاز وسلك في القراءة طريقهم، ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدمه وتقر له بفضله وتأتم في القراءة بمذهبه. وأما أهل الشام فيسندون قراءتهم إلى عبد الله بن عامر اليحصبي. (١) فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سميت وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفًا شاذًا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزًا في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه (٢). وبهذا الاجتهاد الطويل والمراجعة المتأنية يكون ابن مجاهد قد استطاع أن يستخلص تلك القراءات راضيًا مغتبطًا بما أدى من هذا الواجب العظيم، وتبعه جمهور العلماء والقراء في الأمة وارتضوا اجتهاده في تقديمهم (٣). ٩ [*]- معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها: قال أبو عمرو: وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف من الصحابة كأُبي، وعبد الله، وزيد، وغيرهم من قِبَل أنه كان أضبط له، وأكثر قراءة، وإقراءًا به، وملازمة له وميلًا إليه لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار، المراد بها أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر، وعرف به، وقصد فيه، وأُخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء. وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة

стр. 2550

اختراع ورأي واجتهاد. (١) ١٠ - دور المصحف، والرسم العثماني في القراءات . أولًا: دور المصحف العثماني في القراءات وهكذا جاء المصحف العثماني؛ ليضع حدًا لمرحلة ويبدأ مرحلة جديدة في تاريخ القرآن والقراءات، فقد ضيق المصحف العثماني من إطار استخدام رخصة الأحرف السبعة والتي كانت مفتوحة على مصراعيها من قبل (٢). ويبين لنا ابن هشام تلميذ ابن مجاهد إمام القراءات كيفية ولادة القراءات ولادة شرعية من الأحرف السبعة قائلًا: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم (٣). المصحف الإمام نقلة حضارية كبرى في توثيق المعلومات لأن الفكرة الجوهرية التي تمحور حولها المصحف العثماني كانت الإجماع. (٤) وهو بلا شك أقوى وأعلى من التواتر. المصحف الإمام كان سببًا في ظهور مصطلح القراءات الشاذة في القاموس الإسلامي:

стр. 2551

وأغلب ما وصف بالشذوذ من القراءات كان بسبب مخالفة الرسم العثماني أو بسبب عدم توافر النقل (١)، وليس من أجل مخالفة العربية، إلا في النادر، مما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثل هذا إلا سهوًا بشريًا، وقد نبه عليه المحققون والقراء الضابطون (٢). مع أن القرآن دُوِّن في مصحف عثمان لم يتحول الأساس في تلاوته يومًا إلى الاعتماد على المصحف المكتوب؛ بل ظل الاعتماد منذ وجود الرسول ﷺ على الرواية بالسند الصحيح المتواتر عنه، فالأساس دائمًا الرواية عن الرسول ﷺ ، وقد تلقاه شفويًا عنه صحابته (٣)، وعنهم تلقاه التابعون، وتوالى ذلك بالسند المتواتر جيلًا بعد جيل (٤). وقد كان التعويل في ذلك على أن القرآن محفوظ في الصدور قبل أن يحفظه كونه محفوظًا في مصحف، وأن القراءة الصحيحة لن تكون أي نطق محتمل لخط المصحف؛ بل لا بد أن تكون رواية عن رسول الله ﷺ (٥). ومن ثم ظهر نوع آخر من القراءات الشاذة التي سببها عدم صحة السند، أو عدم وجوده أصلًا، فتكون القراءة إما من قبيل الخطأ والسهو، أو من قبيل الكذب والافتراء، وهذا كله يندرج تحت القراءات الشاذة اصطلاحًا، ووجه الشذوذ هنا أن القارئ لم يخالف من هو أوثق منه؛ بل خالف الأمة كلها (٦). ثانيًا: مزايا الرسم العثماني:

стр. 2552

لهذا الرسم مزايا وفوائد: الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان، وذلك أن قاعدة الرسم لوحظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل؛ وذلك ليعلم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة بحرف الأصل رسمت به. مثال الكلمة تكتب بصورة واحدة وتقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] رسمت في المصحف العثماني هكذا: (إن هدان لساحران) من غير نقط، ولا شكل، ولا تشديد، ولا تخفيف في نوني إن وهذان، ومن غير ألف، ولا ياء بعد الذال من هذان. ومجيء الرسم كما ترى كان صالحًا عندهم لأن يقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة. أولها: قراءة نافع ومن معه إذ يشددون نون - إنَّ ويخففون - هذَان - بالألف. ثانيها: قراءة ابن كثير وحده إذ يخفف النون في - إنْ - ويشدد النون - في هذان. ثالثها: قراءة حفص إذ يخفف النون في - إنْ - وهذان بالألف. رابعها: قراءة أبي عمرو بتشديد - إنَّ - وبالياء وتخفيف النون في - هذين، فتدبر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منا نظرًا وأهدى سبيلًا. الفائدة الثانية: إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة، وذلك نحو قطع كلمة أم في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]، ووصلها في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] إذ كتبت هكذا ﴿أَمَّنْ﴾ بإدغام الميم

стр. 2553

الأولى في الثانية وكتابتهما ميمًا واحدة مشددة فقط؛ أم الأولى في الكتابة للدلالة على أنها أم المنقطعة التي بمعنى بل، ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست كتلك. الفائدة الثالثة: الدلالة على معنى خفي دقيق كزيادة الياء في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وإذ كتبت هكذا ﴿بِأَيْدٍ﴾، وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي: (ويدعو الإنسان)، (يمحو الله الباطل)، (يوم يدعو الداع)، (سندعوا الزبانية) فإنها كتبت في المصحف العثماني هكذا: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع. قالوا: والسر في حذفها من ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير؛ بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير. والسر في حذفها من ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله. والسر في حذفها من ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ والإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين. والسر في حذفها من ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش. ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي: والسر في حذفها من هذه الأربعة سرعة وقوع الفعل، وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود. الفائدة الرابعة: الدلالة على أصل الحركة مثل كتابة الكسرة ياء في قوله سبحانه ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إذ تكتب هكذا ﴿وإيتاءى ذي القربى﴾، ومثل كتابة الضمة واوًا في قوله سبحانه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ إذ كتبت هكذا ﴿سأوريكم دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾

стр. 2554

ومثل ذلك الدلالة على أصل الحرف، نحو الصلاة والزكاة إذ كتبا هكذا: الصلَوة الزكَوة؛ ليفهم أن الألف فيهما منقلبة عن واو. من غير نقط ولا شكل كما سبق. الفائدة الخامسة: إفادة بعض اللغات الفصيحة، وذلك مثل كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة في بعض المواضع؛ للإيذان بجواز الوقف عليها بالتاء على لغة (طيئ) نحو: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الأعراف، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ في التحريم، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ في الأنفال، ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ في الدخان. ومثل: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ. .﴾ في الكهف، كتبت كلمة ﴿نَبْغِ﴾ بحذف الياء على لغة هذيل التي تحذف لام الفعل المضارع المعتل من غير دخول جازم عليه. ومثل قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كتبت بحذف الياء هكذا ﴿يَأْتِ﴾ للدلالة على لغة هذيل. الفائدة السادسة: حمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال، ولا يتكلوا على هذا الرسم العثماني الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة. وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان. إحداهما: التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده. فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف مهما تكن قاعدة رسمه واصطلاح كتابته. فقد تخطئ المطبعة في الطبع، وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده كالقلقلة، والإظهار، والإخفاء، والإدغام، والروم، والإشمام ونحوها فضلًا عن خفاء تطبيقها. ولهذا قرر العلماء أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها؛ بل لا بد من التثبت في الأداء والقراءة بالأخذ عن حافظ ثقة. وإن كنت في شك فقل لي بربك: هل يستطيع المصحف بأي رسم يكون أن يدل قارئًا أيًا كان على النطق الصحيح بفواتح السور

