← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

٣ - حديث خالد بن أبي عمران التجيبي . عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله ﷺ يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت. فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابًا، ولا لعَّانًا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا، ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، قال ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد" (١). ثانيًا: ما ورد موقوفًا على الصحابة ﵃ -. ١ - أثر عمر بن الخطاب ﵁ -. (٢)

стр. 2697

٢ - أثر عثمان بن عفان ﵁ -: وهو مذكور ضمن أثر عمر ﵁ السابق من رواية عثمان بن زياد. ٣ - أثر علي بن أبي طالب ﵁ -. أن عليًا كان يقنت بهاتين السورتين في الفجر غير أنه يقدم الآخرة ويقول: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك (١).

стр. 2698

٤ - أثر عبد الله بن مسعود ﵁ -: عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: علمنا ابن مسعود أن نقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. الحديث. وفي رواية عبيد بن عمير قال: القنوت قبل الركعة الآخرة من الصبح، وذكر أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود، وأنه يوتر بهما كل ليلة. (١) ٥ - أثر أبي بن كعب ﵁ -. عن ميمون بن مهران قال: في قراءة أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك. . . الحديث. وعن محمد بن سيرين عنه قال: كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب، والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك. الحديث. وعن محمد بن إسحاق بن يسار، قال: قد قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق: بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الناس إلى آخرها، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك. . . . . الحديث. (٢)

стр. 2699

٦، ٧ - أثر أبي موسى الأشعري ﵁، وعبد الله بن عباس ﵁ -: تقدما ضمن أثر أبي بن كعب ﵁ من رواية عبد الرحمن بن أبي أبزي. ٨ - أثر أنس بن مالك ﵁ -: عن أبان بن أبي عياش قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الكلام في القنوت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. الحديث، وفيه: قال أنس: والله إنْ أنزلتا إلا من السماء. (١) ثالثًا: المقطوع على التابعين . وهو مروي عن جماعة من التابعين، وهم كالتالي: ١ - أثر الحسن البصري، قال: القنوت في الوتر والصبح: اللهم إنا نستعينك. الأثر (٢).

стр. 2700

٢ - إبراهيم بن يزيد النخعي، كان يستحب أن يقول في قنوت الوتر بهاتين السورتين الحديث (١). ٣ - طاووس بن كيسان اليماني. (٢) ٤ - سعيد بن المسيب قال: (يبدأ في القنوت فيدعو على الكفار، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يقرأ السورتين: اللهم إنا نستعينك. . . واللهم إياك نعبد. . .). (٣) ٥ - أمية بن عبد الله بن خالد بن أمية. (٤) ٦ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. (٥) ٧ - سفيان بن سعيد الثوري قال: كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، الحديث. (٦) ٨ - مكحول الشامي. (٧) ٩ - عبد الملك بن جريج. (٨) وبهذا تبين جليًا أن دعاء القنوت هذا والمعروف بسورتي (الخلغ والحفد) لم يصح

стр. 2701

مسندًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ من طريق صحيح ولا حسن خالية من علة أو جرح، وإنما صح موقوفًا عن بعض الصحابة الكرام وبمثل هذه الموقوفات - وإن تعددت - لا يمكن إثبات قرآنية هذا الدعاء. الوجه الثاني: أنَّه مِمَّا يدد على ضعف هذا الخبر عن أُبَيٍّ، ما عُلِم من أن عثمان تشدد في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه وتحريقها، والعادة توجب أن مصحف أُبَيٍّ كان من أول ما يُقبض، وأن تكون سرعة عثمان إلى مطالبته به أشدَّ من سرعته إلى مطالبة غيره بِمصحفه؛ لأنه كان مِمَّن شارك في ذلك الجمع. وقد صحت الرواية بِما يدل على أن عثمان قد قبض مصحف أُبَيٍّ، فعن محمد بن أُبَيٍّ أن ناسًا من أهل العراق قدموا إليه، فقالوا: إنَّما تحمَّلْنا إليك من العراق، فأخْرِجْ لنا مصحفَ أُبَيٍّ. قال محمدٌ: قد قبضَه عثمان. قالوا: سبحان الله! أخْرِجْه لنا. قال: قد قبضَه عثمان (١). الوجه الثالث: عدم تواترها، فكل رواية أحادية لا تقبل في إثبات شيء من القرآن. (٢) الوجه الرابع: أنَّ الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الاحتياط للقرآن، وكانوا أيقظ الخلق في حراسة القرآن، ولهذا لم يعتبروا من القرآن إلا ما ثبت بالتواتر، وردوا كل ما لم يثبت تواتره؛ لأنه غير قطعي، ويأبى عليهم دينهم وعقولهم أن يقولوا بقرآنية ما ليس بقطعي؛ بل شرط أن يتواتر عند مجموع الأمة، كما هو حال ما بين دفتي المصحف الكريم، كما نص على ذلك العلماء، والتواتر كما عرفوه هو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى منتهاه، وهذا مما لم يتوفر في نقل هذا الدعاء المأثور. وقال السيوطي: ولا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في أصله، وأجزائه، وأما محل وضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة، للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله؛ لأن هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم، والصراط المستقيم مما تتوفر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، في نقل آحادًا ولم يتواتر يقطع بأنه

стр. 2702

ليس من القرآن قطعًا. وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله، وليس بشرط في محل وضعه وترتيبه؛ بل يكثر فيها نقل الآحاد. قيل: وهو الذي يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة. ورُدَّ هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع، ولأنه لو لم يُشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر، وثبوت كثير مما ليس بقرآن، أما الأول: فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن، مثل ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وأما الثاني: فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد (١). وقال أبو بكر في الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآنٍ حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق، وامتنعوا منه. وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة، وأوجه، وأحرف، إذا كانت تلك الأوجه والأحرف صوابا في العربية، وإن لم يثبت أن النبي ﷺ قرأ بها، وأبى ذلك أهل الحق، وأنكروه، وخطئوا من قال به. قال صاحب الانتصار ما نصه: إن كلام القنوت المروي أن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل؛ بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنا لنقل إلينا نقل القرآن وحصل العلم بصحته، ثم قال: ويمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به، وخلط بما ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه؛ إنما روي عنه أنه أثبته في مصحفه، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل، وهذا الدعاء هو القنوت الذي أخذ به السادة الحنفية. وبعضهم ذكر أن أُبَيًّا ﵁ كتبه في مصحفه وسماه سورة الخلع والحفد؛ لورود مادة هاتين الكلمتين فيه، وقد عرفت توجيه ذلك (٢).

