← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. (١) فنزل القرآن على هذه الحال لحكم كثيرة من الله العليم الحكيم الخبير، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ومن تيسير حفظه في الصدور وفهمه ومسايرة الحوادث والتدرج في التشريع. (٢) فكتابة القرآن والحالة هذه في موضع واحد إن لم تكن مستحيلة فهي متعذرة في كتاب ينزل في سنين طويلة وانظر الوجه التالي. الوجه الرابع: عدم استقرار ترتيب الآيات والسور في زمن النبي ﷺ -. إن من أسباب عدم جمع القرآن في حياة النبي ﷺ أن ترتيب الآيات والسور لم يكن قد استقرَّ، ولم يكن على حسب النزول فهناك من الآيات والسور الكثيرة التي هي من أواخر ما نزل، بينما ترتيبها في القرآن العظيم في أوائل السور الكريمة. كما في سورة البقرة، وسورة آل عمران. (٣) بل إن القرآن ما كان ينزل على رسول الله ﷺ على هذا الترتيب الذي في المصحف فعلى هذا فإن كثيرًا من السور التي هي من أواخر ما نزل في المدينة تكون في المصحف قبل التي نزلت أول البعثة بمكة. بل إنه من المعلوم أن الآية الناسخة تنزل متأخرة عن الآية المنسوخة فتنسخها إما حكمًا، وإما تلاوةً، وإما حكمًا وتلاوة معا، على الرغم من ذلك فإن الناسخة قد تتقدم في ترتيب المصحف على المنسوخة. يقول الشيخ محمد أبو شهبة: وذلك مثل آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا، فإنها ناسخة لآية الاعتداد بحول، مع أن الأولى مكتوبة في المصاحف قبلها وهي متأخرة في

стр. 2662

النزول عنها قطعا لوجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ (١). وأنت خبير بأن القرآن لو جمع في صحف أو مصاحف والحال على ما شرحنا لكان عرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب (٢). الوجه الخامس: نزول الوحي على النبي ﷺ بالنسخ . إن النبي ﷺ كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية أو آيات نزلت من قبل فكيف يكون جمع الآيات كلها في مصحف واحد ويتعرض بعضها لنسخ التلاوة؟ قال الخطابي: يحتمل أن يكون ﷺ إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ ، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعد الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق ﵁ بمشورة عمر ﵁ (٣). قال الزركشي: وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض؛ لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين. (٤) وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" (٥) الحديث، فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابةٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ. (٦) وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور.

стр. 2663

قلت: فهذه أوجه تخص طبيعة النص القرآني، وما سيأتي من الوجوه تتحدث عن الظروف التي أحاطت بالنص القرآني الكريم وحالت دون جمعه. الوجه السادس: إن المدة بين آخر ما نزل وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا . من أسباب عدم جمع القرآن في حياة النبي ﷺ أن المدة بين نزول آخر ما نزل، وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا، وعلى رأي أكثر العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] هو آخر ما نزل. (١) وقد انتقل رسول الله ﷺ إلى جوار ربه بعد نزولها بتسع ليال فالمدة إذا قصيرة، ولا يمكن جمعه قبل تكامل النزول. (٢) الوجه السابع: أن جمع القرآن زمن أبي بكر الصديق ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ قد كان له ما يدعو إليه . يقول الزرقاني: وإنما لم يجمع القرآن في صحف ولا مصاحف لاعتبارات. . . أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر ﵁ حتى كتبه في صحف، ولا مثل ما وجد على عهد عثمان ﵁ حتى نسخه في مصاحف. فالمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم يستبحر عمرانه بعد، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة، وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول باستظهار القرآن تفوق الوصف وتُوفي على الغاية حتى في طريقة أدائه على حروفه السبعة التي نزل عليها (٣). ثم كان الرسول ﷺ بين أظهرهم يستفتونه في كل ما يهمهم من أمرهم. الوجه الثامن: مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة، والموجود منها عسر الاستعمال . إنَّ لمواد الكتابة عامل في تيسير جمع المكتوب من القرآن في مكان أو في مصحف واحد، وكان أصحاب النبي ﷺ يستعملون في كتابة القرآن كل ما توفر في بيئتهم وتيسر لهم من أدوات الكتابة.

стр. 2664

فكما عند البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب (١). وفي رواية عند البخاري زاد (واللخاف) (٢). وفي رواية عند ابن أبي داود زاد: (ومن الأضلاع) (٣). وزاد: (والأقتاب) (٤) هذا كما كانت الكتابة على الجلود وصفائح الخشب، فهذه الآثار وغيرها تدلنا على عظيم بلاء الصحابة في كتابة القرآن، وما تحملوه من المشاق، حيث إن مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة كما أن الموجود منها كان عسر الاستعمال، ويحتاج إلى جهد كبير في إعداده وتجهيزه. وبقي القرآن مكتوبًا على هذه الأدوات محفوظًا عند النبي ﷺ وأصحابه ولم يجمع في مصحف واحد في ذلك العهد. قال القسطلاني: وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده، لكن غير مجموع في موضح واحد، ولا مرتب السور (٥).

