وإن كانت العربية فيها أظهر بيانا من الخط، ورأوا تتبع حروف المصاحف، وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها (١).
وعرض آخرون من الصحابة على رسول الله ﷺ ذكرهم الذهبي في طبقاته (٢).
وهكذا فإن من طالع كتب تراجم القراء يرى أن منهج العرض هو منهج الطلبة النابهين، والقراء المنتهين فلا يعدلون به عن السماع من الشيخ إلا عند تعذره كأن يكون الشيخ على سفر أو ازدحم عليه الطلبة.
الثاني: السماع من لفظ الشيخ .
وهو أن يقرأ الشيخ، والطالب يستمع، وبهذه الطريق تلقى رسول الله ﷺ القرآن عن جبريل ﵇ عن الله ، فكان جبريل يقرأ ورسول الله ﷺ يستمع فإذا فرغ جبريل أعاد رسول الله ﷺ ما سمع عرضًا على جبريل، فتحصل له مرتبتان:
مرتبة الاستماع للفظ الشيخ، ومرتبة العرض والقراءة على الشيخ.
وطريق كهذا هو في أعلى مراتب الأخذ والتحمل. قال تعالى مبينا كيفية تلقي نبيه للقرآن: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]، وكان ﷺ يتلو ما نزل عليه على أصحابه ويعلمهم إياه قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وقد تقدم قول عبد الله بن عباس ﵃ في تأويل قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾.
стр. 2627
ولا تعارض بين ما اختاره القراء من تقديم طريقة العرض على الشيخ وبين صنيع رسول الله ﷺ في تعليم أصحابه وإقرائهم ما نزل عليه وتلقي بعض التابعين عن طريق التلقين والسماع من الشيخ.
فأصحاب رسول الله ﷺ كانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء ومحاكاة رسول الله ﷺ في كل ما سمعوا منه؛ لأنهم هم الذين نزل القرآن بلغتهم (١).
فلما فسد اللسان وغلبت العجمة، وتعذر مع التلقين أن يأتي الطالب للقراءة بالكيفية والهيئة التي سمع من الشيخ إلا بعد دربة ومران وجهد رجح علماء القراءات العرض على السماع.
قال ابن الجزري: ولا يجوز له أن يقرئ إلا بما سمع أو قرأ. فإن قرأ الحروف المختلف فيها أو سمعها؛ فلا خلاف في جواز إقرائه القرآن العظيم بشرط أن يكون ذاكرًا كيفية تلاوته به حال تلقيه من شيخه مستصحبًا ذلك.
الثالث: الإجازة .
وهي: إذْنُ الشيخ للطالب في الرواية عنه مروياته التي لم يقرأها ولم يسمعها منه (٢). وهي أنزل من طريقي العرض والسماع بلا خلاف.
قال ابن الجزري: جوز العمل بها الجعبري مطلقًا، قال: وعندي أنه لا يخلو إما أن يكون تلا بذلك، أو سمعه؛ فأراد أن يعلي السند، أو يكثر الطرق فجعلها متابعة، أولا؛ فإن كان فجائز حسن، فعل ذلك العلامة أبو حيان في كتابه التجريد وغيره عن أبي الحسن ابن البخاري وغير متابعة. ومنعها من القراء: الحافظ أبو العلاء الهمذاني وجعله من أكبر الكبائر، قال القسطلاني: كأنه أراد بذلك المنع إن لم يكن الشيخ أهلا؛ لأن في القراءات أمورا لا تحكمها إلا المشافهة.
قلت: ما ذهب إليه الحافظ ابن الجزري من تقييد جواز الرواية بها بكمال الأهلية هو
стр. 2628
الصواب، فإن من أحكم القراءة، وأتقن الرواية، وضبط الخلاف، وعُرف عنه التمكن في ذلك إن طلب الإجازة ممن لم يقرأ عليه أو قرأ عليه البعض ولم يكمل ليعلو إسناده أو لتكثر طرقه فله أن يروي بها متى أجيز.
وقد اقتصر علماء القراءات على هذه الأنواع الثلاثة من طرق الأخذ والتحمل دون غيرها مما ذكره علماء الحديث، وإن وجد فلا اعتداد به ولا اعتبار له عندهم ولم يأخذوا به (١).
هذا وإن المطالع لمقدمات كتب القراءات المعتبرة الجامعة للروايات والطرق التي تلقى بها أولئك الأئمة يقف مشدودا أمام ذلك الكم الهائل من الأسانيد التي أحيطت بالعناية والرعاية حتى تصل إلى منتهاها؛ بل إن علماء القراءات ما زالوا يحتفظون بأسانيدهم المتصلة إلى الرسول ﷺ حتى الآن.
ومثل هذا التحري يقال في التحريرات أيضًا؛ لأنّ المحررين مجمعون على تواتر ما في كتاب النشر جملة إلّا أنّ حرصهم على عدم الخلط بين الروايات والطرق جعلهم يختلفون في بعض المسائل، وهذا يدلّ على بلوغهم أعلى مراتب الحرص والاعتناء بالقرآن الكريم ولا يزيد ذلك إلّا شرفًا للأمّة المحمدية، ولا شكّ أنّ المبالغة في الاعتناء أولى من التساهل.
المبحث الثالث: مراحل جمع القرآن، والفرق بين كل مرحلة .
جُمِع القرآن ثلاث مرات وهي:
المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد النبي ﷺ -.
كتب القرآن كله في عهد رسول الله ﷺ لكن لم يجمع في موضع ولم ترتب سوره.
قال الحاكم: جُمع القرآن ثلاث مرات. إحداها: بحضرة النبي ﷺ ، ثم أخرج بسنده عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، نؤلف القرآن من الرقاع. الحديث (٢).
стр. 2629
قال البيهقي: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللِّخَاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف، في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان ﵁ على ما رسم المصطفى ﷺ ، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى رفيقه الأعلى إلا والقرآن كله كان مكتوبًا، مرتب الآيات في سورها، غير أنه لم يكن مرتب السور، ولا مجموعًا في مصحف واحد، ولا موجودًا في مكان واحد، بل كان مفرقًا لدى الصحابة، وكان ذلك لما كان يتوقع من نزول ناسخٍ لآية حكمًا أو تلاوة (١).
المرحلة الثانية: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق .
لما تُوفي الرسول ﷺ سار خلفاؤه الراشدون على منهجه واستنوا بسنته، وسلكوا طريقته في العناية بالقرآن الكريم، واتجهت جهودهم أفرادًا وجماعات للعناية بالقرآن الكريم، ومن ذلك جمعه وترتيبه وكان ذلك في عهدَيّ أبي بكر الصديق ﵁، وعثمان بن عفان ﵁.
تاريخ هذا الجمع:
وكان هذا الجمع بعد معركة اليمامة، في السنة الثانية عشر من الهجرة. وتدلنا الروايات التي وردت حول وقعة اليمامة وحديث جمع القرآن الكريم على مدى العناية والاهتمام من الصحابة ﵃ بالقرآن الكريم، فكان حفظ القرآن الكريم شعارًا لهم في وقعة اليمامة، حيث كانوا يتنادون به، ويشجعون أنفسهم أمام قوة عدوهم بعبارات تدل على حفظهم للقرآن الكريم، وكان شعار أصحاب النبي ﷺ يوم مسيلمة (يا أصحاب سورة البقرة) (٢).