стр. 2703

الوجه الخامس: كل رواية أحادية تخالف المتواتر من القرآن لا تقبل، ويضرب بها عرض الحائط، وعلى فرض التسليم بأن أُبَيًّا كان يرى أن القنوت من القرآن، وأنه استمر على ذلك الرأي، فليس ذلك بِمطعنٍ في صحة نقل القرآن، فإنه على هذا الفرض كان منفردًا بذلك الرأي، ويدل على ذلك عدم إثباته في مصحف أبي بكر، ولا في مصاحف عثمان، إذ كانت كتابة القرآن في عهد أبي بكر في غاية الدقة والالتزام، بحيث لم تقبل قراءة إلا بشاهدين، فلما كانت قراءته فردية لم تقبلْ، كما رُدَّت قراءة عمر في آية الرجم. فلو سلَّمنا أن أُبَيًّا ظنَّ دعاء القنوت قرآنًا، فأثبته في مصحفه، فإن ذلك لا يطعن في تواتر القرآن؛ لأنه انفرد به، وقد حصل الإجماع على ما بين الدفتين وتواتره، فلا يضر بعد ذلك مخالفة من خالف (١). الوجه السادس: إنهما قد نسختا. قال الزركشي: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: الأول: ما نسخ في تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول، ذكر الإمام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادي في كتابه الناسخ والمنسوخ مما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه: سورتا القنوت في الوتر. قال: ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب، وأنه ذكر عن النبي ﷺ أنه أقرأه إياهما، وتسمى سورتي الخلع والحفد. وهنا سؤال وهو أن يقال: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلا أبقيت التلاوة؛ ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون فقال: إنما كان كذلك؛ ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي (٢). الوجه السابع . قال الزرقاني: والخلاصة أن بعض الصحابة الذين كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم في مصحف أو مصاحف خاصة بهم ربما كتبوا فيها ما ليس بقرآن مما يكون تأويلًا لبعض ما

стр. 2704

غمض عليهم من معاني القرآن، أو مما يكون دعاء يجري مجرى أدعية القرآن في أنه يصح الإتيان به في الصلاة عند القنوت أو نحو ذلك، وهم يعلمون أن ذلك كله ليس بقرآن ولكن ندرة أدوات الكتابة وكونهم يكتبون القرآن لأنفسهم وحدهم دون غيرهم هون عليهم ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم اللبس واشتباه القرآن بغيره؛ فظن بعض قصار النظر أن كل ما كتبوه فيها إنما كتبوه على أنه قرآن مع أن الحقيقة ليست كذلك؛ إنما هي ما علمت. أضف إلى ذلك أن النبي أتى عليه حين من الدهر نهى عن كتابة غير القرآن؛ إذ يقول فيما يرويه مسلم: لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه. وذلك كله مخافة اللبس والخلط والاشتباه في القرآن الكريم (١). الوجه الثامن: نقل عن أبي بن كعب قراءته التي رواها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وغيرهم، وليس فيها سورتا الحفد والخلع، فلو سلَّمنا أن أُبَيًّا كان يعتقد أن القنوت من القرآن، فقد ثبت أنه رجع إلى حرف الجماعة، واتفق معهم، والدليل على ذلك قراءته التي رواها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وغيرهم، وليس فيها سورتا الحفد والخلع - كما هو معلوم، كما أن مصحفه كان موافقًا لمصحف الجماعة. قال أبو الحسن الأشعري: قد رأيت أنا مصحف أنسٍ بالبصرة، عند قومٍ من ولدِه، فوجدتُه مساويًا لمصحف الجماعة، وكان ولد أنسٍ يروي أنه خطُّ أنسٍ وإملاء أُبَيٍّ (٢). الوجه التاسع: قصور نظمه عن القرآن . يعلم أهل البلاغة والفصاحة، قصور نظمه عن القرآن فلعل أُبَيًّا ﵁ إن كان قال ذلك أو كتبه في مصحفه أو رقاع كان يكتب فيها القرآن؛ إنما قاله وفعله سهوا، ثم أثبته واستدرك (٣). الوجه العاشر: بالنظر في الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين نرى أن بينها اختلافًا في بعض الألفاظ (٤)، كما هو شأن رواة الأحاديث والآثار في استجازة الرواية بالمعنى، ولو كان

стр. 2705

هذا قرآنا لاتفقت الفاظه وحروفه في جميع الروايات، وحملة الأخبار أخبر بها من غيرهم، وأيضا تبويب العلماء اللذين خرجوا هذا الحديث قاطبة، منهم من وضعه في باب القنوت في الفجر أو في الوتر؛ كما هو في معظم الروايات السابقة، ومنهم من وضعه في باب المنسوخ من القرآن كما فعل الحازمي والزركشي والسيوطي وغيرهم؛ مما يدل على فهم هؤلاء العلماء ومعرفتهم لرتبة هذا الدعاء وهل هو من نصوص الكتاب أو السنة أم لا؟ ، وأما تسميتهما بالسورتين فهذا باعتبار ما كان أي أنهما كانتا سورتين ثم نسختا. الشبهة الثالثة: آية الرجم . نص الشبهة: يقولون بعدم حفظ القرآن الكريم من خلال ما حدث في جمع القرآن، والدليل على ذلك هو سقوط آية الرجم (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، فقد كانت موجودة، ويقرؤها الصحابة في سورة الأحزاب. فأين هي الآن؟ ! وهي تخالف في نصها الحكم الثابت في أن الرجم على الإحصان والآية رتبته على الشيخوخة. ثم إن عمر ﵁ أراد أن يكتبها كآية في المصحف لولا خشية الناس، فهذا الذي منعه من كتابتها. والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: أن القرآن محفوظ بحفظ الله له دون سائر الكتب . الوجه الثاني: آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقى حكمه. الوجه الثالث: بيان معنى قوله: (الشيخ والشيخة) وأن هذا لا ينافي الحكم الثابت بالإحصان، وبيان الحكمة من هذا اللفظ. الوجه الرابع: بيان معنى قول عمر ﵁: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ في كِتَابِ الله لَكَتَبْتُهَا. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن القرآن محفوظ بحفظ الله له دون سائر الكتب (١). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]

