المبحث الثالث: الرد على الشبهات:
الشبهة الأولى: ادعاؤهم أن نشأة القراءات كان بسبب خلو المصحف من النقط والشكل
نص الشبهة:
يقولون بأن سبب اختلاف القراءات وتنوعها وتعددها؛ إنما هو خاصية الخط العربي الذي كتبت به المصاحف العثمانية، تلك الخاصية هي خلوه من إعجام الحروف ونقطها الذي يدل على ذاتها، وخلوه من شكل الكلمات الذي يدل على إعرابها، فلما كان الأمر كذلك كانت محتملة لقراءات، وأوجه متنوعة. فكان كل قارئ يختار من هذه القراءات ومن هذه الأوجه ما يروق في نظره.
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: القراءات نزلت من عند الله وليست ناشئة من خلو المصاحف من النقط والشكل.
الوجه الثاني: القراءات مصدرها التلقي والسماع وليس للاجتهاد والتشهي.
الوجه الثالث: أن سيدنا عثمان لما أرسل المصاحف أرسل مع كل مصحف معلمًا يعلم المسلمين القراءة؛ ليكون الأصل التلقي.
الوجه الرابع: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورُسمت برسم واحد في جميع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات، والبعض الآخر لم تتنوع فيها القراءات التي يحتملها رسمها، فدل على أن الأصل التلقي، وليس لخلو المصحف من النقط والشكل.
الوجه الخامس: في القرآن الكريم كلمات رسمت غير معجمة ولا مشكولة ورسمها يحتمل أكثر من قراءة واللغة العربية تجيز فيها هذه القراءات، ومع ذلك ليس فيها إلا قراءة واحدة.
الوجه السادس: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل فهذا لا يستقيم مع حكمة الله في حفظه للقرآن.
الوجه السابع: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل وعلى حسب الاختيار لما يحتمله الرسم؛ لكان القرآن من كلام البشر والله وعد بحفظه.
الوجه الثامن: التبديل في القرآن الكريم يستوجب عقابًا من الله.
стр. 2557
الوجه التاسع: من القراء العشر من كان إمامًا في النحو، ومع ذلك كان يخالف مذهبه في النحو لأجل القراءة مما يدل على أن الأصل التلقي لا لخلو المصحف من الشكل والنقط.
الوجه العاشر: أجمع المسلمون على تواتر قراءات الأئمة العشرة، وثبوتها عن رسول الله ﷺ بطريق القطع واليقين.
الوجه الحادي عشر: القراءة ليست على الأفشى اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: القراءات نزلت من عند الله وليست ناشئة من خلو المصاحف من النقط والشكل .
قال أبو عمرو الداني: وهذه القراءات كلها، والأوجه بأسرها من اللغات، هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله ﷺ ، وأقرأ بها، وأباح الله تعالى لنبيه ﷺ القراءة بجميعها، وصوب الرسول ﷺ من قرأ ببعضها دون بعض. (١)
ومما يدل على ذلك الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". (٢)
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ، دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأَ. فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا. فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنْ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي. ضَرَبَ فِي صَدْرِي. فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الله
стр. 2558
فَرَقًا. فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ " (١).
الوجه الثاني: القراءات مصدرها التلقي والسماع وليس الاجتهاد والتشهي
قال ابن حجر: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي إن كل أحد منهم يغير الكلمة بمرادفها في لغته؛ بل المراعى في ذلك السماع من النبي ﷺ ، ويشير إلى ذلك قول كلٍ من: عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي ﷺ (٢).
قلنا يشير إلى حديث عمر بن الخطاب قال: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقرَاءَتِه، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ! ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ. فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ . فَقُلْتُ: كَذَبْتَ. فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ. فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". (٣)
فيؤخذ التلقي والمشافهة والسماع من قول عمر لما سمع هشامًا يقرأ: (فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ). ومن قول هشام لعمر: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ الله ﷺ ) هكذا إلى آخر الحديث،
стр. 2559
فقد تكرر لفظ الإقراء مما يدل على أن القراءات إنما تثبت بالتوقيف والتلقين والتلقي. (١)
عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: القراءة سنة. (٢)
قال البيهقي: وَإِنَّمَا أَرَادَ - وَالله أَعْلَمُ - أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا في الْحُرُوفِ، وَفِي الْقِرَاءَاتِ سنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الذي هُوَ إِمَامٌ، وَلَا مُخَالَفَةُ الْقِرَاءَاتِ التي هي مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا في اللُّغَةِ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهَا. (٣)
قال أبو شامة: - في شرحه للشاطبية عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣]، ورسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر، والقراءة نقل؛ في وافق منها ظاهر الخط كان أقوى وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا؛ ما لم يعضده نقل، فإن وافق فبها ونعمت، وذلك نور على نور، قال الشيخ السخاوي - تلميذ الشاطبي - وهذا الموضع أدلَّ دليل على اتباع النقل في القراءة؛ لأنهم لو اتبعوا الخط وكانت القراءة إنما هي مستندة إليه لقرءوا هنا - الحج - بألف، وفي الملائكة - فاطر - بالخفض.
قال أبو عبيد: ولولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحبَّ إليَّ، فيكون هذا - في الحج - بالنصب، والآخر - في فاطر - بالخفض. (٤)
قال ابن تيمية: وأما قول السائل: ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي، وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم
стр. 2560
يكن واحد منهم خارجًا عن المصحف. ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ في موضع وتنوعوا في موضعين، وقد بينا أن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدًا واللفظ محتملًا كان ذلك أخصر في الرسم. والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف. اهـ (١).
الوجه الثالث: أن سيدنا عثمان لما أرسل المصاحف أرسل مع كل مصحف معلم يعلم المسلمين القراءة؛ ليكون الأصل التلقي .
لما كُتبت المصاحف العثمانية وأُرسلت إلى الأمصار الإسلامية، لم يكتف الخليفة عثمان بإرسالها إلى الأمصار وحدها، لتكون الملجأ والمرجع؛ بل أرسل مع كل مصحف عالمًا من علماء القراءة، يعلم المسلمين القرآن وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يقرئ أهل مصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ بطريق التواتر التي يحتملها رسم المصحف دون الثابتة بطريق الآحاد والمنسوخة، وإن كان يحتملها رسم المصحف، فالمقصود من إرسال القارئ مع المصحف، تقييد بما يحتمله الرسم من القراءات بالمنقول منها تواترًا، فلو كانت القراءات مأخوذة من رسم المصحف وساغ لكل إنسان أن يقرأ بكل قراءة يحتملها رسم المصحف سواء كانت ثابتة بطريق التواتر أم بطريق الآحاد أم كانت منسوخة أم لم يكن لها سند أصلًا لم يكن ثمَّ حاجة إلى إرسال عالم مع المصحف، فإيفاد عالم مع المصحف دليل واضح على أن القراءة إنما تعتمد على التلقي، والنقل، والرواية، لا على الخط، والرسم، والكتابة (٢).
الوجه الرابع: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورُسمت برسم واحد في جمع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات، والبعض الآخر لم تتنوع فيها القرءات التم يحتملها رسمها؛ فدل على أن الأصل التلقي، وليس لخلو المصحف
стр. 2561
من النقط والشكل.