وعن سالم مولى أبي حذيفة، أنه كان معه لواء المهاجرين يوم اليمامة، فقيل له: إنا نخاف عليك. كأنهم يعنون الفرار، فقال: "بئس حامل القرآن أنا إذًا" (٣).
وقول أبي حذيفة: "يا أهل القرآن: زينوا القرآن بالفعال" (٤).
стр. 2630
فدلَّ ذلك على مدى اهتمامهم بالقرآن الكريم حيث جعلوه من أولويات عملهم، وهذا الحرص من الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتصر على عهد رسول الله ﷺ ، بل تعداه وأشد إلى ما بعد وفاته ﷺ .
بواعث الجمع وأسبابه:
بعدما تولى أبو بكر ﵁ إمارة المسلمين واجهته أحداث جسيمة، خصوصًا ما كان من قِبَلِ أهل الردة، وما دار بعد ذلك من حروب طاحنة ومعارك عنيفة، خصوصًا ما كان في موقعة اليمامة. حيث استشهد فيها عدد كبير من الصحابة، منهم أكثر من سبعين من قراء الصحابة، فاشتد ذلك على الصحابة، ولا سيما على عمر ﵁ فاقترح على أبي بكر ﵁ أن يجمع القرآن خشية ضياعه بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر لأول الأمر ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر ﵁، فكان هو أول من جمع القرآن بين اللوحين وكان أحد الذين حفظوا القرآن كله ويتضح ذلك من الحديث الذي صح عن زيد بن ثابت ﵁ وكان من كُتَّاب الوحي، وقال فيه: "أَرْسَلَ إِليَّ أَبُو بكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ، فقالَ أبو بكرٍ: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامةِ بالنّاس، وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن، فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمعَ القرآن. قال أبو بكر قلتُ لعمرَ: كيفَ أفعلُ شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ . فقال عمرُ: هو والله خيرٌ. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك رجلٌ شابٌ، عاقلٌ، ولا نتهمك، كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله ﷺ . فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر. فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسُبِ، وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع
стр. 2631
خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحدٍ غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرهما وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر". (١)
وعلى هذا، فقد بدأ جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ سنة ١٢ هـ.
سبب تردد أبي بكر الصديق في قبول عرض عمر ﵃ بجمع القرآن .
نلحظ في الحديث الذي رواه البخاري أن أبا بكر الصديق ﵁ تردد - في أول الأمر - في قبول عرض عمر بن الخطاب ﵁ بجمع القرآن الكريم. ولعل السبب في ذلك أن أبا بكر ﵁ ظن أن جمع القرآن الكريم كله في مصحف واحد بدعة في الدين، فخاف أن يحدث فيه ما لم يفعله الرسول ﷺ أو يأمر به، ولذلك قال ﵁: "كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ".
قال ابن بطال: إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا؛ لأنهما لم يجدا رسول الله ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول ﷺ (٢).
ولكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ يقنع أبا بكر بصواب الفكرة، وأن في هذا الأمر خيرًا، ولم يزل به حتى اقتنع بأهمية ذلك، ولذا قال: "فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك".
وبنفس الطريقة اقتنع زيد في آخر الأمر حيث قال: "لم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵃".
قال ابن حجر: وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه بالاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف، فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول ﷺ ؟
والجواب: أنه لم يفعل ذلك إلّا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله
стр. 2632
ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي ﷺ أذن في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلّا بكتابة ما كان مكتوبًا. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" فما جمع القرآن أحد بعده إلّا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة (١).
ومن هنا يتبين أن عمل أبي بكر ﵁ لم يكن بدعة في الدين، ويكفي دليلًا على ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على استحسان عمله ومشاركتهم فيه، وقد عبر علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك بقوله: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين (٢).
أسباب اختيار زيد بن ثابت ﵁ لهذا الجمع .
ترجع أسباب اختيار أبي بكر وعمر لزيد بن ثابت ﵁ لأمور منها:
١ - أنَّه كان من حُفَّاظ القرآن الكريم في حياة الرسول ﷺ .
٢ - أنَّه شهد العَرضة الأخيرة للقرآن الكريم، ذكر البغوي، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي أنه قال: قرأ زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف ﵃ (٣).
٣ - أنه من كُتَّاب الوحي للرسول ﷺ ؛ بل هو أشهرهم وأكثرهم كتابة للوحي.
٤ - خصوبة عقله، وشدة ورعته، وكمال خلقه، واستقامة دينه، وعِظم أمانته ويشهد
стр. 2633
لذلك قول أبي بكر ﵁ له: "إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ". وقول زيد بن ثابت ﵁: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن". فما أحراه بجمع القرآن وأولاه.
خطة الجمع: استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنه حينما شرح الله له صدره باشر بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتمادًا على مصدرين هامين:
الأول: ما كُتب أمام الرسول ﷺ وبإملاء منه، وكان زيد نفسه من كُتَّاب الوحي.
الثاني: مما كان محفوظًا لدى الصحابة، وكان هو أيضًا من حفاظه في حياته ﷺ وكان لا يقبل شيئًا من المكتوب، أو المحفوظ حتى يجتمع فيه شرطان:
١ - أنه مما كتب بين يدي الرسول ﷺ ، وذلك بشهادة شاهدين عدلين (١).
٢ - أنه مما ثبت في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته (٢).
стр. 2634
قال الحافظ: وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن. (١)
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ. ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث الذي أوردناه عن البخاري سابقًا، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدًا كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط (٢).
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة، وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده مدة حياته، ثم حفظها عمر بعده حتى شهادته، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة والدها، حتى طلبها منها عثمان ﵁ ليستنسخ منها مصاحفه اعتمادًا عليها، ثم ردها إليها إيفاء بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت ﵂ سنة ٤٥ هـ، حضر مروان جنازتها، ثم طلب من أخيها
стр. 2635
عبد الله بن عمر ﵁ فبعث بها إليه فأخذها مروان وأمر بإحراقها (١).
سمات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ -.
كان من نتائج الجمع في العهد البكري أن سجل كامل القرآن الكريم وقيد بالكتابة، وزال الخوف من ضياعه بوفاة حملته وقرائه. وحفظ كله في موضع واحد، بعد ما كان مبعثرًا في أماكن متفرقة. وأجمع الصحابة كلهم على ما سجل فيه. وأصبح بمنزلة وثيقة وسجل يُرجع إليه وقت الضرورة. وزالت شبهة بدعة الجمع من أذهان كثير من الصحابة (٢).
لذلك اتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق بعدة سمات من أبرزها:
أولًا: جمع القرآن على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبيت العلمي.
ثانيًا: أنه اقتصر فيه على ما لم تنسخ تلاوته، وتجريده مما ليس بقرآن. (٣)
ثالثًا: أنه جمع في مصحف واحد.
رابعًا: موافقته لما ثبت في العرضة الأخيرة.
خامسًا: إجماع الصحابة على صحته ودقته، وعلى سلامته من الزيادة والنقصان، وتلقيهم له بالقبول والعناية، حتى قال علي بن أبي طالب ﵁: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع بين اللوحين" (٤).
سادسًا: أنّ هذا الجمع كان مرتب الآيات باتفاق. واختلف العلماء في السور أكانت مرتبة في هذا الجمع أم أن ترتيبها كان في عهد عثمان ﵁؟ .
