← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وعن عبد الله بن عمرو، أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، "قال: كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مباذر، ولا متأثل" (١)، وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فشق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٢٢٠) إلى قوله "لأعنتكم" (٢) وعن ابن عباس ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل له طعامه وشرابه وآنيته، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فأحل لهم خلطتهم". (٣) اجتناب التعدي على ماله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة". (٤) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وذكر منها: "أكل مال اليتيم". (٥) كفالته: لقوله ﷺ "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وقال بإصبعيه السبابة والوسطى". (٦) الشفقة والبر: قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]. أي: هؤلاء الأبرار يطعمون الطعام على حبهم إياه وشهوتهم له وقوله

стр. 282

مسكينا يعني جل ثناؤه بقوله "مسكينًا" ذوي الحاجة الذين قد أذلهم الحاجة "يتيما وهو الطفل الذي قد مات أبوه ولا شيء له". (١) قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ [الفجر: ١٧]، يقول الله تعالى: إنما أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم، فأخرج الكلام على الخطاب، فقال: بل لستم تكرمون اليتيم، فلذلك أهنتكم. (٢) وحديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: "إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم". (٣) وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. أي: كما كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهر وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به". (٤) ٢٠ - حقوق الضيف: الضيف لغة: ضفت الرجل ضيفًا، وضيافة، وتضيفته: نزلت به ضيفًا وملت إليه، وقيل: نزلت به وصرت له ضيفا وضفته وتضيفته: طلبت منه الضيافة. (٥) حق الضيف في القرآن: قال الله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ [الحجر: ٥١]. يقول وخبرهم يا محمد عن قصة ضيف إبراهيم والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر. (٦) وقال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧].

стр. 283

وقوله" هَلْ آتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكْرَمِينَ" أي: الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل، وقوله: "فراغ إلى أهله"أي: انسل خفية في سرعة، "فجاء بعجل حنيذ" أي: من خيار ماله وفي الآية الأخرى" ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ [هود: ٦٩، ٧٠] أي: مشوي (١) "فقربه إليهم" أي: أدناه منهم، "قال ألا تأكلون"؟ : تلطف في العبارة وعرض حسن. وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال "نأتيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة وخفاء وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتى ثمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال "ألا تأكلون"؟ علي سبيل العرض والتلطف كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. (٢) حق الضيف في السنة: عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه". (٣) قال ابن بطال: سئل عنه مالك فقال: يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة، قلت: واختلفوا هل الثلاث غير الأول أو بعد منها؟ فقال أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول بالبر والألطاف، وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "إن لزورك عليك حقا". (٥) وعن

стр. 284

أبي جحيفة عن أبيه قال "آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كُل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل .. . الخ الحديث وفيه من الفوائد: صنع الطعام للضيف وتقديمه له. يكره الغضب والجزع وعنده الضيف: عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن أبا بكر تضيف رهطا فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافي فإني منطلق إلى النبي ﷺ ، فافرُغْ من قراهم قبل أن أجئ، فأنطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده فقال: اطعموا فقالوا أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا قالوا ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا قال: اقبلوا عنا قراكم فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقينَّ منه فأبوا فعرفت أنه يجد علي فلما جاء تنحيت عنه، فقال ما صنعتم فأخبروه، فقال يا عبد الرحمن فسكتُّ ثم قال يا عبد الرحمن فسكت فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت فخرجت فقلت: سل أضايفك. فقالوا صدق أتانا به قال: فإنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة فقال الآخرون والله لا نطعمه حتى تطعمه قال لم أر في الشر كالليلة ويلكم ما أنتم؟ لم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك فجاءه فوضع يده فقال: باسم الله فأكل وأكلوا" (١). إيثاره على النفس: عن أبي هريرة ﵁ قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال "من يضيف هذا الليلة ﵀ فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله ﷺ فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، فقال:

стр. 285

"قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة". (١) وفي رواية البخاري "فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: من الآية ٩]. ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع: عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحام فرأى رسول الله ﷺ فعرف في وجهه الجوع فقال لغلامه: ويحك اصنع لنا طعاما لخمسة نفر فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة. قال: فصنع ثم أتى النبي ﷺ فدعاه خامس خمسة، وأتبعهم رجل. فلما بلغ الباب قال النبي ﷺ إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع "قال لا بل آذن له يا رسول الله". (٢) ٢١ - حقوق الجوار: معنى الجوار في اللغة: الجوار: المجاورة والجار الذي يجاورك، وجارك: الذي يجاورك. (٣) ١ - حق الجار في القرآن: قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والجار ذي القربى، يعني الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي، في قوله والجار ذي القربى: يعني الجار المسلم، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني (٤). أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: "والجار ذي القربى" أي

стр. 286

القريب، " والجار الجنب" أي الغريب، قاله ابن عباس وكذلك هو في اللغة، قلت: وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح. (١) ٢ - حقوق الجوار في السنة: "عن رجل من الأنصار قال: خرجت مع أهلي أريد النبي ﷺ وإذا أنا به قائم، وإذا رجل مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة فجلست فوالله لقد قام رسول الله ﷺ حتى جعلت أرثي له من طول القيام، ثم انصرف، فقمت إليه فقلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثى لك من طول القيام، قال أتدري من هذا؟ "قلت: لا قال: ذاك جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه، أما إنك لو كنت سلمت عليه لرد عليك السلام". (٢) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". (٣) أن يحب لجاره ما يحبه لنفسه: عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحبه لنفسه". (٤) إكرام الجار ولو بالقليل: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" (٥) "فرسن شاة": هو حافر الشاة. (٦) وهذا النهي عن الاحتقار نهي للمعطية المهدية، ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقار ما الموجود عندها، بل تجود بما تيسر وإن كان قليلا كفرسن شاة، وهو خير من العدم. (٧)