لو كان خلو المصاحف من الشكل والإعجام سببًا في تنوع القراءات واختلافها؛ أي أن هذا الاختلاف نتيجة حتمية لخلو المصاحف من الشكل والإعجام؛ لكانت كل قراءة يحتملها رسم المصحف صحيحة معتبرة من القرآن، وليس كذلك، فإن ما يحتمله رسم المصاحف من القراءات أربعة أقسام:
القسم الأول: ما ثبت بطريق التواتر، وهو جلُّ القراءات ومعظمها كالقراءات في كلمة (وَنُخْرِجُ)، في قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، فإن كلمة ﴿وَنُخْرِجُ﴾ فيها ثلاث قراءات:
الأولى: بنون مضمومة مع كسر الراء. (١) ﴿وَنُخْرِجُ﴾.
الثانية: بياء مثناة تحتية مضمومة مع فتح الراء. (٢) ﴿وَيُخْرَجُ﴾
الثالثة: بياء مثناة تحتية مفتوحة مع ضم الراء. (٣) ﴿وَيُخْرُجُ﴾
والقراءات الثلاثة ثابتة بطريق التواتر، والرسم يحتملها كلها.
القسم الثاني: ما ثبت بطريق الآحاد وصح سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وهكذا إلى نهاية السند، واستفاض نقله عن أئمة الأداء، واشتهر ذكره بين شيوخ الإقراء وتلقاه علماء القراءة بالرضا والقبول، كقراءة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] بضم الياء وكسر الراء في ﴿يَخْرُجُ﴾ (٤).
وقراءة ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] بضم السين
стр. 2562
وحذف الياء (١) - جمع ساق مثل رماة جمع رام، وعمرة بفتح العين والميم مع حذف الألف بعدها جمع عامر، مثل: صنعة جمع صانع، فهاتان القراءتان مع ثبوتهما بطريق الآحاد قد صح سندهما وذاع بين القراء خبرهما، وتلقوهما بالقبول، ورسم المصحف يحتملهما، وحكم هذين القسمين واحد، وهو: أن يكون كل واحد منهما يعتبر قرآنًا ويُتعبد بتلاوته في الصلاة وغيرها، فيجب قبوله ولا يحل إنكار شيء منه، ومن أنكر شيئًا منه فهو كافر حلال الدم.
القسم الثالث: مما ثبت بطريق الآحاد وصح سنده، ولكنه لم يشتهر ولم يظهر بالذيوع والاستفاضة، ولم يتلقاه علماء القراءة بالقبول كقراءة (وكان عبدًا لله وجيهًا) بفتح العين وباء تحتية موحدة ساكنة بعد العين مع نصب الدال وتنوينها. (٢) بدلًا من ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وهذا القسم شاذ تمُنع القراءة به منع تحريم في الصلاة وخارج الصلاة، ولا يحل التعبد بتلاوته.
القسم الرابع: ما لم يصح سنده أو لم يُعرف له سند أصلًا كقراءة بعضهم ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، بهمزة مفتوحة وباء موحدة تحتية مفتوحة بدلًا من ﴿إِيَّاهُ﴾ إياه بكسر الهمزة وياء مثناة تحتية مفتوحة مشددة، وهذا القسم لا يُعتبر قرآنًا، ولا يسوغ التعبد بتلاوته بحال، فتحرم القراءة به بإجماع المسلمين، ورسم المصحف يحتمل هذين القسمين الثالث والرابع.
وأزيد هذا الدليل إيضاحًا فأقول: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة ورُسمت برسم واحد في جميع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات التي يحتملها رسمها، فاختلف فيها القراء وتنوعت فيها قراءاتهم، وفي بعض المواضع اتفق القراء على قراءتها بوجه واحد؛ لأن غيره لم يصح به النقل، ولم تثبت به الرواية مع أن الرسم يحتمله، وهاك أمثلة لما ذكرنا:
стр. 2563
المثال الأول: كلمة (ملك).
ذُكرت في القرآن على أنها صفة أو في حكم الصفة في ثلاثة مواضع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، ورُسمت هذه الكلمة برسم واحد في المواضع الثلاثة، وهو حذف الألف بعد الميم ولكن اختلفوا في قراءتها في موضع الفاتحة فقط، فمنهم من قرأها فيه بحذف الألف (١)، ومنهم من قرأها فيه بإثباتها (٢).
أما موضع آل عمران، فقد اتفقوا على قراءتها فيه بإثبات الألف مع أنه لو قُرئت الكلمة في هذا الموضع بحذف الألف لكان ذلك سائغًا لغةً ومعنى، ولكن لم تُقرأ بالحذف في هذا الموضع لعدم ثبوت الرواية فيه بالحذف.
وأما موضع سورة الناس فقد اتفق القراء على قراءة الكلمة فيه بحذف الألف مع أنه لو قُرئت هذه الكلمة في هذا الموضع بإثبات الألف لكان ذلك سائغًا لغةً ومعنى، ولكن لم تُقرأ الكلمة في هذا الموضع بالإثبات لعدم ثبوت النقل فيه بالإثبات، فلو كانت القراءات بالرأي والاجتهاد لا بالتلقي والتوقيف، وكان تنوع القراءات تابعًا لرسم المصحف لم يكن اختلاف القراء مقصورًا على موضع الفاتحة؛ بل كان يتناول الموضعين الآخرين، لكنهم اختلفوا في موضع الفاتحة واتفقوا في موضعي آل عمران والناس، فدل هذا على أن القراءات لم تكن بالاختيار والاجتهاد، ولم يكن تنوعها تابعًا للخط والرسم، وإنما هو تابع للسند والرواية والنقل.
المثال الثاني: كلمة ﴿غِشَاوَةٌ﴾.
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في موضعين:
الأول: في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧].
стр. 2564
الثاني: في سورة الجاثية في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، وهذه الكلمة مرسومة في جميع المصاحف العثمانية بحذف الألف بعد الشين في الموضعين معًا، ومع ذلك اتفق القراء على قراءتها في موضع البقرة بكسر الغين وفتح الشين وإثبات ألف بعدها، واختلفوا في قراءتها في موضع الجاثية، فقرأها بعضهم بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها (١)، وقرأها بعضهم بفتح الغين وسكون الشين - من غير ألف - (٢)، ولو قُرئ موضع البقرة بفتح الغين وسكون الشين لكان ذلك صحيحًا لغةً ومعنى، ولكن لم يقرأ أحد بهذه القراءة في هذا الموضع لعدم ثبوتها فيه، وهذا يدل على أن القراءة إنما تُؤخذ بالمشافهة والسماع ولا تُؤخذ من خط المصحف ورسمه.
المثال الثالث: كلمة ﴿الصَّاعِقَةُ﴾.
ذُكرت هذه الكلمة معرفة ومنكرة في القرآن الكريم في ستة مواضع:
الأول: في سورة البقرة ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥].
الثاني: في سورة النساء ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
الثالث والرابع: في قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣].
الخامس: في سورة فصلت أيضًا ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].
السادس: في سورة الذاريات: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤].
وهذه الكلمة مرسومة في جميع المصاحف العثمانية في المواضع الستة بدون ألف بعد صاد، ولكن القراء أجمعوا على قراءتها في المواضع الخمسة الأولى بإثبات الألف بعد الصاد مع كسر العين، واختلفوا في الموضع السادس، فقرأها بعضهم فيه بإثبات الألف بعد
стр. 2565
الصاد مع كسر العين (١)، وقرأها بعضهم بحذف الألف مع سكون العين (٢)، ومعنى القراءتين واحد، فلو كان تنوع القراءات تابعًا للرسم لاختلف القراء في المواضع الخمسة كما اختلفوا في الموضع السادس، ولكنهم اتفقوا في المواضع الخمسة واختلفوا في السادس، فكان ذلك دليلًا على أن العمدة في ثبوت القراءة التوقيف والرواية لا الرسم والكتابة (٣).
