← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى الأحرف؛ فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي ﷺ ، ولما له من الأولية المذكورة، وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود أيضًا. (١) الوجه الرابع: أو يكون مراد عثمان أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش. (٢) الشبهة السادسة: اتهام بعض القراء بالضعف كـ (عاصم، وحفص)؛ فكيف يقبل منهم القرآن ؟ نص الشبهة: كيف يكون حفص إمامًا في القراءات وهو ضعيف في الحديث؟ . والرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: التعريف به وثناء العلماء عليه وخاصة في تحمله وأدائه لكتاب الله -. أولًا: التعريف بحفص: هو حفص بن سليمان بن المغيرة أبو عمر بن أبي داود الأسدي الكوفي المقرئ الإمام مولاهم الغاضري البزاز ويعرف بحفيص، أخذ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم وكان ربيبه ابن زوجته. مولده: قال خلف بن هشام ولد سنة تسعين. قال الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم عن الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها وجاور بمكة فأقرأ أيضًا بها، وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان. وقال أبو هاشم الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم. وقال الذهبي: أما القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث، قلت: يشير إلى أنه تُكلم فيه من جهة الحديث. قال ابن المنادى: قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأولون يعدونه في

стр. 2592

الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم، وأقرأ الناس دهرًا وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلى علي بن أبي طالب ﵁ (١). قلت: يشير إلى ما روينا عن حفص أنه قال: قلت لعاصم: أبو بكر يخالفني. فقال: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود. وفاته: توفي سنة ثمانين ومائة على الصحيح، وقيل: بين الثمانين والتسعين، فأما ما ذكره أبو طاهر بن أبي هاشم وغيره من أنه توفي قبل الطاعون بقليل، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة فذاك حفص بن سليمان المنقري بصري من أقران أيوب السختياني قديم الوفاة فكأنه تصحيف عليهم والله أعلم (٢). ثانيًا: ثناء العلماء عليه: قال وكيع: كان ثقة (٣)، قال محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، حدثنا حفص بن سليمان، وكان ينزل سُوَيْقَةَ نصر، لو رأيته لَقَرَّتْ عَيْنُكَ به علمًا وفهمًا. قال أحمد: هو صالح. وفي رواية: ما كان بحفص بن سليمان المقرئ بأس (٤). قال الذهبي: فأما في القراءة فثبتٌ إمام، وأما في الحديث فحسن الحديث. (٥) وقال في السير: حجة في القراءة، لين في الحديث. (٦)

стр. 2593

وقال في السير أيضًا: كان ثبتًا في القراءة، واهيًا في الحديث. (١) ولا نستطيع أن نجزم بأن رواية حفص لا يفوقها أو يساويها في الفصاحة رواية أخرى، وذلك لأن فصحاء العرب الأقحاح لم يذكروا مزية لرواية حفص على غيرها من جهة الفصاحة، فالإمام أحمد بن حنبل الشيباني وكان عربيًا فصيحًا قرأ بقراءة عاصم، وبقراءة أبي عمرو، وبقراءة نافع، ومع ذلك قال: عليك بقراءة أبي عمروٍ لغة قريش وفصحاء العرب. وقال الإمام مكي بن أبي طالب: وربما جعلوا الاختيار على ما اتفق عليه نافع وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سندًا، وأفصحها في العربية، ويتلوهما في الفصاحة خاصة: قراءة أبي عمرو والكسائي ﵏. (٢) وقال في التذكرة: إمامًا في القراءة، تالف في الحديث. (٣) وقال الحافظ ابن حجر: متروك الحديث مع إمامته في القراءة. (٤) الوجه الثاني: إن القائلين بضعف رواية حفص في الحديث اجتمعوا على صدقه في قراءة القرآن الكريم . قال ابن تيمية: وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا، دون قراءته (٥). الوجه الثالث: إن رواية حفص في القرآن لها العديد من الطرق غير حفص فيوافقه أحيانا كثير من الرواة والقراء. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى وراجع كتب القراءات وغيرها ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ - بالياء - ابن عامر وحفص ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ﴾

стр. 2594

بالنصب، نافع والكسائي وحفص. ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضم الطاء حيث وقع، ابن عامر والكسائي وقنبل وحفص (١). الوجه الرابع: أن سبب الضعف متعلق بالضبط في رواية الأحاديث لا بالعدالة فليس هو بالقوي، ويضعف في الحديث لكنه في قراءة القرآن الكريم إمام من أئمة المسلمين بلا نزاع. وإليك ذكر بعض من ضعفه، وتوجيه أقوالهم: أولًا: توجيه قول يحي بن معين في وصفه لحفص بالكذب من وجوه: (٢)

стр. 2595

ثانيًا: توجيه قول ابن خراش: قال ابن خراش: كذاب، متروك يضع الحديث، وبيانه من وجوه: (١)

стр. 2596

ثالثًا: توجيه قول الحاكم: قال الحاكم رحمه الله تعالى: ذاهب الحديث. لم يذكر التوجيه. الوجه الخامس: هناك فرق بين التوثيق للحديث والتوثيق للقراءة . قال الذهبي في ترجمة عاصم: وما زال في كل وقت يكون العالم إمامًا في فن مقصرًا في فنون (١). فقد يكون الإمام متقنًا لفن من الفنون، ومُبَرِّزًا في علم من العلوم؛ لكونه أنفق فيه جل حياته، واعتنى بطلبه وتدريسه عناية فائقة، بينما يكون مقصرًا في فن آخر؛ لعدم إعطائه تلك العناية، فيكون عمدة في فنه الذي ضبط معرفته وأتقنه، وتنزل مرتبته فيما قصّر فيه؛ بل قد يكون فيه غير معتمد. ومن ضوابط الترجيح بين الجرح والتعديل عند التعارض من المسائل التي شغلت بال المشتغلين بالحديث ومصطلحه تنازع الجارحين والمعدلين في الراوي الواحد. فيجتمع فيه جرح الجارحين وتعديل المعدلين، وقد تكلم علماؤنا في مثل هذا، فقالوا: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل (٢). من هذه الضوابط: اعتبار ما إذا كان للراوي تميز واختصاص في نوع من علوم الشرع فيوثق في ذلك العلم خاصة دون غيره. إذا لم يثبت عليه ما يسقط روايته مطلقًا، وأما في سوى ذلك فقد تقصر درجته عن الاحتجاج أو حتى عن الاعتبار. مثال ذلك: عاصم بن أبي النجود المقرئ المشهور وأحد القراء السبعة. يقول فيه الذهبي: (كان عاصم ثبتا في القراءة، صدوقا في الحديث، وقد وثقه أبو زرعة، وجماعة. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال الدارقطني: في حفظه شيء. يعني: للحديث لا