سابعًا: اتفق العلماء على أنه كُتبَ نسخة واحدة من القرآن في هذا الجمع حفظها أبو بكر؛ لأنه إمام المسلمين.
стр. 2636
ثامنًا: تسميته بالمصحف، بعد أن أتم زيد جمع القرآن الكريم أطلق على هذا المجموع "المصحف" فالمصحف يطلق على مجموع الصحائف المدون فيها القرآن الكريم، أما القرآن فهو الألفاظ ذاتها.
تاسعًا: أنها ظفرت بإجماع الأمة عليها وتواتر ما فيها. ولا يطعن في ذلك التواتر ما مر عليك من أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند خزيمة أو أبي خزيمة، كما لا ينافي ذلك أن الصحابة كانت لهم صحف أو مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل لكنها لم تظفر بما ظفرت به الصحف المجموعة على عهد أبي بكر. (١)
خبر هذا المصحف .
دل الحديث الذي أخرجه البخاري على أن الصحف التي جمع فيها القرآن سُلمت إلى أبي بكر الصديق ﵁ فحفظها عنده، حتى توفي سنة ١٣ هـ، ثم آلت إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁، حتى توفي سنة ٢٣ هـ، وبعد وفاته بقيت عند ابنته حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂؛ لأن عمر ﵁ جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقيت عندها إلى أن طلبه عثمان بن عفان ﵁ لنسخها ثم أعادها إليها مرة أخرى.
وبقيت عندها حتى أرسل مروان بن الحكم يسألها إياها فامتنعت، ولما توفيت سنة ٤٥ هـ أرسل مروان إلى أخيها عبد الله بن عمر ﵃ ساعة رجعوا من جنازة حفصة ﵂ ليُرْسِلَنّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه، فأمر بها مروان فشققت، فقال مروان: "إنما فعلتُ هذا؛ لأن ما فيها قد كتب، وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس زمان أن يَرْتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب" (٢).
المرحلة الثالثة: جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁ -.
أسباب جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁ -:
١ - اتسعت الفتوحات في زمن عثمان، واستبحر العمران الإسلامي، وتفرق المسلمون في
стр. 2637
الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ بل كان هذا الشقاق أشد لبُعد عهد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعًا عن رأيه، واستفحل الداء حتى كفَّر بعضُهم بعضًا، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، ولم يقف هذا الطغيان عند حد؛ بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على سواء. أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافًا (١).
وصدق عثمان فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافًا ونزاعًا من المدينة والحجاز (٢).
٢ - غزو أرمينية وأذربيجان: في عام خمس وعشرين من الهجرة النبوية اجتمع أهل الشام وأهل العراق في غزو أرمينية وأذربيجان.
قال الذهبي: وفيها جاشت الروم حتى استمد أمراء الشام من عثمان مددًا فأمدهم بثمانية آلاف من العراق، فمضوا حتى دخلوا إلى أرض الروم مع أهل الشام، وعلى أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة الفهري (٣).
وكان حذيفةُ بن اليمان من جملة من غزا معهم، وكان على أهل المدائن من أعمال العراق.
стр. 2638
وكان أهل الشام يقرؤن بقراءة أبي بن كعب، وكان أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فتنازع أهل الشام وأهل العراق في القراءة، حتى خطَّأ بعضهم بعضًا، وأظهر بعضهم إكفار بعضٍ، والبراءة منه، وكادت تكون فتنة عظيمة. وكان السبب وراء هذا الخلاف عدم مشاهدة هؤلاء نزولَ القرآن، وبُعْدهم عن معاينة إباحة قراءته بأوجه مختلفة، فظنَّ كلٌّ منهم أن ما يقرأ به غيره خطأ لا يَجوز في كتاب الله، فكادت تكون تلك الفتنة (١).
قال مكي بن أبي طالب: وكان قد تعارف بين الصحابة ﵃ على عهد النَّبِيّ ﷺ ، ولم يكن ينكر أحدٌ ذلك على أحدٍ لمشاهدتهم من أباح ذلك، وهو النَّبِيّ ﷺ . فلمَّا انتهى ذلك الاختلاف إلى ما لم يعاين صاحبَ الشرع، ولا علِم بِما أباح من ذلك، أنكر كلُّ قومٍ على الآخرين قراءتَهم، واشتد الْخصام بينهم (٢).
رأى هذا الخلاف العظيم حذيفة بن اليمان ﵁، إضافةً إلى ما رآه من الاختلاف بين الناس في القراءة في العراق، ففزع إلى عثمان بن عفان ﵁، وأنذره بالخطر الداهم، وانضم ذلك إلى ما عاينه عثمان من الخلاف بين المعلمين وكذلك بين الغلمان، فصدّق ذلك ما كان استنبطه من أن من كان أبعد من دار الخلافة بالمدينة فهو أشدُّ اختلافًا.
عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ ﵁ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشام فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (٣).
وعن زيد بن ثابت: أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ النَّاسَ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْت فَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يقرءون بِقِرَاءةِ أُبَيٍّ، فَيَأْتُونَ
стр. 2639
بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يقرؤون بِقِرَاءةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ. قَالَ زَيْدٌ: فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَكْتُبَ لَهُ مُصْحَفًا (١).
فكانت هذه الْحادثة هي أهم الأسباب التي بعثت على جمع القرآن في زمن عثمان، فقد أكدت ما ظنه من أن أهل الأمصار أشد اختلافًا مِمَّن كان بدار الخلافة بالْمدينة وما حولَها (٢).
لهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع، وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضْع حد لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها وألا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصدع، ويجبر الكسر، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة، وحَكَمهم العدل في ذاك النزاع والمراء، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء (٣).
خطة الجمع .
أولًا: مصادر هذا الجمع .
١ - أمر عثمان بإحضار كل ما كان موجودًا في أيدي الناس مما كتب بين يدي النبي ﷺ ، أخرج ابن أبي داوود في المصاحف عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي، وقراءة عبد الله. يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك؛ فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن،
стр. 2640
حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم (١).
٢ - تم العرض والمقابلة بعد ذلك على الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر ﵁، حيث أمر عثمان بن عفان ﵁ بإحضارها من حفصة بنت عمر أم المؤمنين حيث قال لها: "أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك" (٢).
وفي رواية الطحاوي للحديث ما يدل على أن المقابلة كانت تابعة لعملية الجمع قال زيد: ثم عرضته، يعني المصحف، عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا، وأرسل عثمان إلى حفصة أن تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته، فعرضت المصحف عليها فلم يختلفا في شيء، فردها عليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا المصاحف (٣).
ثانيًا: اختيار لجنة الجمع في العهد العثماني .
١ - كان المعيار الأول في ترشيح واختيار لجنة الجمع هو الإتقان والدقة، فلما فرغ عثمان من جمع ما كان في أيدي الناس قال: "من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب زيد، وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد يقول: قد أحسن" (٤).
وفي رواية الطحاوي، قال زيد: فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفًا، وقال: إني جاعل معك رجلًا لبيبًا فصيحًا (٥).
стр. 2641
٢ - لم تقتصر اللجنة على هذين الرجلين فقد صح أن عثمان ﵁ اختار أربعة من الصحابة لنسخ المصاحف هم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة من قريش (١).