الوجه الخامس: في القرآن الكريم كلمات رسمت غير معجمة ولا مشكولة، ورسمها يحتمل أكثر من قراءة، واللغة العربية تجيز فيها هذه القراءات، ومع ذلك ليس فيها إلا قراءة واحدة
في القرآن الكريم كلمات أخرى رسمت غير معجمة ولا مشكولة، ورسمها كذلك يجعلها محتملة لقراءات متعددة، واللغة العربية تجيز فيها هذه القراءات، ومع ذلك لم يختلف فيها القراء ولم تتعدد فيها القراءات؛ بل اتفقوا على قراءة واحدة فيها؛ لأنه لم يرو فيها بالسند القوي والأثر الثابت والنقل الموثوق، إلا هذه القراءة، وأما غيرها من القراءات التي يحتملها رسم المصاحف فليس له سند يُعتمد عليه، وأصل يُرد إليه فلم يقرأ به أحد، وهاك أمثلة لذلك:
١ - (خَطِفَ - يخطَفُ) جاء في لغة العرب أن فيها لغتين، خَطِفَ يخطَفُ من باب عَلِمَ يعلَم، وخَطِفَ يخطِفُ من باب عمَدَ يعمِد، ولكن القراء أجمعوا على قراءتها بكسر الطاء في الماضي وفتحها في المضارع.
٢ - ﴿مُكْثٍ﴾ قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
اللغة تجيز فيها تثليث الميم ورسمها يحتمل الأوجه الثلاثة، ولكن القراء أجمعوا على قراءتها بضم الميم، فلو كانت القراءات بالرأي والاختيار وكان خلو الكلمات من الشكل
стр. 2566
سببًا في اختلاف القراءات وتنوعها؛ لاختلف القراء في قراءة الكلمات السابقة، فكان منهم من يقرأ: خطف يخطف من باب علم يعلم، وكان منهم من يقرأ مكث بضم الميم، ومنهم من يقرأ بفتحها، ومنهم من يقرأ بكسرها، والمعنى لا يختلف، واللغة تسيغ جميع هذه القراءات، ولكن القراء اتفقوا على قراءة خطف بالكسر يخطف بالفتح، وعلى قراءة (مُكْثٍ) بالضم، فحينئذ لا تكون القراءات بالرأي والاختيار ولا بالهوى والاجتهاد، ولا يكون تجرد المصاحف من الشكل سببًا في تنوع القراءات واختلافها سببًا في تنوع القراءات واختلافها، إنما سبب التنوع والاختلاف
الروايات الصحيحة والأسانيد الموصولة والنقول الصريحة والتوقيف والتلقي والسماع (١).
الوجه السادس: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل فهذا لا يستقيم مع حكمة الله في حفظه للقرآن
ينجم عن رأي جولد زيهر ومن شايعه من الملاحدة وهو أن منشأ القراءات تجرد المصاحف من النقط والشكل، أن يكون القرآن الكريم قد قُرئ في خير العهود - عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة وعهد التابعين - بقراءات وأوجه لا يُعرف الصحيح منها من غيره، ولا المنزل منها من غير المنزل، ولا المتواتر منها من غير المتواتر، وبداهة العقل قاضية ببطلان هذا وفساده، ثم إنه لا يستقيم في حكمة الحكيم أن يكل أمر القرآن وهو أعظم دستور سماوي إلى العباد يقرؤه كل واحد منهم حسب ميله وهواه، وحسب رغبته واختياره، ويعبر كل منهم في نطاق قدرته على التعبير والأسلوب، والناس في هذا متفاوتون تفاوتًا شاسعًا.
أقول: لا يستقيم هذا في حكمة الحكيم؛ لأن فيه تعريضًا لنصوص القرآن للتناقض والتعارض والتخاذل والتهافت والتغيير والتحريف والخطأ والتصحيف (٢).
стр. 2567
الوجه السابع: لو كان الأمر على خلو المصحف من النقط والشكل، وعلى حسب الاختيار لما يحتمله الرسم؛ لكان القرآن من كلام البشر والله وعد بحفظه .
لو كان مبعث اختلاف القراءات وتنوعها خلو المصاحف من النقط والشكل، وكان كل قارئ يقرأ بقراءة يختارها من تلقاء نفسه إذا كان الرسم محتملًا لها، ولم يكن مبعثها الوحي والمشافهة والتلقي من فيه ﷺ لكان القرآن من كلام البشر، ولم يكن كله وحيًا سماويًا منزَّلًا من عند الله تعالى، ولو كان كذلك لذهبت أعظم خاصية من خصائصه، تلك الخاصية التي امتاز بها القرآن عن سائر الكتب السماوية السابقة وهو الإعجاز، ولو ذهبت عنه صفة الإعجاز لم يكن للتحدي به - بجميع قراءاته ورواياته - وجه، ولم يكن لعجز العرب عن معارضته سر - حيث إن بعضه من وضع جنسهم - ولم يكن للإيمان به والتعبد بتلاوته معنى أصلًا، لكن الله تعالى أمرنا بالإيمان به، والتعبد بتلاوته، وتحدى به سائر العرب، فعجزوا عن معارضته والإتيان بمثله؛ بل بأقصر سورة من سوره، فحينئذ تكون صفة الإعجاز ملازمة له لا تفارقه ولا تنفك عنه.
إذًا لم يكن بعضه من كلام البشر؛ بل كله من كلام الله ، فلا يكن مبعث القراءات خلو المصاحف من النقط والحركات، بل مبعثها الوحي والتلقي والمشافهة من فيه ﷺ ، وهو المطلوب (١).
إن الله تعالى وعد بحفظ كتابه من أن تمتد إليه يد العبث والتحريف التي امتدت إلى ما سبقه من الكتب السماوية. (٢) فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، ولا شك أن قراءته بالرأي والاختيار تفضي - من قريب أو من بعيد - إلى تعريض نصوصه للتغيير والتصحيف، وذلك ينافي الوعد بحفظه، ووصفه بأنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾.
стр. 2568
الوجه الثامن: التبديل في القرآن الكريم يستوجب عقابًا من الله .
إن القرآن الكريم سجل على رسول الله ﷺ أنه لا يستطيع أن يبدل في القرآن الكريم كلمة بكلمة أو حرفًا بآخر، وأشار إلى أن هذا التبديل معصية يترتب عليها العقاب الأخروي الشديد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
فإذا كان الرسول ﷺ لا يستطيع أن يبدل في القرآن الكريم شيئًا، فهل يملك غيره صحابيًا كان أم تابعيًا أم غيرهما، أن يضع كلمة مكان كلمة، أو حرفًا في موضع حرف (١).
الوجه التاسع: من القراء العشر من كان إمامًا في النحو، ومع ذلك كان يخالف مذهبه في النحو لأجل القراءة، مما يدل على أن الأصل التلقي لا لخلو المصحف من الشكل والنقط .