стр. 2597

للحروف. فقد يكون إمامًا في القراءات ولكنه غير قوي في الحديث: وكذلك جماعة من القُرّاء أثباتٌ في القراءة دون الحديث كنافع، والكسائي، وحفص فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرّروها، ولم يصنعوا ذلك في الحديث. وكذلك أبو بكر بن عياش الأسدي إمام في القراءات أما الحديث فيأتي بغرائب ومناكير. (١) وكذلك عمر بن هارون بن يزيد الثقفي البلخي. قال الذهبي: ولا ريب في ضعفه، وكان إمامًا حافظًا في حروف القراءات (٢). وقال: والنقاش مجمع على ضعفه في الحديث لا في القراءات (٣). وكذلك الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي: كان رأسًا في القراءات معمرًا بعيد الصيت صاحب حديث ورحلة وإكثار، وليس بالمتقن له ولا المجود؛ بل هو حاطب ليل (٤). وقد يكون إمامًا في التفسير ولكنه غير قوي في الحديث: مثال: الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، قال عنه الذهبي: صاحب التفسير. . . . وليس بالمجود لحديثه (٥). قد يكون ثبتًا في الحديث ضعيفًا في القراءات: وكذلك الأعمش كان ثبتًا في الحديث لينًا في الحروف والقراءات. قال الذهبي: وكان الأعمش بخلافه - أي حفص - كان ثبتًا في الحديث، لينًا في الحروف، فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب "المنهج" وغيره لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر والله أعلم. (٦)

стр. 2598

وقد يكون إمامًا في المغازي غير مجود في الحديث: مثال ابن إسحاق: قال الذهبي: فله ارتفاع بحسبه ولا سيما في السير، وأما في الأحاديث فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فإنه يعد منكرًا. وقال أيضًا: قد كان في المغازي علَّامة. (١) وكذلك سلمة بن الفضل الرازي، قال عنه الذهبي: كان قويًا في المغازي، وقد سمع منه ابن المديني وتركه (٢). وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ضعيف. وكذلك الواقدي. قال عنه الذهبي: لا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مسلم وغيره: متروك الحديث. وقد يكون إمامًا في الفقه ضعيفًا في الحديث: الإمام أبو حنيفة: إليه المنتهى في الفقه، والناس عليه عيال في الفقه، قال الذهبي: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه (٣)، وضعفه من جهة حفظه في الحديث النسائي وابن عدي والخطيب. قال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. (٤) إمام الحرمين الشافعي الجويني: يقول الذهبي: كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع والأصول وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به، لا متنًا ولا إسنادًا. (٥) محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي: قال الذهبي: وكان كبير الشأن، انتهت إليه رئاسة الحفظ في الفتيا، وقُدم للشورى من سنة إحدى وعشرين، وعظم جاهه، ونال دنيا

стр. 2599

عريضة، ولم يكن يدري فن الحديث، وكان فقيه عصره. (١) وكذلك الخصيب بن جحدر البصري؛ قال الذهبي: وكان من الفقهاء لكنه متروك الحديث. (٢) وقد يكون إمامًا في الحديث ضعيفًا في الفقه: سعيد بن عثمان التجيبي: قال الذهبي: وكان ورعًا زاهدًا حافظًا، بصيرًا بعلل الحديث ورجاله، لا علم له بالفقه. (٣) وقد يكون إمامًا في اللغة ضعيفًا في الحديث: عمر بن حسن بن دحية: قال الذهبي: كان الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعف فيه. (٤) وقد يكون إمامًا في الحديث ضعيفًا في اللغة: إبراهيم بن يزيد النخعي: قال الذهبي: لا يحكم العربية، وربما لحن. (٥) الوجه السادس: كثرة من روى عنه القراءة دلالة على ثقته . وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا أناس كثيرون، منهم: حسين بن محمد المروزي، وحمزة بن القاسم الأحول، وسليمان بن داود الزهراني، وحمدان بن أبي عثمان الدقاق، والعباس بن الفضل الصفار، وعبد الرحمن بن محمد بن واقد، ومحمد بن الفضل زرقان، وخلف الحداد، وعمرو بن الصباح، وعبيد بن الصباح، وهبيرة بن محمد التمار، وأبو شعيب القواس، والفضل بن يحيى بن شاهي بن فراس الأنباري، وحسين بن علي الجعفي، وأحمد بن جبير الأنطاكي، وسليمان الفقيمي (٦).

стр. 2600

ذكر المزي في (تهذيب الكمال) سبعة وعشرين شيخًا روى عنهم الحديث حفص بن سليمان القارئ، وقد تتبعتهم في "تقريب التهذيب" لابن حجر فوجدته يصف خمسة عشر منهم بـ (ثقة)، وعشرة منهم بـ (صدوق)، وواحد بـ (لا بأس به)، وواحد وصفه بمجهول، وهو كثير بن زاذان، الذي سأل عثمان بن سعيد الدارمي يحيى بن معين عنه، فقال: "قلت يروي (أي حفص القارئ) عن كثير بن زاذان من هو؟ قال: لا أعرفه"، لكن ابن حجر ذكره في "التهذيب" وقال: كثير بن زاذان النخعي الكوفي، وذكر جماعةً من الرواة الذين رووا عنه سوى حفص، وذكر نقلًا عن الخطيب البغدادي أنه كان مؤذن النخع. وذكر المزي خمسة وثلاثين راويًا أخذوا عن حفص بن سليمان القارئ، وقد تتبعت ما قاله فيهم ابن حجر في "تقريب التهذيب"، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، فوجدت أن معظمهم موصوف بأنه (ثقة) أو (صدوق). وإذا نظرنا إلى حال شيوخ حفص القارئ، وحال معظم تلامذته من حيث وصفهم بالثقة والصدق؛ فإن من المناسب أن يكون حفصٌ كما وصفه وكيع بأنه: ثقة، أو كما وصفه الإمام أحمد بأنه: صالح. (١) الوجه السابع: تفرغ حفص لتعليم قراءة شيخه وتنقله بين الأمصار . قال أبو عمرو الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضًا. (٢) الوجه الثامن: الطباعة . وقد يكون للطباعة شأن في التمكين لرواية حفص، فأقدم مصحف طبع في مدينة هامبورج بألمانيا سنة ١٦٩٤ م كان مضبوطًا برواية حفص عن عاصم (٣). واشتهر من خطاطي الدولة العثمانية الحافظ عثمان الذي كتب بخطه خمسة وعشرين