стр. 2706

قال صديق حسن خان: ثم أنكر سبحانه على الكفار استهزاءهم برسول الله ﷺ بقولهم المذكور، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون وهو القرآن، واعتقدوا أنه مختلق من عندك، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك، فالقرآن محفوظ من هذه الأشياء كلها، لا يقدر واحد من جميع الخلق من الإنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا أو كلمة واحدة. وهذا مختص بالكتاب العزيز، بخلاف سائر الكتب المنزلة، فإنه قد دخل على بعضها تلك الأشياء، ولما تولى الله حفظ ذلك الكتاب بقي مصونًا على الأبد، محروسًا من الزيادة والنقصان وغيرهما، وفيه دليل على أنه مُنزّل من عنده آية؛ إذ لو كان من البشر لتطرق إليه الزيادة والنقصان كما يتطرق إلى كل كلام سواه، وقيل: المعنى نزله محفوظًا من الشياطين، وقيل: حفظه بأن جعله معجزة باقية إلى آخر الدهر، وقيل: حفظه من المعارضة، فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارض ولو بأقصر آية. وقيل: أعجز الله الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه، فقيض له العلماء الراسخين يحفظونه ويذبون عنه إلى آخر الدهر؛ لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده، فلم يقدروا على ذلك بحمد الله، ومن أسباب حفظه حدوث العلوم الكثيرة الآلية التي تذب عن الدخولى في أبواب إفساده وإبطاله وتحريفه وتصحيفه وزيادته ونقصانه كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الحديث والفقه والتفسير، وغير ذلك مما له مدخل في هذا الشأن. وعن عياض عن النبي ﷺ عن ربه تعالى: وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاء (١) (٢).

стр. 2707

فإن الله سبحانه لم يحفظ كتابًا من الكتب كذلك؛ بل استحفظها الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه، فلم يزل محفوظًا أولًا وآخرًا، فقد أنزل الله القرآن على قلب النبي ﷺ ، وتكفل الله بجمعه في قلب النبي ﷺ وعدم نسيانه إياه، وأرشده إلى عدم الاستعجال في هذا الأمر، قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]. قال ابن كثير: هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي القاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه (١). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ أَخْذَهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ وَقُرآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ لَهُ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ الله (٢). وتكفل الله بعدم نسيانه إياه، قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، والمعنى: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه إلا ما شاء الله، ومعنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه وتذكره، وهذا ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته، وقيل: النسيان في هذا

стр. 2708

الموضع الترك، والمعنى: سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه إلا ما شاء الله أن تترك العمل به مما ننسخه. قال الطبري: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلا أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك أظهر معانيه (١). عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ للنبي ﷺ ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ الله فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ. فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ. فَحَفَرُوا لَهُ، وَأَعْمَقُوا لَهُ في الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقُوْهُ (٢). الوجه الثاني: آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقى حكمه . أولًا: إثباتها آية قبل النسخ . (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم) (٣).

стр. 2709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2710

ثانيًا: إثبات أنها مما نسخ تلاوته وبقى حكمه . النسخ الواقع في القرآن يتنوع إلى أنوع ثلاثة: نسخ التلاوة والحكم معا، ونسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم. وآية الرجم مما نسخ تلاوته وبقى حكمه، ولذا نجد أن معظم من تكلم في الناسخ والمنسوخ يذكر آية الرجم في هذا الباب (١). قال البيهقي: إن آية الرجم حكمها ثابت وتلاوتها منسوخة وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (٢). قال الشنقيطي: فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ الله تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود (٣). الوجه الثالث: بيان معنى قوله: (الشيخ والشيخة) وأن هذا لا ينافي الحكم الثابت بالإحصان، وبيان الحكمة من هذا اللفظ .

стр. 2711

قوله: (الشيخ والشيخة) عام أريد به الخاص، وهو المحصن من الشيوخ، وإلى هذا أشار جماعة من السلف. قال الإمام مالك: قوله: (الشيخ والشيخة) يعني: الثيب والثيبة. (١) قال ابن حزم: معناه المحصن والمحصنة. (٢) ولذا قال ابن حجر: السَّبَب فِي نَسْخ تِلَاوَتهَا لِكَوْنِ الْعَمَل عَلَى غَيْر الظَّاهِر مِنْ عُمُومهَا (٣). قال ابن الحاجب في أماليه - وقد سئل: ما الفائدة في ذكر الشيخ والشيخة؟ وهلا قيل المحصن والمحصنة؟ هذا من البديع في باب المبالغة أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص الأخس، وفي باب المدح بالأكثر والأعلى. فيقال: لعن الله السارق يسرق ربع دينار فيقطع يده. والمراد يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق، وقد يبالغ فيذكر ما لا يقطع به تقليلا كما في الحديث "لَعَنَ الله السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" (٤). وقد علم أنه لا يقطع بالبيضة. (٥) الوجه الرابع: بيان معنى قول عمر ﵁ لَوْلَا أنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ الله لَكَتَبْتُهَا . ١ - هذه الزيادة كحاشية توضيحية. قال الماوردي: وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عَمَرُ فِي الْقُرْآنِ لَكَتَبْتُهَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَتْلُوِّ لَكَتَبْتُهَا مَعَ الْمَرْسُومِ الْمَتْلُوِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِكتابَتِهَا فِي الْحَاشِيَةِ، لِئَلَّا يَنْسَاهَا النَّاسُ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ لِئَلَّا تَصِيرَ مَتْلُوَّة (٦).