إن من القراء العشرة قد بلغ الذروة في العربية، وكان فيها إمامًا يُرحل إليه ويؤخذ عنه، وله مذهب خاص اشتهر به، ومع ذلك كان في القراءة لا يتعدى ما نقله عن أئمته، وتلقاه عن شيوخه ولو خالف مذهبه في العربية، من هؤلاء الإمام أبو عمرو ابن العلاء البصري.
قال الأصمعي: قال لي أبو عمرو: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ لقرأت كذا وكذا من الحروف، كذا وكذا (٢).
فكان أبو عمرو يخالف مذهبه في النحو اتباعًا للأثر.
стр. 2569
قال ابن خالويه: أدغم أبو عمرو وحده الراء في اللام من ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وما شاكله في القرآن وهو ضعيف عند البصريين (١).
وورد عن الكسائي مثل ما ورد عن أبي عمرو، فكانت قراءته في بعض المواضع تخالف مذهبه في النحو، وليس هناك تفسير لذلك إلا أن هؤلاء الأئمة كانوا يستندون في قراءتهم إلى النقل والرواية لا إلى القواعد والدراية.
قال سفيان الثوري: ما قرأ حمزة حرفًا من كتاب الله تعالى إلا بأثر. (٢)
وكان ليحيى بن سلام اختيار في القراءة، ولكن من طريق الآثار، وكان الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام يختار من القراءات ما يوافق العربية والأثر جميعًا (٣).
الوجه العاشر: أجمع المسلمون على تواتر قراءات الأئمة العشرة، وثبوتها عن رسول الله ﷺ بطريق القطع واليقين .
قال القرطبي: وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب وعلى هذا الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما.
قال ابن عطية: ومضت الأعصار والأمصار على قراءات السبعة وبها يصلى؛ لأنها ثبتت بالإجماع (٤).
قال عبد الوهاب بن السبكي: الحمد لله، القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب، وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين
стр. 2570
بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه مُنزل على رسول الله ﷺ لا يكابر في شيء من ذلك إلَّا جاهل وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات؛ بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًا جلفًا لا يحفظ من القرآن حرفًا، ولهذا تقرير طويل، وبرهان عريض لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى ويجزم بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله أعلم (١).
الوجه الحادي عشر: القراءة ليست على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل
قال أبو عمرو: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. (٢)
قال ابن الجزري: ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه كما روينا عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت ﵄ من الصحابة، وعن ابن المنكدر، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرؤوا كما علمتموه. ولذلك كان الكثير من أئمة القراءة كنافع وأبي عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا. (أما) إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء؛ فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة؛ وتمس الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح؛ بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسًا على الوجه الاصطلاحي؛ إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء، وفي إثبات
стр. 2571
البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل (كتابيه إني) وإدغام (ماليه هلك) قياسًا عليه، وكذلك قياس (قال رجلان. وقال رجل) على (قال رب) في الإدغام كما ذكره الداني وغيره ونحو ذلك مما لا يخالف نصًا ولا يرد إجماعًا ولا أصلًا مع أنه قليل جدًا. (١)
الشبهة الثانية: الاختلاف في الأحرف يوقع في شك وريب من القرآن
نص الشبهة:
يقولون: إن هذا الاختلاف في القراءات يوقع في شك وريب من القرآن، خصوصًا إذا لاحظنا في بعض الروايات معنى تخيير الشخص أن يأتي من عنده باللفظ وما يرادفه، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى كحديث أبي بكرة وفيه: كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك: تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وعجل. جاء بهذا اللفظ من رواية أحمد بإسناد جيد، ومثله حديث أُبي بن كعب.
وأكثر من ذلك ما جاء أن عبد الله بن مسعود أقرأ رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه. فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر قال: نعم. قال: فافعل.
أولًا: تخريج النصوص وبيان صحتها:
فعَن أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ ﵇: اسْتَزِدْهُ فَاسْتَزَادَهُ قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ فَاسْتَزَادَهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ. قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ نَحْوَ قَوْلِكَ تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وأعجل. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْتُ آيَةً وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ خِلَافَهَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: بَلَى، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَمْ تُقْرِئْنِيهَا كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى، كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ، فَضَرَبَ صَدْرِي فَقَالَ: يَا أُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ! إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ أَوْ عَلَى حَرْفَيْنِ؟ قَالَ
стр. 2572
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَقُلْتُ: عَلَى ثَلَاثَةٍ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: غَفُورًا رَحِيمًا أَوْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا أَوْ عَلِيمًا سَمِيعًا فَالله كَذَلِكَ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ (١).
عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يُقرئ رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء: قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. (٢)
عن عون بن عبد الله أن ابن مسعود أقرأ رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم، فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟ قال: نعم. قال: فافعل. (٣)
ثانيًا: توجيه النصوص من وجوه:
الوجه الأول: أن اختلاف القراءات لا يوقع في شك ولا ريب ما دام الكل نازلا من عند الله.
الوجه الثاني: أمَّا هذه الروايات التي اعتمدت عليها الشبهة فلا نسلم أنه يفهم منها معنى تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه باللفظ وما يرادفه، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى حتى يوقع ذلك في ريب من هذا التنزيل؛ بل قصارى ما تدل عليه هذه الروايات أن الله تعالى وسَّع على عباده خصوصا في مبدأ عهدهم بالوحي أن يقرؤوا القرآن بما تلين به ألسنتهم. وكان من جملة هذه التوسعة القراءة بمترادفات من اللفظ الواحد للمعنى الواحد، مع ملاحظة أن الجميع نازل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ،
стр. 2573
وقرأه الرسول على الناس على مكث، وسمعوه منه ثم نسخ الله ما شاء أن ينسخ بعد ذلك، وأبقى ما أبقى لحكمة سامية تستقبلك في مبحث النسخ. يدل على أن الجميع نازل من عند الله تعالى قولُه ﷺ لكل من المتنازعين المختلفين في القراءة من أصحابه: "هكذا أنزلت" وقول كل من المختلفين لصاحبه: أقرأنيها رسول الله ﷺ . وقول الله تعالى لرسوله جوابا لمن سأله تبديل القرآن: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وليس بعد كلام الله ورسوله كلام. كذلك أجمعت الأمة على أنه لا مدخل لبشر في نظم هذا القرآن لا من ناحية أسلوبه ولا من ناحية ألفاظه؛ بل ولا من ناحية قانون أدائه، فمن يخرج على هذا الإجماع ويتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرًا.
وها نحن أولًا قد رأينا القرآن في تلك الآية يمنع الرسول من محاولة ذلك منعًا باتًا مشفوعًا بالوعيد الشديد ومصحوبًا بالعقاب الأليم. فما يكون لابن مسعود ولا لأكبر من ابن مسعود بعد هذا أن يبدل لفظًا من ألفاظ القرآن بلفظ من تلقاء نفسه.
أما هذه الرواية المنسوبة إلى ابن مسعود من أنه أقرأ الرجل بكلمة الفاجر بدلًا من كلمة الأثيم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ فتدل على أن ابن مسعود سمع الروايتين عن رسول الله ﷺ ، ولما رأى الرجل قد تعسر عليه النطق بالأولى أشار عليه أن يقرأ بالثانية وكلاهما منزل من عند الله.