стр. 2665

وكثرة أدوات الكتابة وتنوعها لا يؤثر في جمع القرآن إذ كان التعويل على الحفظ والتلقي قبل كل شيء، ولم يكن التعويل على المكتوب وحده. فلا جرم كان في الحفظ والكتابة معا، ضمان للنظام والترتيب والضبط والحصر. (١) الشبهة الثانية: لم يجمع القرآن إلا أربعة . نص الشبهة: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. حيث استند هؤلاء بما صح عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مَاتَ النبي ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ (٢). قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي (٣). والرد من وجوه: الوجه الأول: الحصر الذي ذكره أنس ﵁ هو حصر نسبي (إضافي) وليس حصرًا حقيقيًا . أي أن قول أنس ﵁ (أَرْبَعَةٌ) لا مفهوم له؛ وليس الحصر في كلامه حقيقيًّا، بل هو حصر إضافي، أي: بالإضافة إلى غيرهم، فالحصر الذي تلمحه فيه حصر نسبي وليس حصرًا حقيقيًا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله ﷺ ، والدليل على أن هذا الحصر إضافي لا حقيقي ما يلي:

стр. 2666

الدليل الأول: اختلاف الرواية عن أنس ﵁ في تحديد الأربعة . فمِمَّا يدل على إرادة الحصر الإضافي اختلاف الرواية عن أنس ﵁ في تحديد الأربعة، ففي رواية؛ قَالَ: مَاتَ النبي ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. (١) وفي رواية أخرى أن قتادة سأل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَادُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ (٢). قال الزرقاني: فأنت ترى أن أنسًا في هذه الرواية ذكر من الأربعة أبي بن كعب بدلًا من أبي الدرداء في الرواية السابقة. وهو صادق في كلتا الروايتين؛ لأنه ليس بمعقول أن يكذب نفسه، فتعين أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي بأن يقال: إن أنسا ﵁ تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة، ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء، حاصرًا الجمع فيهم، ثم علق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبا الدرداء دون أبي بن كعب، وهذا التوجيه وإن كان بعيدًا إلا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين وبينهما وبين روايات أخرى ذكرت غير هؤلاء (٣). والاختلاف في تحديد المعدود المحصور يدل على عدم إرادة الحصر الحقيقي (٤). الدليل الثاني: استحالة إحاطة أنس بحال كل الصحابة، وأنَّهم لم يجمعوا القرآن كله . قال المازري: لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة، وتفرقهم في البلاد، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وهذا في غاية البعد في

стр. 2667

العادة، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك. (١) الدليل الثالث: كثرة الحفاظ من الصحابة . عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ : "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ". (٢)، وثبت أنه قُتِل يوم بئر معونة سبعون من القراء (٣). وثبت أن عبد الله بن عمرو كان يختم كل ليلة (٤). وبتقدير مراد أنس ﵁ بالحصر الإضافي فالمعنى من هذه الوجوه التالية أيضًا: الوجه الثالث [*]: ذهب بعضهم إلى أن المراد به الجمع بوجوه القراءات كلها. (٥) الوجه الرابع: لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته؛ مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا تلك الجماعة (٦). الوجه الخامس: أن الْمراد بجمعه: تلَقِّيهِ من فِي رسول الله ﷺ بغير واسطة، بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة (٧). الوجه السادس: أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمَّن

стр. 2668

عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء والعجب وأمن ذلك من أظهره (١). الوجه السابع: المراد بالجمع الكتابة فلا ينفى أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب. (٢) المراد أن أحدا لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله ﷺ إلا أولئك بخلاف غيرهم فلم يفصح بذلك؛ لأن أحدا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله ﷺ حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة ممن جمع جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حضرها من لم يجمع غيرها الجمع البين. (٣) وعدم الإفصاح كان لأسباب منها ما ذُكر، ومنها ما قاله المازري حيث قال: ويحتمل أن يراد به أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبي ﷺ سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام ﷺ حيًا فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله واستجازه هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه. ويحتمل أيضًا أن يكون سواهم لم ينطق بإكماله خوفًا من المراءاة به، واحتياطًا على النيات كما يفعل الصالحون في كثير من العبادات، وأظهر هؤلاء الأربعة ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم، أو لرأيٍ اقتضى ذلك عندهم (٤). وعلى تقدير الحصر في كلام أنس ﵁ فالجواب من هذه الوجوه التالية أيضًا. الوجه الثامن: أنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه، فقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة، وأما غيرهم من المهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم فلم ينفهم، ولو نفاهم

стр. 2669

كان المراد نفي علمه، ومع هذا فقد روى غير مسلمٍ حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ ، وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيًا، وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي ﷺ فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها وبقي بالمدينة أو بمكة أو غيرهما؟ (١). الوجه التاسع: هذا الخبر ليس على ظاهره . لم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه، مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظن هذا بهم ونحن نرى أهل عصرنا حفظه منهم في كل بلدة ألوف، مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة؟ مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن وما سمعوه من النبي ﷺ ، فكيف نظن بهم إهماله؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد يجمع القرآن إلا الأربعة المذكورون. (٢) قال المازري: وأنَّا نعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث هو، وكان الكافرون في الجاهلية يعجبون من بلاغته، ويحاورون فيها حتى ينسبونها تارة إلى السحر، وتارة إلى أساطير الأولين، ونحن نعلم من عادة العرب شدة حرصها على الكلام البليغ وتحفظها له، ولم يكن لها شغل ولا صنعة سوى ذلك. فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى هذا الذي ذكرناه لكان أول الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره. (٣) الوجه العاشر: أنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره، فإن أجزاءه حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون، يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل

стр. 2670

جميعهم جميعه؛ بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر، صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف في هذا مسلم ولا ملحد. (١) الشبهة الثالثة: حول اختلاف ألحان العرب في المصاحف وألحان اللغات . نص الشبهة: عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فُرغ من المصحف، أُتي به عثمانُ فنظر فيه فقال: "قد أحسنتم، وأجملتم، أرى فيه شيئًا من لحنٍ ستقيمه العرب بألسنتها" (٢) وعن عكرمة الطائي قال: لما أُتي عثمان ﵁ بالمصحف رأي فيه شيئًا من لحن فقال: "لو كان المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا". (٣)