стр. 2555

الكريمة؟ مثل ﴿كهيعص، حم، عسق، طسم﴾؟ ، ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحانه ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ من كلمة ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾. المزية الثانية: اتصال السند برسول الله ﷺ ، وتلك خاصة من خواص هذه الأمة الإسلامية امتازت بها على سائر الأمم. قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل. وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من كتب اليهود ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ ؛ بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا. إنما يبلغون إلى شمعون ونحوه، ثم قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق. وأما النقل المشتمل على طريق فيه كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى. وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا صاحب نبي أو تابعي، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص (١).

стр. 2556

المبحث الثالث: الرد على الشبهات: الشبهة الأولى: ادعاؤهم أن نشأة القراءات كان بسبب خلو المصحف من النقط والشكل نص الشبهة: يقولون بأن سبب اختلاف القراءات وتنوعها وتعددها؛ إنما هو خاصية الخط العربي الذي كتبت به المصاحف العثمانية، تلك الخاصية هي خلوه من إعجام الحروف ونقطها الذي يدل على ذاتها، وخلوه من شكل الكلمات الذي يدل على إعرابها، فلما كان الأمر كذلك كانت محتملة لقراءات، وأوجه متنوعة. فكان كل قارئ يختار من هذه القراءات ومن هذه الأوجه ما يروق في نظره. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: القراءات نزلت من عند الله وليست ناشئة من خلو المصاحف من النقط والشكل. الوجه الثاني: القراءات مصدرها التلقي والسماع وليس للاجتهاد والتشهي. الوجه الثالث: أن سيدنا عثمان لما أرسل المصاحف أرسل مع كل مصحف معلمًا يعلم المسلمين القراءة؛ ليكون الأصل التلقي. الوجه الرابع: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورُسمت برسم واحد في جميع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات، والبعض الآخر لم تتنوع فيها القراءات التي يحتملها رسمها، فدل على أن الأصل التلقي، وليس لخلو المصحف من النقط والشكل. الوجه الخامس: في القرآن الكريم كلمات رسمت غير معجمة ولا مشكولة ورسمها يحتمل أكثر من قراءة واللغة العربية تجيز فيها هذه القراءات، ومع ذلك ليس فيها إلا قراءة واحدة. الوجه السادس: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل فهذا لا يستقيم مع حكمة الله في حفظه للقرآن. الوجه السابع: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل وعلى حسب الاختيار لما يحتمله الرسم؛ لكان القرآن من كلام البشر والله وعد بحفظه. الوجه الثامن: التبديل في القرآن الكريم يستوجب عقابًا من الله.

стр. 2557

الوجه التاسع: من القراء العشر من كان إمامًا في النحو، ومع ذلك كان يخالف مذهبه في النحو لأجل القراءة مما يدل على أن الأصل التلقي لا لخلو المصحف من الشكل والنقط. الوجه العاشر: أجمع المسلمون على تواتر قراءات الأئمة العشرة، وثبوتها عن رسول الله ﷺ بطريق القطع واليقين. الوجه الحادي عشر: القراءة ليست على الأفشى اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. وإليك التفصيل الوجه الأول: القراءات نزلت من عند الله وليست ناشئة من خلو المصاحف من النقط والشكل . قال أبو عمرو الداني: وهذه القراءات كلها، والأوجه بأسرها من اللغات، هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله ﷺ ، وأقرأ بها، وأباح الله تعالى لنبيه ﷺ القراءة بجميعها، وصوب الرسول ﷺ من قرأ ببعضها دون بعض. (١) ومما يدل على ذلك الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". (٢) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ، دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأَ. فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا. فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنْ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي. ضَرَبَ فِي صَدْرِي. فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الله