وكذلك حديث أبي بكرة السابق لا يدل على جواز تبديل الشخص ما شاء من القرآن بما لا يضاده كما زعم الواهم؛ إنما ذلك الحديث وأشباهه من باب الأمثال التي يضربها الرسول ﷺ للحروف التي نزل عليها القرآن؛ ليفيد أن تلك الحروف على اختلافها ما هي إلا ألفاظ متوافقة مفاهيمها، متساندة معانيها، لا تخاذل بينها ولا تهافت، ولا تضاد ولا تناقض، ليس فيها معنى يخالف معنى آخر على وجه ينفيه ويناقضه كالرحمة التي هي
стр. 2574
خلاف العذاب وضدها، وتلك الأحاديث بهذا الوجه تقرير؛ لأن جميع الحروف نازلة من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
وهاك برهانًا آخر ذكره صاحب التبيان في مثل هذا المقام إذ يقول: إن النبي ﷺ علم البراء بن عازب دعاءً فيه هذه الكلمة (ونبيك الذي أرسلت) فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله ﷺ قال: ورسولك الذي أرسلت فلم يوافقه النبي ﷺ على ذلك؛ بل قال له: "لا. ونبيك الذي أرسلت" (١). وهكذا نهاه ﷺ أن يضع لفظة رسول موضع لفظة نبي مع أن كليهما حق لا يحيل معنى إذ هو ﷺ رسول ونبي معًا، ثم قال: فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا: إنه ﷺ كان يجيز أن يوضع في القرآن الكريم مكان عزيز حكيم غفور رحيم أو سميع عليم. وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنًا والله يقول مخبرًا عن نبيه: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى؟ (٢).
الوجه الثالث: أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين ثم نسخ وإلا لجازت روايته بالمعنى، ولذهب التعجد بلفظه، ولا تسع الخرق، ولفات كثير من الأسرار والأحكام وهذا يستدعي نسخ الحديث وفيه بعد؛ بل لا قائل به (٣).
стр. 2575
وقال القرطبي: ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره؛ لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبًا للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله ﷺ . (١)
وقال الملا علي القاري: قال كثيرون من الأئمة: إنما كان ذلك، أي جواز تغيير اللفظ بمرادفه، رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، فالقرشي يشق عليه تخفيف الهمزة، واليمني تركه فلذلك سهل على كل قبيلة أن تقرأ بلغتها، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ. (٢)
وقال الزركشي: إن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة نطقهم بغير لغتهم؛ اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد، وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة، فعارض جبريل النبي ﷺ القرآن مرتين في السنة الآخرة، واستقر على ما هو عليه الآن، فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس مراعاة التخفيف على العجوز والشيخ الكبير (٣).
الوجه الرابع: إن هذا قد نسخ .
قال القاضي ابن الطيب: وإذا ثبت هذه الرواية - يريد حديث أُبَيٍّ - حُمل على أن هذه كان مطلقًا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسمًا لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف (٤).
الوجه الخامس: هذا خاص لمعان متفق مفهومها، مختلف مسموعها .
стр. 2576
قال ابن عبد البر: إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده وما أشبه ذلك (١).
الوجه السادس: هذا خاص بالنبي ﷺ -.
قال صاحب عون المعبود: هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ كَمَا رَخَّصَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي اللُّغَات السَّبْع كَذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ ﷺ فِي رُءُوس الْآيَات بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقَام مِنْ أَسْمَاء الله تَعَالَى مِنْ غَيْر تَقْيِيدٍ بِبَعْضٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ هَذَا التَّغَيُّر وَالتَّبَدُّل لِكُلِّ أَحَد، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي ذَلِكَ عُمُومًا؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْقِرَاءَة عَلَى مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْأَئِمَّة مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَالله أَعْلَمُ (٢).
الوجه السابع: هذا الحكمُ إنما كان قبل الإجماع على ترتيب القرآن في المصحف العثماني
إن هذا الحكم إنما كان قبل الإجماع على ترتيب القرآن في المصحف العثماني، فلما وقع الإجماع على منع تغيير الناس القرآن لم يجُز لأحد أن يجْعل موضع "سميع عليم" مثلا "عزيزًا حكيمًا"، ونحو ذلك قصدًا وعمدًا، ولكن إذا جرى على لسانه من غير قصدٍ إلى التغيير فلا بأس بذلك، حتى لو كان في الصلاة لا تفسدُ صلاته (٣).
الوجه الثامن: كانوا يفعلون ذلك قبل العرضة الأخيرة .
قال ابن تيمية: هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ ، وإن ثبتت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة، فإنه قد ثبت في الصحاح عن عائشة وابن عباس ﵃ أن جبريل ﵇
стр. 2577
كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، والعرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في صحف. أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة. (١)
الوجه التاسع: المقصد من الزيادة بيان المعنى .
قال ابن عادل: المقصود من الزيادة بيان المعنى فقط. (٢)
الشبهة الثالثة: نزول القرآن على سبعة أحرف يخالف قول الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
نص الشبهة:
يقولون: إن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تثبت الاختلاف في القرآن مع أن القرآن نفسه يرفع الاختلاف عن نفسه إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وذلك تناقض ولا ندري أيهما يكون الصادق.
والجواب: الاختلاف هنا بمعنى التنويع في طرق الأداء، اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتنافر وتناقض (٣).
إن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن. وهذا كاف في دفع التناقض فكلاهما صادق. وبيان ذلك أن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف، وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي ﷺ ، أمَّا القرآن فينفي الاختلاف بمعنى التناقض
стр. 2578
والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه مع ثبوت التنويع في وجوه التلفظ والأداء السابق، ومعنى ذلك أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم منه تناقض، ولا تخاذل، ولا تضاد، ولا تدافع بين مدلولات القرآن ومعانيه، وتعاليمه ومراميه بعضها مع بعض؛ بل القرآن كله سلسلة واحدة متصلة الحلقات، محكمة السور والآيات، متآخذة المبادئ والغايات مهما تعددت طرق قراءته، ومهما تنوعت فنون أدائه (١).
ولابن الجزري كلام نفيس يتصل بهذا الموضوع قال: وأما حقيقة اختلاف هذه السبعة الأحرف المنصوص عليها من النبي ﷺ وفائدته؛ فإن الاختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض؛ فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقد تدبرنا اختلاف القراءات كلها فوجدناها لا تخلو من ثلاثة أحوال:
(أحدها) اختلاف اللفظ والمعنى واحد. (الثاني) اختلافهما جميعًا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد. (الثالث) اختلافهما جميعًا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد؛ بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد.
فأما الأول: كالاختلاف في (الصراط، وعليهم، ويؤده، والقدس، ويحسب) ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط.
وأما الثاني: فنحو (مالك، وملك) في الفاتحة؛ لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى؛ لأنه مالك يوم الدين وملكه، وكذا (يكذبون، ويكذبون) لأن المراد بهما هم المنافقون؛ لأنهم
стр. 2579
يكذِّبون بالنبي ﷺ ويَكذِبون في أخبارهم، وكذا (كيف ننشرها) بالراء والزاي؛ لأن المراد بهما هي العظام وذلك أن الله أنشرها أي أحياها، وأنشزها أي رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت فضمن الله تعالى المعنيين في القراءتين.