стр. 287

وعن عمرو بن معاذ الأشهلي، عن جدته أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا نساء المسلمات، لا تحتقرن امرأة منكن لجارتها ولو كراع شاة محرق". (١) الكراع: من الإنسان ومن الدواب وسائر المواشي: ما دون الكعب. وفي هذا الحديث الحض على الصلة والهدية بقليل الشيء وكثيره، وفي ذلك دليل على بر الجار وحفظه، لأن من ندب إلى أن تهدي إليه وتصله، فقد منعت من أذاه وأمرت ببره. (٢) وعن أبي ذر ﵁ قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: "إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف". (٣) عدم أذيته: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره". (٤) وعن جحيفة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يشكو جاره فقال: "اطرح متاعك على الطريق فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لقيت من الناس، قال: وما لقيت منهم؟ قال: يلعنوني قال "قد لعنك الله قبل الناس، قال فإني لا أعود فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ فقال له: "ارفع متاعك فقد كفيت" (٥) وعن أبي عامر الحمصي قال: كان ثوبان يقول: "وما من جار يظلم جاره ويقهره، حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله فقد هلك". (٦) لا يمنعه من غرز الخشبة في جداره: عن أبي هريرة ﵁ أن رسولا الله ﷺ قال: "لا

стр. 288

يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره". قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله! لأرمين بها بين أكتافكم. (١) عدم إغلاق الباب على الجار ومنع المعروف: "عن ابن عمر قال: لقد أتي علينا زمان، أو قال حين، وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ثم الآن الدنيا والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم سمعت النبي ﷺ يقول: "كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب! هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه". (٢) دعا، النبي على جار السوء: عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول". (٣) أذية الجار سبب في دخول النار: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها! قال: هي في النار"قال: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار (٤) من الأقط (٥) ولا تؤذي جيرانها بلسانها! قال: هي في الجنة". (٦) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه". (٧) لا يشبع دون جاره: عن عبد الله بن المساور قال: سمعت ابن عباس يخبر ابن الزبير

стр. 289

يقول: سمعت النبي ﷺ يقول "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع". (١) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جبنه وهو يعلم به". (٢) إثم من لا يأمن جاره بوائقه: عن أبي شريح أن النبي ﷺ : "قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه". (٣) وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه" (٤). الجار الصالح والجار السييء: عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق والمركب السوء" (٥) الإحسان إلى الجار يؤدي إلى زيادة الإيمان: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يأخذ مني خمس خصال فيعمل بهن، أو يعلمهن من يعمل بهن؟ قال: قلت: أنا يا رسول الله، قال: فأخذ بيدي، فعدهن فيها، ثم قال: اتق المحارم، تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك؛ تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك؛ تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك، تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب". (٦)

стр. 290

المحسن لجاره يكتب عند الله من الخيرين: عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره". (١) الأدنى فالأدنى من الجيران: عن الوليد بن دينار عن الحسن، أنه سُئل عن الجار؟ "فقال: أربعين دارًا أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره". (٢) حرمة عرض الجار: عن محمد بن سعد قال: سمعت أبا ظبية الكلاعي قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سأل رسول الله ﷺ أصحابه عن الزنى؟ قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله فقال: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، وسألهم عن السرقة؟ قالوا: حرام، حرمه الله -ورسوله، فقال: لأن يسرق من عشرة أهل أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره". (٣) إكرام الجار اليهودي: عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاه فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". (٤) يهدي إلى أقربهم بابا: عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلي أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهم منك بابا". (٥) ٢٢ - حق الخادم والمملوك: إن ملك اليمين في الإسلام يقتضي حقوقًا في المعاشرة لا بد من مراعاتها، فقد كان من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ . فعن علي ﵁ قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ "الصلاة

стр. 291

الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" (١) يريد الإحسان إلى الرقيق والتخفيف عنهم (٢)، والأظهر أنه أراد بما ملكت أيمانكم المماليك وإنما قرنه بالصلاة ليعلم أن القيام بمقدار حاجتهم من الكسوة والطعام واجب على من ملكهم وجوب الصلاة التي لا سعة في تركها (٣). وفيما يلي ذكر لبعض حقوق الخادم والمملوك في الإسلام: أولًا حقه في العبادة: لا شك أن للخادم أو المملوك حقه في العبادة في الإسلام، ولذلك قال الفقهاء: والأجير يشهد الأعياد والجمعة ولا يشترط ذلك، وإنما أباح له ذلك لأن أوقات الصلاة مستثناةً من الخدمة، وقال ابن مبارك: لا بأس أن يصلي الأجير ركعات السنة. (٤) ثانيًا: حقه في النفقة: عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري ﵁ وعليه حلة وعلى غلامه حلةُ، فسألناه عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا فشكاني إلى النبي ﷺ ، فقال لي النبي ﷺ : "أعيرته بأمه؟ ثم قال: إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس" (٥)، والشاهد من الحديث قوله ﷺ "فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس"، وقال ﷺ "للمملوك طعامه وكسوته" (٦)، واللام للملك أي طعام المملوك وكسوته بقدر ما تنفع ضرورته مستحق له على سيده. (٧) ثالثًا: حقة في الرفق به في العمل: ويؤكد هذا الحق قوله ﷺ في الحديث "ولا