стр. 2671

والرد على ذلك من هذه الوجوه: الوجه الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان ﵁ -. الوجه الثاني: هذا الخبر مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً. الوجه الثالث: اللحن المراد به هنا هو: اللغة. الوجه الرابع: أن ذلك محمولًا على الرمز والإشارة ومواضع الحذف. الوجه الخامس: أنه مؤول على أشياء خالف لفظُها رسمَها. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان ﵁. وذلك من وجوه: أولًا: إسناده ضعيف . (١) قال السخاوي: إنه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع. (٢) قال أبو عمرو الداني: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة، ولا يصح به دليل، لما فيه تخليط في إسناده، واضطراب في ألفاظه، ومع ذلك فهو مرسل؛ لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئًا ولا رأياه. (٣) ثانيًا: أن فيه اضطرابًا . فغير خفي على المتأمل ما في الروايتين من اضطراب وتناقض؛ فإن قوله: "أحسنتم وأجملتم". مدح وثناء، وقوله: "إن فيه لحنًا" يشعر بالتقصير والتفريط، فكيف يصح في

стр. 2672

العقول أن يمدحهم على التقصير، والتفريط؟ . ثالثًا: أن عثمان كان يُرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين ليحكم بالحق، فكيف يترك لحنًا فيه؟ والدليل على ذلك ما يلي: ١ - قال ابن الأنباري: فكيف يُدَّعي عليه أنه رأى فسادًا فأمضاه، وهو يوقَف على ما كتب، ويُرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين ليحكم بالحق، ويُلزمهم إثبات الصواب وتخليده (١). ٢ - أنه قد ثبت أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب التابوت بالهاء على لغة الأنصار فمنعوه من ذلك، ورفعوه إلى عثمان ﵁ وأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش (٢). ٣ - عن مولى عثمان قال: كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أُبي بن كعب، فيها "لم يتسن"، وفيها "لا تبديل للخلق"، وفيها "فأمهل الكافرين". قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، ومحا "فأمهل"، وكتب ﴿فَمَهِّلِ﴾، وكتب ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ألحق فيها الهاء. (٣) رابعًا: أن عثمان لم يستقل بجمع المصحف؛ بل شاركه الصحابة في جمعه وكتابته، ولم ينشروه بين المسلمين حتى قابلوه على الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبى بكر ﵁، فلم يتداوله المسلمون إلا وهو بإجماع الصحابة موافق تمام الموافقة للعرضة الأخيرة التي عرض فيها النبي ﷺ القرآن على جبريل ﵇. الوجه الثاني: هذا الخبر مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً . ومما يدل على ذلك الآتي: أولًا: كيف يُظن بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام فضلًا عن القرآن؟ وهم الفصحاء اللد، فكيف يظن بهم اللحن في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ ، كما أنزل، وحفظوه وضبطوه وأتقنوه؟ .

стр. 2673

ثانيًا: كيف يُظن بهم اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟ . ثالثًا: كيف يظن بهم عدم تنبيههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهي عن تغييره، ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف؟ هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة (١). رابعًا: إن الصحابة ﵃ كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرون اللحن في القرآن مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟ . خامسًا: إن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف؟ ! . سادسًا: إن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم؛ لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي (٢). سابعًا: إن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان ﵁ لما فيه من الطعن عليه، مع محلّه من الدين، ومكانه من الإسلام، وشدّة اجتهاده في بذل النصيحة، واهتباله بما فيه الصلاح للأمة، فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأتقياء الأبرار ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنًا وخطأً يتولى تغييره من يأتي بعده، ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده. هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله، ولا يحل لأحد أن يعتقده. وقال ابن الأنباري في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان: في الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في زمنه يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين فيه خللًا، ويشاهد في خطه زللًا فلا يصلحه، كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده

стр. 2674

البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه. ومن زعم أن عثمان أراد بقوله أرى فيه لحنًا: أرى في خطه لحنًا إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ، وإفساد الإعراب، فقد أبطل ولم يصب؛ لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق، ومعلوم أنه كان مواصلًا لدرس القرآن، متقنًا لألفاظه، موافقًا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي (١). ثامنًا: إن عثمان ﵁ لم يأمر بكتابة مصحف واحد؛ إنما كتب بأمره عدة مصاحف، ووجَّه كلا منها إلى مصر من أمصار المسلمين، فماذا يقول أصحاب هذا القول فيها؟ أيقولون إنه رأى اللحن في جميعها متفقًا عليه فتركه لتقيمه العرب بألسنتها، أم رآه في بعضها؟ . فإن قالوا: في بعض دون بعض، فقد اعترفوا بصحة البعض، ولم يذكر أحد منهم ولا من غيرهم أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءات وليس ذلك بلحن. وإن قالوا: رآه في جميعها، لم يصح أيضًا؛ فإنه يكون مناقضًا لقصده في نصب إمام يقتدى به على هذه الصورة، وأيضًا فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم سادات الأمة وعلماؤها فكيف يقيمه غيرهم؟ (٢) وعلى تقدير صحة الرواية فيجاب عنها بهذه الوجوه التالية أيضًا. الوجه الثالث: اللحن المراد به هنا هو: اللغة . قال أبو بكر بن أبي داود: هذا عندي يعني بلغتها، وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرءونه. قلت: ولذا فقد فسر ﵀ ما بوب به على هذا الفصل، فقد بوب بابًا: اختلاف ألحان العرب في المصاحف ثم قال موضحًا معنى الألحان فقال: والألحان: اللغات. (٣)