وأما الثالث: فنحو (وظنوا أنهم قد كذبوا) بالتشديد والتخفيف، وكذا (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) بفتح اللام ورفع الأخرى وبكسر الأولى وفتح الثانية، وكذا (للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) بالتسمية والتجهيل، وكذا قال (لقد علمت) بضم التاء وفتحها، وكذلك ما قرئ شاذًا (وهو يطعم ولا يطعم) عكس القراءة المشهورة، وكذلك (يطعم ولا يطعم) على التسمية فيهما؛ فإن ذلك كله وإن اختلف لفظًا ومعنى وامتنع اجتماعه في شيء واحد؛ فإنه يجتمع من وجه آخر يمتنع فيه التضاد والتناقض، فأما وجه تشديد (كذبوا) فالمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، ووجه التخفيف: وتوهم المرسَل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به فالظن في الأولى يقين والضمائر الثلاثة للرسل، والظن في القراءة الثانية شك والضمائر الثلاثة للمرسل إليهم. وأما وجه فتح اللام الأولى ورفع الثانية من (لتزول) فهو أن يكون أن مخففة من الثقيلة أي: وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها، وفي القراءة الثانية إن نافية أي: ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد ﷺ ودين الإسلام ففي الأولى تكون الجبال حقيقة وفي الثانية مجازًا. وأما وجه (من بعد ما فتنوا) على التجهيل فهو إن الضمير يعود للذين هاجروا وفي التسمية يعود إلى (الخاسرون). وأما وجه ضم تاء علمت فإنه اسند العلم إلى موسى حديثًا منه لفرعون حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾، فقال موسى على نفسه: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، فأخبر موسى ﵇ عن نفسه بالعلم بذلك أي أن العالم ذلك ليس بمجنون، وقراءة فتح التاء أنه أسند هذا العلم لفرعون مخاطبة من موسى له بذلك على وجه التقريع لشدة معاندته للحق بعد علمه، وكذلك وجه قراءة الجماعة
стр. 2580
(يطعم) بالتسمية (ولا يطعم) على التجهيل أن الضمير في "وهو" يعود إلى الله تعالى، أي: والله تعالى يرزق الخلق ولا يرزقه أحد، والضمير في هذه القراءة يعود إلى الولي أي: والوالي المتخذ يرزق أحدًا، والضمير في القراءة الثالثة إلى الله تعالى أي: والله يطعم من يشاء ولا يطعم من يشاء. فليس في شيء من القراءات تناف وتضاد ولا تناقض. وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله ولم يسع أحدًا من الأمة رده ولزم الإيمان به وأن كله منزل من عند الله؛ إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علمًا وعملًا، ولا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنًا أن ذلك تعارض وإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: "لا تختلفوا في القرآن ولا تتنازعوا فيه، فإنه لا يختلف ولا يتساقط"، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة، حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء ينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف ولكنه جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها؛ فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله".
قلت: وإلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث قال لأحد المختلفين "أحسنت" وفي الحديث الآخر "أصبت" وفي الآخر "هكذا أنزلت" فصوب النبي ﷺ قراءة كل من المختلفين، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله، وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء؛ فإن اختلاف القراء كل حق وصواب نزل من عند الله وهو كلامه لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر نقطع بذلك ونؤمن به، ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له، وميلًا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما
стр. 2581
قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعُرف به، وقُصد فيه، وأُخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد (١).
الشبهة الرابعة: معنى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع
نص الشبهة:
يقولون: إنه لا معنى للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء.
هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم القرآن والحديث بحظ ولا نصيب. فإن ذلك المعنى الذي زعموه غير صحيح:
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: مقدمة
قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أنَّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد؛ ليزيل الشبهة. ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر (٢).
وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم؛ فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم، وكذا قال غير واحد، منهم مكي، وأبو العلاء الهمذاني، وآخرون من أئمة القراء. وقال مكي: من ظن أن قراءة
стр. 2582
هؤلاء القراء كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم؛ فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به؛ فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه؛ فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة به كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبير المكي قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وجه بسبعة هذه الخمسة، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى البحرين لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم تكن له فطنة فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع، والأصل المعتمد عليه صحة السند في السماع، واستقامة الوجه في العربية، وموافقة الرسم. وأصح القراءات سندًا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي.
стр. 2583
وقال القراب في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد.
وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ.
وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي فقال في "شرح المنهاج": قال الأصحاب: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع، ولا تجوز بالشاذة. وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ، وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة وهذا القول هو الصواب. (١)
قال القرطبي: وقد قيل: إن المراد بقوله ﷺ : "انزل القرآن على سبعة أحرف" القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة؛ لأنها كلها صحت عن رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه. لذا قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره. (٢)
قال ابن تيمية: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن (الأحرف السبعة) التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أُنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة؛ بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد، وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها عِلْم النبوة من القرآن وتفسيره، والحديث والفقه من الأعمال الباطنة
стр. 2584
والظاهرة، وسائر العلوم الدينية، فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار؛ ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم، ولهذا قال من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة، وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين.
ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده؛ بل قد يكون معناها متفقًا أو متقاربًا، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هو كقول أحدكم: أقبِل، وَهَلُمَّ، وَتَعَال، وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض، وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي ﷺ في هذا حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف، إن قلت: غفورًا رحيمًا، أو قلت: عزيزًا حكيمًا فالله كذلك، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة). وهذا كما في القراءات المشهورة ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و ﴿بَاعِدْ﴾ [سبأ: ١٩]، ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] و (إلا أن يُخافا ألا يقيما)، ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ - و (ليزول) [إبراهيم: ٤٦]، و ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ و ﴿بل عجبتُ﴾ (الصافات: ١٢) ونحو ذلك. . (١)
الوجه الثاني: بيان الفرق بين القرآن والقراءات .
قال الزركشي: إن القرآن غير القراءات، فالقرآن: هو الوحي المنزَّل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف في كيفية النطق بألفاظ الوحي، من تخفيف أو تثقيل أو مد أو نحو ذلك (٢)، قال أبو شامة: "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. (٣)
стр. 2585
الوجه الثالث: أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا ولا وجدوا حين نطق الرسول ﷺ بهذا الحديث الشريف .
قال ابن الجزري: فينبغي أن لا يتوهم متوهم في قوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أنه منصرف إلى قراءة سبعة من القراء الذين ولدوا بعد التابعين؛ لأنه يؤدي أن يكون الخبر متعريًا عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء الأئمة السبعة فيؤخذ عنهم القراءة، ويؤدي أيضًا إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به، وهذا تجاهل من قائله، قال: وإنما ذكرت ذلك؛ لأن قومًا من العامة يقولونه جهلًا، ويتعلقون بالخبر، ويتوهمون أن معنى السبعة الأحرف المذكورة في الخبر اتباع هؤلاء الأئمة السبعة، وليس ذلك على ما توهموه؛ بل طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن إمام ثقة لفظًا عن لفظ إمامًا عن إمام إلى أن يتصل بالنبي ﷺ ، والله أعلم بجميع ذلك. (١)
قال الزرقاني: ومحال أن يفرض الرسول على نفسه، وعلى أصحابه ألا يقرؤوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها، على حين أن بين العهدين بضعة قرون، وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبي ﷺ من طريق أصحابه ومن أخذ عنهم إلى أن وصلوا إليهم. فهذه الشبهة تستلزم الدور الباطل فهي باطلة. وتستلزم أيضًا أن يبقى قول الرسول ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" عاريًا عن الفائدة غير نافذ الأثر حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم. وذلك باطل أيضًا يكذبه الواقع من قراءة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون (٢).