стр. 292

تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (١)، وقوله ﷺ "ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" والمراد أنه لا يكلفه إلا جنس ما يقدر عليه وفيه الحث على الإحسان إلى المماليك والرفق بهم وألحق بهم من في معناهم من أجير ونحوه. (٢) رابعًا: حقه في عدم سبه أو شتمه: ويبين ذلك حديث أبي ذر ﵁ لما سبَّ غلامه فشكاه إلى النبي ﷺ فقال: أعيرته بأمه؟ ثم قال: إخوانكم خولكم جعهلم الله تحت أيديكم" ففي الحديث النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم. (٣) خامسًا: ألا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء: لقد بوب البخاري في صحيحه بابًا بعنوان (كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي أو أمتي) وذكر تحته قوله تعالى: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) وغيرها. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي مولاي ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". ففي كل هذا كراهية التطاول عليهم والترفع عليهم. (٤) سادسًا: وإذا ضربه فليجتنب الوجه: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" (٥). ٢٣ - حقوق الدواب: لقد خلق الله العالم كله وجعل لكل شيء ما يناسبه ويلائمه وجعل لكل شيء حق يخصه حتى الدواب فلقد جعل لكل شيء حق يخصه حتى الدواب فلقد جعل الله لها حق يخصها فمن هذه الحقوق: ١ - الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة:

стр. 293

قال ﷺ "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (١) فالله كتب الإحسان على كل شيء وعلى بمعنى (في) أي أمركم بالإحسان في كل شيء وعلى كل حاله أمر بالإحسان في الذبح وأمر بالإحسان في القتل. والإحسان في القتل هو اختيار أسهل الطرق وأقلها إيلامًا. وإذ ذبح فلا بد من الإحسان فلا يصرعها بعنف ولا يجرها للذبح بعنف ولا يذبحها بحضرة أخرى ويجب عليه أي على الذابح أن يحد شفرته أي سكينه أي ليجعلها حادة ويستحب أن لا يحدها بحضرة الذبيحة وأن يجعل السكين في إمرارها فيجب إراحة الذبيحة وإراحتها يكون بفعل كل ما سبق (٢). ٢ - ومن حقوق الدواب أيضا حرمة صبرها لورد النهي عن صبر البهائم واتخاذها غرضا: قال أنس ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن تصبرا البهائم. (٣) وقال جابر بن عبد الله ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبرًا. (٤) وعن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بنفر أو بفتيان من قريش قد نصبوا دجاجه يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: "من فعل هذا لعن الله من فعل هذا وأن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا"، وصبر البهائم هو حبسها وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه وهو معنى لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضا أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهذا النهي للتحريم ولهذا قال ﷺ في رواية ابن عمر "لعن الله من فعل هذا" ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكاته إن كان مذكي ولنفعته إن لم يكن مذكي.

стр. 294

٣ - ومن حق الدواب أيضا تحريم تعذيبها بالعطش والجوع وفضل سقيها الماء: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ "أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف، فقال: دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا". (١) وقال ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" (٢) وفي الحديث دليل على تحريم تعذيب الحيوان فانظر هذه كيف دخلت النار بسبب تعذيبها لهذا الحيوان ومنع الماء والطعام عنها حتى ماتت فكل من لديه شيء وجب أن يحسن إليه ويرعاه كما يرعى كل صاحب روح. (٣) بل إن الله جعل الفضل الكبير لمن سقاها وأطعمها. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملا خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله وان لنا في هذه البهائم لأجرا، فقال: "في كل كبد رطبة أجر" (٤) وفي هذا بيان معنى الإحسان إلى كل حيوان حتى نسقيه ففيه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده وفي هذا الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو ما لا يؤمر بقتله، فأما المأمور بقتله فيمثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه الإحسان إليه أيضا بإطعامه

стр. 295

غيره سواء كان مملوكا أو مباحا وسواء كان مملوكا له أو لغيره والله أعلم. (١) ٤ - ومن حق الدواب أيضًا أن لا تتخذ كراسي: قال ﷺ : "اركبوا هذه الدواب سالمة وابتدعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي" (٢) وفي هذا دليل على حرمة إجهاد الدواب وتحميلها أكثر من طاقتها لقوله ﷺ ابتدعوها أي اتركوها ورفهوا عنها إذا لم تحتاجوا إلى ركوبها. (٣) ٥ - ومن حق الدواب أيضا عدم ضربها في وجهها ووسمها فيه: فعن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه. (٤) وعنه أن النبي ﷺ مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه". (٥) وفي رواية ابن عباس ﵁، فأنكر ذلك، قال: فوالله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه فأمر بحمار له فكوى في جاعرتيه فهو أول من كوى الجاعرتين" (٦). قال النووي: فالوسم في الوجه منهي عنه بالإجماع للحديث فأما الآدمي فوسمه حرام لكرامته ولأنه لا حاجة إليه فلا يجوز تعذيبه وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا يكره، وقال البغوي من أصحابنا لا يجوز فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر لأن النبي ﷺ لعن فاعله واللعن يقتضي التحريم وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا لكن يستحب من نعم الزكاة والجزية ولا يستحب في غيرها ولا ينهى عنه. (٧) ٢٤ - حقوق الطريق:

стр. 296

الطريق لغة: السبيل، تذكر، وتؤنث، والطريق ما بين السكتين من النخل. (١) حق الطريق في القرآن: قال الله -سبحانه الله- ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧]. يقول ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطع الأرض بمشيتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾ أي: لن تقطع بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازي فاعل ذلك بنقيض قصده. (٢) أو أن معناه لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها وشدة وطئك عليها، ويدل لهذا العنى قوله بعده (ولن تبلغ الجبال طولًا) أي أنت أيها المتكبر المختال: ضعيف حقير عاجز محصور بين جامدين! أنت عاجز عن التأثير فيهما، فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، فاعرف قدرك، ولا تمش في الأرض مرحًا. (٣) وأيضًا قوله : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، "واقصد في مشيك" أي: امشي مشيا مقتصدًا ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع الفرط، بل عدلًا وسطًا بَيْنَ بَيْن. (٤) حقوق الطريق في السنة: عن أبي هريرة ﵁ عنه عن النبي ﷺ قال: "لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس". (٥) وعن أبي الوازع قال حدثني أبو برزة، قال: قلت: يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به قال: "اعزل الأذى عن

стр. 297

طريق المسلمين". (١) غض البصر: قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]. هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم. (٢) وقال : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزاجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بدٌّ؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا وما حق الطريق؟ قال: غض البصر". (٤) كف الأذى: قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، أي: ينسبون إليهم ما هم بُراء منه لم يعلموه ولم يفعلوه، فقد احتملوا بهتانًا وإثما مبينا، وهذا هوا البهت البين أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم. (٥) عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم

стр. 298

قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته". (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان". (٢) رد السلام: قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". (٣)، وفي الحديث كما سبق ذكره عن النبي ﷺ قال " ... ورد السلام ... ". (٤) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال الله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٧١]. وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (٥)، وفي الحديث كما سبق ذكره عن النبي ﷺ قال " .... وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ... ". (٦)

стр. 299

عدم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه: قال الله ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبراده إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة". (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يتبختر، يمشي في برديه قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة". (٢) عدم قضاء الحاجة في الطريق وفي الظل وفي الماء: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا اللَّعَّانين" قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم" (٣). قال الخطابي: المراد باللعانين الأمرين الجالبين للعن الحاملين الناس عليه والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن، يعني عادة الناس لعنه، فلما صار سببا لذلك أضيف اللعن إليهما. (٤) وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل". (٥) ٢٥ - حق اللجوء: يتفرع عن حرية الإنسان بالتنقل حق اللجوء إلى بلد آخر، وهو المعروف اليوم "باللجوء السياسي" أي حق الانتقال إلى بلد لا يحمل جنسيته، وذلك لأهداف سياسية ينادي بها، ويضطهد من أجلها أو يلاقي العنت، والمشقة والمضايقة بسببها.

стр. 300

وحق اللجوء هو المعروف شرعًا بالهجرة، والتي كانت سنة الأنبياء مع أقوامهم وأممهم، فما منهم إلا وقد أوذي وأخرج من وطنه وكانت هجرة المسلمين إلى الحبشة في المرة الأولى، والثانية أول إقرار شرعي لحق المدينة، لشدة ما لاقوه من إيذاء المشركين بمكة وأملًا في إقامة الدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي في المدينة. (١) وجوب الهجرة: ويوجب القرآن على المؤمنين الخروج من دار يضطهدون فيها ولا يستطيعون إظهار شعائرهم إلى دار يأمنون فيها على دينهم وأنفسهم وأموالهم، ويعد القعود عن ذلك تقصير إذ يترتب عليه كفر بعد إيمان مما يكون سببا للنار في الآخرة فيكون الإنسان بذلك خاسرًا للدنيا والآخرة، خسر الدنيا بركونه إلى الذل والضعة وخسر الآخرة بعدم هجرته إلى أرض يستطيع فيها القيام بشعائر دينه قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. (٢) وقد أثنى الله على المهاجرين فقال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. ثم أثنى الله على الأنصار الذين استقبلوا المهاجرين وأحسنوا وفادتهم وإقامتهم فقال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. وبقي وجوب الهجرة حتى فتح الله مكة المكرمة، وقال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد

стр. 301

الفتح" (١)، والغالب أنه لا هجرة من مكة إلى الدينة بعد الفتح، أما حكم الهجرة عامة إذا تحققت أسبابها فتبقى واجبة. (٢) ثواب الهجرة في سبيل الله من أرض الوطن: ولما كانت الهجرة من الوطن وأرض الآباء والأجداد ومنابت الصبا صعبة وشاقة على النفوس، وفيها احتمال كبير بفقد الأموال، وتركها في يد الكفار، وكذا فقد الأقارب والأحبة، وقطع مورد الرزق، لذلك رغب الشارع الحكيم بها فقال- : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]. ويثبت للمهاجر هذا الأجر والسعة والثواب بمجرد خروجه، وإن مات في الطريق، ولم يصل إلى دار الإسلام لقوله : ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. وهكذا يبشر القرآن المهاجر لله ورسوله بالسعة في الرزق، بدلًا عما تركه وفقده كما يبشره بالأجر العظيم عند الله تعالى، سواء حصل وحقق الهدف، أم أدركه الموت أثناء الطريق بعد خروجه من بلده مهاجرًا، ولا بد في الأمرين من إخلاص النية لله تعالى، لتكون الهجرة لله وللرسول، وهوما بينه رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٣). (٤) حق الاستجارة والأمان:

стр. 302

ومن صور حق اللجوء التي قررها الإسلام: أن يعزم غير المسلم الفرار من بلده إلى دار الإسلام، ليتعرف أحكام الإسلام، سواء أكان مشركًا أم كتابيًا، وسواء قدم اختيارًا أم اضطرارًا، فيجب على المسلمين استقباله، واستضافته، وإعطاؤه حق الاستجارة، الوارد في قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. فإن سمع الإسلام وأسلم، فبها ونعمت، وهو فضل من الله تعالى وإن طلب البقاء الدائم في دار الإسلام، فيعقد معه (عهد الذمة) ويصبح من رعايا الدولة الإسلامية، وإن أراد أن يبقى فترة مؤقتة فيعطي حق الأمان ويسمى (مستأمنًا) كما جاء في الآية الكريمة وأكده رسول الله ﷺ بإقراره الأمان الذي أعطته أم هانئ لأحد المشركين وقال ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، ومن حقه على الدولة الإسلامي عامة، وعلى كل مسلم خاصة: التمتع بالأمن والأمان والطمأنينة، ثم يبلغ إلى بلده ومأمنه، كما جاء في القرآن الكريم ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: ٦). (١) ٢٦ - حقوق الذميين ١ - التزام تقريرهم في بلادنا إلا الحرم المكي: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. ٢ - وجوب الكف عنهم وحمايتهم: بسبب عصمة أنفسهم وأموالهم بالعقد، وإنهاء الحرب معهم ومسالمتهم، لحديث بريدة (فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "وأوصِيهِ بِذِمَّةِ الله وَذِمَّةِ رَسُولهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُوا

стр. 303

إِلَّا طَاقَتَهُمْ" (١). ٣ - عدم التعرض لكنائسهم ولا لخمورهم وخنازيرهم، ما لم يظهروها: فإن أظهروا الخمر أراقها عليهم، وإن لم يظهروها وأراقها مسلم ضمنها في رأي المالكية والحنفية، ولا يضمنها في رأي الشافعية والحنابلة، ويؤدب منهم من أظهر الخنزير (٢). ٤ - عدم إكراههم على الإسلام: قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦). قال ابن كثير: أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا (٣). ٥ - الإحسان إليهم وبرهم: وهناك فرق بين الولاء والبراء والمعاملة بالحسنى، فالولاء شيء والمعاملة بالحسنى شيء آخر، فالولاء لا يجوز لغير المسلمين، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨). قال ابن جرير: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، فلم يخصصْ به بعضًا دون بعض (٤). وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵄ قَالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ

стр. 304

قُلْتُ: إن أمي قدمت علي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أمِّي؟ قَال: نَعَمْ صِلي أمَّكِ (١). قال الخطابي: فِيهِ أَنَّ الرَّحِمَ الْكَافِرَةَ تُوصَلُ مِنْ المالِ وَنَحْوِهِ كَمَا تُوصَلُ المُسْلِمَة وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ وُجُوب نَفَقَة الْأَب الْكَافِر وَالْأمّ الْكَافِرَة وَإِنْ كَانَ الْوَلَد مُسْلِمًا (٢). فالْبِرُّ وَالصِّلَة وَالْإِحْسَان لَا يَسْتَلْزِمُ التَّحَابُبَ وَالتَّوَادُدَ المُنْهِيَّ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة ٢٢) فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَم يُقَاتِلْ (٣). ٦ - عدم ظلمهم: حذر الإسلام من ظلم أهل الكتاب في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨)، وأوجب الإسلام المحافظة على دمائهم وأعراضهم ومعابدهم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا" (٤). المبحث السادس: قالوا عن الإسلام . برناردشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائمًا موضع الاحترام والإجلال؛ فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدًا خلود الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا). إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمَّى منقذ البشرية، وفي رأي أنّه لو تولّى أمر العالم

стр. 305

اليوم لوفق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها. الفيلسوف (توماس كارليل): لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خدّاع مزوِّر. وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟ ! يان سامويلسون في كتابه: "الإسلام في السويد ": إنا الإسلام أشدّ حضارية ممّا يظنّه الكثير من المسيحيين ويذهب إلى القول أيضا بأنّ الإسلام هو مدرسة قائمة في حدّ ذاتها وليس الإسلام صورة منسوخة عن المسيحية كما يعتقد كثير من المسيحيين في الغرب. المستشرق الألماني د، ج كامبفماير: "إن الاعتداء على الإسلام لا ترجى منه فائدة، ولن يردّ السلمين عن دينهم، ولن يعوق النهضة الإسلامية بل سيقويها" (١). المستشرق لويس يونغ: "إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية منها نظرة العرب المتسامحة". (٢) أرنولد توينبي: "أن الإسلام بوسعه تلبية كافة حاجات الإنسان في العصر الحاضر، فليس هناك أي دين كالإسلام يستطيع أن يقدم أنجح الحلول للمشكلات والقضايا المعاصرة (٣). يقول الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا: "إن الإسلام يمكن أن يعلمنا طريقة للتفاهم والعيش في العالم، الأمر الذي فقدته المسيحية، فالإسلام يرفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، والدين والعلم، والعقل والمادة" (٤).