وقيل: إن عثمان اختار اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار منهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت (٢).
قال ابن حجر: وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق، فأضافوا إلى زيد من ذُكر، ثم استظهروا بأُبيِّ بن كعب في الإملاء (٣).
قلت: ويشهد لهذا الجمع ما أخرجه الطحاوي عن زيد ﵁ قال: ثم عرضته، يعني المصحف، عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئًا، وأرسل عثمان إلى حفصة أن تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته، فعرضت المصحف عليها فلم يختلفا في شيء، فردها عليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا المصاحف (٤).
ثالثًا: منهج الجمع .
١ - الأصل أن تتفق اللجنة بالإجماع على ما يكتب، أما عند الاختلاف في كتابة شيء فإنهم يكتبونه بحرف قريش. حيث قال عثمان بن عفان ﵁ للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم" (٥).
فالمقصود بالاختلاف هنا من حيث الرسم والكتابة، لا من حيث الألفاظ والكلمات، ويدل عليه قوله "فاكتبوه" فيكون المعنى: إذا اختلفتم أنتم وزيد في رسم كلمة، فاكتبوها
стр. 2642
بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها (١).
٣ - الإشراف المباشر من عثمان بن عفان ﵁ على الجمع حيث كان يتفقد اللجنة باستمرار، ويتعاهدهم على الدوام.
عن كثير بن أفلح أنه قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد، فقلت لكثير - وكان فيمن يكتب -: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة فيكتبونها على قوله (٢).
٤ - رجوع اللجنة إلى الخليفة عثمان بن عفان ﵁ فيما يحتاجون إليه للتأكد من كتابته وكيفية ذلك. قال زيد: فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفا، وقال: إني جاعل معك رجلًا لبيبًا فصيحًا، فما اجتمعتما فيه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليَّ، فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص فلما بلغ: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت. قال زيد: "فقلت أنا: التابوه، وقال أبان: التابوت، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب: التابوت (٣).
وأخرج البخاري أن ابن الزبير (أحد أعضاء اللجنة) قال: قلت لعثمان بن عفان ﵁: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال: قد نسختها الأخرى، قلت: فلِمَ تَكْتُبُها؟ أَوَ تَدَعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا من مكانه" (٤).
٤ - استيثاق اللجنة مما يكتبونه وبخاصة فيما تعددت فيه القراءة حيث كانوا يسألون مشاهير الصحابة عن كيفية القراءة به لا عن قرآنيته، فإن ذلك عرف في جمع أبي بكر؛ لأن عثمان ﵁ أراد أن تكتب المصاحف في مجموعها على جميع القراءات التي قرأها الرسول ﷺ
стр. 2643
ليقضي على الفتنة التي حدثت بين المسلمين؛ بسبب جهلهم هذه القراءات. يدل على ذلك ما أخرجه الطحاوي عن أبي قلابة قال: حدثني رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك ﵁ قال: "اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ عثمان فقال: "عندي تكذبون به وتختلفون فيه فمن نأى عني كان أشد تكذيبًا، وأكثر لحنًا"، وقال لأصحاب محمد ﷺ : اجتمعوا فاكتبوا للناس، قال: فكتبوا، قال: فحدثني أنهم إذا تدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانًا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال: "كيف أقرأك رسول الله ﷺ كذا وكذا؟ ، فيقول: كذا، وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لها مكانا". قال الطحاوي: فهذا في التوكيد فوق ما في حديث خارجة، والله نسأله التوفيق (١).
أي أن مهمة الجمع لم تكن قاصرة على أعضاء اللجنة الأربعة المنصوص عليهم في حديث خارجة بن زيد فحسب؛ بل تتسع الدائرة حتى تشمل كل من سمع من رسول الله شيئًا ولو قليلًا زيادة في التوكيد.
٥ - كتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة عن رسول الله ﷺ كما صرح به غير واحد من أئمة السلف كمحمد بن سيرين، وعبيدة السلماني، وعامر الشعبي (٢).
٦ - الكتابة تمت بشكل يجمع ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، وقد ساعد على ذلك عدم التشكيل، وعدم التنقيط. قال ابن الجزري "وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇، متضمنة لها لم تترك حرفًا منها" إلى أن قال "وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له"، ثم قال: "فكتب الصحابة المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وجردوا المصاحف عن النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة" (٣)، ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبي ﷺ (٤).
стр. 2644
٧ - إحراق ما عدا هذه النسخ: كما في حديث حذيفة ﵁: "فرد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق" (١).
وأخيرًا: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاثة .
تستطيع مما سبق أن تفرق بين مرات جمع القرآن في عهوده الثلاثة: عهد النبي ﷺ ، وعهد أبي بكر ﵁، وعهد عثمان ﵁، فالجمع في عهد النبي ﷺ كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها ولكن مع بعثرة الكتابة وتفرقها بين عسب، وعظام، وحجارة، ورقاع، ونحو ذلك حسبما تتيسر أدوات الكتابة، وكان الغرض من هذا الجمع زيادة التوثق للقرآن وإن كان التعويل يومئذ على الحفظ والاستظهار. أما الجمع في عهد أبي بكر ﵁ فقد كان عبارة عن نقل القرآن، وكتابته في صحف مرتب الآيات أيضًا مقتصرًا فيه على ما لم تنسخ تلاوته مستوثقًا له بالتواتر والإجماع، وكان الغرض منه تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه. وأما الجمع في عهد عثمان ﵁ فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد إمام، واستنساخ مصاحف منه ترسل إلى الآفاق الإسلامية، ملاحظا فيها تلك المزايا السالف ذكرها، مع ترتيب سوره وآياته جميعا، وكان الغرض منه إطفاء الفتنة التي اشتعلت بين المسلمين حين اختلفوا في قراءة القرآن، وجمع شملهم، وتوحيد كلمتهم، والمحافظة على كتاب الله من التغيير والتبديل (٢).
стр. 2645
الباب الثاني: الرد على الشبهات .
ويشتمل على هذه الفصول:
الفصل الأول: الطعن في الإجماع على جمع القرآن .
ويشتمل على هذه الشبهات:
الشبهة الأولى: عدم مشاركة علي بن أبي طالب ﵁ في الجمع .
الشبهة الثانية: اعتراض ابن مسعود ﵁ على كيفية جمع القرآن في عهد عثمان ﵁.
الشبهة الثالثة: حرق المصاحف، واختلاف مصاحف الصحابة.
الشبهة الأولى: عدم مشاركة علي بن أبي طالب ﵁ في الجمع.
نص الشبهة:
يقولون: لماذا لم يشارك علي ﵁ جمع القرآن، مع أن له من المؤهلات ما تجعله أولى بهذه المهمة الجليلة من غيره؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسألة تقديرية، ولا ريب أن تقدير أبي بكر وعمر وعثمان لزيد أصدق.
الوجه الثاني: زيد لم يكن وحده الذي قام بالمهمة.
الوجه الثالث: هذا السؤال لا محل له من الإعراب.
الوجه الرابع: جمع القرآن في مرحلتيه بعلم وإقرار من علي ﵁.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن المسألة تقديرية ولا ريب أن تقدير أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ لزيد ﵁ أصدق .