الوجه الرابع: لو كانت القراءة محصورة بسبع روايات لسبعة من القراء؛ لوجب أن لا
стр. 2586
يؤخذ عن كل واحد منهم إلا رواية وهذا لا قائل به (١).
الوجه الخامس:
أن الأحرف التي نزل بها القرآن أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموما مطلقا، وأن هذه القراءات أخص من تلك الأحرف السبعة النازلة خصوصًا مطلقًا.
ذلك؛ لأن الوجوه التي أنزل الله عليها كتابه تنتظم كل وجه قرأ به النبي ﷺ وأقرأه أصحابه، وذلك ينتظم القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء، كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة وما بعد العشرة، وما كان قرآنا ثم نسخ ولم يصل إلى هؤلاء القراء جميعا، ولهذا نصوا في المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات صحيحها وشاذها ومنكَرِها كما سبق (٢).
الشبهة الخامسة: نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها .
نص الشبهة:
يقولون: إن نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان قدر لغة قريش .
كانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها (٣)، وأيضا رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر؛ فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة. (٤)
стр. 2587
قال إسماعيل بن أبي عُبَيد الله: أجمَعَ علماؤنا بكلام العرب، والرُّواةُ لأشعارهم، والعلماءُ بلُغاتهم وأيامهم ومَحالّهم أن قُرَيشًا أفصحُ العرب ألْسنةً وأصفاهم لغةً. وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمدًا ﷺ ، فجعل قُريشًا قُطَّان حَرَمِه، وجيران بيته الحرام، ووُلاتَهُ. فكانت وُفود العرب من حُجاجها وغيرهم يَفِدون إِلَى مكة للحج، ويتحاكمون إِلَى قريش فِي أُمورهم. وَكَانَتْ قريش تعلّمهم مَناسكَهم وتحكُمُ بَيْنَهم. ولن تزل العرب تَعرِف لقريش فضلها عليهم وتسمّيها أهل الله؛ لأنهم الصَّريح من ولد إسماعيل ﵇، لَمْ تَشُبْهم شائبة، وَلَمْ تنقُلْهم عن مناسبهم ناقِلَة، فضيلةً من الله لهم وتشريفًا؛ إذ جعلهم رَهط نبيّه الأذْنَيْنَ، وعزته الصالحين، وَكَانَتْ قريش مع فصاحتها وحُسن لغاتها ورِقَّة ألسنتها، إِذَا أتتهُم الوُفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتهم وأصفى كلامهم. فاجتمع مَا تخيّروا من تِلْكَ اللغات إِلَى نَحائرهم وسَلائقهم الَّتِي طُبعوا عَلَيْهَا. فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى أنك لا تجد فِي كلامهم عَنْعَنَة تَميم، ولا عَجْرفيّة قَيْس، ولا كَشْكَشَة أسَد، ولا كَسْكَسة رَبيعةَ، ولا الكَسْر الَّذِي تسمَعه من أسدَ وقَيْس مثل: "تعلِمون" و"نِعلَم" ومثل "شِعير" "وبِعير". (١)
الوجه الثاني: الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم واقعة كلها في لغة قريش .
فلقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى.
قال البخاري: بَاب نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢)، ثم أخرج عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ. وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ
стр. 2588
قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ (١).
أولًا: قوله ﴿فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ﴾ أَيْ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ. قَالَ الْقَاضِي اِبْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ: مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ. أَيْ: مُعْظَمُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَنَّهُ نَزَلَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُضَرَ دُونَ رَبِيعَةَ، أَوْ هُمَا دُونَ الْيَمَنِ، أَوْ قُرَيْشًا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّ اِسْمَ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ الجمِيعَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَلَوْ سَاغَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَسَاغَ لَلْآخَرَانِ. وَيَقُولُ: نَزَلَ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نَسَبًا مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ (٢).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قَوْلُهُ: "سَبْعَةُ أَحْرُفٍ": يَعْنِى سَبْعَ لُغَاتٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ في الْحَرْفِ الْوَاحِدِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ، هَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِهِ قَطُّ، وَلَكِنْ يَقُولُ هَذِهِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُتَفَرِّقَةٌ في الْقُرْآنِ، فَبَعْضُهُ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هَوَازِنَ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ اللُّغَاتِ وَمَعَانِيهَا في هَذَا كُلِّهِ وَاحِدٌ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ. ثُمَّ فَسَّرَهُ ابْنُ سِيرِينَ فَقَالَ: في قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً، وَفِي قِرَاءَتِنَا (صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ اللُّغَاتِ. (٣)
عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمة للقرآن:
ثمة ارتباط وثيق بين القراءات القرآنية ولهجات القبائل العربية، وقد كان مِنْ حكمة نزول هذه القراءات أن يَسَّرَتْ تلاوة الوحي الكريم والتعامل معه، على الرغم من أن اللسان العربي تتعدَّد لهجاته على نحوٍ واسمع. وفي الفترة التي سبقت نزول القرآن كان للهجة قريش السيادة على اللهجات العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية. وقد بلغَتْ قريش هذه المنزلة بعد
стр. 2589
مراحل عديدة من احتكاك اللهجات العربية بها، وذلك بفضل موقعها الديني؛ فهي المشرفة على خدمة الكعبة المشرفة، وتَهْفو إليها أفئدة العرب جميعًا، وبفضل النشاط التجاري الذي كانت قريش تعقده في حواضرها، وكانت اللهجة القرشية تستقي من لهجات القبائل ما تحتاج إليه من صفوة اللغات، حتى تمَّ تكوينُها قُبَيْل نزول الوحي وقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى؛ إذ استوعبت صفوة العناصر الحميدة لهذه اللهجات. فإذا قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش، فليس معنى هذا أننا نَغُضُّ الطرف عن تأثير اللغات الأخرى في مفردات القرآن ونسيجه الصوتي، وإنما نقصد أن لغة قريش هي اللغة النموذجية العالية التي تكوَّنَتْ عبر مراحل عديدة، واشتملَتْ على خصائص لهجات العرب الأخرى، وقد تكفَّلَت كتب (لغات القبائل) بإسناد كل مفردة قرآنية إلى أصل قبيلتها التي انحدرت منها، على نحو ما تبيَّن لنا في موضوع اللغة. والحق أنَّ هذا التطور التاريخي للهجة قريش التي نزل بها القرآن كان مَحْمَدة لصالح العرب جميعًا؛ وذلك لأنَّ هذه اللهجة أصبحت لغة الأدب والشعر وقاسمًا مشتركًا لدى جميع القبائل، ولو كانت لهجة قريش مقصورةً عليها غير معهودة عند العرب لما استطاعت هذه القبائل أن تحقِّق الانتفاع بالقرآن الكريم والتعامل معه؛ لأنه بلهجةٍ غيرِ لهجتها، وبذلك صار تحدِّي القرآن للعرب جميعًا يقوم بغرضه الذي سِيق من أجله، فهو معجزٌ بالإضافة إلى قبائلهم كلها، ولو كان التحدي مُوَجَّهًا إلى قبيلة قريش وحدها؛ لقيل: إن القرآن جاء بما لا قدرةَ للعرب على جنسه. وقد بذل النحاة جهدًا فائقًا لخدمة القرآن بمختلف قراءاته المتواترة والشاذة، فوجَّهوها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطًا ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون والبلاغيون، واستنبطوا منها