стр. 2601

مصحفًا (١). واشتهرت المصاحف التي خطها الحافظ عثمان في العالم الإسلامي شهرة واسعة. وقد طُبعَ مصحفه مئات الطبعات في مختلف الأقطار الإسلامية، وانتشر في العالم الإسلامي، وفاق الطبعات السابقة واللاحقة". (٢) وهذا قبل ظهور مصحف الأزهر ومصحف المدينة طبعًا. وطباعة المصاحف برواية حفص عن عاصم كانت تعكس واقع الحال في بلدان المشرق الإسلامي، فلولا انتشار هذه القراءة في هذه البلدان لما أقبل الناشرون على طبع المصاحف بهذه الرواية، لكن الطباعة في الوقت نفسه أسهمت في التمكين لها، وساعدت على دخولها في بقاع جديدة من أرض الإسلام. الوجه التاسع: إتقان حفص لروايته عن عاصم . قال الشاطبي: فَأمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعَاصِمٌ اسْمُهُ ... فَشُعْبَةُ رَاوِيهِ المُبَرِّزُ أَفْضَلَا وَذَاكَ ابْنُ عياش أَبُو بَكْرٍ الرِّضَا ... وحفص وَبِاْلإتْقَانِ كانَ مُفضَّلا وذلك أن حفصًا كان ابن زوجة شيخه عاصم بن أبي النجود، وكان معه في دار واحدة. (٣) قال الزرقاني: وأما حفص فهو أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز كان ربيب عاصم، تربى في حجره وقرأ عليه وتعلم منه كما يتعلم الصبي من معلمه، فلا جرم كان أدق إتقانًا من شعبة. توفي سنة ١٨٠ هـ ثمانين ومائة. (٤) الوجه العاشر: استحالة اجتماع الأمة على رواية حفص وهو غير ضابط لها لأن الأمة لا تجتمع إلا على الحق. * * *

стр. 2602

مَوْسُوعَةُ مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ اللِئَامِ تَألِيفُ أَحْمَد بن سُلَيْمَانِ أَيُّوب وَنُخْبَة مِن البَاحِثِينَ فِكْرَةُ وَإشْرَافُ د. سُلَيْمَان الدّريع المُجَلّدُ الخَامِسُ شُبُهَاتُ عَنِ القُرْآن وَعُلُومِهِ دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع

стр. 2603

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2604

مَوْسُوعَةُ مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ اللِئَامِ (٥)

стр. 2605

حُقُوق الطبع مَحفُوظة الطَّبْعَةُ الأُولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دَارُ العِلمِ للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ١١٥٨٩٨٠٥٨٠.

стр. 2606

تابع شبهات علوم القرآن

стр. 2607

٢٠ - شبهات جمع القرآن . الباب الأول: مقدمة جمع القرآن. وتشتمل على عدة مباحث: المبحث الأول: بيان معنى جمع القرآن الكريم. المبحث الثاني: كيف حفظ الله القرآن؟ المبحث الثالث: مراحل جمع القرآن، والفرق بين كل مرحلة. الباب الثاني: الرد على الشبهات. الفصل الأول: الطعن في الإجماع على جمع القرآن. الشبهة الأولى: عدم مشاركة علي بن أبي طالب ﵁ في الجمع. الشبهة الثانية: اعتراض ابن مسعود على كيفية جمع القرآن في عهد عثمان ﵁. الشبهة الثالثة: حرق المصاحف، واختلاف مصاحف الصحابة. الفصل الثاني: الطعن في التوثيق في صحة الجمع. الشبهة الأولى: لماذا لم يُجمع القرآن في عهد النبي ﷺ ؟ الشبهة الثانية: لم يَجمع القرآن إلا أربعة. الشبهة الثالثة: حول اختلاف ألحان العرب في المصاحف، وألحان اللغات. الشبهة الرابعة: حول أول من جمع القرآن. الشبهة الخامسة: تخطئة ابن عباس، وعائشة، وسعيد بن جبير للكُتَّاب. الفصل الثالث: شبهات تطعن في سقوط شيء من القرآن: الشبهة الأولى: شبهة قتل القُرَّاء. الشبهة الثانية: سورتي الخلع والحفد. الشبهة الثالثة: آية الرجم. الشبهة الرابعة: آيتي التوبة والأحزاب. الشبهة الخامسة: شبهة لو أن لابن آدم واديًا. الشبهة السادسة: محو ابن مسعود المعوذتين والفاتحة من المصحف. وإليك التفصيل

стр. 2608

الباب الأول: مقدمة جمع القرآن . المبحث الأول: بيان معنى جمع القرآن الكريم . معنى الجمع في اللغة: الجَمْع: مصدر الفعل "جَمَع"، قال الراغب الأصفهاني: الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضِهِ من بعض، يقال: جمعته فاجتمع (١). وقال ابن منظور: جَمَعَ الشيءَ عن كل تفرقة يجمعه جمعا، واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع، وجمعت الشيء: إذا جئت به من ههنا وههنا، وتجمَّع القوم: اجتمعوا أيضًا من ههنا وههنا (٢). قال ابن فارس: الجيم والميم والعين أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على تضامِّ الشيء (٣). معنى جمع القرآن في الاصطلاح ؛ يطلق جمع القرآن: تارة على حفظه في الصدور، وتارة على كتابته. (٤) ثم إن علماء الشرع أطلقوا جمع القرآن على أربعة معانٍ؛ وهي: ١ - حفظ القرآن في الصدور. ٢ - تأليف سور القرآن الكريم. ٣ - تأليف الآيات في السورة الواحدة من القرآن الكريم. ٤ - كتابة القرآن الكريم في الصحف والمصاحف. أما الإطلاق الأول؛ فقد حصل في عصر النبي ﷺ حيث حفظ القرآنَ الكريمَ عن ظهر قلبٍ النبيُّ ﷺ وجمعٌ من أصحابه ﵃، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ (٥).