إن المسألة تقديرية، ولا ريب أن تقدير أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ لزيد ﵁ أصدق، وذلك لا ينافي أنه كان يرى في زيد أهلية وكفاية للنهوض بما أسند إليه، وإن كان هو في نظر نفسه أكفأ وأجدر، كيف وقد عرفت فيما سبق مجموعة المؤهلات والمزايا التي توافرت
стр. 2646
في زيد حتى جعلته الجدير بتنفيذ هذه الغاية السامية؟ (١).
الوجه الثاني: زيد ﵁ لم يكن وحده الذي قام بالمهمة .
أضف إلى ذلك أن عثمان ﵁ ضم إليه ثلاثة، ثم كان هو وجمهور الصحابة مشرفين عليهم مراقبين لهم، وناهيك في عثمان ﵁ أنه كان من حفاظ ومعلمي القرآن (٢).
الوجه الثالث: هذا السؤال لا محل له من الإعراب .
هذا السؤال لا محل له من الإعراب؛ لأنه لو فُرض أن عليًا ﵁ أدرج اسمه ضمن فريق العمل في جمع القرآن لكان السؤال قائمًا: لماذا لم يدرج فلان وفلان من الصحابة وهلم جرًا؟ ، فلا ينبغي أن يسأل هذا السؤال؛ لأن المهم أن الجمع كان بمثابة فرض كفاية على الأمة، فقام به بعض فلا حرج على الباقين، والصحابة كلهم عدول.
الوجه الرابع: جمع القرآن في مرحلتيه بعلم وإقرار من علي ﵁ -.
كان جمع القرآن في مرحلتيه بعلم وإقرار من علي ﵁، ولو كان في الأمر أدنى ريبة لأبدى نصحه، وسجل اعتراضه نصحًا للأمة، ولكن صح عن على أنه قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين (٣).
وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا (٤).
الشبهة الثانية: اعتراض ابن مسعود ﵁ على كيفية جمع القرآن في عهد عثمان
نص الشبهة:
يقولون: ورد أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: يا معشر المسلمين أُعزل عن نسخ المصاحف، ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر.
стр. 2647
قالوا: وهو يعني بهذا الرجل زيد بن ثابت، ويريد بذلك الكلام الطعن على جمع القرآن، وهذا يدل بالتالي على أن القرآن الموجود بين أيدينا ليس موضع ثقة، ولم يبلغ حد التواتر (١).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: كلام ابن مسعود لا يدل على الطعن، وإنما يدل على أنه أحق بهذا من غيره .
الوجه الثاني: مبررات ترشيح زيد دون ابن مسعود.
الوجه الثالث: لم يوافق ابنَ مسعود على غل المصاحف وإخفائها أحدٌ من الصحابة.
الوجه الرابع: إذا سلمنا أن ابن مسعود أراد الطعن في صحة جمع القرآن لا نسلم أنه داوم على هذا الطعن والإنكار.
الوجه الخامس: إنكار ابن مسعود كان شهادة لحرفه بالصحة.
الوجه السادس: على تسليم كلام ابن مسعود وأنه داوم عليه ولم يرجع عنه، لا يدل على إبطال تواتر القرآن.
الوجه السابع: قول ابن مسعود: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ؛ هذا اعتقاده.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كلام ابن مسعود لا يدل على الطعن، وإنما يدل على أنه أحق بهذا من غيره.
إن كلام ابن مسعود هذا لا يدل على الطعن في جمع القرآن؛ إنما يدل على أنه كان يرى في نفسه أنه هو الأولى أن يسند إليه هذا الجمع؛ لأنه كان يثق بنفسه أكثر من ثقته بزيد في هذا الباب.
ومما يشهد لذلك: ما صح عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: لما أمر عثمان ﵁ في المصاحف بما أمر به، قام عبد الله بن مسعود خطيبًا، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ "أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، فوالذي نفسي بيده، لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان، وَالله لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النبي ﷺ
стр. 2648
أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ الله، - ثم استحيى مما قال - فقال: وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه ثم نزل. قال شقيق: فجلست في حِلَق أصحاب محمد ﷺ فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيبه" (١).
وذلك لا ينافي أنه كان يرى في زيد أهلية وكفاية للنهوض بما أسند إليه، وإن كان هو في نظر نفسه أكفأ وأجدر، غير أن المسألة تقديرية ولا ريب أن تقدير أبي بكر وعمر وعثمان لزيد أصدق من تقدير ابن مسعود له، كيف وقد كان لزيد مؤهلات، ومزايا توافرت فيه حتى جعلته الجدير بتنفيذ هذه الغاية السامية، أضف إلى ذلك أن عثمان ضم إليه ثلاثة، ثم كان هو وجمهور الصحابة مشرفين عليهم مراقبين لهم، وناهيك في عثمان أنه كان من حفاظ ومعلمي القرآن، وخلاصة هذا الجواب أن اعتراض ابن مسعود كان منصبًا على طريقة تأليف لجنة الجمع لا على صحة نفس الجمع مع أن كلمة ابن مسعود السالفة لا تدل على أكثر من أنه كان يكبر زيدًا بزمن طويل إذ كان عبد الله مسلمًا وزيد لا يزال ضميرًا مستترا في صلب أبيه، وليس هذا بمطعن في زيد فكم ترك الأول للآخر، ولو كان الأمر بالسن لاختل كثير من نظام الكون، ثم إن كلمة ابن مسعود ربما يفهم منها الطعن في زيد من ناحية أن أباه كان كافرًا ولكن هذا ليس بمطعن فكثير من أكابر الصحابة كانوا في مبدأ أمرهم كفارًا وخرجوا من أصلاب آباء كافرين والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] (٢).
فقول ابن مسعود هذا؛ لا يدل على عدم جواز جمع القرآن في المصحف، ولا على أنه كان مخالفًا في الجمع، وكل ما يدل عليه أنه يرى أنه أحق من زيد بجمع القرآن لسوابقه في الإسلام، مع كمال ثقته في زيد وأهليتِه للنهوض بِما أسند إليه (٣).
стр. 2649
الوجه الثاني: مبررات ترشيح زيد دون ابن مسعود .
قال ابن حجر: والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضًا؛ فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبى بكر وأن يجعلها مصحفًا واحدًا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبى بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم لكونه كان كاتب الوحي فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره. (١)
قال الذهبي: قلت: إنما شق على ابن مسعود لكون عثمان ما قدمه على كتابة المصحف، وقدم في ذلك من يصلح أن يكون ولده، وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة، ولأن زيدًا كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فهو إمام في الرسم، وابن مسعود إمام في الأداء، ثم إن زيدًا هو الذي ندبه الصديق لكتابة المصحف وجمع القرآن فهلا عتب على أبي بكر؟ ، وفي مصحف ابن مسعود أشياء أظنها نسخت، وأما زيد فكان أحدث القوم بالعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ عام توفي على جبريل (٢).
الوجه الثالث: لم يوافق ابنَ مسعود على غل المصاحف وإخفائها أحدٌ من الصحابة
قال الزهري: فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي ﷺ (٣).
وعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: أتى عليَّ رجل وأنا أصلي، فقال: ثكلتك أمك ألا أراك تصلي، وقد أمر بكتاب الله أن يمزق كل ممزق، قال: فتجوزت في صلاتي وكنت أجلس فدخلت الدار ولم أجلس، ورقيت فلم أجلس، فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم هذا المصحف. قال: والله لا أدفعه إليهم أقرأني رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة ثم أدفعه إليهم والله لا أدفعه إليهم (٤).