стр. 306

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: "لا إكراه في الدين، هذا ما أمر به القرآن الكريم، فلم يفرض العرب على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فبدون أي إجبار على انتحال الدين الجديد اختفى معتنقو المسيحية اختفاء الجليد، إذ تشرق الشمس عليه بدفئها! وكما تميل الزهرة إلى النور ابتغاء المزيد من الحياة، هكذا انعطف الناس حتى من بقي على دينه، إلى السادة الفاتحين". (١) * ويقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة الإسلامية: "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأولى للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح". (٢) * * *

стр. 307

الفصل الثالث رسول البشرية محمد ﷺ -

стр. 308

ويشتمل على المباحث الآتية: تمهيد: أهمية معرفة شمائله ﷺ -. المبحث الأول: التعريف بالنبي ﷺ . المبحث الثاني: بعض فضائل النبي ﷺ . المبحث الثالث: أخلاق النبي ﷺ . المبحث الرابع: صحابة النبي ﷺ . المبحث الخامس: قالوا عن النبي ﷺ . وإليك التفصيل تمهيد: أهمية معرفة شمائله ﷺ . أيها الأحبة هذا الحبيب يحلو لكل مسلم محب أن يتذكره، وأن يتصوره ويتخيله، وأن يعيش بقلبه مع هذا الحبيب ليعرف كيف كانت حياته؟ كيف كانت معاملاته؟ كيف كانت أخلاقه؟ وقد أمرنا الله -أن نقتفي أثره، وأن نسير على دربه، وأن نقلده في كل شيء، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١). فنحن مأمورون أن نسير على دربه، وأن نقتفي أثره وأن نتبع سنته. إن رسول الله ﷺ بشر ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ (الكهف: ١١٠)، ولكنه لم يكن بشرًا عاديًا. فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم أغر عليه للنبوة خاتم ... من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا أحمد ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ﴾ (الكهف: ١١٠). وهذه هي التي رفعت قدره وأعلت شأنه، ورفعت مكانته عند الله وعند الخلق، ولن ننال رفقته في الجنة وشفاعته يوم القيامة إلا إن اتبعنا سنته، وسرنا على طريقته واقتفينا أثره ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

стр. 309

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (آل عمران: ٣١) رسول الله لم يكن بشرًا عاديًا، لأنه مشرف بالوحي الذي أنزله الله عليه. ومع هذه القطوف العطرة من سيرة النبي وأخلاقه ﷺ المبحث الأول: التعريف بالنبي ﷺ - اسمه ﷺ -: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. (١) إلى هنا معلوم الصحة ومتفق عليه بين النسَّابين، ولا خلاف أن عدنان من وَلَدِ إسماعيل بن إبراهيم ﵇. وله ﷺ أسماء أخري. فعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَال سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ لِي أَسْمَاءً أنا مُحَمَّدٌ، وَأنا أَحْمَدُ، وَأنا الماحِي، الَّذِي يَمْحُو الله بِيَ الْكُفْر، وَأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأنا الْعَاقِبُ" (٢). والعاقب: من لا نبي بعده. لقد اهتم أهل العلم بجمع أسماء النبي ﷺ ومنهم من أفرد في ذلك مصنفات بجمع الأحاديث المروية في أسمائه ﷺ (٣) نسبه ﷺ -: نبينا محمد ﷺ خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته. عن وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِن الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسماعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَني هَاشِمٍ". (٤)

стр. 310

ميلاده ﷺ -: وُلدَ رسول الله ﷺ يوم الاثنين، من شهر ربيع الأول، عام الفيل، الموافق سنة خمس مئة وإحدى وسبعين من الميلاد. (١) ولما ولدته أمه آمنة بنت وهب أرسلت إلي جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل الكعبة، ودعا الله ﷺ وشكره، واختار للمولد اسم محمد وهذا الاسم لم يكن معروفًا عند العرب. (٢) قابلته ﷺ -: هي الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وهي والدة عبد الرحمن بن عوف ﵁. (٣) مرضعاته ﷺ -: ثُويبة مولاة أبي لهب، ثم حليمة السعدية. (٤) حواضنه ﷺ -: أمه آمنة بنت وهب، وثُويبة مولاة أبي لهب، وحليمة السعدية، والشيماء بنت حليمة السعدية، وأم أيمن بركة الحبشية. (٥) إخوته وأخواته ﷺ من الرضاعة: حمزة بن عبد المطلب "عم النبي ﷺ ، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وعبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وجُدامة بنت الحارث "وهي الشيماء"، وهؤلاء الثلاثة الأخيرون هم أولاد حليمة السعدية، مرضعة النبي ﷺ . (٦) أعمامه ﷺ -: أعمام النبي ﷺ أحد عشر رجلًا وهم: العباس، والزبير، وأبو طالب "اسمه عبد مناف"، وعبد الكعبة، وحمزة، والمقُوِّم، وحَجْلٌ "اسمه المغيرة"، وضرار وقُثَم، وأبو لهب "واسمه: عبد العُزى" والغَيْداق "اسمه مصعب"، لم يُسْلم منهم إلا