стр. 2675

واللَّحَنُ يأتي بمعنى: اللغة. (١) الوجه الرابع: أن ذلك محمولا على الرمز والإشارة ومواضع الحذف . وذلك نحو: الكتاب، والصابرين وما أشبه ذلك. (٢) الوجه الخامس: أنه مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها . كما كتبوا (لا أوضعوا) (لا أذبحنه) بألف بعد لا، و (جزاؤا الظالمين) بواو وألف، و (بأييد) بياءين. فلو قرئ ذلك بظاهر الخط لكان لحنًا. (٣) قال أبو عمرو الداني: المقصد أن يكون عثمان ﵁ أراد باللحن المذكور فيه: التلاوة دون الرسم، إذ كان كثير منه لو تُلي على رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة، وتغيرت ألفاظها ألا ترى قوله "أولاأذبحنّه" و"لاأوضعوا" و"من نبأي المرسلين" و "سأوريكم" و"الربوا" وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسمه، لو تلاه تالٍ لا معرفة له بحقيقة الرسم، على صورته في الخط، لصير الإيجاب، ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله، فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه، مع كون رسم ذلك كذلك جائزًا مستعملًا. فأعلم عثمان ﵁ إذ وقف على ذلك أن من فاته تمييز ذلك، وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده سيأخذ ذلك عن العرب؛ إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم فيُعرِّفونه بحقيقة تلاوته، ويدلُّونه على صواب رسمه؛ فهذا وجهه عندي والله أعلم (٤). الشبهة الرابعة: حول أول من جمع القرآن . نص الشبهة: أثار هؤلاء شبهة في بعض الآثار التي ظاهرها التعارض في ذكر أول من جمع القرآن، حيث قيل: إنه علي بن أبي طالب ﵁، وقيل: عمر بن الخطاب، وقيل سالم مولى أبي حذيفة.

стр. 2676

والرد على هذه الشبهة في هذه المباحث: المبحث الأول: ما ورد أن عليًا ﵁ أول من جمع القرآن. المبحث الثاني: ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من جمع القرآن. المبحث الثالث: ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة ﵁. المبحث الأول: ما ورد أن عليًا أول من جمع القرآن . ١ - عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم عليٌّ أن لا يرتدي برداء إلا لجُمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل. فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أَكَرهْتَ إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: "لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع" (١). ٢ - عن عكرمة، فيما أحسب قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر ﵁، قعد علي بن أبي طالب في بيته. فقيل لأبي بكر: قد كره بيعتك. فأرسل إليه فقال: أَكَرهْتَ بيعتي؟ فقال: لا والله. قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه. فقال أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت (٢). ٣ - عن عبد خير، عن علي قال: لما قبض رسول الله ﷺ أقسمت أو حلفت أن لا أضع ردائي

стр. 2677

عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن. (١) وتوجيه ذلك من عدة وجوه: الوجه الأول: هذه الروايات ضعيفة كما سبق في التخريج وكلام أهل العلم عليها فلا يستدل بها. الوجه الثاني: شهادة عليّ بأن أبا بكر هو أول من جمع القرآن . عن عبد خير، عن علي، قال: "رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع القرآن" (٢). وفي لفظ: (أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر. . .). الوجه الثالث: وعلى تقدير أن يكون محفوظًا فمراده بجمعه: حفظه في صدره . (٣) قال أبو بكر ابن أبي داود: أجمع القرآن يعني: أتم حفظه. فإنه يقال للذي يحفظ القرآن قد جمع القرآن. (٤) الوجه الرابع: أو يحمل على أنه أراد أن يجرِّد مصحفه مِمَّا ليس من القرآن، كالتفسير والأحكام. الوجه الخامس: كما أنه قد قيل: إنَّ جَمْعَ عليٍّ كان أشبه بكتاب علم، جمع فيه غير القرآن مع القرآن، وإذن فصُورتُه غير صورة الجمع البكري، وغرضُه غير غرضِهِ. فقد روى هذا الخبر ابن أشتة في كتاب المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: فطلبتُ ذلك الكتاب، وكتبتُ فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه (٥).

стр. 2678

المبحث الثاني: ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من جمع القرآن . ١ - عن الحسن، أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله؟ فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة فقال: "إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع، وكان أول من جمعه في المصحف" (١). الرد على هذا الأثر من وجوه: الوجه الأول: إسناد هذا الأثر منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر بن الخطاب، فقد ولد لسنتين بقيتا من خلافته (٢). الوجه الثاني: الظن أنَّها لا تعدو رواية البخاري التي أسلفناها، والتي تقرِّر أنَّ عمر هو فعلًا صاحب فكرة الجمع الأول، وأنه أشار بِها على أبي بكر، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره لها. قال ابن حجر: وهذا منقطع، فإن كان محفوظًا حُمل على أن المراد بقوله: فكان أول من جمعه، أي: أشار بجمعه في خلافة أبي بكر، فنُسِب الجمع إليه لذلك (٣). ٢ - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان. فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئًا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت، فقال: إني قد رأيتكم

стр. 2679

تركتم آيتين لم تكتبوهما. قالوا: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. قال عثمان: فأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بها آخر ما نزل من القرآن، فختمت بها براءة" (١). الرد على هذا الأثر من وجوه: الأول: أنه ضعيف كما بينا فلا يستدل به. الثاني: المتن فيه نكارة - فيما يظهر والله أعلم - إذ يدل على أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي قال بجمع المصحف فقتل ولم يتم ذلك حتى أكمله عثمان ﵁ بعد ذلك، فأتاه خزيمة بن ثابت بخاتمة براءة، وهذا مخالف لما هو المعروف الثابت إذ الراجح أن الذي أتى بخاتمة براءة هو أبو خزيمة - كما في شبهة آيتي التوبة والأحزاب - وأيضًا كان ذلك في خلافة الصديق ﵁ إلا أن عمر كان هو القائم على هذا الجمع بأمر الصديق له في ذلك. (٢) المبحث الثالث: ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة . قال السيوطي: ومن غريب ما ورد في أول من جمعه ما أخرجه ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال: أول من جمع القرآن في مصحفٍ سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه. والرد على هذا الأثر من هذه الوجوه:

стр. 2680

الوجه الأول: قال السيوطي: إسناده منقطع (١). الوجه الثاني: وعلى تقدير أن يكون محفوظًا فمراده بجمعه حفظه في صدره. كما قاله ابن أبي داود وابن حجر فيما سبق (٢). والصواب - والله أعلم - أن أوَّلية أبي بكر في جمع القرآن أولية خاصةٌّ، إذ قد كان للصحابة مصاحف كتبوا فيها القرآن قبل جمع أبي بكر، وهذا لا يعكر صفو القول بأن أول من جمع القرآن هو الصدِّيق؛ لأن مصاحف الصحابة الأخرى إنَّما كانت أعمالًا فردية، لم تظفر بِما ظفر به مصحف الصدِّيق من دقَّة البحث والتحرِّي، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حدَّ التواتر، ومن إجماع الأمة عليها، إلى غير ذلك من الْمزايا التي كانت لمصحف الصدِّيق. فلا يضير مع كل هذه الْمزايا أن يُروى أن عليًّا أو عمر أو سالِمًا كان أول من جمع القرآن، فقُصارى تلك الروايات أنَّها تثبت أن بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، ولكنها لا تُعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للمصحف الذي جمع على عهد أبي بكر. (٣)

стр. 2681

الشبهة الخامسة: شبهات حول تخطئة ابن عباس، وعائشة للكُتاب . المبحث الأول: تخطئة ابن عباس للكُتاب . وفي ذلك شبهات: الأولى: يقولون: ألا يكفي في الطعن على جمع القرآن ورسمه، ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ أنه قال: إن الكاتب أخطأ والصواب: حتى تستأذنوا. والجواب على ذلك من رد إجمالي ووجوه. الرد الإجمالي: دفع عام عن ابن عباس ﵁. كل ما روي عن ابن عباس في تلك الشبهات يمكن دفعه دفعًا عامًا بأن ابن عباس قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وهما كانا في جمع المصاحف. وزيد بن ثابت كان في جمع أبي بكر أيضًا. وكان كاتب الوحي، وكان يكتب ما يكتب بأمر النبي ﷺ وإقراره. وابن عباس كان يعرف ذلك ويوقن به، فمحال إذن أن ينطق لسانه بكلمة تحمل رائحة اعتراض على جمع ورسم القرآن، وإلا فكيف يأخذه عن زيد وأبي بن كعب ثم يعترض على جمعهما ورسمهما؟ ! (١). وإليك الوجوه: الوجه الأول: أن هذا كان على سبيل التفسير . عن ابن عباس أنه فسر ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ فقال: أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها يعني أصحاب البيوت (٢). الوجه الثاني: المقصود بالخطأ عدم اختيار الأولى . أجاب ابن أشته عن جميع ذلك بأن المراد: الخطأ في الاختيار، وترك ما هو الأولى بحسب ظنه ﵁ لجميع الناس عليه من الأحرف السبعة؛ لأن الذي كُتب خطأ خارج عن القرآن.

стр. 2682

واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال: هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذُكر خلاف ظاهر كلامه، وأيضًا ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة ﵃ على خلافه، مما سمع رسول الله ﷺ في العرضة الأخيرة بعيد، وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في مختارته، ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل (١). الوجه الثالث: أنه معارض للقاطع المتواتر . وهو قراءة: تستأنسوا، والقاعدة: أن معارض القاطع ساقط، وأن الرواية متى خالفت رسم المصحف فهي شاذة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها. (٢) واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر؛ لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل (٣). الوجه الرابع: أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد . فمن ذلك ما روي عن أبي بكر أنه قال: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم فقال رجل حضره: هذا والله الحق. فقال عمر: إن عمر لا يدري أنه أصاب الحق لكنه لم يأل جهدًا. وروي عنه أنه قال لكاتبه: اكتب هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابًا فمن الله، وأيضًا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، ومن ذلك ما روي عن علي ﵁ أنه قال في المرأة التي استحضرها عمر فأجهضت ما

стр. 2683

في بطنها، وقد قال له عثمان وعبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب لا نرى عليك شيئًا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشَّاك، أرى عليك الدية. ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، ومن ذلك ما روي أن عليًا وابن مسعود وزيدًا ﵃ خطئوا ابن عباس في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول، بقوله: من شاء أن يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ . ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا. إلى غير ذلك من الوقائع ولم ينكر بعضهم على بعض في التخطئة فكان ذلك إجماعًا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا واحدًا. (١) الوجه الخامس: يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته يعني: ولم يطلع ابن عباس على ذلك . (٢) وهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة ﵃ أجمعوا على كتابة: تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا، ومضى على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال فيه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦, ١٧] (٣). الثانية: مما روي عن ابن عباس أيضًا أنه قرأ "أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا". فقيل له: إنها في المصحف ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقال: أظن

стр. 2684

الكاتب كتبها وهو ناعس. (١) ونجيب على هذه الشبهة بما سبق أيضًا، ونضيف هنا. قال الزمخشري: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء؟ وهذه والله فرية ما فيها مرية. (٢) قال أبو بكر الأنباري: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدًا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس (٣). الثالثة: يقولون: ومن وجوه الطعن أيضًا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. إنما هي: ووصى ربك التزقت الواو بالصاد وكان يقرأ: ووصى ربك. ويقول: أمر ربك. إنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد، وروي عنه أنه قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم. ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ ولو نزلت على القضاء ما أشرك أحد (٤). والجواب: أولًا: الأثر لا يصح عن ابن عباس. ثانيًا: أن هذه الروايات معارضة للمتواتر القاطع وهو قراءة وقضى؛ ومعارض

стр. 2685

القاطع ساقط. ثالثًا: أن ابن عباس نفسه وقد استفاض عنه أنه قرأ: وقضى، وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس الرخيصة التي لفقها أعداء الإسلام. قال القرطبي: ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم: القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] يعني خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] يعني: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ، كقوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] أي: فرغ منه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. والقضاء بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، والقضاء بمعنى العهد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]. فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء (١). قال أبو حيان: والمتواتر ﴿وَقَضَى﴾ وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر. وقال ابن مسعود وأصحابه: بمعنى وصى (٢).