стр. 2650
وروي عن مسروق أنه قال: كان عبد الله وحذيفة وأبو موسى في منزل أبي موسى، فقال حذيفة: أما أنت يا عبد الله بن قيس فبُعثت إلى أهل البصرة أميرًا ومعلمًا، فأخذوا من أدبك ومن لغتك ومن قراءتك، وأما أنت يا عبد الله بن مسعود فبُعثت إلى أهل الكوفة معلمًا فأخذوا من أدبك ومن لغتك ومن قراءتك. فقال عبد الله: أما أني إذا لم أضلهم وما في كتاب الله آية إلا أعلم حيث نزلت، وفيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لرحلت إليه (١).
ولا يستشكل على هذا قول أبي وائل: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ ، فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيبه؛ لأن نفي سماعه هو لا يستلزم ثبوت النفي مطلقًا.
الوجه الرابع: إذا سلمنا أن ابن مسعود أراد الطعن في صحة جمع القرآن لا نسلم أنه داوم على هذا الطعن والإنكار .
بل قال هذا وقت غضبه، فلما سكت عنه الغضب أدرك حسن اختيار عثمان ومن معه من الصحابة لزيد بن ثابت؛ قال الذهبي: وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد (٢).
وبدليل ما صح عنه من قراءات متواترة عنه (٣).
الأدلة على رجوع ابن مسعود عن رأيه في جمع عثمان .
أخرج ابن أبي داوود في المصاحف: - باب رضاء عبد الله بن مسعود بجمع عثمان ﵁ المصاحف - قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عثمان بن حسان العامري عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنّا لم نأتك زائرين ولكننا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على
стр. 2651
نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد معناهما واحد (١).
ومما يشهد لهذا الأثر ما ذكره ابن الأثير في التاريخ: عن موقف الأمة من جمع عثمان قال: فكل الناس عرف فضل هذا الفعل إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي ﷺ ، وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا من ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك، فإنكم والله قد سبقتم سبقًا بينًا فأربعوا على ظلعكم (أي لا تتنكبوا ما لا تطيقون) ولما قدم علي الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان يجمع الناس علي المصحف فصاح وقال: اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله (٢).
الوجه الخامس: إنكار ابن مسعود كان شهادة لحَرْفِه بالصحة .
لأنه أخذه عن رَسُول الله ﷺ ، وليس في ذلك طعنٌ على حرف زيد من حيث هو، وإنَّما غاية ما هنالك أنه لا يرى ترك حرفه لحرف أحدٍ غيره. قال الباقلاني: ليست شهادة عبد الله
стр. 2652
لحرفه وأنه أخذه من فم رَسُول الله طعنًا على حرف غيره، ولكنه عنده حجةٌ في أنه لا يَجِب عليه تركه، وتحريق مصحف هو فيه (١).
أخرج ابن أبي داوود في المصاحف عن عبد الله قال: "لقد قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأنا أدع ما أخذت من في رسول الله ﷺ ؟ ". (٢)
الوجه السادس: على تسليم كلام ابن مسعود وأنه داوم عليه ولم يرجع عنه، لا يدل على إبطال تواتر القرآن .
لا نسلم أنه يدل على إبطال تواتر القرآن؛ فإن التواتر يكفي في القطع بصحة مرويه أن ينقل عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بشروطه، وليس من شروطه ألا يخالف فيه مخالف حتى يقدح في تواتر القرآن أن يخالف فيه ابن مسعود أو غير ابن مسعود ما دام جم غفير من الصحابة قد أقروا جمع القرآن على هذا النحو في عهد أبي بكر مرة وفي عهد عثمان مرة أخرى (٣).
الوجه السابع: قول ابن مسعود: لَوْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْت إِلَيْهِ، هذا اعتقاده .
إن قول ابن مسعود: وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسولِ الله أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ الله، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. ليس قطعًا على أنه ليس فيهم من هو أعلم منه بكتاب الله، وإنما هو اعتقاد ابن مسعود ﵁، وهو غير معصوم في هذا الاعتقاد (٤).
الشبهة الثالثة: حرق المصاحف واختلاف مصاحف الصحابة .
نص الشبهة:
يقولون إن عثمان ﵁ حرق المصاحف التي في أيدي الناس وهذا يدل على عدم الثقة به.
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن عثمان ﵁ حرق المصاحف الأخرى؛ لئلا يقع بسببها اختلاف.
стр. 2653
الوجه الثاني: عثمان ﵁ ما فعل هذا من رأيه مجردًا؛ بل استشار أولًا.
الوجه الثالث: لم ينكر عليه أحد في هذا العمل؛ بل قبلوه.
الوجه الرابع: استجابة الصحابة لعثمان ﵁
الوجه الخامس: عثمان ﵁ من الخلفاء الراشدين فوجب اتباع سنته كما أمر النبي ﷺ .
الوجه السادس: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن عثمان ﵁ حرق المصاحف الأخرى؛ لئلا يقع بسببها اختلاف
بعد أن تم نسخ المصاحف العثمانية، أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ بإرسالها إلى الأقطار الإسلامية الشهيرة، وأرسل مع كل مصحف مقرئًا من الذين توافق قراءته في أغلبه قراءة أهل ذلك القطر، وذلك لأن التلقي أساس في قراءة القرآن، وأمر أن يحرق كل ما عداها من الصحف أو المصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة مما تخالفها؛ ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله، فاستجاب لذلك الصحابة ﵁، فجمعت المصاحف والصحف وحرقت أو غسلت بالماء. (١)
ففي الحديث أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشام في فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ في الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحْارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا في الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ في شيء مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ
стр. 2654
في كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ (١).
قال الجعبري: ونزل تحريقه ما سواها على مصاحف الصحابة ﵃؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيها التفسير الذي يسمعونه من النَّبِيّ ﷺ ، ويحتمل ذلك نحو الرقاع؛ لئلا ينقلها من لا يعرف ترتيبها، فيختلَّ، لا الصحف، لاحتمال الرجوع إليها. (٢)
والمصاحف التي أحرقها فيها أشياء من منسوخ التلاوة وقد أبقاه بعض الصحابة، وترتيب السور على غير الترتيب الذي في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، وفي بعض المصاحف تفسيرات لبعض الصحابة؛ لذلك أمر عثمان بإحراق تلك المصاحف، وكتب المصحف الوحيد وفيه القراءات، ولم يلغ القراءات الثابتة عن النبي ﷺ (٣).
قال الزركشي: ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة (٤). والمصاحف التي حرقها عثمان هي مصاحف قد أودعت ما لا يحل قراءته (٥).
стр. 2655
وفي الجملة إنه إمام عدل غير معاند ولا طاعن في التنزيل، ولم يحرق إلا ما يجب إحراقه (١).
الوجه الثاني: عثمان ﵁ ما فعل هذا من رأيه مجردًا؛ بل استشار أولا .
لم يفعل ما فعل من هذا الأمر الجلل إلا بعد أن استشار الصحابة واكتسب موافقتهم؛ بل وظفر بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم.