стр. 2609

وعن قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَىٌّ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قُلْتُ لأَنَسِ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي. (١) وأما الإطلاقان الثاني والثالث، فقال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة ﵃. وأما الجمع الآخر؛ فضمُّ الآي بعضها إلى بعضٍ، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيءٌ تولَّاه رسول الله ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه (٢). وأما الإطلاق الرابع، فيتضمن مرحلتين: الأولى جمع متَفَرِّقِهِ في صحفٍ، وهو ما حدث في عصر الصِّدِّيق. والثانية: جمع تلك الصحف في مصحفٍ واحدٍ، وهو ما حدث في عصر عثمان بن عفان (٣). المبحث الثاني: كيف حفظ الله القرآن ؟ والجواب أن الله حفظ القرآن بعدة أمور منها: الأول: العناية بحفظ كتاب الله تعالى في السماء ثم في الأرض . أولا: حفظ القرآن الكريم في السماء: لقد حظي كتاب الله بالحفظ والعناية منذ أن كان في السماء حيث أودعه الله كتابًا مكنونًا، وأقسم الله تعالى على هذه الحقيقة بقسم عظيم فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠]، وقال : ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].

стр. 2610

﴿فِي صُحُفٍ﴾ يتعلق بقوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن. (١) يعني: أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عند الله ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السماء. أو مرفوعة المقدار ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ منزهة عن أيدي الشياطين، لا يمسها إلا أيدي ملائكة مطهرين (٢)، وذلك كله حفظ من الله لكتابه. (٣) ويؤكد الله تعالى وصفه بكونه محفوظًا في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. من التغيير والزيادة والنقص، ومحفوظ من الشياطين، وهو: اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء، وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته، ورفعة قدره عند الله تعالى، والله أعلم (٤). ثانيًا: حفظ القرآن الكريم في طريقه إلى الأرض: لما بيَّن تعالى كمال القرآن وجلالته، نزَّهه عن كل صفة نقص، وحماه - وقت نزوله، وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس فقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لهُمْ﴾ أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قد أُبعِدوا عنه، وأعدت لهم الرجوم لحفظه، ونزل به جبريل ﵇، أقوى الملائكة، الذي لا يقدر شيطان أن يقربه، أو يحوم حول ساحته، وهذا كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥). فحفِظه بالحرس الأقوياء من الملائكة، وبالكواكب التي تحرق وتمنع من أراد استراق السمع قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠]، يخبر تعالى عن

стр. 2611

الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئَت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن. فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه وقال : ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٧ - ١٠]. ثالثًا: حفظ القرآن الكريم على الأرض والعناية بحفظه في عهد النبي ﷺ -: لقد حفظ الله القرآن الكريم على الأرض بواسطة رسول الله ﷺ الذي استقبله فأحسن الاستقبال، وحفظه أتم حفظ، وقام به خير قيام، وبلَّغه أحسن بلاغ والشواهد على ذلك كثيرة منها: ١ - بلغ من حرص النبي ﷺ على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته؛ وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته، وجبريل في هبوطه عليه بقوته، يفعل الرسول كل ذلك استعجالا لحفظه وجمعه في قلبه، مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره، وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه. عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه. فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما؛ فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)

стр. 2612

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه (١). قال ابن كثير: هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملَك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. ثم قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا (٢). ٢ - إخبار الله ووعده للنبي ﷺ ، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] (٣). ٣ - حرص النبي ﷺ على تلاوة القرآن الكريم وترتيله في كل أوقاته، فكان يحيي الليل بتلاوة آيات القرآن في الصلاة عبادةً، وتلاوةً، وتدبرًا لمعانيه، حتى تفطرت قدماه الشريفتان (٤) من كثرة القيام امتثالًا لأمر الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ

стр. 2613

أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]. ٤ - مدارسة جبريل ﷺ القرآن للرسول ﷺ ومع تكفل الله للنبي ﷺ بحفظه وجمعه في صدره حتى لا يضيع منه شيء، فإن جبريل ﷺ لم يكتف بتبليغ الرسول ﷺ القرآن، بل كان يقرأه النبي ﷺ على جبريل ﷺ في كل عام مرة حتى يزداد ثبات قلب النبي ﷺ به، وليطمئن جبريل ﷺ أكثر على ما بلغه به. أخرج البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ أجودَ الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يَعْرِضُ عليه رسولُ الله ﷺ القرآنَ، فإذا لقيه جبريلُ كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة". (١) وعندما دنا أجل النبي ﷺ عارضه جبريل بالقرآن مرتين. فعن عائشة، عن فاطمة: "أسَرّ إليَّ النبيُّ ﷺ أن جبربل يُعارضُني بالقرآن كلَّ سنة، وأنَّه عارضني العام مرتين، ولا أُراهُ إلّا حضر أجلي" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان يَعْرضُ على النبي ﷺ القرآن كل عام مرةً، فعرضَ عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كلَّ عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبض" (٣). ٥ - قراءة النبي ﷺ القرآن على غيره من الصحابة. عن أنس بن مالك ﵁: "قال النبي ﷺ لأُبيٍّ: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: وسماني؟ قال "نعم" قال، فبكى"، وفي لفظ قال: "الله سماني لك؟ قال: "الله سماك" فجعل أبيٌّ يبكي". (٤) ٦ - تعليم النبي ﷺ القرآن بنفسه؛ فقد باشر النبي ﷺ تعليم المسلمين القرآن بنفسه، وأمره الله بأن يقرأه على الناس على مُكْثٍ، أي: تؤدَة وتمهل؛ كي يحفظوا لفظه ويفقهوا معناه. كما قال تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].