стр. 2590
الأصول التي بَنَوْا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عَدُّوه شاذًّا. (١)
قال الزرقاني: لا منافاة ولا ضياع للوحدة؛ فإن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن الكريم واقعة كلها في لغة قريش. ذلك أن قريشا كانوا قبل مهبط الوحي والتنزيل، قد داوروا بينهم لغات العرب جميعًا وتداولوها، وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء في الأسواق العربية ومواسمها ووقائعها وحجها وعمرتها، ثم استعملوه وأذاعوه بعد أن هذبوه وصقلوه. وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافة. وكان هذا سببًا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم واجتماع أوراع العرب عليهم. ومن هنا شاءت حكمة الحكيم العليم أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق، وأن يطل عليهم من هذه السماء سماء قريش ولغتها التي أعطوها مقادتهم، وولوا شطرها وجوههم، فخاطبهم بهذا اللسان العام لهم، ليضم نشرهم ولينظم نثرهم. وقد تم له ما أراد بهذه السياسة الرشيدة التي جاءتهم بالإعجاز البياني عن طريق اللغة التي انتهت إليها أفصح اللغات، وباللسان الذي خضعت له وتمثلت فيه كافة الألسنة العربية. ولو نزل القرآن بغير لغة قريش هذه؛ لكان مثار مشاحنات وعصبيات، ولذهب أهل كل قبيلة بلغتهم، ولعلا بعضهم على بعض، ولما اجتمع عليه العرب أبدًا؛ بل لو نزل القرآن بغير لغة قريش لراجت شبهتهم وافتراؤهم عليه أنه سحر وكهانة وما إليها نظرا إلى أنه قد دخل عليهم من غير بابهم فلا يستطيعون القضاء فيه، ولا إدراك الفوارق البعيدة بينه وبين الحديث النبوي مما يجعلهم يذوقون الإعجاز ويلمسونه كما تذوقوه بوضوح حين نزل بلسانهم. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
الوجه الثالث: يَحْتَمِل أنْ يَكُون قَوْله "نَزَلَ بلِسَانِ قُرَيْش" أيْ اِبْتِدَاء نزوله، ثمَّ أبِيحَ أنْ يُقْرَأ بِلُغَةِ غَيْرهمْ .
стр. 2591
فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى الأحرف؛ فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي ﷺ ، ولما له من الأولية المذكورة، وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود أيضًا. (١)
الوجه الرابع: أو يكون مراد عثمان أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش. (٢)
الشبهة السادسة: اتهام بعض القراء بالضعف كـ (عاصم، وحفص)؛ فكيف يقبل منهم القرآن ؟
نص الشبهة:
كيف يكون حفص إمامًا في القراءات وهو ضعيف في الحديث؟ .
والرد على الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: التعريف به وثناء العلماء عليه وخاصة في تحمله وأدائه لكتاب الله -.
أولًا: التعريف بحفص:
هو حفص بن سليمان بن المغيرة أبو عمر بن أبي داود الأسدي الكوفي المقرئ الإمام مولاهم الغاضري البزاز ويعرف بحفيص، أخذ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم وكان ربيبه ابن زوجته.
مولده: قال خلف بن هشام ولد سنة تسعين.
قال الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم عن الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها وجاور بمكة فأقرأ أيضًا بها، وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان.
وقال أبو هاشم الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم.
وقال الذهبي: أما القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث، قلت: يشير إلى أنه تُكلم فيه من جهة الحديث. قال ابن المنادى: قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأولون يعدونه في
стр. 2592
الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم، وأقرأ الناس دهرًا وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلى علي بن أبي طالب ﵁ (١).
قلت: يشير إلى ما روينا عن حفص أنه قال: قلت لعاصم: أبو بكر يخالفني. فقال: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود.
وفاته: توفي سنة ثمانين ومائة على الصحيح، وقيل: بين الثمانين والتسعين، فأما ما ذكره أبو طاهر بن أبي هاشم وغيره من أنه توفي قبل الطاعون بقليل، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة فذاك حفص بن سليمان المنقري بصري من أقران أيوب السختياني قديم الوفاة فكأنه تصحيف عليهم والله أعلم (٢).
ثانيًا: ثناء العلماء عليه:
قال وكيع: كان ثقة (٣)، قال محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، حدثنا حفص بن سليمان، وكان ينزل سُوَيْقَةَ نصر، لو رأيته لَقَرَّتْ عَيْنُكَ به علمًا وفهمًا.
قال أحمد: هو صالح. وفي رواية: ما كان بحفص بن سليمان المقرئ بأس (٤).
قال الذهبي: فأما في القراءة فثبتٌ إمام، وأما في الحديث فحسن الحديث. (٥) وقال في السير: حجة في القراءة، لين في الحديث. (٦)
стр. 2593
وقال في السير أيضًا: كان ثبتًا في القراءة، واهيًا في الحديث. (١)
ولا نستطيع أن نجزم بأن رواية حفص لا يفوقها أو يساويها في الفصاحة رواية أخرى، وذلك لأن فصحاء العرب الأقحاح لم يذكروا مزية لرواية حفص على غيرها من جهة الفصاحة، فالإمام أحمد بن حنبل الشيباني وكان عربيًا فصيحًا قرأ بقراءة عاصم، وبقراءة أبي عمرو، وبقراءة نافع، ومع ذلك قال: عليك بقراءة أبي عمروٍ لغة قريش وفصحاء العرب. وقال الإمام مكي بن أبي طالب: وربما جعلوا الاختيار على ما اتفق عليه نافع وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سندًا، وأفصحها في العربية، ويتلوهما في الفصاحة خاصة: قراءة أبي عمرو والكسائي ﵏. (٢)
وقال في التذكرة: إمامًا في القراءة، تالف في الحديث. (٣)
وقال الحافظ ابن حجر: متروك الحديث مع إمامته في القراءة. (٤)
الوجه الثاني: إن القائلين بضعف رواية حفص في الحديث اجتمعوا على صدقه في قراءة القرآن الكريم .
قال ابن تيمية: وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا، دون قراءته (٥).
الوجه الثالث: إن رواية حفص في القرآن لها العديد من الطرق غير حفص
فيوافقه أحيانا كثير من الرواة والقراء. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى وراجع كتب القراءات وغيرها ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ - بالياء - ابن عامر وحفص ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ﴾
стр. 2594
بالنصب، نافع والكسائي وحفص. ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضم الطاء حيث وقع، ابن عامر والكسائي وقنبل وحفص (١).
الوجه الرابع: أن سبب الضعف متعلق بالضبط في رواية الأحاديث لا بالعدالة
فليس هو بالقوي، ويضعف في الحديث لكنه في قراءة القرآن الكريم إمام من أئمة المسلمين بلا نزاع.
وإليك ذكر بعض من ضعفه، وتوجيه أقوالهم:
أولًا: توجيه قول يحي بن معين في وصفه لحفص بالكذب من وجوه: (٢)
стр. 2595
ثانيًا: توجيه قول ابن خراش:
قال ابن خراش: كذاب، متروك يضع الحديث، وبيانه من وجوه: (١)