стр. 2686

إذن رواية وقضى هي التي انعقد الإجماع عليها من ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، فلا يتعلق بأذيال مثل هذه الرواية الساقطة إلا ملحد ولا يرفع عقيرته بها إلا عدو من أعداء الإسلام (١). الرابعة: يقولون: إن ابن عباس روي عنه أيضًا أنه كان يقرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] ويقول خذوا هذه الواو واجعلوها في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. وروي عنه أيضًا أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (٢). والجواب: أولًا: أنها معارضة للقراءة المتواترة المجمع عليها فهي ساقطة. ثانيًا: أن بلاغة القرآن قاضية بوجود الواو لا بحذفها؛ لأن ابن عباس نفسه فسر الفرقان في الآية المذكورة بالنصر، وعليه يكون الضياء بمعنى التوراة أو الشريعة. فالمقام للواو لأجل هذا التغاير (٣). الخامسة: يقولون: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ أنه قال: هي خطأ من الكاتب. هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. إنما هي: مثل نور المؤمن كمشكاة (٤). والجواب عن ذلك: أولًا: بأنها رواية معارضة للقاطع المتواتر فهي ساقطة. ثانيًا: أنه لم ينقل عن أحد من القراء أن ابن عباس ﵁ قرأ: مثل نور المؤمن، فكيف يقرأ بما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه صواب؟ ألا إنها كذبة مفضوحة، ولو أنهم

стр. 2687

نسبوها لأبي بن كعب لكان الأمر أهون؛ لأنه روي في الشواذ أن أبي بن كعب قرأ: مثل نور المؤمن. والذي ينبغي أن تحمل عليه هذه الروايات أن أبيًا ﵁. أراد تفسير الضمير في القراءة المعروفة المتواترة وهي مثل نوره. فهي روايات عنه في التفسير لا في القراءة بدليل أنه كان يقرأ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ (١). المبحث الثاني: ما جاء عن تخطئة عائشة ﵂ للكُتَّاب . عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لحن القرآن، ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وعن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] وعن قوله ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، فقالت: "يا ابن أختي، هذا عمل الكُتَّاب أخطأوا في الكتاب" (٢). وروي عن مَوْلَى بَنِي جُمَحٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَقِيفَةِ زَمْزَمَ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ ظِلٌّ غَيْرَهَا، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِأَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي: عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَوْ تُلِمَّ بِنَا؟ فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أُمِلَّكِ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، قَالَ: جِئْتُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ الله ؛ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَؤُهَا؟ فَقَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَوْ (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) فَقَالَتْ: أَيَّتُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا جَمِيعًا أَوْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، قَالَتْ: أَيَّتُهُمَا. قُلْتُ: الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا. قَالَتْ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، أَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ لَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَؤُهَا وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حَرْفٌ (٣).

стр. 2688

والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إن عروة لم يسأل عائشة فيه عن حروف الرسم التي تزاد فيها لمعنى وتنقص منها لآخر تأكيدًا للبيان وطلبا للخفّة، وإنما سألها فيه عن حروف من القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه على اختلاف اللغات التي أذن الله لنبيّه ﷺ ولأُمّته في القراءة بها، واللزوم على ما شاءت منها؛ تيسيرا لها وتوسعة عليها. وما هذا سبيله وتلك حاله فعن اللحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل؛ لفشّوه في اللغة ووضوحه في قياس العربية، وإذا كان الأمر في ذلك كذلك فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم، ولا هو من سببه في شيء، وإنما سمّى عروة ذلك لحنا وأطلقت عائشة على مرسومه كذلك الخطأ على جهة الاتّساع في الأخبار وطريق المجاز في العبارة؛ إذ كان ذلك مخالفا لمذهبهما وخارجا عن اختيارهما، وكان الأوجه والأولى عندهما، والأكثر والأفشى لديهما لا على وجه الحقيقية والتحصيل، فالقطع لما بيّناه قبل من جواز ذلك وفشوه في اللغة واستعمال مثله في قياس العربية مع انعقاد الإجماع على تلاوته كذلك دون ما ذهبا إليه إلا ما كان من

стр. 2689

شذوذ أبي عمرو بن العلاء في "إن هذين" خاصّة هو الذي يُحمل عليه هذا الخبر ويتأوّل فيه دون أن يقطع به. على أن أم المؤمنين ﵂ مع عظيم محلّها، وجليل قدرها، واتّساع علمها ومعرفتها بلغة قومها لحّنت الصحابة، وخطأت الكتبة؛ وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة موضعهم الذي لا يجهل ولا ينكر، هذا ما لا يسوغ ولا يجوز (١). الوجه الثاني: ولو كانت ترى ذلك لِم لَم تنكره وتأمر بتغييره ولكن سكتت على هذا اللحن حتى جاء ابن أختها وهو من التابعين، فهذا مستبعد جدًا. الوجه الثالث: اتفاق مصحفنا ومصحف أبيٍّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. (٢) الوجه الرابع: وقد تأوّل بعض علمائنا قول أمّ المؤمنين أخطأوا في الكتاب، أي: أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز مردود بإجماع وإن طالت مدّة وقوعه وعظم قدر موقعه، وتأوّل اللحن أنه القراءة واللغة كقول عمر ﵁: أبيٌّ أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه. أي قراءته، فهذا بين وبالله التوفيق. (٣) وهذا غير مستبعد فقد ثبت أن كبار الصحابة خطَّأ بعضهم بعضا؛ لعدم علمهم ببعض الأحرف التي أنزل عليها القرآن.