стр. 2614

وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: والله لقد أَخذتُ من في رسولِ الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة (١). وعنه أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ وأنْزِلتْ عليه والمرسلات، وإنا لنتلقَّاها من فِيه (٢). وعن ابن عمر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن، فإذا مَرّ بسجود القرآن سجد وسجدنا معه" (٣). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن"، وفي رواية ابن رُمْح "كما يُعَلِّمنا القرآن" (٤). وعن جابر بن عبد الله ﵃ قال: "كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمور كما يُعَلِّمُنا السورة من القرآن". (٥) ومن هنا كان النبيُّ ﷺ جامع القرآن في قلبه الشريف، وسيد الحفاظ في عصره المنيف، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن، وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه، وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة (٦). ٧ - الحث على تعلم القرآن وتعليمه: القرآن صفة من صفات الله ﵎، وهو كلامه الذي خاطب به نبينا محمدًا ﷺ ، ولا يزال خطابه مستمرًا لنا، ومن هنا تنبع أهميته. ورتب الله الأجر العظيم والجزاء الجزيل على تلاوة القرآن، وعلى تدبره، وعلى تعلمه وتعليمه. فعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٧).

стр. 2615

قال ابن كثير: وقد كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُلَمِي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج، قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة ﵀، وأثابه، وآتاه ما طلبه ورامه آمين (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٢). ٨ - الترغيب في حفظ القرآن عن ظهر قلب: وإذا ثبتت الفضيلة لقاريء القرآن فلا شك أن حفظ القرآن عن ظهر قلب أعلى مرتبة وأشرف منزلة؛ لأن القرآن قد استقر في قلب حافظه، يقرؤه في كل مكان وزمان لا يشعر من حوله بقراءته، فيسلم بإذن الله من الوقوع في الرياء. عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي يقرأ القرآن - وهو حافظ له - مع السفرة الكرام البررة" (٣). ٩ - تشجيعه ﷺ على تلاوة القرآن وحفظه: لمَّا كان ﷺ مهتمًا بتلاوة القرآن وحفظه - وكان ذلك شغله الشاغل - وجَّه أتباعه إلى ذلك، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على ذلك. منها قوله ﷺ : "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (٤). وقوله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأ بها" (٥).

стр. 2616

وقوله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (١)، وقوله ﷺ : "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" (٢). ١٠ - أمره ﷺ لمن حفظ القرآن أن يتعاهده حتى لا يتفلت منه: فكما أمر ورغب ﷺ في حفظ القرآن - كما سبق - أمر ﷺ بتعهد القرآن ومراجعة حفظه باستمرار، حتى لا يتفلت ويُنسى، ومما ورد في ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه عنه ابن عمر ﵁: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المُعَقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" (٣)، وفي رواية لمسلم من حديث موسى بن عقبة ﵁: "وإذا قام صاحب القرآن فقراه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه" (٤). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كَيت وكَيت، بل هو نُسِّي، استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًّا من صدور الرجال من النَّعَمِ بعقلها". (٥) (أي: تفلُّتًا وتخلصًا). (٦) ١١ - ترغيبه ﷺ بتحسين الصوت بالقراءة: حُسن الصوت بالقراءة مطلوب، وتزيين الصوت بالقراءة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ولكن ينبغي ألا يتجاوز هذا التحسين الحد المطلوب، ومما ثبت عن الرسول ﷺ في الحث على تحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" (٧).

стр. 2617

وعن أبي بُرْدة، عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا أبا موسى لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود" (١). وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم فيه حِرص النبي ﷺ على استماع القراءة بالصوت الحسن، فعن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى، لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود (٢). ولقد كان صوته ﷺ حسنًا؛ بل أحسن الأصوات بقراءة القرآن الكريم، وذلك كما جاء في رواية البراء ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ قرأ في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فما سمعت أحدًا أحسن منه صوتًا" (٣). ١٢ - حرص الصحابة ﵃ على كثرة قراءته: كان النبي ﷺ يتلو الآيات على الصحابة ﵃ فور نزولها، وكانوا يحفظونها ويتلونها في الصلوات ومختلف العبادات مرارًا وتكرارًا في آناء الليل وأطراف النهار. كما في قصة تزويج عمرو بن العاص لابنه عبد الله وفيه أن النبي ﷺ سأله قائلا: "كيف تصوم؟ " قال: قلت: أصوم كل يوم. قال: "وكيف تختم؟ " قال: كل ليلة، قال: "صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر"، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام في الجمعة" قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة"، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي ﷺ عليه" (٤).

стр. 2618

ولعل نهي الرسول ﷺ هذا بسبب أنه يخشى على أمته من الملل، فإذا طال العمر دبَّ الوهن إلى جسم الإنسان وقد يصيبه الفتور، ولكن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. ومما يدل على أن الرسول ﷺ إنما نهى عن الإسراع في القراءة خوفًا على أتباعه من الملل، ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" (١). ١٣ - حرص الصحابة على تعلم القرآن من النبي ﷺ وتلاوته وتعليمه: فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم يستقرئون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يُخلِّفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل، فتعلّمنا القرآن والعمل جميعًا (٢). وكان الصحابة ﵃ إذا عجز أحدهم عن تفريغ وقت لتحصيل القرآن الكريم مباشرة من فم رسول الله ﷺ أناب عنه من يحصل عنه. فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوبُ النزولَ على رسول الله ﷺ ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلتُ جئتهُ بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعلَ مثل ذلك. (٣) وكان من نتيجة ذلك أنْ كَثُرَ الحفاظ في عهد النبي ﷺ . وكانوا يعرضون على النبي ﷺ القرآن ويقرؤونه عليه، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ عليَّ، قلتُ: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: فإني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: أمسك، فإذا عيناه تذرفان" (٤).

стр. 2619

وكان مسجده ﷺ عامرًا بتلاوة القرآن يضج بأصوات الحفاظ فأمرهم ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا (١). عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن (٢). وكان كل حافظ للقرآن ينشر ما حفظه، ويعلمه للأولاد والصبيان والذين لم يشهدوا نزول الوحي، امتثالًا لأمره ﷺ : "بَلِّغوا عني ولو آية" (٣)، فشاع حفظه بين الرجال والنساء، حتى إن المرأة المسلمة كانت ترضى سورة من القرآن أو أكثر مهرًا لها، ومما ورد في ذلك حديث سهل بن سعد ﵁ قال: "أتت النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله ﷺ ، فقال: ما لي في النساء من حاجة، فقال رجل: زوجنيها، قال: أعطها ثوبًا، قال لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلَّ له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال فقد زوجتكها بما معك من القرآن" (٤). وخير دليل على كثرة الحفاظ في زمن الرسول ﷺ أنه قُتل منهم في بئر معونة المعروفة بـ "سرية القراء" سبعون رجلًا (٥)، كما قُتل منهم يوم اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ سبعون قارئًا، وذكر أبو عبيد في كتابه "القراءات" عددًا كبيرًا من القراء أصحاب النبي ﷺ ، فذكر كثيرًا من المهاجرين، وكثيرًا من الأنصار، وبعض أزواج النبي ﷺ (٦). وقد حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب جم غفير من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود،

стр. 2620

وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، ومجمَّع بن جارية، وأبو زيد الأنصاري، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم من الصحابة ﵃ (١). هؤلاء بعض من عُرفوا واشتهروا ومن لم يُعرف أكثر وأكثر. فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ، وَذَكْوَانُ، وَعُصَيَّةُ، وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصارِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ، حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَبَنِي لِحْيَانَ (٢). وثبت أنه قُتل في وقعة اليمامة كثير من القراء، ويدل على ذلك قول عُمَرَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ (٣). لم يكن هم الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب؛ بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى المراد، وتدبر الآيات، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب. قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. (٤) ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، وهذا هو السر فيما رُوي أن ابن عمر ﵄ أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين (٥). ويتبين من هذا أن الله حفظ القرآن على الأرض بواسطة رسول الله ﷺ ، ثم أصحابه رضوان الله عليهم، والتابعين، وكافة المؤمنين بعد ذلك.

стр. 2621

رابعًا: ثبوت القرآن مكتوبًا في عهد النبي ﷺ -. كتابة القرآن الكريم: كانت الكتابة قليلة بين أصحاب النبي ﷺ ولكن ثبت أن عددًا منهم تعلموا القراءة والكتابة، وكتبوا القرآن، فمنهم من كتب صحيفة لنفسه، وتجردت منهم طائفة لكتابة القرآن الكريم في حياة الرسول ﷺ وهم كَتَبة الوحي الذين أرصدهم لذلك، ومن أشهر هؤلاء؛ بل هو إمام الكُتَّاب وسيدهم: زيد بن ثابت ﵁، فقد ثبت عن البراء: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ : "ادع لي زيدًا، وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة" ثم قال: "اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ " (١). وفي الصحيح كذلك أن أبا بكر وعمر ﵄ اختاراه لجمع القرآن وكتابته. قال زيد ﵁: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه (٢). قال ابن حجر ﵀: نعم قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ جماعة غير زيد بن ثابت. أما بمكة فلجميع مما نزل بها؛ لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة، أي أن جميع ما نزل قبل الهجرة كتبه كتاب آخرون غير زيد الأنصاري المدني الذي أسلم بالمدينة. وقال ابن حجر: وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه: الكاتب بلام العهد. . . وقد كتب له قبل زيد بن ثابت: أبيُّ بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له من قريش بمكة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبَّان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشُرَحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن رواحة ﵃. (٣) ومن كلام ابن حجر هذا يتبين لنا كثرة عدد من كتب للنبي ﷺ .

стр. 2622

ومزيدًا في التحفظ، والاحتياط للقرآن، ولئلا يختلط به غيره من الكلام نهى ﷺ عن كتابة شيء عنه غير القرآن الكريم: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمْحه، وحدثوا عني ولا حرج" (١). قال ابن كثير: أي لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن ما أداه الرسول ﷺ إليهم إلا وقد بلغوه إلينا ولله الحمد والمنة (٢). ومزيدًا في التحري والدقة في الكتابة مراجعته ﷺ للكُتَّاب بعد كتابتهم لما ينزل، قال زيد بن ثابت ﵁: "كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ وهو يُملي عليَّ، فإذا فرغتُ، قال: اقرأه، فأقرأه، فإن كان فيه سقط أقامه" (٣). ومما يدل على أن القرآن كان مكتوبًا في العهد النبوي ما ورد من الأحاديث الدالة على وجود القرآن الكريم مكتوبا في عهد النبي ﷺ . ومن ذلك، حديث ابن عمر ﵃ "أن رسول الله ﷺ نهى أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو" (٤). وفي لفظ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمنُ أن يناله العدو" (٥). وغير ذلك من الأخبار الدالة على أن القرآن الكريم كان مكتوبا في عهده ﷺ . الأمر الثاني: خصائص للقرآن دعت إلى حفظه . ولعل من أبرز دواعي حفظه - غير تكفل الله بحفظه - ما يلي:

стр. 2623

١ - سهولة حفظ القرآن الكريم وتيسيره، فكان من رحمة الله على خلقه أن يسر لهم حفظ القرآن الكريم، ليجعل من ذلك سببًا مانعًا من ضياع شيء منه، فكما قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فقد قال أيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] (١). ٢ - مجيء القرآن الكريم معجزًا متميزًا في نظمه، فريدًا في أسلوبه، لا يطاوله كلام البلغاء، ولا تدنو منه فصاحة الفصحاء، وكان الصحابة ينتظرونه بشغف ويتمنون أن يتلقوه فور نزوله، كما كان أعداء الرسول ﷺ يحرصون على سماعه، إما للبحث عن نقط ضعف فيه تعينهم على مغالبته أو مهاجمته، وإما لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي، ويمكننا أن نتصور إذن مدى الاهتمام الذي كان يثيره القرآن في نفوس المؤمنين والكافرين على السواء. (٢) ٣ - تشريع قراءة القرآن الكريم في الصلاة فرضًا كانت أم نفلًا، سرًّا أم جهرًا، مما جعلهم يحرصون على حفظ القرآن الكريم لأداء هذه العبادة. عن حذيفة ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلى بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مَرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع" (٣). ٤ - ارتباط القرآن الكريم بالتشريعات؛ فإن كثيرًا من آياته تحوي أحكامًا في العبادات: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأحكامًا في المعاملات كالبيع والشراء والدَّين، وأحكاما في سائر أمور الحياة، فلا بد أن يستظهروه ليعملوا بمقتضاه (٤).