стр. 311

حمزة والعباس ﵄. (١) عمات النبي ﷺ -: عمات النبي ﷺ ست وهن: أميمة، وأم حكيم، وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأروى. (٢) زوجاته ﷺ -: لقد تزوج نبينا إحدى عشر امرأة دخل بهن وهن بالترتيب كما يلي: ١ - خديجة بنت خويلد ٢ - سودة بنت زمعة ٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق ٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب ٥ - زينب بنت خزيمة ٦ - أم سلمة: هند بنت أمية المخزومية ٧ - زينب بنت جحش ٨ - جويرة بنت الحارث المصطلقية ٩ - أم حبيبة: رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب ١٠ - صفية بنت حُي بن أخطب ١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية. مات في حياة النبي ﷺ زوجتان هما: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة ﵅ جميعًا. (٣) أولاده ﷺ -: كان للنبي ﷺ من الأبناء سبعة، ثلاثة من الذكور وهم: القاسم، وعبد الله (يُلقب بالطيب، والطاهر)، وإبراهيم. وأما بناته فهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم وفاطمة. وكل الأولاد والبنات من خديجة ﵄ ما عدا إبراهيم فمن مارية بنت شَمعون المصرية وكانت من مِلْكِ يمين للنبي ﷺ ، وكل أولاد النبي ﷺ ، ماتوا في حياته إلا فاطمة، ﵂، ماتت بعد النبي ﷺ بستة أشهر. (٤) كنيته ﷺ -: أبو القاسم، وهو أكبر أولاده. أحفاد النبي ﷺ -: أحفاده ﷺ ستة وهم: أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت النبي ﷺ ، وعبد الله بن عثمان بن عفان وأمه رقية بنت النبي ﷺ ، والحسن والحسين،

стр. 312

وزينب، وأم كلثوم، وهم جميعًا أبناء علي بن أبي طالب وأمهم فاطمة بنت النبي ﷺ . (١) حرَّاسه ﷺ -: سعد بن معاذ، ومحمد بن مسلمة، والزبير بن العوام، وعباد بن بشر، وآخرون. فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) خرج النبي ﷺ فأخبرهم بها وصرف الحرس. (٢) حُدَاته ﷺ -: (٣) وحُداة النبي ﷺ هم: عبد الله بن رواحة، وعامر بن الأكوع، وسلمة بن الأكوع، وأنجشة الحبشي ﵃. (٤) كُتّابه ﷺ -: كُتَّاب النبي ﷺ الذين كانوا يكتبون القرآن الكريم ورسائله ﷺ : أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعامر بن فُهيرة، وعمرو بن العاص، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت ﵃. (٥) خاتمه ﷺ -: كان خاتم النبي ﷺ من الفضة، وكان مكتوبًا عليه: محمد رسول الله: محمدٌ سطرٌ، ورسولُ سطرٌ، والله سطرٌ. (٦) شعراؤه ﷺ -: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت. (٧) خُدَّامه ﷺ -: أنس بن مالك وكان على حوائجه، وعبد الله بن مسعود صاحب نَعْله وسواكه، وعقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته يقود به في الأسفار، وأُسْلع بن شريك

стр. 313

وكان صاحب راحلته، وبلال بن رباح، وسعد، مَوْليا أبي بكر الصديق، وأبو ذر الغفاري، وأيمن بن عُبيد، وكان على مَطهرته وحاجته. (١) حجه وعمرته ﷺ -: حج النبي ﷺ مرة واحدة وهي حجة الوداع وكانت في العام العاشر من الهجرة، واعتمر أربع عُمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة مع حجته وعمرة من الجعرانة. (٢) مؤذنوه ﷺ -: كانوا أربعة: بلال بن رباح، وعبد الله بن أم مكتوم بالمدينة، سعد القرظ بقباء، وأبو محذورة بمكة. (٣) آخر صلاة للنبي ﷺ إمامًا للصحابة: هي صلاة المغرب وصلى فيها بسورة المرسلات. (٤) آخر صلاة للنبي ﷺ في حياته: هي صلاة فجر يوم الاثنين الذي مات فيه. (٥) آخر كلام النبي ﷺ -: عن عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ الله- ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صحِيحٌ: لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الجنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَال: اللهمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أنَّهُ الحدِيثُ الَّذِي كَانَ يحدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تكَلَّمَ بِهَا اللهمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى. (٦) وفاته: تُوفي رسول الله ﷺ ضحى الاثنين من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة، ودُفن ليلة الأربعاء، في حجرة عائشة ﵂.

стр. 314

المبحث: الثاني: بعض فضائل النبي ﷺ - أكرم الله نبيه ﷺ بفضائل جمّة، وصفات عدة، فأحسن خلْقَه وأتم خُلُقه، حتى وصفه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، ومنحه ﷻ فضائل عديدة، وخصائص كثيرة، تميز بها ﷺ عن غيره، فضلًا عن مكانة النبوة التي هي أشرف المراتب. ونتناول في الأسطر التالية شيئًا يسيرًا من فضائله ﷺ . أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم: قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦). قال الشوكاني: فإذا دعاهم النبي ﷺ لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره، وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه، ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم، وتطلبه خواطرهم. (١) أنه ﷺ سيد ولد آدم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ". (٢) أنه ﷺ أمان لأمته: وعن أبي موسى الشعري ﵁ أن النبي- ﷺ -قال "النُّجُومُ أَمَنةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أتى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنا أَمَنَةٌ لأصحابي فَإِذَا ذَهَبْتُ أتى أصحابي مَا يُوعَدُونَ وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي فَإِذَا ذَهَبَ أصحابي أتى أمتي مَا يُوعَدُونَ". (٣) أنه ﷺ خاتم الأنبياء: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٥)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إِنَّ مَثَلي وَمَثَلَ الأنَبِيَاءِ مِنْ قبلي كمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنه وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذه

стр. 315

اللَّبِنهُ قَال فَأنا اللَّبِنَةُ، وَأنا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ". (١) أن رسالته ﷺ عامة الناس جميعًا: عن جابر بن عبد الله ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قَال: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قبلي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأيُّما رَجُلٍ مِنْ أمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي المغَانِمُ وَلمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قبلي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النبي ﷺ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". (٢) أخذ الله له ﷺ العهد على جميع الأنبياء: من الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. قرنه ﷺ خير قرون بني آدم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الذي كنْتُ فِيهِ". (٣) وعَنْ عَبْدِ الله ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَال: "خَيرُ النَّاسِ قَرنِي". (٤) أنه ﷺ خليل الرحمن: عَنْ عَبد الله قَال: قَال رَسولُ الله ﷺ : "أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله". (٥) وهذه الفضيلة لم تثبت لأحد غير نبينا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام. أن الله رفع له ذكره ﷺ -: قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ٤) فلا يذكر

стр. 316

سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع. أن الله أقسم بحياته ﷺ -: فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر: ٧٢) والإقسام بحياة المقسم بحياته يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها، وأن حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره ﷺ . أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأوصافه ﷺ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ـ وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ﴿يَالوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. النهي عن مناداته باسمه ﷺ -: فقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (النور: ٦٣) لا يرفع صوت فوق صوته ﷺ -: إن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول -كما هو الحال بين الناس- حتى لا تحبط أعمالهم فقال الله تعالى: ﴿يأيها

стр. 317

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (الحجرات: ٢). هذه بعض بفضائل النبي ﷺ . المبحث الثالث: أخلاق النبي ﷺ -. أولًا: رسول الله رائد حياة الأخلاق: فهذه إشارات سريعة إلى أخلاق سيد المتخلقين بمكارم الأخلاق صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وإننا مهما تكلمنا ومهما كتبنا في هذا الموضوع لا نستطيع أن نوفي قدر النبي ﷺ ، فهو رائد حياة الأخلاق الكريمة، وهو الذي عَلَّم الدنيا محاسن الأخلاق، فلولاه بعد الله تخبط الناس في الجهل والغفلة والعمى، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وقد زَكَّى الله ﵎ نبيه ﷺ في كل شيء. ومن زكاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبة أن يظن أنه يأتي في يوم من الأيام ليزكيه، بل إن أي أحد وقف ليزكي رسول الله ﷺ وليصف رسول الله ﷺ وليتكلم عن قدر رسول الله ﷺ ، فإنما يرفع من قدر نفسه، ومن قدر السامعين بحديثه عن الحبيب المصطفى ﷺ . ولنعلم أنه لا يعرف أحد قدر النبي ﷺ ﷺ إلا الرب العلي ولذا: زَكَّاه ربه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (النجم: ٢). وزَكَّاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (النجم: ١٧). وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح: ١). وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ٤). وزكاه في طُهره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (الشرح: ٢). وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣). وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: ٥).

стр. 318

وزكاه في حلمه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). وزكاه في خلقه جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). ومما زادني فخرًا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن سيرت أحمد لي نبيا قال القاضي عياض: اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم ﷺ الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى. فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في جلبته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه. وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة. وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية: من الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها، وهي التي جماعها: حسن الخلق. (١) ثانيًا: بيان أصول أخلاق المصطفى وتحقق وصفه بها ﷺ -: أما أصل فروعها وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها: فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتضرع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنب الرذائل. وقد بلغ النبي ﷺ من

стр. 319

ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه. من تتبع مجارى أحواله، واطراد سيره، وطالع جوامع كلامه، وحسن شمائله وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية، وأيامها وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه ﷺ فيها قدوة، وإشاراته حجة، كالعبارة، والطب، والحساب، والفرائض، والنسب، وغير ذلك، دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم؛ بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره، وعلمه، وأقرأه، لاستيقن بالبرهان القاطع على نبوته، وبحسب عقله كانت معارفه ﷺ إلى سائر ما علمه الله تعالى، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان، وعجاب قدرته وعظيم ملكوته، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣). (١) قال القاضي عياض: (٢) وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه وأثنى الشرع على جميعها وأمر بها ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها ووصف بعضها بأنه من أجزاء النبوة وهي المسماة بحسن الخلق وهو الاعتدال في قوى النفس وأوصافها والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها، فجميعها قد كانت خلق نبينا ﷺ على الانتهاء في كمالها والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله عليه بذلك فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم: ٤). قال ﷺ : "بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ". (٣)، قال أنس ﵁: "كَان رَسُولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا". (٤)

стр. 320

وإليك الآن باقة متوجة من أخلاق النبي ﷺ أرجو أن ينفع الله بها المحبين، وأن يدحض بها الحاسدين الحاقدين. إنه حسبنا ونعم الوكيل. حلمه وعفوه واحتماله وصبره ﷺ -. حلمه وعفوه واحتماله وصبره ﷺ ، كلها معانٍ متقاربة، وهذا كله مما أدب الله به نبيه ﷺ فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩). وقال عبد الله بن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: "مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ" (١). وقال أيضًا: أَمَرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاس. (٢) وقال تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ (لقمان: ١٧). ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو ﷺ لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا. (٣) وعَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهَا قَالتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ لله بِهَا". (٤) قال ابن حجر في قوله "مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِه": أي خاصة. فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل (٥) وغيرهما ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه. (٦) (٧).
следующие страницы →