стр. 2712

ويؤيد ذلك أنه قال: (ولولا أني أكره أن أزيد في القرآن لكتبت في آخر ورقة أن رسول الله ﷺ قد رجم ورجم أبو بكر وأنا رجمت) (١). ٢ - أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ إشَاعَتَهُ وَإِظْهَارَهُ لِيَسْتَفِيضَ نَقْلُهُ لَا أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ سَيَجِيءُ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: سَيَجِيءُ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ. (٢) ولذا قال عمر ﵁: فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ الله فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله. (٣) الشبهة الرابعة: آيتي التوبة والأحزاب . نص الشبهة: يقولون بأن جمع زيد للقرآن كان ناقصًا ولم يكن تامًا، والدليل على ذلك وجود آيات لم تكن إلا مع خزيمة بن ثابت أتى بآخر سورة براءة في عهد أبي بكر الصديق، وأتى بآية في سورة الأحزاب في عهد عثمان، وكيف كانت الآيات مفقودة حتى كان عهد عثمان والكاتب واحد؟ وكيف يكون صحابيًا واحدًا عنده الآية في الموضعين، وكيف يأخذ بقوله، وهذا يدل على أخذهم القرآن بخبر الواحد، وهل كانت الآية مع خزيمة أو مع الحارث بن خزيمة، وكيف تكون آية الأحزاب مفقودة منذ جمع أبي بكر؟ . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الذي وُجد معه آخر التوبة بخلاف الذي وُجد معه آية الأحزاب.

стр. 2713

الوجه الثاني: بيان معنى قوله، لم أجدها مع أحد غيره. الوجه الثالث: هذا لا يعني أنه أخذ القرآن بخبر الواحد. الوجه الرابع: الرد على بعض الاعتراضات في ذلك. وإليك التفصيل الوجه الأول: الذي وُجد معه آخر التوبة بخلاف الذي وُجد معه آية الأحزاب قال القرطبي: وأن أبا خزيمة (١) الذي وجدت معه آية التوبة معروف من الأنصار، وقد عرفه أنس وقال: نحن ورثناه، والتي في الأحزاب وجدت مع خزيمة بن ثابت (٢) فلا تعارض، والقضية غير القضية لا إشكال فيها ولا التباس. (٣) قال ابن حجر: ومراده - البخاري - أن أصحاب إبراهيم بن سعد اختلفوا فقال بعضهم مع أبي خزيمة، وقال بعضهم: مع خزيمة، وشك بعضهم. والتحقيق ما قدمناه عن موسى بن إسماعيل أن آية التوبة مع أبي خزيمة وآية الأحزاب مع خزيمة (٤). وقال أيضًا: وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري: فمن قائل مع خزيمة، ومن قائل مع أبي خزيمة، ومن شاك فيه يقول: خزيمة أو أبي خزيمة. والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة. (٥)

стр. 2714

الوجه الثاني: بيان معنى قوله، لم أجدها مع أحد غيره . أي: مكتوبة. لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. (١) وقال الذركشي: فأما قوله وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت ولم أجدها مع غيره، يعني: ممن كانوا في طبقة خزيمة ممن لم يجمع القرآن، وأما أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل فبغير شك جمعوا القرآن. (٢) الوجه الثالث: هذا لا يعني أنه أخذ القرآن بخبر الواحد . ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي ﷺ ، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار، والوقوف عندما كتب بين يدي النبي ﷺ . وخزيمة ﵁ لما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما، ولذلك قال: فقدت آيتين من آخر سورة التوبة، ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئًا أو لا؟ ، فالآية إنما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده. (٣) قال الزرقاني: إن كلام زيد بن ثابت هذا - لم أجدها مع أحد غيره - لا يبطل التواتر، وبيان ذلك أن الآيتين ختام سورة التوبة لم تثبت قرآنيتهما بقول أبي خزيمة وحده؛ بل ثبتت بأخبار كثرة غامرة من الصحابة عن حفظهم في صدورهم، وإن لم يكونوا كتبوه في أوراقهم. ومعنى قول زيد: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين لم أجدهما عند غيره؛ أنه لم يجد الآيتين اللتين هما ختام سورة التوبة مكتوبتين عند أحد إلا عند أبي خزيمة، فالذي انفرد به أبو خزيمة هو كتابتهما لا حفظهما، وليس الكتابة شرطا في المتواتر؛ بل المشروط فيه أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ولو لم يكتبه واحد منهم فكتابة أبي خزيمة الأنصاري كانت توثقا واحتياطا فوق ما يطلبه التواتر ويقتضيه فكيف نقدح في التواتر بانفراده بها؟

стр. 2715

ويدل على أن هذا هو المعنى الذي أراده زيد بعبارته تلك قول زيد نفسه: فقدت آية من سورة الأحزاب. . إلخ، فإن تعبيره بلفظ فقدت يشعر بأنه كان يحفظ هذه الآية، وأنها كانت معروفة له غير أنه فقد مكتوبها فلم يجده إلا مع خزيمة، وإلا فمن الذي أنبأ زيدًا أنه فقد آية. وقال أيضًا: إن كلام زيد فيما مضى من ختام التوبة وآية الأحزاب لا يدل على عدم تواترهما حتى على فرض أنه يريد انفراد أبي خزيمة وخزيمة بذكرهما من حفظهما، غاية ما يدل عليه كلامه أنهما انفردا بذكرهما ابتداء ثم تذكر الصحابة ما ذكراه، وكان هؤلاء الصحابة جمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب، فدونت تلك الآيات في الصحف والمصحف بعد قيام هذا التواتر فيها (١). الوجه الرابع: الرد على بعض الاعتراضات في ذلك . الرد على قولهم: أنهم لا يعرفون هل آية التوبة كانت مع أبي خزيمة أم مع الحارث بن خزمة ؟ الوجه الأول: الأثر لا يصح فكيف يستدل به ؟ عن عباد بن عبد الله بن الزبير قَالَ: أَتَى الحارِثُ بْنُ خَزْمَةَ بِهَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ بَرَاءَةَ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِى، وَالله إِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسولِ الله ﷺ وَوَعَيْتُهَا وَحَفِظْتُهَا. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ لجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعُوهَا فِيهَا، فَوَضَعْتُهَا في آخِرِ بَرَاءَةَ. (٢) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف لانقطاعه. عباد بن عبد الله بن الزبير: ثقة كما قلنا، ولكنه لم يدرك قصة جمع القرآن؛ بل ما أظنه أدرك الحارث بن خزمة، ولئن أدركه لما