стр. 2690

الوجه الخامس: أن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحًا فإنها مخالفة للمتواتر القاطع، ومعارض القاطع ساقط مردود فلا يلتفت إليها ولا يعمل بها، ثم إنه قد نص في كتاب إتحاف فضلاء البشر على أن لفظ (هذان) قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء؛ ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها كما شرحنا ذلك سابقا في فوائد رسم المصحف؛ وإذن فلا يعقل أن يقال: أخطأ الكاتب. فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً، ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب؛ بل كانت تنسبه لمن يقرأ بتشديد (إن) وبالألف لفظا في هذان، ولم ينقل عن عائشة ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر، وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؛ بل هي قراءة الأكثر ولها وجه فصيح في العربية لا يخفى على مثل عائشة. ذلك هو إلزام المثنى الألف في جميع حالاته وجاء منه قول الشاعر العربي: واها لسلمى ثم واها واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها وموضع الخلخال من رجلاها ... بثمن يرضى به أباها إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها فبعيد عن عائشة أن تنكر تلك القراءة ولو جاء بها وحدها رسم المصحف (١). الوجه السادس: أن ما نسب إلى عائشة ﵂ من تخطئة رسم المصحف في قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ بالياء مردود بما ذكره أبو حيان في البحر إذ يقول ما نصه: وذكر عن عائشة ﵂ وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح ذلك عنهما؛ لأنهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهور في لسان العرب، وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره. وقال الزمخشري: لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه خطأ في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب يريد كتاب سيبويه، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم

стр. 2691

في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة يسدها من بعدهم، وخرقًا يرفوه من يلحقهم. الوجه السابع: أن قراءة والصابئون - بالواو - لم ينقل عن عائشة أنها خطأت من يقرأ بها، ولم ينقل أنها كانت تقرأ بالياء دون الواو، فلا يعقل أن تكون خطأت من كتب بالواو. الوجه الثامن: أن كلام عائشة في قوله تعالى ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ لا يفيد إنكار هذه القراءة المتواترة المجمع عليها؛ بل قالت للسائل: أيهما أحب إليك ولم تحصر المسموع عن رسول الله فيما قرأت هي به؛ بل قالت: إنه مسموع ومنزل فقط، وهذا لا ينافي أن القراءة الأخرى مسموعة ومنزلة كتلك خصوصًا أنها متواترة عن النبي ﷺ ، أما قولها: ولكن الهجاء حُرّف، فكلمة حُرّف مأخوذة من الحرف بمعنى القراءة واللغة، والمعنى أن هذه القراءة المتواترة التي رسم بها المصحف لغة ووجه من وجوه الأداء في القرآن الكريم، ولا يصح أن تكون كلمة حُرِّف في حديث عائشة مأخوذة من التحريف الذي هو الخطأ وإلا كان حديثا معارضا للمتواتر ومعارض القاطع ساقط (١). الفصل الثالث: شبهات تطعن في سقوط شيء من القرآن . ويشتمل على هذه الشبهات: الشبهة الأولى: شبهة قتل القراء . نص الشبهة: عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت قال: "بعث إليَّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن نأمر بجمع القرآن. فقال أبو بكر لعمر: كيف أفعل شيئا لم

стр. 2692

يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري بما شرح له صدر عمر، ورأيت الذي رأى. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله ﷺ الوحي فتتبع القرآن. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ من ذلك، قلت: فكيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدرهما (صدر أبي بكر وعمر)، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف (يعني: الحجارة) وصدور الرجال فوجدت آخر سورة التوبة (براءة) مع خزيمة بن ثابت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ (١). وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْأَنْصَارِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ وَيَوْمَ الْيَمامَةِ سَبْعُونَ. قَالَ وَكَانَ بِئْرُ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَيَوْمُ الْيَمامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ (٢). ففي ذلك دلالة على ضياع كثير من القرآن بسبب قتل القراء. الرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: حَفِظ القرآن كثير غير هؤلاء الذين قتلوا. الوجه الثاني: ما روي من أنه لم يعلم ولم يكتب ولم يوجد مع أحد بعدهم، فكل هذا من البلاغات، والبلاغات نوع من أنواع الحديث الضعيف المنقطع فلا حجة فيه والعبرة بالموصول. الوجه الثالث: على فرض صحة البلاغات فالمراد منه الآيات المنسوخة. وإليك التفصيل

стр. 2693

الوجه الأول: حفظ القرآن كثير غير هؤلاء الذين قتلوا . لا يسلم لهم؛ لأن نفس ما كان يحفظه الشهداء من القراء كان يحفظه كثيرٌ من الأحياء الذين لم يستشهدوا ولم يموتوا، بدليل قول عمر: وأخشى أن يموت القراء من سائر المواطن. ومعنى هذا أن القراء لم يموتوا كلهم؛ إنما المسألة مسألة خشية وخوف، ومعلوم أن أبا بكر كان من الحفاظ وكذلك عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وهؤلاء عاشوا حتى جمع القرآن في الصحف، وعاش منهم من عاش حتى نسخ في المصاحف، وحينئذ فكتابة زيد ما كتبه هي كتابة لكل القرآن لم تفلت منه كلمة ولا حرف وكان القرآن كله مكتوبًا؛ حتى إن الصحابة في جمعه كانوا يستوثقون له بأن يعتمدوا على الحفظ والكتابة معًا دون الاكتفاء بأحدهما، وكانوا فيما يعتمدون عليه من الكتابة يتأكدون من أنه كتب بين يدي النبي ﷺ ، ويطلبون على ذلك شاهدين كما سلف إيضاحه (١). الوجه الثاني: ما روي من أنه لم يعلم ولم يكتب ولم يوجد مع أحد بعدهم، فكل هذا من البلاغات، والبلاغات نوع من أنواع الحديث الضعيف المنقطع فلا حجة فيه، والعبرة بالموصول الصحيح . عن ابن شهاب قال: "بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، فلم يعلم بعدهم ولم يكتب، فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم، وذلك فيما بلغنا، حملهم على أن يتبعوا القرآن فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن، فيذهبوا بما معهم من القرآن، ولا يوجد عند أحد بعدهم، فوفق الله عثمان فنسخ تلك الصحف في المصاحف، فبعث بها إلى الأمصار، وبثها في المسلمين" (٢). قال الثوري: وبلغنا أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقرؤن القرآن، أصيبوا يوم