стр. 2558

فَرَقًا. فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ " (١). الوجه الثاني: القراءات مصدرها التلقي والسماع وليس الاجتهاد والتشهي قال ابن حجر: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي إن كل أحد منهم يغير الكلمة بمرادفها في لغته؛ بل المراعى في ذلك السماع من النبي ﷺ ، ويشير إلى ذلك قول كلٍ من: عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي ﷺ (٢). قلنا يشير إلى حديث عمر بن الخطاب قال: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقرَاءَتِه، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ! ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ. فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ . فَقُلْتُ: كَذَبْتَ. فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ. فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". (٣) فيؤخذ التلقي والمشافهة والسماع من قول عمر لما سمع هشامًا يقرأ: (فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ). ومن قول هشام لعمر: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ) هكذا إلى آخر الحديث،

стр. 2559

فقد تكرر لفظ الإقراء مما يدل على أن القراءات إنما تثبت بالتوقيف والتلقين والتلقي. (١) عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: القراءة سنة. (٢) قال البيهقي: وَإِنَّمَا أَرَادَ - وَالله أَعْلَمُ - أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا في الْحُرُوفِ، وَفِي الْقِرَاءَاتِ سنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الذي هُوَ إِمَامٌ، وَلَا مُخَالَفَةُ الْقِرَاءَاتِ التي هي مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا في اللُّغَةِ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهَا. (٣) قال أبو شامة: - في شرحه للشاطبية عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣]، ورسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر، والقراءة نقل؛ في وافق منها ظاهر الخط كان أقوى وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا؛ ما لم يعضده نقل، فإن وافق فبها ونعمت، وذلك نور على نور، قال الشيخ السخاوي - تلميذ الشاطبي - وهذا الموضع أدلَّ دليل على اتباع النقل في القراءة؛ لأنهم لو اتبعوا الخط وكانت القراءة إنما هي مستندة إليه لقرءوا هنا - الحج - بألف، وفي الملائكة - فاطر - بالخفض. قال أبو عبيد: ولولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحبَّ إليَّ، فيكون هذا - في الحج - بالنصب، والآخر - في فاطر - بالخفض. (٤) قال ابن تيمية: وأما قول السائل: ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي، وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم

стр. 2560

يكن واحد منهم خارجًا عن المصحف. ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ في موضع وتنوعوا في موضعين، وقد بينا أن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدًا واللفظ محتملًا كان ذلك أخصر في الرسم. والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف. اهـ (١). الوجه الثالث: أن سيدنا عثمان لما أرسل المصاحف أرسل مع كل مصحف معلم يعلم المسلمين القراءة؛ ليكون الأصل التلقي . لما كُتبت المصاحف العثمانية وأُرسلت إلى الأمصار الإسلامية، لم يكتف الخليفة عثمان بإرسالها إلى الأمصار وحدها، لتكون الملجأ والمرجع؛ بل أرسل مع كل مصحف عالمًا من علماء القراءة، يعلم المسلمين القرآن وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يقرئ أهل مصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ بطريق التواتر التي يحتملها رسم المصحف دون الثابتة بطريق الآحاد والمنسوخة، وإن كان يحتملها رسم المصحف، فالمقصود من إرسال القارئ مع المصحف، تقييد بما يحتمله الرسم من القراءات بالمنقول منها تواترًا، فلو كانت القراءات مأخوذة من رسم المصحف وساغ لكل إنسان أن يقرأ بكل قراءة يحتملها رسم المصحف سواء كانت ثابتة بطريق التواتر أم بطريق الآحاد أم كانت منسوخة أم لم يكن لها سند أصلًا لم يكن ثمَّ حاجة إلى إرسال عالم مع المصحف، فإيفاد عالم مع المصحف دليل واضح على أن القراءة إنما تعتمد على التلقي، والنقل، والرواية، لا على الخط، والرسم، والكتابة (٢). الوجه الرابع: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورُسمت برسم واحد في جمع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات، والبعض الآخر لم تتنوع فيها القرءات التم يحتملها رسمها؛ فدل على أن الأصل التلقي، وليس لخلو المصحف
следующие страницы →