стр. 2716

كان ذلك مصححًا للحديث إذ لم يروه عنه؛ بل أرسل القصة إرسالًا، وقال ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة الحارث هذا: وقد ذكر ابن منده أن الحارث بن خزمة هو الذي جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ بالآيتين خاتمة سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة؛ وهذا عندي فيه نظر. وأما حديث عباد بن عبد الله بن الزبير الذي هنا فإنه حديث منكر شاذ مخالف للمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة: أن القرآن بلَّغه النبي ﷺ لأمته سورًا معروفة مفصلة، يفصل بين كل سورتين منها البسملة إلا في أول براءة، ليس لعمر ولا لغيره أن يرتب فيه شيئًا، ولا أن يضع آية مكان آية، ولا أن يجمع آيات وحدها فيجعلها سورة، ومعاذ الله أن يجول بشيء من هذا في خاطر عمر. ثم قال: فهذا الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن. (١) الوجه الثاني: آية التوبة كانت مع أبي خزيمة ولم تكن مع الحارث بن خزيمة . وهذا ما قاله القرطبي وابن حجر، والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية (٢). الوجه الثالث: وعلى فرض صحة الأثر . قال ابن حجر: فهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون قول زيد بن ثابت: وجدتها مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره. أي: أول ما كتبت ثم جاء الحارث بن خزيمة (٣) بعد ذلك. أو أن أبا خزيمة هو الحارث بن خزيمة لا ابن أوس. (٤) الرد على قولهم: أن آية الأحزاب كان فقدها في جمع أبي بكر .

стр. 2717

الوجه الأول: أن ما استندوا إليه مخالف لما في الصحيح الثابت . قال ابن حجر: وَظَاهِر حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت هَذَا أَنَّهُ فَقَدَ آيَة الْأَحْزَاب مِنْ الصُّحُف الَّتِي كَانَ نَسَخَهَا فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر حَتَّى وَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مَجْمَع عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ فَقْده إِيَّاهَا إِنَّمَا كَانَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر، وَهُوَ وَهْم مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَأَنَّ الَّذِي فَقَدَهُ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الْآيَتَانِ مِنْ آخِر بَرَاءَة، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْأَحْزَاب فَفَقَدَهَا لمَّا كَتَبَ الْمُصْحَف فِي خِلَافَة عُثْمَان، وَجَزَمَ اِبْن كَثِير بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَجْمَع (١)، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالله أَعْلَم. (٢) قال ابن الملقن: آية التوبة وجدها أيام الصديق، وأن آية الأحزاب وجدها أيام عثمان كما صرح به أحمد بن خالد في مسنده وغيره. (٣) قال االقرطبي: فسقطت الآية الأولى من آخر "براءة" في الجمع الأول، على ما قاله البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة "الأحزاب". وحكى الطبري: أن آية براءة سقطت في الجمع الأخير، والأول أصح والله أعلم. (٤) الوجه الثاني: الحديث فيه ما يدل على أنها كانت في جمع عثمان . ومما يدل على أن فقدها كان في جمع عثمان قوله في الحديث: قَالَ نَسَخْتُ الصُّحُفَ في الْمَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ الله ﷺ يَقْرَأُ بِهَا. (٥) وأيام الصديق ﵁ لم تكن صحف مجموعة؛ إنما كانت في خلافة عثمان ﵁. ثم طول العهد بين جمع الصديق وجمع عثمان وفي هذه المدة كانت الصحف تنقل من

стр. 2718

مكان لآخر كما قال زيد: فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁. إلى أن جمعه عثمان حين قدم حذيفة بن اليمان عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِى أَهْلَ الشَّأْمِ في فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ في الْقِرَاءَةِ؛ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلى إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ. فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا في الْمَصَاحِفِ (١). الشبهة الخامسة: شبهة لو أن لابن آدم واديًا . نص الشبهة يقولون بعدم حفظ القرآن؛ والدليل على ذلك اعتراف الصحابة بأنهم كانوا يحفظون أَيات ولا توجد الآن في المصحف، ومثال لذلك قول أبي موسى الأشعري: وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ). ومن ثم فأين هي الآن؟ ولذلك اختلف الصحابة هل هي من القرآن أم من الحديث النبوي أو القدسي؟ والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: اختلاف أهل العلم في قوله: (لو أن لابن آدم) هل هو حديث نبوي، أو حديث قدسي، أو قرآن منسوخ التلاوة ؟ . الوجه الثاني: مع كونه قرآنًا فهذا مما نسخ تلاوته وبقي حكمه. وإليك التفصيل الوجه الأول: اختلاف أهل العلم في قوله: (لو أن لابن آدم) هل هو حديث نبوي، أو حديث قدسي، أو قرآن منسوخ التلاوة؟ القول الأول: بأنه حديث نبوي: ويستدلون بالآتي:

стр. 2719

١ - الأحاديث الواردة بإخبار الصحابة أنهم سمعوه من قول النبي ﷺ -. عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ في خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطىَ وَادِيًا مَلًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطىَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ" (١). عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن لابن آدم واديان من مال لتمنى إليهما الثالث ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" (٢). عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ لتَمَنَّى وَادِيَيْنِ وَلَوْ أَنَّ لَهُ وَادِيَيْنِ لَتَمَنَّى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ" (٣). ٢ - الأحاديث الواردة بإخبار الصحابة أنهم لا يدرون أهي من القرآن أم لا ؟ عن ابن عباس قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِى مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا (٤). عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ". في لفظ عند مسلم. "فَلَا أَدْرِى أشيء أُنْزِلَ أَمْ شيء كَانَ يَقُولُهُ" (٥). ٣ - حديث أُبيّ أنه قَالَ: كُنَّا نرى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. (٦)

стр. 2720

قوله نرى: بضم النون أي نظن (١). والقرآن لا يثبت بالظن، وإنما يثبت بالتواتر. القول الثاني: أنه من القرآن الذي كان يتلى . ويستدلون بالآتي: ١ - حديث أبي بن كعب. وقد جاء عنه من طريقين: الطريق الأول: عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ وَقَرَأَ عَلَيْهِ: إِنَّ دَأْبَ الدِّينِ عِنْدَ الله الْحَنِيفِيَّةُ لَا الْمُشْرِكَةُ وَلَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ، وَمَنْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ (٢). الطريق الثاني: عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى لما يرى به من البؤس. فقال له عمر: كم مالك؟ قال: أربعون من الإبل. قال: فقال ابن عباس، فقلت: صدق الله ورسوله (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما الثالث ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) قال: فقال لي عمر: ما

стр. 2721

تقول؟ قال: قلت: هكذا أقرأنيها أبي بن كعب. قال: فقم بنا إليه. قال: فأتاه فقال: ما يقول هذا؟ قال أبي: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ (١). ٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: لَقَدْ كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ : "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا آخَرَ وَلَا يَمْلأُ بَطْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَاب" (٢). ٤ - عَنْ أَبِى حَرْبِ بْنِ أَبِى الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ. . .) (٣). ٥ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ: "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ" (٤). القول الثالث: أنه حديث قدسي .

стр. 2722

وهؤلاء جمعوا بين القولين (الأول والثاني) أخذوا بحجج القول الأول على أنه ليس من القرآن؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر. وأجابوا عن القول الثاني (الذي يقول بأنه من القرآن) بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية (١). والراجح من هذه الأقوال هو القول الثاني الذي يقول بأنه من القرآن الذي كان يتلى. ويدل على ذلك ما تقدم من قول أبي سعيد الخدري لقراء البصرة (إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً)، ولحديث بريدة (سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ) ولغيرها. وأما عن قول أبي: كُنَّا نرى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فالجواب عليه من هذه الوجوه: الأول: قوله نرى: بفتح النون أي: نعتقد (٢). وهذا ما صوبه الألباني فقال: بل الصواب الذي لا يجوز سواه لما سيأتي عنه وعن غيره من الصحابة الجزم به. ولا ينافيه قوله: حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ , لأنه يعني: فنسخت هذه تلك. (٣) الثاني: ما صح عنه من طريقين (ابن عباس، زر) تقدم ذكرهما من أنها من القرآن. الثالث: على قراءة نُرى بضم النون أي نظن؛ فهذا احتمال ولم يستفصل فبقي الكلام على الأصل وأنه من القرآن. قال ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون أبي لما قرأ عليه النبي ﷺ لم يكن، وكان هذا الكلام في آخر ما ذكره النبي ﷺ احتمل عنده أن يكون بقية السورة، واحتمل أن يكون من كلام

стр. 2723

النبي ﷺ ولم يتهيأ له أن يستفصل النبي ﷺ عن ذلك حتى نزلت ألهاكم التكاثر فلم ينتف الاحتمال. (١) وأما عن قول ابن عباس ﵁: (فَلَا أَدْرِى مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا) ومثله عن أنس ﵁. قال الألباني: ولا يخفى على البصير أن القولين لا يدلان على شيء مما سبقت الإشارة إليه (القول بأنه حديث نبوي أو قدسي)؛ لأنه اعتراف صريح بعدم العلم، ولكنه مع ذلك فيه إشعار قوي بأنه كان من المعلوم لدى الصحابة أن هناك شيئًا من القرآن رفع ونسخ، ولذلك لم يكتب في المصحف المحفوظ. (٢) وأما عن قولهم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وهذا ظن. فالجواب عليه، نعم القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وهذا في حق القرآن المثبت بين دفتي المصحف الآن. قال الألباني - ردًّا على من يعترض بشرط التواتر -: ومن الواضح أنه لا يفرق بين القرآن المثبت بين الدفتين الذي يشترط فيه التواتر الذي ذكر، وبين منسوخ التلاوة كهذا الذي نحن في صدد الكلام حوله؛ بل حكمه حكم الأحاديث النبوية. والأحاديث القدسية، فإنه لا يشترط فيها التواتر، وإن كان فيها ما هو متواتر. (٣) الوجه الثاني: مع كونه من القرآن فهذا مما نسخ تلاوته وبقي حكمه . قال ابن حجر: فهو مما نسخت تلاوته جزما وإن كان حكمه مستمرًا. (٤) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]

стр. 2724

قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: وإنه لحب الخير - وهو: المال - لشديد. وفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح (١). عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ" (٢). عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَحُبُّ الْمَالِ" (٣). قلنا: فدلت هذه الأدلة - وغيرها كثير - على أن الآية مما نسخ تلاوته وبقي حكمه. وهذا خلاف ممن قال بنسخ التلاوة والحكم. (٤) الشبهة السادسة: محو ابن مسعود المعوذتين، والفاتحة من المصحف . نص الشبهة: يقولون كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله ﵎. ويزعمون بذلك القدح في المصاحف والتواتر. والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: ثبت عن النبي ﷺ أنهما من القرآن الذي نزل عليه، وكان يقرأ بهما في الصلاة. الوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ لم يقروا ابن مسعود ﵁ على قوله هذا ومنهم أبي بن كعب ﵁. الوجه الثالث: أن تلاميذ ابن مسعود ﵁ وبالأخص الأسود بن يزيد لم يوافقوه على رأيه هذا. الوجه الرابع: صحة ما أثر عن ابن مسعود، وتأويل مراده بذلك على أمور:

стр. 2725

الأول: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف. الثاني: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما، وهذا لا يدل على الإنكار. الثالث: ظن ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به، وليستا من القرآن. الرابع: أنه خفي عليه التواتر وأن مخالفته لا تقدح في التواتر. الخامس: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي ﷺ ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما. السادس: أن إنكار ابن مسعود قرآنية الفاتحة والمعوذتين كان قبل علمه بذلك. السابع: رجوع ابن مسعود عن هذا القول. الوجه الخامس: ذكر بعض أهل العلم بعدم التسليم بصحة ما جاء عن ابن مسعود في هذا الباب. وإليك التفصيل الوجه الأول: ثبت عن النبي ﷺ أنهما من القرآن الذي نزل عليه، وكان يقرأ بهما في الصلاة عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ. (١) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: بَيْنَا أَقُودُ بِرَسُولِ الله ﷺ فِي نَقَبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ: أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ أَرْكَبْ مَرْكَبَ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَنَزَلَ وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، وَنَزَلْتُ وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ سورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ فَأَقْرَأَنِي ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ (٢).

стр. 2726

وفي لفظ: أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين. قال: فأمنا بهما رسول الله ﷺ في صلاة الفجر. عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، وَالنَّاسُ يَعْتَقِبُونَ، وَفِى الظَّهْرِ قِلَّةٌ فَحَانَتْ نَزْلَةُ رَسُولِ الله ﷺ ونزلتي فلحقني مِنْ بَعْدِى فَضَرَبَ منكبي فَقَالَ: قُلْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فَقُلْتُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فَقَرَأَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَقَرَأْتُهَا مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: قُلْ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فَقَرَأَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَقَرَأْتُهَا مَعَهُ قَالَ: "إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَاقْرَأْ بِهِمَا" (١). الوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ لم يقروا ابن مسعود على قوله هذا ومنهم أبي بن كعب ﵁ -. عَنْ زِرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؛ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ فقَالَ لِي: قِيلَ لِي فَقُلْتُ قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (٢). وفي لفظ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أخبرني أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لَهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النبي ﷺ (٣).

стр. 2727

الوجه الثالث: أن تلاميذ ابن مسعود ﵁ وبالأخص الأسود بن يزيد لم يوافقوه على رأيه هذا . عن إبراهيم النخعي قال: قلت للأسود: مِنَ القرآن هما؟ قال: نعم، يعني المعوذتين (١). الوجه الرابع: صحة ما أثر عن ابن مسعود، وتأويل مراده بذلك على أمور . عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله يَحك الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وقال: لَا تَخْلِطُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ (٢). عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أخبرني أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لَهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النبي ﷺ (٣). لكنه يحمل على أكمل أحواله ﵁ من هذه الوجوه: الأول: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف . قال الحافظ: وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب (الانتصار) وتبعه عياض وغيره ما حُكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك. قال: فهذا تأويل منه وليس جحدًا لكونهما قرآنا. وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول: (أنهما ليستا من كتاب الله) نعم يمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور (٤).

стр. 2728

الثاني: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما. وهذا لا يدل على الإنكار . قال ابن قتيبة: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن - معاذ الله - ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان. ومعنى هذا أن عدم كتابة ابن مسعود للفاتحة في مصحفه كان سببه وضوح أنها من القرآن وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان والزيادة والنقصان (١). كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في حفظه وإتقانه لها. وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها صحيح، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها. الثالث: ظن ابن مسعود أنهما دعاء تعَّوذ به، وليستا من القرآن . قال ابن قتيبة: وسببه في تركه إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين ويعوذ غيرهما، كما كان يعوذهما بأعوذ بكلمات الله التامة؛ فظن أنهما ليستا من القرآن فلم يثبتهما في مصحفه (٢). ويدل على ذلك: عن علقمة عن عبد الله، أَنَّهُ كَانَ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمُصْحَفِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَكَانَ عَبْدُ الله لَا يَقْرَأُ بِهِمَا (٣). الرابع: أنه خفي عليه التواتر، وأن مخالفته لا تقدح في التواتر .

стр. 2729

قال الزرقاني: إننا إن سلمنا أن ابن مسعود أنكر المعوذتين وأنكر الفاتحة؛ بل أنكر القرآن كله فإن إنكاره هذا لا يضرنا في شيء؛ لأن هذا الإنكار لا ينقض تواتر القرآن، ولا يرفع العلم القاطع بثبوته القائم على التواتر. ولم يقل أحد في الدنيا إن من شرط التواتر والعلم اليقيني المبني عليه ألا يخالف فيه مخالف وإلا لأمكن من هدم كل تواتر، وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يخالف فيه مخالف ولو لم يكن في العير ولا في النفير. (١) قال البزار: وَهَذَا الْكَلامُ لَمْ يُتَابِعْ عَبْدَ الله عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلاةِ وَأُثْبِتَتَا فِي الْمُصْحَفِ (٢). ولا شكَّ أن إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافٍ في الردِّ على هذا الطعن، ولا يضرُّ ذلك الإجماع مخالفة ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعودٍ وتخطئة الصحابة كلهم؛ بل الأمة كلها (٣). الخامس: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي ﷺ ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما . قال ابن حجر: قال ابن الصباغ: إنه لم يثبت عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك. وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال: إن قلنا: إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر، قال: وهذه عقدة صعبة. وأجيب باحتمال أنه كان متواترا في عصر ابن مسعود لكن لم يتواتر عند ابن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى (٤).

стр. 2730

وإنما لم يُنكر ذلك عليه؛ لأنه كان بصدد البحث والنظر، والواجب عليه التثبت في هذا الأمر (١). قال ابن كثير: وكذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ، ولم يتواترا عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة، ﵃، كتبوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة (٢). فإن قيل: ولِمَ لَمْ ينكر عليه الصحابة؟ يجاب بأنَّهم لم ينكروا عليه؛ لأنه كان بصدد البحث والتثبت في هذا الأمر (٣). السادس: أن إنكار ابن مسعود قرآنية الفاتحة والمعوذتين كان قبل علمه بذلك . يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة على فرض صحته كان قبل علمه بذلك، فلما تبين له قرآنيتهما بعد، وتم التواتر، وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن (٤). السابع: رجوع ابن مسعود عن هذا القول . ويدل على ذلك الآتي: أولًا: أن عاصمًا وهو أحد القراء السبعة قرأ القرآن كله وفيه المعوذتان بأسانيد صحيحة بعضها يرجع إلى ابن مسعود نفسه. ذلك أن عاصمًا قرأ على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، وقرأ على أبي مريم زر بن حبيش الأسدي، وعلى سعيد بن عياش الشيباني، وقرأ هؤلاء على ابن مسعود نفسه، وقرأ ابن مسعود على رسول الله ﷺ . ثانيها: أن حمزة وهو من القراء السبعة أيضًا قرأ القرآن كله بأسانيده الصحيحة وفيه

стр. 2731

المعوذتان عن ابن مسعود نفسه. ذلك أن حمزة قرأ على الأعمش أبي محمد سليمان بن مهران، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى على علقمة الأسود، وعبيد بن نضلة الخزاعي، وزر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي وهم قرؤوا على ابن مسعود على النبي ﷺ . ولحمزة سند آخر بهذه القراءة إلى ابن مسعود أيضًا. ذلك أنه قرأ على أبي إسحاق السبيعي، وعلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى الإمام جعفر الصادق، وهؤلاء قرؤوا على علقمة بن قيس، وعلى زر بن حبيش، وعلى زيد بن وهب، وعلى مسروق، وهم قرؤوا على المنهال وغيره وهم على ابن مسعود وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وهما على النبي ﷺ . ثالثًا: أن الكسائي قرأ القرآن وفيه المعوذتان بسنده إلى ابن مسعود أيضًا. ذلك أنه قرأ على حمزة الذي انتهى بين يديك سنده إلى ابن مسعود من طريقين. رابعها: أن خلفًا يقرأ المعوذتين في ضمن القرآن الكريم بسنده إلى ابن مسعود أيضًا وذلك أنه قرأ على سليم وهو على حمزة. وهذه القراءات كلها التي رويت بأصح الأسانيد وبإجماع الأمة فيها المعوذتان والفاتحة على اعتبار أن هذه السور الثلاث أجزاء من القرآن وداخلة فيه. فالقول ببقاء ابن مسعود على إنكار قرآنية هذه السورة محض افتراء عليه (١). كما سقناه بين يديك عن أربعة من القراء السبعة بأسانيد هي من أصح الأسانيد المؤيدة بما تواتر واستفاض، وبما أجمعت الأمة عليه من قرآنية الفاتحة والمعوذتين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا. إذًا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعا بين الروايتين. وما يقال في نقل إنكاره قرآنية المعوذتين، يقال في نقل إنكاره قرآنية الفاتحة؛ بل نقل إنكاره

стр. 2732

قرآنية الفاتحة أدخل في البطلان وأغرق في الضلال، باعتبار أن الفاتحة أم القرآن، وأنها السبع المثاني، التي تثنى وتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة على لسان كل مسلم ومسلمة. فإنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على ابن مسعود، فضلًا عن أن يَظُنَّ به إنكار قرآنيتها، وكيف يُظَن به ذلك، وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وقد أوصى النَّبِيُّ ﷺ بقراءة القرآن على قراءته. عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ" (١). عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ النبي ﷺ أَتَاهُ بَيْنَ أَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَبْدُ الله يُصَلِّى فَافْتَتَحَ النِّسَاءَ فَسَحَلَهَا، فَقَالَ النبي ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ". ثُمَّ تَقَدَّمَ يَسْأَلُ فَجَعَلَ النبي ﷺ يَقُولُ: "سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ". فَقَالَ فِيمَا سَأَلَ اللهمَّ إني أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ في أَعَلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ عَبْدَ الله لِيُبَشِّرَهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَهُ. فَقَالَ: إِنْ فَعَلْتَ لَقَدْ كُنْتَ سَبَّاقًا بِالْخَيْرِ (٢). كما أن ابن مسعود ﵁ من السابقين إلى الإسلام، ولم يزل يسمع النَّبِيَّ ﷺ يقرأ بالفاتحة في الصلاة، ويقول: مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فهي خِدَاجٌ" (٣). فكان سبب عدم كتابتها في مصحفه وضوح أنَّها من القرآن، وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان، والزيادة والنقصان. وقصارى ما نقل عنه أنه لم يكتبها في مصحفه، وهذا لا يدل على الإنكار (٤).

стр. 2733

الوجه الخامس: ذكر ما قاله بعض أهل العلم من عدم التسليم بصحة ما جاء عن ابن مسعود في هذا الباب . قال ابن حزم: وَكُلُّ مما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ من أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ لم تَكُنْ في مُصْحَفِهِ؛ فَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ عنه قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهَا أُمُّ الْقُرْآنِ والمعوذتان (١). قال النووي: أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة، وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل، ليس بصحيح عنه (٢). قال الفخر الرازي: الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل (٣). ولكن هذا المسلك فيه نظر. قال الحافظ: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل؛ بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول، وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال: إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود، لزم أن بعض القرآن لم يتواتر. قال: وهذه عقدة صعبة. وأجيب باحتمال أنه كان متواترا في عصر ابن مسعود لكن لم يتواتر عند ابن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى (٤). * * *

стр. 2734

شبهات عن القرآن الكريم على ترتيب المصحف الشريف

стр. 2735

سورة الفاتحة وفيها: ١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
следующие страницы →