стр. 2694

مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن (١). الوجه الثالث: على فرض صحة البلاغات فالمراد منه الآيات المنسوخة . يشهد لهذا أننا لم نجد فيما نعلم أحدًا أخرجه غير عبد الرزاق، وقد ساقه في كتاب الحدود، باب الرجم والإحصان، وساق قبله في الباب نفسه حديث آية الرجم، والتي حكم العلماء بأنها منسوخة. الشبهة الثانية: سورتي الخلع والحفد . نص الشبهة: أن أصل القرآن موجود، ولكنه زيد فيه أو نقص، وتقول دائرة المعارف الإسلامية: القرآن لم يسجل كله عند نزوله، بل كثير من الوحي المتقدم النزول لم يسجل؛ لأن المسلمين لم يكونوا منتبهين لأهمية ما يتلوه الرسول، فضاع كثير من القرآن. ويقول جولدتسهير: لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافًا عقديًا على أنه نص منزل أو موحى به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله، مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات، كما نجد في النص القرآني، ويقول نصر أبو زيد: لم ينج القرآن من عمليات المحو والإثبات. (٢) ونص سورتي الخلع والحفد. سورة الخلع هي: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك الخير (في رواية: كله) (في رواية: ونشكرك) ولا نكفرك (وفي رواية: ونؤمن بك ونخضع لك) (وفي أخرى: ونتوكل عليك)، ونخلع (في رواية: ونخنع) ونترك من يفجرك، (وفي رواية: من يكفرك). وسورة الحفد هي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك (في رواية: ربنا)، ونخاف عذابك (وفي رواية: نخشى

стр. 2695

نقمتك)، إن عذابك، (وفي رواية: الجد) بالكفار (وفي رواية: بالكافرين) ملحق (وفي أخرى: لمن عاديت ملحق). (١) والرد على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: هذا الدعاء لم يصح مسندًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ -. وفيما يلي تخريج ودراسة لأسانيد هذا الدعاء المأثور في دواوين الإسلام المشهورة، من صحاح وسنن ومسانيد وغيرها. فقد ورد مسندًا من حديث عدة من الصحابة، والتابعين، مرفوعًا وموقوفًا. أولًا: ذِكرُ ما ورد مرفوعًا إلى رسول الله- ﷺ -. رُوي من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁، وخالد بن أبي عمران التجيبي مرسلًا ﵁. ١ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ -. عن عبد الله بن زرير قال: قال لي عبد الملك بن مروان: ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جاف، فقلت: والله لقد قرأت القرآن قبل أن يجتمع أبويك، لقد علمني سورتين علمهما إياه رسول الله ﷺ ، ما علمتهما أنت ولا أبوك: اللهم إنا نستعينك الحديث. (٢) ٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ -. عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئنا: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، الحديث. وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم إياها. (٣)

стр. 2696

٣ - حديث خالد بن أبي عمران التجيبي . عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله ﷺ يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت. فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابًا، ولا لعَّانًا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا، ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، قال ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد" (١). ثانيًا: ما ورد موقوفًا على الصحابة ﵃ -. ١ - أثر عمر بن الخطاب ﵁ -. (٢)

стр. 2697

٢ - أثر عثمان بن عفان ﵁ -: وهو مذكور ضمن أثر عمر ﵁ السابق من رواية عثمان بن زياد. ٣ - أثر علي بن أبي طالب ﵁ -. أن عليًا كان يقنت بهاتين السورتين في الفجر غير أنه يقدم الآخرة ويقول: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك (١).

стр. 2698

٤ - أثر عبد الله بن مسعود ﵁ -: عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: علمنا ابن مسعود أن نقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. الحديث. وفي رواية عبيد بن عمير قال: القنوت قبل الركعة الآخرة من الصبح، وذكر أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود، وأنه يوتر بهما كل ليلة. (١) ٥ - أثر أبي بن كعب ﵁ -. عن ميمون بن مهران قال: في قراءة أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك. . . الحديث. وعن محمد بن سيرين عنه قال: كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب، والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك. الحديث. وعن محمد بن إسحاق بن يسار، قال: قد قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق: بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الناس إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك. . . . . الحديث. (٢)

стр. 2699

٦، ٧ - أثر أبي موسى الأشعري ﵁، وعبد الله بن عباس ﵁ -: تقدما ضمن أثر أبي بن كعب ﵁ من رواية عبد الرحمن بن أبي أبزي. ٨ - أثر أنس بن مالك ﵁ -: عن أبان بن أبي عياش قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الكلام في القنوت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. الحديث، وفيه: قال أنس: والله إنْ أنزلتا إلا من السماء. (١) ثالثًا: المقطوع على التابعين . وهو مروي عن جماعة من التابعين، وهم كالتالي: ١ - أثر الحسن البصري، قال: القنوت في الوتر والصبح: اللهم إنا نستعينك. الأثر (٢).

стр. 2700

٢ - إبراهيم بن يزيد النخعي، كان يستحب أن يقول في قنوت الوتر بهاتين السورتين الحديث (١). ٣ - طاووس بن كيسان اليماني. (٢) ٤ - سعيد بن المسيب قال: (يبدأ في القنوت فيدعو على الكفار، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يقرأ السورتين: اللهم إنا نستعينك. . . واللهم إياك نعبد. . .). (٣) ٥ - أمية بن عبد الله بن خالد بن أمية. (٤) ٦ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. (٥) ٧ - سفيان بن سعيد الثوري قال: كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، الحديث. (٦) ٨ - مكحول الشامي. (٧) ٩ - عبد الملك بن جريج. (٨) وبهذا تبين جليًا أن دعاء القنوت هذا والمعروف بسورتي (الخلغ والحفد) لم يصح
следующие страницы →