стр. 2624

مما سبق يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أن القرآن أصبح مظهرًا عظيمًا من مظاهر المجتمع الإسلامي ملأ على المسلمين حياتهم، يتلونه آناء الليل وآناء النهار في صلواتهم، وخلواتهم، ويحتكمون إليه في معاملاتهم، ويورثونه لمن بعدهم جيلًا بعد جيل. فعن الأعمش، قال: مر أعرابي بعبد الله بن مسعود، وهو يقريء قومًا القرآن، أو قال: وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ (١). وعن أبي هريرة ﵁: أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله يقسم وأنتم ها هنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه، قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا يا أبا هريرة: فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئًا يقسم، فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدًا، قالوا: بلى رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرأون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم فذاك ميراث محمد ﷺ (٢). وبهذا نستطيع أن نقول: إن القرآن لم تتوقف تلاوته، ولم تنقطع كتابته على وجه الأرض يومًا أو بعض يوم منذ أنزله الله وشرع قراءته في الصلاة؛ فهو يتلى آناء الليل وآناء النهار، في المحاريب والكتاتيب، ويدون بالمحابر والدفاتر، فأنَّى له أن يصير منه حرف في نطاق العدم أو تزل به قدم. الأمر الثالث: طرق تحمل القرآن في أعلى درجات التوثيق . وطرق الأخذ والتحمل تأتي على أنواعٍ، ذكر المحدثون أنها ثمانية وهي باختصار: السماع من لفظ الشيخ، القراءة على الشيخ، الإجازة، المناولة، المكاتبة، الإعلام، الوصية، الوجادة. ولكل واحد من هذه الأقسام عند علماء الحديث مبحث خاص وأمثلة ليس هذا محل ذكرها.

стр. 2625

والذي يعني القراء من هذه الأقسام ثلاثة وهي: السماع من لفظ الشيخ، والقراءة على الشيخ، والإجازة وهو ما سنوضحه إن شاء الله تعالى. الأول: العرض على الشيخ . وهو قراءة الطالب على الشيخ، وعرض القارئ على المقرئ (١). وهو سنة عن رسول الله ﷺ كما ثبت في الحديث "أنه ﷺ كان يقرأ على جبريل ويعارضه القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه القرآن مرتين" (٢). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ. قَالَ: الله سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: الله سَمَّاكَ لِي. قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي" (٣). قال أبو عبيد: معنى هذا الحديث عندنا أن رسول الله ﷺ إنما أراد بذلك العرض على أُبَيٍّ أن يتعلم منه القراءة ويتثبت فيها، وليكون عرض القرآن سنة، وليس هذا على أن يستذكر النبي ﷺ منه شيئًا بذلك العرض (٤). وعرض عبد الله بن مسعود ﵁ على رسول الله ﷺ حينما طلب منه الرسول ﷺ أن يقرأ عليه كما تقدم. قال أبو عبيد: وإنما نرى القراء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها، ثم تمسكوا بما علموا منها مخافة أن يزيغوا عما بين اللوحين بزيادة أو نقصان، ولهذا تركوا سائر القراءات التي تخالف الكتاب، ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربية فيها إذا خالف ذلك خط المصحف،

стр. 2626

وإن كانت العربية فيها أظهر بيانا من الخط، ورأوا تتبع حروف المصاحف، وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها (١). وعرض آخرون من الصحابة على رسول الله ﷺ ذكرهم الذهبي في طبقاته (٢). وهكذا فإن من طالع كتب تراجم القراء يرى أن منهج العرض هو منهج الطلبة النابهين، والقراء المنتهين فلا يعدلون به عن السماع من الشيخ إلا عند تعذره كأن يكون الشيخ على سفر أو ازدحم عليه الطلبة. الثاني: السماع من لفظ الشيخ . وهو أن يقرأ الشيخ، والطالب يستمع، وبهذه الطريق تلقى رسول الله ﷺ القرآن عن جبريل ﵇ عن الله ، فكان جبريل يقرأ ورسول الله ﷺ يستمع فإذا فرغ جبريل أعاد رسول الله ﷺ ما سمع عرضًا على جبريل، فتحصل له مرتبتان: مرتبة الاستماع للفظ الشيخ، ومرتبة العرض والقراءة على الشيخ. وطريق كهذا هو في أعلى مراتب الأخذ والتحمل. قال تعالى مبينا كيفية تلقي نبيه للقرآن: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]، وكان ﷺ يتلو ما نزل عليه على أصحابه ويعلمهم إياه قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. وقد تقدم قول عبد الله بن عباس ﵃ في تأويل قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾.

стр. 2627

ولا تعارض بين ما اختاره القراء من تقديم طريقة العرض على الشيخ وبين صنيع رسول الله ﷺ في تعليم أصحابه وإقرائهم ما نزل عليه وتلقي بعض التابعين عن طريق التلقين والسماع من الشيخ. فأصحاب رسول الله ﷺ كانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء ومحاكاة رسول الله ﷺ في كل ما سمعوا منه؛ لأنهم هم الذين نزل القرآن بلغتهم (١). فلما فسد اللسان وغلبت العجمة، وتعذر مع التلقين أن يأتي الطالب للقراءة بالكيفية والهيئة التي سمع من الشيخ إلا بعد دربة ومران وجهد رجح علماء القراءات العرض على السماع. قال ابن الجزري: ولا يجوز له أن يقرئ إلا بما سمع أو قرأ. فإن قرأ الحروف المختلف فيها أو سمعها؛ فلا خلاف في جواز إقرائه القرآن العظيم بشرط أن يكون ذاكرًا كيفية تلاوته به حال تلقيه من شيخه مستصحبًا ذلك. الثالث: الإجازة . وهي: إذْنُ الشيخ للطالب في الرواية عنه مروياته التي لم يقرأها ولم يسمعها منه (٢). وهي أنزل من طريقي العرض والسماع بلا خلاف. قال ابن الجزري: جوز العمل بها الجعبري مطلقًا، قال: وعندي أنه لا يخلو إما أن يكون تلا بذلك، أو سمعه؛ فأراد أن يعلي السند، أو يكثر الطرق فجعلها متابعة، أولا؛ فإن كان فجائز حسن، فعل ذلك العلامة أبو حيان في كتابه التجريد وغيره عن أبي الحسن ابن البخاري وغير متابعة. ومنعها من القراء: الحافظ أبو العلاء الهمذاني وجعله من أكبر الكبائر، قال القسطلاني: كأنه أراد بذلك المنع إن لم يكن الشيخ أهلا؛ لأن في القراءات أمورا لا تحكمها إلا المشافهة. قلت: ما ذهب إليه الحافظ ابن الجزري من تقييد جواز الرواية بها بكمال الأهلية هو

стр. 2628

الصواب، فإن من أحكم القراءة، وأتقن الرواية، وضبط الخلاف، وعُرف عنه التمكن في ذلك إن طلب الإجازة ممن لم يقرأ عليه أو قرأ عليه البعض ولم يكمل ليعلو إسناده أو لتكثر طرقه فله أن يروي بها متى أجيز. وقد اقتصر علماء القراءات على هذه الأنواع الثلاثة من طرق الأخذ والتحمل دون غيرها مما ذكره علماء الحديث، وإن وجد فلا اعتداد به ولا اعتبار له عندهم ولم يأخذوا به (١). هذا وإن المطالع لمقدمات كتب القراءات المعتبرة الجامعة للروايات والطرق التي تلقى بها أولئك الأئمة يقف مشدودا أمام ذلك الكم الهائل من الأسانيد التي أحيطت بالعناية والرعاية حتى تصل إلى منتهاها؛ بل إن علماء القراءات ما زالوا يحتفظون بأسانيدهم المتصلة إلى الرسول ﷺ حتى الآن. ومثل هذا التحري يقال في التحريرات أيضًا؛ لأنّ المحررين مجمعون على تواتر ما في كتاب النشر جملة إلّا أنّ حرصهم على عدم الخلط بين الروايات والطرق جعلهم يختلفون في بعض المسائل، وهذا يدلّ على بلوغهم أعلى مراتب الحرص والاعتناء بالقرآن الكريم ولا يزيد ذلك إلّا شرفًا للأمّة المحمدية، ولا شكّ أنّ المبالغة في الاعتناء أولى من التساهل. المبحث الثالث: مراحل جمع القرآن، والفرق بين كل مرحلة . جُمِع القرآن ثلاث مرات وهي: المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد النبي ﷺ -. كتب القرآن كله في عهد رسول الله ﷺ لكن لم يجمع في موضع ولم ترتب سوره. قال الحاكم: جُمع القرآن ثلاث مرات. إحداها: بحضرة النبي ﷺ ، ثم أخرج بسنده عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، نؤلف القرآن من الرقاع. الحديث (٢).

стр. 2629

قال البيهقي: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللِّخَاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف، في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان ﵁ على ما رسم المصطفى ﷺ ، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى رفيقه الأعلى إلا والقرآن كله كان مكتوبًا، مرتب الآيات في سورها، غير أنه لم يكن مرتب السور، ولا مجموعًا في مصحف واحد، ولا موجودًا في مكان واحد، بل كان مفرقًا لدى الصحابة، وكان ذلك لما كان يتوقع من نزول ناسخٍ لآية حكمًا أو تلاوة (١). المرحلة الثانية: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق . لما تُوفي الرسول ﷺ سار خلفاؤه الراشدون على منهجه واستنوا بسنته، وسلكوا طريقته في العناية بالقرآن الكريم، واتجهت جهودهم أفرادًا وجماعات للعناية بالقرآن الكريم، ومن ذلك جمعه وترتيبه وكان ذلك في عهدَيّ أبي بكر الصديق ﵁، وعثمان بن عفان ﵁. تاريخ هذا الجمع: وكان هذا الجمع بعد معركة اليمامة، في السنة الثانية عشر من الهجرة. وتدلنا الروايات التي وردت حول وقعة اليمامة وحديث جمع القرآن الكريم على مدى العناية والاهتمام من الصحابة ﵃ بالقرآن الكريم، فكان حفظ القرآن الكريم شعارًا لهم في وقعة اليمامة، حيث كانوا يتنادون به، ويشجعون أنفسهم أمام قوة عدوهم بعبارات تدل على حفظهم للقرآن الكريم، وكان شعار أصحاب النبي ﷺ يوم مسيلمة (يا أصحاب سورة البقرة) (٢). وعن سالم مولى أبي حذيفة، أنه كان معه لواء المهاجرين يوم اليمامة، فقيل له: إنا نخاف عليك. كأنهم يعنون الفرار، فقال: "بئس حامل القرآن أنا إذًا" (٣). وقول أبي حذيفة: "يا أهل القرآن: زينوا القرآن بالفعال" (٤).

стр. 2630

فدلَّ ذلك على مدى اهتمامهم بالقرآن الكريم حيث جعلوه من أولويات عملهم، وهذا الحرص من الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتصر على عهد رسول الله ﷺ ، بل تعداه وأشد إلى ما بعد وفاته ﷺ . بواعث الجمع وأسبابه: بعدما تولى أبو بكر ﵁ إمارة المسلمين واجهته أحداث جسيمة، خصوصًا ما كان من قِبَلِ أهل الردة، وما دار بعد ذلك من حروب طاحنة ومعارك عنيفة، خصوصًا ما كان في موقعة اليمامة. حيث استشهد فيها عدد كبير من الصحابة، منهم أكثر من سبعين من قراء الصحابة، فاشتد ذلك على الصحابة، ولا سيما على عمر ﵁ فاقترح على أبي بكر ﵁ أن يجمع القرآن خشية ضياعه بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر لأول الأمر ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر ﵁، فكان هو أول من جمع القرآن بين اللوحين وكان أحد الذين حفظوا القرآن كله ويتضح ذلك من الحديث الذي صح عن زيد بن ثابت ﵁ وكان من كُتَّاب الوحي، وقال فيه: "أَرْسَلَ إِليَّ أَبُو بكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ، فقالَ أبو بكرٍ: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامةِ بالنّاس، وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن، فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمعَ القرآن. قال أبو بكر قلتُ لعمرَ: كيفَ أفعلُ شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ . فقال عمرُ: هو والله خيرٌ. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك رجلٌ شابٌ، عاقلٌ، ولا نتهمك، كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله ﷺ . فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر. فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسُبِ، وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع
следующие страницы →