عن العيزار بن جرول الحضرمي قال: لما خرج المختار كنا هذا الحي من حضرموت أول من تسرع إليه، فأتانا سويد بن غفلة الجعفي فقال: إن لكم عليَّ حقًا، وإن لكم قرابة، والله لا أحدثكم اليوم إلا شيئًا سمعته من المختار، أقبلت من مكة وإني لأسير، إذ غمزني غامز من خلفي، فإذا المختار فقال لي: يا شيخ ما بقي في قلبك من حب ذلك الرجل - يعني عليًا -؟ ، قلت: إني أشهد الله أني أحبه بسمعي وقلبي وبصري ولساني. قال: ولكني أشهد الله أني أبغضه بقلبي وسمعي وبصري ولساني. قال: قلت: أبيت والله إلا تثبيطًا عن آل محمد ﷺ ، وترثيثًا في إحراق المصاحف، (أو قال حراق، هو أحدهما يشك أبو داود)، فقال سويد: والله لا أحدثكم إلا شيئًا سمعته من علي بن أبي طالب ﵁ سمعته يقول: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا (أو قولوا له خيرًا) في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت. قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر، ففعلا وجمع الناس على مصحف" قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل (٢).
стр. 2656
رضي الله عن الجميع وجزاهم أحسن الجزاء على هذا الصنيع (١).
الوجه الثالث: لم ينكر عليه أحد في هذا العمل؛ بل قبلوه .
لم ينكر عليه أحد ذلك؛ بل رضوه وعدُّوه من مناقبه حتى قال علي ﵁: لو وليت ما ولى عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل.
عن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد" (٢).
الوجه الرابع: استجابة الصحابة لعثمان ﵁ -.
فحرقوا مصاحفهم، واجتمعوا جميعًا على المصاحف العثمانية حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولًا مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها، وتوحيد الكلمة بها. وبعدئذ طهر الجو الإسلامي من أوبئة الشقاق والنزاع وأصبح مصحف ابن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف عائشة، ومصحف علي، ومصحف سالم مولى أبي حذيفة أصبحت كلها وأمثالها في خبر كان، مغسولة بالماء، أو محروقة بالنيران، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا.
وعثمان ﵁ فقد أرضى - بذلك العمل الجليل - ربه، وحافظ على القرآن، وجمع كلمة الأمة، وأغلق باب الفتنة، ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم وما بعد اليوم، ولن يقدح في عمله هذا أنه أحرق المصاحف والصحف المخالفة للمصاحف العثمانية فقد علمت وجهة نظره في ذلك (٣).
стр. 2657
قال عبد الرحمن بن مهدي: "خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر، صبره نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف" (١).
عن ثابت بن عمارة الحنفي قال: سمعت غُنَيْم بن قيس المازني قال: "قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف، وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام، فأصبح له مثل ما له قال: قلنا له: يا أبا العنبر، لم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر" (٢).
الوجه الخامس: عثمان ﵁ من الخلفاء الراشدين فوجب اتباع سنته كما أمر النبي ﷺ -.
في حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٣).
الوجه السادس: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" إن كان مِنْ الذُّنُوبِ .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ. قَالَ الحسَنُ بْنُ وَاقِعٍ - وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِي - فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَيَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: "مَا ضَرَّ عُثْمانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ" (٤).
أي فَلَا عَلَى عُثْمَانَ بَأْسٌ الَّذِي عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ مُكَفَّرَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: "لَعَلَّ الله قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ" (٥).
стр. 2658
الفصل الثاني: الطعن في التوثيق في صحة الجمع .
وفيه شبهات:
الشبهة الأولى: لماذا لم يجمع القرآن في عهد النبي ﷺ -؟
الشبهة الثانية: لم يجمع القرآن إلا أربعة.
الشبهة الثالثة: حول اختلاف ألحان العرب في المصاحف وألحان اللغات.
الشبهة الرابعة: أن أول من جمع القرآن هو علي ﵁.
الشبهة الخامسة: تخطئة ابن عباس، وعائشة، وسعيد بن جبير للكُتَّاب.
الشبهة الأولى: لماذا لم يجمع القرآن في عهد النبي ﷺ ؟
نص الشبهة:
إذا كان جَمْعُ القرآن فضيلة فلماذا لم يجمعه رسولكم؟ ولِمَ لمْ يأمر أحدًا من أصحابه بجمعه، غاية ما في الأمر أنَّ جمعه كان جهدًا شخصيًا من بعض أصحابه وفي بعض المناسبات، لذا كان الاختلاف كبيرًا بين الصحابة في جمعه وترتيبه. وقال السيوطي في الإتقان: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء. وحيث إن رسولكم لم يفعل ذلك دلَّ على أن كتابكم كتاب كبقية الكتب يصيبه ما أصابها.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: العمدة على الحفظ الصدري.
الوجه الثاني: أن الله قد حفظ نبيه من نسيان القرآن.
الوجه الثالث: نزول القرآن مفرقًا في زمن طويل يمنع جمعه في مكان واحد.
الوجه الرابع: عدم استقرار ترتيب الآيات والسور في زمن النبي ﷺ .
الوجه الخامس: نزول الوحي على النبي ﷺ بالنسخ.
الوجه السادس: أن المدة بين آخر ما نزل وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا.
стр. 2659
الوجه السابع: أن جمع القرآن زمن أبي بكر الصديق ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ قد كان له ما يدعو إليه.
الوجه الثامن: مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة، والموجود منها عَسِر الاستعمال.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: العمدة على الحفظ الصدري .
بَادِئ ذِي بَدْءٍ لا بُدَّ أنْ نَعْلَمَ أنَّ القرآنَ كُلَّهُ كان مجموعًا في صدر النبي ﷺ ، ويدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبا من قيامه (١).
فهذا هو شأن رسول الله ﷺ يحفظ القرآن كله ويعلمه أصحابه؛ بل وكان هناك الحفاظ من الصحابة الكثير، وكان حفظهم متقنًا عن ظهر قلب، وعقد البخاري لذلك كتابا فقال: (باب القراءة عن ظهر القلب) (٢)، ثم أخرج حديث المرأة الواهبة نفسَهَا لرسول الله ﷺ وفيه فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: هل عندك من شيء؟ . فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا؟ . فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا. قال: انظر ولو خاتمًا من حديد. فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد ولكن هذا إزاري - قال سهل ما له رداء - فلها نصفُه. فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك، إن لبسَته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسْته لم يكن عليك شيء؟ ! . فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به فدعي فلما جاء قال:
стр. 2660
ماذا معك من القرآن؟ . قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا عَدَّهَا قال: أتقرَؤُهُن عن ظهر قلبك؟ . قال: نعم (١).
هذا هو الشاهد، ولا شك أن في هذا الحفظ المتقن أمانًا من الضياع، خاصة مع انتشار ذلك الحفظ في عدد وفير من المهاجرين الأوائل والأنصار، فالقرآن جمع في صدورهم كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ومَنْ كان يحفظ بعضه فإن عنده من السور التي يحفظها ما لا يشترط أن تكون هي التي يحفظها أخوه، فربما يحفظ مواضعًا أخرى من القرآن الكريم، هذا بخلاف العدد الكبير من الصحابة الذين كانوا يجمعون القرآن كله في صدورهم.
بل وكان القرآن مكتوبًا كله على العسب والأكتاف، مفرقًا في الصحف عند الصحابة، عند كل واحد منهم الأوراق العديدة، ويعتنون بها عناية خاصة، ولم يكن مجموعًا في مكان واحد.
الوجه الثاني: أن الله قد حفظ نبيه من نسيان القرآن .
إن الله قد أمن نبيه ﷺ من النسيان بقوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٦، ٧] أي: ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ، فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته ﷺ ؛ فإن النسيان قد يقع، فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد (٢).
الوجه الثالث: نزول القرآن مفرقا في زمن طويل يمنع جمعه في مكان واحد
إن من أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في زمن النبي ﷺ أن القرآن لم ينزل مرة واحدة، وإنما نزل مفرقًا منجمًا، ولا سبيل إلى جمعه ما لم يكتمل نزوله ويتمُّ.
وكان ينزل فيما ينزل من أمور تجدُّ على النبي ﷺ وأصحابه وبحسب الحوادث والأسباب هذا مع تباعد الأزمان فنزل القرآن فيما يزيد على عشرين سنة. عن عائشة، وابن عباس ﵃
стр. 2661
قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. (١)
فنزل القرآن على هذه الحال لحكم كثيرة من الله العليم الحكيم الخبير، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ومن تيسير حفظه في الصدور وفهمه ومسايرة الحوادث والتدرج في التشريع. (٢)
فكتابة القرآن والحالة هذه في موضع واحد إن لم تكن مستحيلة فهي متعذرة في كتاب ينزل في سنين طويلة وانظر الوجه التالي.
الوجه الرابع: عدم استقرار ترتيب الآيات والسور في زمن النبي ﷺ -.
إن من أسباب عدم جمع القرآن في حياة النبي ﷺ أن ترتيب الآيات والسور لم يكن قد استقرَّ، ولم يكن على حسب النزول فهناك من الآيات والسور الكثيرة التي هي من أواخر ما نزل، بينما ترتيبها في القرآن العظيم في أوائل السور الكريمة. كما في سورة البقرة، وسورة آل عمران. (٣)
بل إن القرآن ما كان ينزل على رسول الله ﷺ على هذا الترتيب الذي في المصحف فعلى هذا فإن كثيرًا من السور التي هي من أواخر ما نزل في المدينة تكون في المصحف قبل التي نزلت أول البعثة بمكة.
بل إنه من المعلوم أن الآية الناسخة تنزل متأخرة عن الآية المنسوخة فتنسخها إما حكمًا، وإما تلاوةً، وإما حكمًا وتلاوة معا، على الرغم من ذلك فإن الناسخة قد تتقدم في ترتيب المصحف على المنسوخة.
يقول الشيخ محمد أبو شهبة: وذلك مثل آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا، فإنها ناسخة لآية الاعتداد بحول، مع أن الأولى مكتوبة في المصاحف قبلها وهي متأخرة في
стр. 2662
النزول عنها قطعا لوجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ (١).
وأنت خبير بأن القرآن لو جمع في صحف أو مصاحف والحال على ما شرحنا لكان عرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب (٢).
الوجه الخامس: نزول الوحي على النبي ﷺ بالنسخ .
إن النبي ﷺ كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية أو آيات نزلت من قبل فكيف يكون جمع الآيات كلها في مصحف واحد ويتعرض بعضها لنسخ التلاوة؟
قال الخطابي: يحتمل أن يكون ﷺ إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ ، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعد الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق ﵁ بمشورة عمر ﵁ (٣).
قال الزركشي: وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض؛ لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين. (٤)
وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" (٥) الحديث، فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابةٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ. (٦) وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور.
стр. 2663
قلت: فهذه أوجه تخص طبيعة النص القرآني، وما سيأتي من الوجوه تتحدث عن الظروف التي أحاطت بالنص القرآني الكريم وحالت دون جمعه.
الوجه السادس: إن المدة بين آخر ما نزل وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا .
من أسباب عدم جمع القرآن في حياة النبي ﷺ أن المدة بين نزول آخر ما نزل، وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا، وعلى رأي أكثر العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] هو آخر ما نزل. (١) وقد انتقل رسول الله ﷺ إلى جوار ربه بعد نزولها بتسع ليال فالمدة إذا قصيرة، ولا يمكن جمعه قبل تكامل النزول. (٢)
الوجه السابع: أن جمع القرآن زمن أبي بكر الصديق ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ قد كان له ما يدعو إليه .
يقول الزرقاني: وإنما لم يجمع القرآن في صحف ولا مصاحف لاعتبارات. . . أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر ﵁ حتى كتبه في صحف، ولا مثل ما وجد على عهد عثمان ﵁ حتى نسخه في مصاحف.
فالمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم يستبحر عمرانه بعد، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة، وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول باستظهار القرآن تفوق الوصف وتُوفي على الغاية حتى في طريقة أدائه على حروفه السبعة التي نزل عليها (٣).
ثم كان الرسول ﷺ بين أظهرهم يستفتونه في كل ما يهمهم من أمرهم.
الوجه الثامن: مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة، والموجود منها عسر الاستعمال .
إنَّ لمواد الكتابة عامل في تيسير جمع المكتوب من القرآن في مكان أو في مصحف واحد، وكان أصحاب النبي ﷺ يستعملون في كتابة القرآن كل ما توفر في بيئتهم وتيسر لهم من أدوات الكتابة.
стр. 2664
فكما عند البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب (١).
وفي رواية عند البخاري زاد (واللخاف) (٢).
وفي رواية عند ابن أبي داود زاد: (ومن الأضلاع) (٣).
وزاد: (والأقتاب) (٤)
هذا كما كانت الكتابة على الجلود وصفائح الخشب، فهذه الآثار وغيرها تدلنا على عظيم بلاء الصحابة في كتابة القرآن، وما تحملوه من المشاق، حيث إن مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة كما أن الموجود منها كان عسر الاستعمال، ويحتاج إلى جهد كبير في إعداده وتجهيزه.
وبقي القرآن مكتوبًا على هذه الأدوات محفوظًا عند النبي ﷺ وأصحابه ولم يجمع في مصحف واحد في ذلك العهد.
قال القسطلاني: وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده، لكن غير مجموع في موضح واحد، ولا مرتب السور (٥).
стр. 2665
وكثرة أدوات الكتابة وتنوعها لا يؤثر في جمع القرآن إذ كان التعويل على الحفظ والتلقي قبل كل شيء، ولم يكن التعويل على المكتوب وحده.
فلا جرم كان في الحفظ والكتابة معا، ضمان للنظام والترتيب والضبط والحصر. (١)
الشبهة الثانية: لم يجمع القرآن إلا أربعة .
نص الشبهة:
مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. حيث استند هؤلاء بما صح عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مَاتَ النبي ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ (٢). قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي (٣).
والرد من وجوه:
الوجه الأول: الحصر الذي ذكره أنس ﵁ هو حصر نسبي (إضافي) وليس حصرًا حقيقيًا .
أي أن قول أنس ﵁ (أَرْبَعَةٌ) لا مفهوم له؛ وليس الحصر في كلامه حقيقيًّا، بل هو حصر إضافي، أي: بالإضافة إلى غيرهم، فالحصر الذي تلمحه فيه حصر نسبي وليس حصرًا حقيقيًا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله ﷺ ، والدليل على أن هذا الحصر إضافي لا حقيقي ما يلي: