المعوذتان عن ابن مسعود نفسه.
ذلك أن حمزة قرأ على الأعمش أبي محمد سليمان بن مهران، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى على علقمة الأسود، وعبيد بن نضلة الخزاعي، وزر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي وهم قرؤوا على ابن مسعود على النبي ﷺ .
ولحمزة سند آخر بهذه القراءة إلى ابن مسعود أيضًا.
ذلك أنه قرأ على أبي إسحاق السبيعي، وعلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى الإمام جعفر الصادق، وهؤلاء قرؤوا على علقمة بن قيس، وعلى زر بن حبيش، وعلى زيد بن وهب، وعلى مسروق، وهم قرؤوا على المنهال وغيره وهم على ابن مسعود وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وهما على النبي ﷺ .
ثالثًا: أن الكسائي قرأ القرآن وفيه المعوذتان بسنده إلى ابن مسعود أيضًا.
ذلك أنه قرأ على حمزة الذي انتهى بين يديك سنده إلى ابن مسعود من طريقين.
رابعها: أن خلفًا يقرأ المعوذتين في ضمن القرآن الكريم بسنده إلى ابن مسعود أيضًا وذلك أنه قرأ على سليم وهو على حمزة.
وهذه القراءات كلها التي رويت بأصح الأسانيد وبإجماع الأمة فيها المعوذتان والفاتحة على اعتبار أن هذه السور الثلاث أجزاء من القرآن وداخلة فيه. فالقول ببقاء ابن مسعود على إنكار قرآنية هذه السورة محض افتراء عليه (١).
كما سقناه بين يديك عن أربعة من القراء السبعة بأسانيد هي من أصح الأسانيد المؤيدة بما تواتر واستفاض، وبما أجمعت الأمة عليه من قرآنية الفاتحة والمعوذتين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا.
إذًا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعا بين الروايتين.
وما يقال في نقل إنكاره قرآنية المعوذتين، يقال في نقل إنكاره قرآنية الفاتحة؛ بل نقل إنكاره
стр. 2732
قرآنية الفاتحة أدخل في البطلان وأغرق في الضلال، باعتبار أن الفاتحة أم القرآن، وأنها السبع المثاني، التي تثنى وتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة على لسان كل مسلم ومسلمة.
فإنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على ابن مسعود، فضلًا عن أن يَظُنَّ به إنكار قرآنيتها، وكيف يُظَن به ذلك، وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وقد أوصى النَّبِيُّ ﷺ بقراءة القرآن على قراءته.
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ" (١).
عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ النبي ﷺ أَتَاهُ بَيْنَ أَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَبْدُ الله يُصَلِّى فَافْتَتَحَ النِّسَاءَ فَسَحَلَهَا، فَقَالَ النبي ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ". ثُمَّ تَقَدَّمَ يَسْأَلُ فَجَعَلَ النبي ﷺ يَقُولُ: "سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ". فَقَالَ فِيمَا سَأَلَ اللهمَّ إني أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ في أَعَلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ عَبْدَ الله لِيُبَشِّرَهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَهُ. فَقَالَ: إِنْ فَعَلْتَ لَقَدْ كُنْتَ سَبَّاقًا بِالْخَيْرِ (٢).
كما أن ابن مسعود ﵁ من السابقين إلى الإسلام، ولم يزل يسمع النَّبِيَّ ﷺ يقرأ بالفاتحة في الصلاة، ويقول: مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فهي خِدَاجٌ" (٣).
فكان سبب عدم كتابتها في مصحفه وضوح أنَّها من القرآن، وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان، والزيادة والنقصان.
وقصارى ما نقل عنه أنه لم يكتبها في مصحفه، وهذا لا يدل على الإنكار (٤).
стр. 2733
الوجه الخامس: ذكر ما قاله بعض أهل العلم من عدم التسليم بصحة ما جاء عن ابن مسعود في هذا الباب .
قال ابن حزم: وَكُلُّ مما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ من أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ لم تَكُنْ في مُصْحَفِهِ؛ فَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ عنه قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهَا أُمُّ الْقُرْآنِ والمعوذتان (١).
قال النووي: أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة، وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل، ليس بصحيح عنه (٢).
قال الفخر الرازي: الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل (٣).
ولكن هذا المسلك فيه نظر.
قال الحافظ: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل؛ بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول، وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال: إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود، لزم أن بعض القرآن لم يتواتر. قال: وهذه عقدة صعبة. وأجيب باحتمال أنه كان متواترا في عصر ابن مسعود لكن لم يتواتر عند ابن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى (٤).
* * *
стр. 2734
شبهات عن القرآن الكريم
على ترتيب المصحف الشريف
стр. 2735
سورة الفاتحة
وفيها:
١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
стр. 2736
١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
نص الشبهة:
قول المسلمين: إن القرآن هو كلام الله نزله على محمد، فهل يقول الله: إياك نعبد وإياك نستعين، وهل يطلب الله من نفسه ولنفسه أن يهتدي الصراط المستقيم، ولمن يوجه الله هذا الدعاء؟
ألا يعني هذا أن الفاتحة هي كلام محمد ودعاؤه إلى الله طالبًا الهداية؟ ألم يكن من الأفضل أن يقول: بك نستعين بدلًا من: إياك نستعين؟ .
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
الوجه الثاني: كلام المفسرين عن هذا الالتفات بلاغةً، ومعنًى، وأسرارًا.
الوجه الثالث: أسلوب أقصر وأبلغ في الحصر والتخصيص.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
إن من أكثر الأمور المعينة على فهم كتاب الله هو تعلم علم البلاغة، الذي به يطلع القارئ على كثير من الإعجاز اللغوي الموجود في كلام رب العالمين، الذي لا يشبهه كلام أبدًا, ولا حتى كلام نبيه ﷺ ، وإذا عرف هذا فإن لكل فنٍّ أهلٌ، وفن البلاغة له جهابذة يؤخذ منهم، فلا عقل لمن يتكلم في شيء لا يحسنه؛ لذا قال رب العالمين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وامتثالًا لأمر ربنا نرجع إلى أصحاب هذا الباب فنجد أن ما لم يفهمه المعترض هو نوع من أنواع البلاغة يقال له: الالتفات، فنحن ننقل بعض ما عندهم في هذا، وإلا فالأمر طويل، والمقام عن جمعه قصير وإليك البيان:
قال ابن الأثير: وهذا النوع وما يليه خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن، وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل
стр. 2737
فيه عن صيغة، كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
ويسمى أيضًا (شجاعة العربية) وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة .
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
وقال: والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبًا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها.
فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذا
стр. 2738
رجوع من الغيبة إلى الخطاب وبما يختص الكلام من الفوائد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ولم يقل: (الحمد لك)، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فخاطب بالعبادة إصراحًا بها وتقربًا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها، وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ عطفًا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا، فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها صافحة عنها، وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب؛ لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة، لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضًا؛ لأن مخاطبة الرب ﵎ بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه، فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها. اهـ (١)
قال النويري: وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله في القرآن العزيز: الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومثاله في الشعر قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
أو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
стр. 2739
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ومثال ذلك في الشعر قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
ثم قال مخبرًا عنها:
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلها بالغيلم
أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المتكلم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] , وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاث أبيات متواليات، وهي قوله:
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلى ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
يخاطب في البيت الأول وانصرف إلى الأخبار في البيت الثاني، وانصرف عن الأخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب. (١)
الوجه الثاني: كلام المفسرين عن هذا الالتفات بلاغةً، ومعنًى، وأسرارًا
قال الطبري: فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ أحَمِد الله نفسه - جلّ ثناؤه - فأثنى عليها، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك، في وجه قوله تعالى ذكره إذًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله ﷺ ؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا.
قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه، وأثنى عليها بما هو له أهلٌ، ثم علَّم ذلك عباده، وفرض عليهم تلاوته، اختبارًا منه لهم وابتلاءً، فقال لهم
стр. 2740
قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مما علمهم - جلّ ذكره - أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه، وذلك موصول بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكأنه قال: قولوا هذا وهذا.
فإن قال: وأين قوله: (قولوا)، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟ .
قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة، ولم تَشكَّك أنّ سامعها، يعرف بما أظهرت من منطقها، ما حذفت - حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت، قولا أو تأويلَ قولٍ، كما قال الشاعر:
وأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ
فَقَالَ السَّائِلون: لِمَنْ حَفَرْتُمْ ... فَقَالَ المُخْبِرُون لَهُمْ: وزيرُ
قال أبو جعفر: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميِّتُ وزيرٌ، فأسقَط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر:
وَرأَيتِ زَوْجَكِ في الوغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد، وإنما أراد: وحاملًا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه، عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه: "مُصاحَبًا مُعافًى"، يحذفون "سر، واخرج"، إذ كان معلومًا معناه، وإن أسقط ذكره.
فكذلك ما حُذف من قول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لمَّا عُلم بقوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما أراد بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، من معنى أمره عبادَه، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف. اهـ (١)
٢ - ومما يؤكد صحة ما قاله الطبري ما قاله البقاعي:
قال: ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 2741
يقول: "قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي" وقال مرة: "فوض إليّ عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" والله أعلم. (١)
وقال الآلوسي: البحث الرابع: في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة؛ وهي التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر؛ تطرية له وتنشيطًا للسامع، فقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات، وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك؛ ليكون أدل على الاختصاص، والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عيانًا، والمعقول مشاهدًا والغيب حضورًا.
وقيل: لما شرح الله تعالى صدر عبده، وأفاض على قلبه وقالبه نور الإيمان والإسلام من عنده؛ ترقى بذريعة الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى رتبة الإحسان وهو: "أن تعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وأيضًا، حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام الله تعالى، وصورته وقالبه الإسلام، ومعناه وروحه الإيمان، ونوره الإحسان وفي ﴿نَعْبُدُ﴾ والالتفات تتم الأمور الثلاثة. وأيضًا لما تبين أنه ملك في الأزل ما في أحايين الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضي والمستقبل بالنسبة إليه على حد سواء؛ فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب، ويحتمل أن يكون السر أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء، والثناء في الغيبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء.
وقيل: إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضورًا؛ بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن
стр. 2742
إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] لا جرم عبر عن الحمد بطريق الغيبة، وعنها بطريق الخطاب إعطاءً لكل منهما ما يليق من النسق المستطاب. وأيضًا من تشبه بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر، ومزج عبادته بعبادتهم، وتكلم بلسانهم وساق كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير محسوبًا في عدادهم مندرجًا في سياقهم:
إن لم تكونوا منهم فتشبهوا ... إن التشبه بالكرام فلاح
وأيضًا فيه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب والانكسار، ورأى نفسه بعيدًا عن ساحة القرب لكمال الاحتقار، فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهية، وتلحقه عناية أزلية إلى حظائر القدس، وتطلعه على سرائر الأنس؛ فيصير واطئًا على بساط الاقتراب، فائزًا بعز الحضور وسعادة الخطاب. وأيضًا إنه لما لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة؛ فإن خطبها عظيم، ومن دأب المحب تحمل المشاق العظيمة في حضور المحبوب؛ قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره؛ ليأتي بها العابد خالية عن الكلال، عارية عن الفتور والملال، مقرونة بكمال النشاط، موجبة لتمام الانبساط:
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
وأيضًا: إن الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير، في دام للأغيار وجود في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم، ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديهم، وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار، واضمحلال جميع الأغيار لم يبق في نظره سوى المعبود الحق، والجمال المطلق، وانتهى إلى مقام الجمع وصار في مقعد ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه، ولا يمكن إظهار السر إلا لديه؛ فينعطف عنان لسانه إلى جنابه، ويصير كلامه منحصرًا في خطابه، وثم وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة، وعندي وهو من نسائم الأسحار، أن الله سبحانه بعد أن ذكر يوم الدين وهو يوم القيامة
стр. 2743
التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق، وكان إلى ربك يومئذ المساق، هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور، ويتبلج جبينه بأنوار الفرح والسرور، ويخلو به الديان وليس بينه وبينه ترجمان، ويكشف الحجاب، وتدور بين الأحباب كؤوس الخطاب، فتأمل في عظيم الرحمة كيف قرن سبحانه هذا الترهيب برحمتين فصرح قبل يوم الدين بما صرح ورمز بعد ذكره بما رمز ولن يغلب عسر يسرين. (١)
وقال الرازي: لقائل أن يقول: قوله: "الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين" كله مذكور على لفظ الغيبة، وقوله: "إياك نعبد وإياك نستعين" انتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب، فما الفائدة فيه؟ قلنا فيه وجوه:
الأول: أن المصلي كان أجنبيًا عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين، ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني، وأقررت بكوني إلهًا ربًا رحمانًا رحيمًا مالكًا ليوم الدين، فنعم العبد أنت؛ قد رفعنا الحجاب، وأبدلنا البعد بالقرب، فتكلم بالمخاطبة وقل: إياك نعبد.
الوجه الثاني: أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، و ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ [آل عمران: ٣٨]، و ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] والسبب فيه: أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد. وأيضًا العبادة خدمة، والخدمة في الحضور أولى.
الوجه الثالث: أن من أول السورة إلى قوله: "إياك نعبد" ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن قوله: إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء، والدعاء في الحضور أولى.
الوجه الرابع: العبد لما شرع في الصلاة، وقال: نويت أن أصلي تقربًا إلى الله، فينوي حصول القربة، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعًا من الثناء على الله، فاقتضى كرم الله إجابته في
стр. 2744
تحصيل تلك القربة، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، فقال: إياك نعبد وإياك نستعين. (١)
وقال ابن عادل: قال ابن الخطيب: إن الانتقال من لفظ الغيبة، إلى لفظِ الحضور، يدلُّ على مزيد التقريب. (٢)
وقال أبو السعود: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. (سر تكرار الفاتحة في الصلاة) التفات من الغَيْبة إلى الخطاب، وتلوينٌ للنظم من باب إلى باب، جارٍ على نهج البلاغة في افتنان الكلام، ومسلَكِ البراعة حسبما يقتضي المقام، لما أن التنقلَ من أسلوب إلى أسلوب، أدخلُ في استجلاب النفوسِ واستمالةِ القلوب يقع من كل واحدٍ من التكلم والخطاب والغَيبة إلى كل واحد من الآخَرَيْن، كما في قوله : ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردةِ في التنزيل لأسرارٍ تقتضيها، ومزايا تستدعيها، ومما استَأثر به هذا المقام الجليلِ من النُكت الرائقةِ الدالةِ على أن تخصيصَ العبادةِ والاستعانةِ به تعالى لما أُجريَ عليه من النعوت الجليلة التي أوجبت له تعالى أكملَ تميّز، وأتمَّ ظهورٍ، بحيث تبدّل خفاءُ الغَيبة بجلاءِ الحضور، فاستدعى استعمالَ صيغةِ الخطاب، والإيذانَ بأن حقّ التالي بعد ما تأمل فيما سَلَف من تفرّده تعالى بذاته الأقدس، المستوجبِ للعبودية، وامتيازِه بذاته عما سواه بالكلية، واستبدادِه بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميِّزة له عن جميع أفرادِ العالمين، وافتقارِ الكلِّ إليه في الذات والوجودِ ابتداءً وبقاءً، على التفصيل الذي مرَّت إليه الإشارةُ أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان، وينتقلَ من عالم الغَيبة إلى معالم الشهود، ويلاحظَ نفسَه في حظائر القدْسِ حاضرًا في محاضر الأنس، كأنه واقفٌ لدى مولاه ماثلٌ بين يديه، وهو يدعو بالخضوع والإخبات، ويقرَعُ بالضَّراعة بابَ المناجاة قائلًا: يا من هذه شؤونُ ذاتهِ وصفاتهِ، نخصُّك بالعبادة والاستعانة، فإن ما سواك كائنًا ما كان بمعزل من استحقاق الوجود، فضلًا عن استحقاق أن يُعبد ويُستعان، ولعل هذا هو
стр. 2745
السرُ في اختصاص السورةِ الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعةٍ من الصلاة التي هي مناجاةُ العبدِ لمولاه ومِنَّتُه للتبتل إليه بالكلية. (١)
وقال ابن عاشور: قال السكاكي في (المفتاح) بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات: (أَفتراهم يحسنون قِرى الأشباح؛ فيخالفون بين لون ولون، وطَعْم وطَعْم، ولا يحسنون قِرى الأرواح؛ فيخالفون بين أسلوب وأسلوب). فهذه فائدة مطردة في الالتفات. ثم إن البلغاء لا يقتصرون عليها غالبًا؛ بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات، ولم يزل أهل النقد والأدب يستخرجون ذلك من مغاصه.
وما هنا التفاتٌ بديع؛ فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاهَا، فتخيل نفسه في حضرة الربوبية، فخاطب ربه بالإقبال.
وقال: ومما يزيد الالتفات وقعًا في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء، ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تخلصًا يجىء بعده: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان الغساني:
أبى غفلتي أَني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فُؤَادِيَ داخل
وأن تِلَادِي إنْ نظرتُ وشكَّتِي ... ومُهري وما ضَمَّت إليَّ الأنامل
حِباؤُك والعيسُ العتاقُ كأنها ... هِجان المَهى تُزْجى عليها الرحائل (٢)
الوجه الثالث: أسلوب أقصر وأبلغ في الحصر والتخصيص .
قد أسلفنا وما زلنا نكرر أن الكلام عن أساليب اللغة العربية لا ينبغي إلا لمن له بكلام العرب ولغتهم كبير دراية، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدم المفعولين لنعبد ونستعين، وهذا التقديم للاختصاص؛ لأنه وحده له العبادة، لذا لم يقل نعبدك ونستعينك؛ لأنها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى، أما
стр. 2746
قول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده، وكذلك في الاستعانة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تكون بالله حصرًا ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] كلها مخصوصة لله وحده حصرًا فالتوكل والإنابة والمرجع كله إليه سبحانه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] , ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] تقديم الإيمان على الجار والمجرور هنا؛ لأن الإيمان ليس محصورًا بالله وحده فقط؛ بل علينا الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا لم تأت به آمنا، أما في التوكل فجاءت وعليه توكلنا، لا توكلنا عليه؛ لأن التوكل محصور بالله تعالى.
ثم اعلم أن العرب من عادتها أن تختصر الكلام وتتقلل فيه باستخدام أقصر العبارات المعبرة عن المراد. فلو أردت أن تنسق الجملة بشكل آخر لتعطي معنى الاختصاص فكنت ستقول: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، فأي التعبيرين أقصر وأبلغ إن كنتم تعقلون؟ ثم إنه لم يقل نستعين بك؛ لأن هناك علة بلاغية أخرى غير التخصيص، فالفعل استعان يتعدى بنفسه وبالباء.
والقاعدة أن الفعل إذا كان يتعدى بنفسه وبغيره؛ فإن الأفصح أن يتعدى بنفسه على قاعدة العرب في أساليبها.
* * *
стр. 2747
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ .
نص الشبهة:
يقولون: إن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، وقد قال القرآن عن اليهود ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ ومثل ذلك في الإنجيل عند النصارى، فكيف يكون ذلك؟
ألم يكن من الأفضل أن يكون المغضوب عليهم والضالون هم الكافرون أو المنافقون.
والجواب عن هذه الشبهة من عدة وجوه:
الوجه الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الآيات.
الوجه الثاني: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟
الوجه الثالث: معنى المغضوب عليهم والضالين.
الوجه الرابع: الوصفان ليسا مقصورين عليهما.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾.
كما هو معلوم من الدين بالضرورة أنه لا ينبغي أن يُفهم نص من دين الله بمعزل عن النصوص الأخرى، فالله جل وعلا ذم ذلك وأخبر أنه سبيل الذين في قلوبهم زيغ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. ومدح طريق الراسخين في العلم في فهم الدين فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
ومما سبق يتضح أن الاستدلال بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ على أن اليهود ليسوا هم المغضوب عليهم، وأن النصارى ليسوا هم الضالين استدلال غير
وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
والصحيح أنها نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
قلت: ثم استدل بمجموعة من النصوص نكتفي بنص واحد منها لعدم الإطالة:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي محمَّم مجلود، فدعاهم فقال: "أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟ " فقال: لا والله، ولولا أنك نَشَدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريفَ تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوَضِيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال النبي ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه". قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
стр. 2750
قال: في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ وقال: في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في الكفار كلها. (١)
قال ابن كثير: فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع عَملهم على خلافه، بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به؛ لهذا قالوا ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. (٢)
الوجه الثاني: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ .
لقد ذم الله اليهود في كونهم كانوا يعملون ببعض ما في كتابهم، ولا يعملون بالبعض الآخر؛ فقال الله عن ذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وكان في ذلك تحذيرًا لأمة النبي ﷺ من أن يقعوا فيما وقعت فيه يهود.
فنحن نقول إننا نؤمن بالكتاب كل من عند ربنا، فالقرآن الذي جاء فيه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
стр. 2751
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، هو الذي جاء فيه أيضًا عن اليهود ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]. وهو الذي جاء فيه أيضًا ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ , وكذا ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
فلماذا يحتج المعترض بآية من القرآن ويعرض عن الباقي؟ هذا سبيل من وقع الزيغ في قلبه ولم يرد إلى الهدى سبيلًا.
إذن فالثناء على التوراة لا يقتضي الثناء على اليهود إلا إذا امتثلوا، وكذلك يقال في النصارى. ولا يقتضي أيضًا أن ما في أيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل هي التي وصفت بأن فيها هدى ونور؛ لأن هذه المعاصرة قد ثبت تحريفها ومخالفتها للأصل الذي أنزل.
الوجه الثالث: معنى المغضوب عليهم والضالين .
إن وصف اليهود بأنهم مغضوب عليهم، والنصارى بأنهم هم الضالون لا يفهم جيدًا إلا إذا فهم معنى هذين الوصفين في لغة العرب، وبالتالي سيفهمون أن معناهما يدل على اليهود والنصارى دلالة مطابقة:
١ - فالمغضوب عليهم هم المائلون عن كل خلق واعتقاد إلى طرف التفريط، ومنهم اليهود، والمفرط في الشيء هو المعرض عنه. ويقال أيضًا: هم الذين عرفوا الحق وتركوه، فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه، وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم وعرفوا أنه إله واحد ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
وقالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، يعلمون أن موسى رسول الله حقًّا ومع ذلك يؤذونه فيقولون له ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يرزقهم الله المن والسلوى فيقولون ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، يريهم الله الآيات العظام ويحيي لهم الموتى، ثم تكون النتيجة
стр. 2752
عكس كل ما هو متوقع، فتقسوا قلوبهم؛ بل تفوق الحجارة في القسوة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].
يعلمون أن سليمان نبي من عند الله، ومع ذلك يتبعون ما قالته الشياطين فيرمونه ﵇ بالسحر وأنه ليس بنبي، أليس قد وقع منهم الميل عن كل خلق واعتقاد إلى طرف التفريط أي أعرضوا عن شرع الله وما أمروا به.
والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى، والإفراط هو مجاوزة حد الاعتدال. ويقال أيضًا الذين تركوا الحق على جهل وضلال، فهذا حال النصارى أفرطوا وقالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
فلا حال يجلي الضلال من حال قوم عبدوا بشرًا، خرج من مخرج الطمث، واستضعفه خلقه حتى صلبوه، وحواه التراب الذي يزعمون أنه خلقه.
وكلام ابن القيم يذكر بعضًا من ضلالهم فيقول:
"المثلثة" أمة الضلال وعباد الصليب، الذين سبوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء؛ بل قالوا فيه ما ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها: أن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته وأن المسيح ابنه، وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن، فدينها عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا، فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجيهم من عذاب السعير (١).
стр. 2753
الوجه الرابع: الوصفان ليسا مقصورين عليهما .
تفسير الشيء ببعض أفراده لا يقتضي تخصيصه به، ولا قصره عليه فقول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ له تفسير عام قد أسلفناه، وبينا أن المعنى شمل اليهود والنصارى لانطباق الصفات عليهم، فمن يشاركهم في هذه الصفات يدخل معهم سواء كان من الملحدين أم من المشركين أم من المنافقين. والنبي ﷺ عندما فسر المغضوب عليهم والضالين باليهود والنصارى لم يحصر ذلك فيهما؛ بل قال: (فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضلال). (١)
* * *
стр. 2754
سورة البقرة
وفيها:
١ - شبهة: حول الحروف المقطعة في أوائل السور.
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
٣ - شبهة: ادعاؤهم اعتراض الملائكة على الله تعالى.
٤ - شبهة: حول سجود الملائكة لآدم.
٥ - شبهة: حول نفي الشفاعة.
٦ - شبهة: حول تحليل الانتقام.
٧ - شبهة: ادعاؤهم أن الله - تعالى - يحلل الكذب للناس.
٨ - شبهة: حول أعظم آية في القرآن الكريم.
٩ - شبهة: حول معاصرة إبراهيم للنمرود، وادعاؤهم أن النمرود كان سابقًا لإبراهيم ﵇ بـ ٣٠٠ سنة.
١٠ - شبهة: حول الرجل الذي مات مائة سنة.
١١ - شبهة: حول شك إبراهيم ﵇.
стр. 2755
١ - شبهة: حول الحروف المقطعة في أوائل السور .
نص الشبهة:
وفي ذلك اعتراضات:
أولًا: ما معنى هذه الكلمات؟ وهل يعطي الله طلاسم وكلامًا غير مفهوم؟
ثانيًا: يحتاج إلى مفسرين وجهابذة لكي نعرف ماذا يقصد بكلمة الم أو الر؟
ثالثًا: ماذا يفعل الذين يقطنون في أماكن نائية وليس عندهم مفسرين للُّغة؟
رابعًا: ماذا يفعل غير العرب عندما يقرءون هذه الكلمات؟
خامسًا: كيف تُفَسَّرُ إلى الإنجليزية أو الفرنسية؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
الوجه الثاني: ما ذكره أهل العلم في معانيها.
الوجه الثالث: هذه الأحرف حجةٌ على من عارض القرآن.
الوجه الرابع: هذه الأحرف دالة على صدق النبوة.
الوجه الخامس: هذه الأحرف تدل على أن هذا الكتاب من عند الله تعالى.
الوجه السادس: لو كانت هذه الأحرف طلاسم - كما يزعمون - لطعن في ذلك اليهود والمشركين.
الوجه السابع: على التسليم بأنها غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس.
الوجه الثامن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
الوجه التاسع: توضيح أهل العلم لها من معان وأسرار يدل على أنها ليست من الطلاسم.
الوجه العاشر: الرد على قولهم ماذا يفعل الذين يقطنون في أماكن نائية وليس عندهم مفسرين للغة؟
الوجه الحادى عشر: الرد على قولهم: هل يحتاجون إلى مفسرين وجهابذة في اللغة لكي نعرف ماذا يقصد بكلمة الم، الر، كهيعص؟
وإليك التفصيل
стр. 2756
الوجه الأول: أقوال أهل العلم في هذه المسألة .
للعلماء فيها قولان:
القول الأول: لا نخوض في تأويلها؛ لأن هذا علمٌ مستورٌ، وسِرٌّ محجوبٌ، استأثر الله ﵎ به، ولا يجب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونُمِرُّها كما جاءت.
القول الثاني: لنا أن نفسرها ونلتمس ما فيها من المعاني.
قال ابن عطية: والصواب ما قاله الجمهور أن تُفَسَّرَ هذه الحروفُ ويُلتَمَسَ لها التأويل (١).
والدليل على هذا القول - الثاني -:
أما الآيات فأربعة عشر:
أحدها: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] أَمَرَهُمْ بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه؟
ثانيها: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق؟
ثالثها: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] فلو لم يكن مفهومًا بطل كون الرسول ﷺ منذرًا به، وأيضًا قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهومًا.
رابعها: قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه.
خامسها: قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
стр. 2757
سادسها: قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وغير المعلوم لا يكون هدى.
سابعها: قوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم.
ثامنها: قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
تاسعها: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وكيف يكون الكتاب كافيًا، وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟
عاشرها: قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فكيف يكون بلاغًا، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم؟ وقال في آخر الآية: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وإنما يكون كذلك لو كان معلومًا.
الحادية عشرة: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] فكيف يكون برهانًا ونورًا مبينًا مع أنه غير معلوم؟
الثانية عشر: قوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم؟
الثالثة عشر: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] فكيف يكون هاديًا مع أنه غير معلوم؟ .
الرابعة عشر: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى قوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهومًا.
стр. 2758
وأما الأخبار: فقوله ﷺ : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنّتي". (١) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ .
الاحتجاج بالمعقول:
أما المعقول فمن وجوهٍ:
الأول: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به؛ لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا.
والثاني: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهومًا لكانت المخاطبة به عبثًا وسفهًا، وأنه لا يليق بالحكيم.
والثالث: أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به. (٢)
قلت: فهي على هذا لا بد أن لها معنى، وجهل البعض بالمراد منها لا يضر؛ فإن الراسخين في العلم يعلمونه.
الوجه الثاني: ما ذكره أهل العلم في معانيها .
التمس أهل العلم لهذه الأحرف جملة من المعاني، منها:
الأول: أن يقال: إنها أسماءٌ للسور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.
الثاني: اسم من أسماء القرآن.
الثالث: فواتح يفتح الله بها القرآن.
الرابع: اسم الله الأعظم.
الخامس: قَسَمٌ أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه.
السادس: هي حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
السابع: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ شتى مختلفة.
стр. 2759
الثامن: هي حروف من حساب الجمل. (١)
وبعد أن ذكر الطبري ﵀ هذه الأقوال؛ قال:
والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم: أن الله جعلها حروفًا مقطعةً، ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منها على معانٍ كثيرةٍ لا على معنى واحد. (٢)
وهذا مضمون ما قاله الشوكاني ﵀ حيث قال:
والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله ، ولا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه (٣).
وإجمال القول في هذا المقام: أن هذه الأحرف لم يرد في تأويلها شيء صحيح من المعصوم ﷺ فيما علمنا، ولم يجمع أهل العلماء في تأويلها على وجهة معينة، فالأمر على ما ذكره بعض أهل العلم حيث قالوا: فمن ظهر له بعض الأقوال بدليلٍ فعليه اتباعه، وإلا فالوقف أولى (٤).
الوجه الثالث: هذه الأحرف حجةٌ على من عارض القرآن .
حيث قال المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين: إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجًا على الكفار، وذلك أن الرسول ﷺ لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف؛ تنبيهًا على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن - هذا مع أنه مركب من الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها - فلما عجزتم عنه دل
стр. 2760
ذلك على أنه من عند الله لا من البشر. (١)
وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا. (٢)
وأقره الزمخشري ونصره أتم نصر. (٣)
وإليه ذهب الشيخ العلامة أبو العباس ابن تيمية وأبو الحجاج المزي. (٤)
قال ابن كثير: قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت؛ ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن، وجاء منها على حرف واحد كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾، وحرفين ﴿حم﴾، وثلاثة مثل ﴿الم﴾، وأربعة مثل: ﴿المَر﴾ و ﴿المص﴾، وخمسة مثل: ﴿كهيعص﴾ و ﴿حم (١) عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف واحد، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.
وقال أيضًا: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢] , ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة هذا الوجه لمن أمعن النظر. (٥)
الوجه الرابع: هذه الأحرف دالة على صدق النبوة .
قال الزرقاني: إن هذه الحروف من أعجب المعجزات، والدلالات على صدق
стр. 2761
النبي ﷺ . وهذا مما ترضاه النفوس. ألا ترى أن حروف الهجاء لا ينطق بها إلا من تعلم القراءة. وهذا النبي الأمي ﷺ قد نطق بها. والذي في أول السور أربعة عشر حرفًا منها، وهي كلها ثمانية وعشرون حرفًا إن لم تعد الألف حرفًا برأسه، فالأربعة عشر نصفها، وقد جاءت في تسع وعشرين سورة، وهي عدد الحروف الهجائية إذا عدت فيها الألف. وقد جاءت من الحروف المهموسة العشرة وهي: (فحثه شخص سكت) بنصفها، هي الحاء، والهاء، والصاد، والسين، والكاف.
ومعلوم أن الحروف إما مهموسة - أي يضعف الاعتماد عليها - وهي ما تقدم، وإما مجهورة، وهي ثمانية عشر، نصفها - وهو تسعة - ذكرت في فواتح السور، ويجمعها (لن يقطع أمر).
والحروف الشديدة ثمانية، وهي (أجدت طبقك) أربعة منها في الفواتح، وهي (أقطك) إلى أخر الحروف بأصنافها.
ثم قال: فانظر كيف أتى في هذه الفواتح بنصف الحروف الهجائية، إن لم تعدّ الألف، وجعلها في تسع وعشرين سورة عدد الحروف، وفيها الألف؟ وكَيف أتى بنصف المهموسة، ونصف المهجورة. ونصف الشديدة، ونصف الرخوة، ونصف المطبقة، ونصف المنفتحة.
ثم قال: وإني موقن أن المتعلم لو طُلِبَ منه أن يأتي بهذه الحروف منصفة على هذا الوجه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فإنه إن راعى نصف الحروف المطبقة، فكيف يراعي الحروف الشديدة؟ وكيف يراعي نصف المجهورة في نفس العدد؟
إن ذلك دلائل على صدق صاحب الدعوة ﷺ ، وهذا الوجه فيه إعجاز للعقول، وحيرة.
فيقال: كيف تنصف الحروف الهجائية، وتنصف أنواعها من مهموسة، وشديدة. . إلخ وهذه الأنواع لم يدرسها أحدٌ في العالم أيام النبوة! ثم لما ظهرت تلك الدراسات، وافقت تلك الحروف بأنصافها!
إن ذلك ليعطي العقول مثلًا من الغرابة الدالة على أن هذا لا يقدر عليه المتعلمون؛
стр. 2762
فإذًا هو من الوحي، ومن دلائل صدق النبي ﷺ (١).
الوجه الخامس: هذه الأحرف تدل على أن هذا الكتاب من عند الله تعالى
قال الزرقاني: إن الله تعالى خلق العالم منظمًا محكمًا، متناسقًا متناسبًا، والكتاب السماوي إذا جاء مطابقًا لنظامه، موافقًا لإبداعه، سائرًا على منهاجه، دلّ ذلك على أنه من عنده، وإذا جاء الكتاب السماوي مخالفًا لنهجه، منافرًا لفعله، منحرفًا عن سننه كان ذلك الكتاب مصطنعًا، مفتعلًا، منقولًا، مكذوبًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وذكر على ذلك أمثلة من العالم مبينًا بذلك أن لهذه الفواتح معاني في ضوء الوجوه السابقة، وإذا كان بعض الناس لا يفهم تلك المعاني فليس ذلك عيبًا في القرآن؛ إنما هو عيبٌ في استعداد بعض أفراد الإنسان. وكتاب الله خوطب به الخواص كما خوطب به العوام، فلا بدع أن يكون فيه ألفاظ لا يفهمها إلا الخاصة دون العامة (٢).
قلت: فثبت بما ذُكر من معاني لهذه الحروف المقطعة عند أهل العلم أن لها معنى معلومًا، وليست من الطلاسم والكلام الذي لا يفهم.
فإذا مثلهم في ذلك كأعمى خرج ليل البدر؛ فقال: إن القمر لا وجود له، أو جاء في وسط النهار، وقال: إن الشمس لم تطلع مع كونها طالعةً ظاهرةً، فهل يضر الشمس والقمر عمى هذه الأبصار؟ !
الوجه السادس: لو كانت هذه الأحرف طلاسم - كما يزعمون - لطعن في ذلك اليهود والمشركون .
إن اليهود لم يُعْرَفْ عنهم الطعنُ في القرآن بمثل هذا، ولو كان هذا مطعنًا عندهم لكانوا أول الناس جهرًا به وتوجيهًا له؛ لأنهم كانوا أشد الناس عداوةً للنبي ﷺ والمسلمين، وهم يتمنون أن يجدوا في القرآن مغمزًا من أي نوعٍ يكون؛ ليهدموا به دعوة
стр. 2763
الإسلام. كيف وهم يكفرون به حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق؟ (١).
قال السيوطي: لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولًا متداولًا عنهم؛ لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي ﷺ ؛ بل تلا عليهم ﴿حمَ﴾ و ﴿ص﴾ وغيرها فلم ينكروا ذلك؛ بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوقهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمرًا معروفًا بينهم لا إنكار فيه (٢).
الوجه السابع: على التسليم بأنها غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس .
قال الزرقاني: إن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيانٌ للناس وهدى ورحمة؛ فإن هذه الأوصاف يكفي في تحققها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعه لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل لفظ فيه، ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية، وهداية للخلق إلى الحق، ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجواب مبني على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور، وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا؛ بل هو من الأسرار التي استأثر الله بعلمها، ولم يُطْلِعْ عليها أحدًا من خلقه؛ وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه ودلائل هدايته وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضًا من فيض، فأما الذين آمنوا فيعلمون أن هذه الفواتح حق من عند ربهم ولو لم يفهموا معناها، ولم يدركوا مغزاها ووسع علمه كل شيء عرفه الخلق، أو لم يعرفوه من أسرار تنزيله ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٥].
стр. 2764
ونظير ذلك أن تكون أستاذًا معلمًا، وتريد أن تقف على مدى انتباه تلاميذك، ومبلغ ثقتهم فيك، وفي علمك، بعد أن زودتهم منك بدراسات واسعة، وتعاليم واضحة، فإنك تختبرهم في بعض الأوقات بكلمات فيها شيء من الألغاز والخفاء، ليظهر الذكي من الغبي؛ والواثق بك الوامق لك من المتشكك فيك، المتردد في علمك وفضلك، فأما الواثق فيك فيعرف أن تلك الألغاز والمعميات صدرت عن علم منك بها وإن لم يعلم هو تفسيرها، ويعرف أن لك حكمة في إيرادها على هذه الصورة من الخفاء وهي الاختبار والابتلاء، وأما المتشكك فيك فيقول: ماذا أراد بهذا؟ وكيف ساغ له أن يورده؟ وما مبلغ العلم الذي فيه؟ ثم ينسى تلك المعارف الواسعة الواضحة التي زودته بها من قبل ذلك، وكلها من أعلام العلم وآيات الفضل.
ولا يفوتنَّك في هذا المقام أن تعرف أن ابتلاء الله لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلًا منهم - حاشاه حاشاه - فقد وسع كل شيء علمًا؛ إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق، وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم فلا يتهمون الله في عدله وجزائه إذا جعل من الناس أهلًا لثوابه وآخرين لعقابه. (١)
الوجه الثامن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ .
قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]
فقولهم آمنا به كل من عند ربنا دليل على الاستسلام والخضوع التام لما جاء من عند الله تعالى حتى لو لم تبلغه العقول، وهذه أسمى الغايات وأحسن الحكم.
وذلك أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان: منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، والسعي
стр. 2765
بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني؛ لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم؛ لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضًا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر؛ بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتًا إليه أبدًا، ومتفكرًا فيه أبدًا، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدًا مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلًا لهذه المصلحة (١).
الوجه التاسع: توضيح أهل العلم لها من معان وأسرار يدل على أنها ليست من الطلاسم
فقد بوب أهل العلم في علوم القرآن بابا مخصوصا حول أسرار الفواتح، والتمسوا لها المعاني.
قال ابن القيم: تأمل سر (الم) كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة، فالألف إذا بدئ بها أولًا كانت همزة وهي أول المخارج من أقصى الصدر، واللام من وسط المخارج وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين، وترتيب في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية، فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا؛ فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين
стр. 2766
مع تضمنها سرًا عجيبًا وهو أن الألف البداية، واللام التوسط، والميم النهاية فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه، فمشتملة على تخليق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر، فتأمل ذلك في البقرة، وآل عمران، وتنزيل السجدة، وسورة الروم.
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن؛ فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي: الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.
وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة، كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف؟ فمن ذلك "ق" والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.
وإذا أردت زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة "ص" من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي أجعل الآلهة لها واحد إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم، ثم خصامه ثانيًا في شأن بنيه، وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم، فليتأمل
стр. 2767
اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير ص وسورة ق غير حرفها؟ وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم (١).
قلت: فظهر بما ذكرنا من الأوجه أن هذه الحروف لها معان تكلم فيها أهل العلم، فليست من الطلاسم ولا من الكلام الذي لا يفهم وبظهور المعنى تظهر الحكمة.
الوجه العاشر: الرد على قولهم: ماذا يفعل الذين يقطنون في أماكن نائية، وليس عندهم مفسرين للغة ؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أننا لا نسلم بوجود أماكن نائية لدرجة أنه لا يمكنها أن تتصل بأهل العلم أو تسمع منهم، وبخاصة في هذه الأيام التي صار العالم فيها كقرية صغيرة بسبب هذا التقدم العلمي ووسائل الاتصال والنشر الحديثة.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين هم في الأماكن النائية نقول لهم هل وصلكم القرآن أم لا؟
والظاهر أنه وصلهم؛ لأنهم يسألون عن التفسير، وما دام القرآن وصلهم فإننا نقول لهم: الجهة التي أوصلت إليكم القرآن والإسلام قبل ذلك توصل إليكم ما غمض عنكم من التفسير والأحكام إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث: نحن نسأل هذا المتكلم، أين هذه الأماكن النائية التي انعدمت صلتها بنا ونحن أمام الله مسئولون عن توصيل الدعوة بما تحتاجه إليهم، فما عليكم إلا أن تقولوا لنا أين هذه الأماكن؟
الوجه الرابع: وعلى التسليم بوجود أماكن بهذا الوصف؛ فإما أن يكون بلغها الإسلام أو لا، فإن لم يكن الإسلام بلغهم، ولم يعلموا عنه لا اسمًا ولا رسمًا، فكيف يسألون عن القرآن وعن فهمه؟ وأيضًا ما داموا كذلك وماتوا ولم يصلهم الإسلام؛ فإن الله تعالى قال في محكم كتابه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
стр. 2768
وإن كان الإسلام وصلهم فإما أن يكونوا دخلوا فيه أو لا، فإن لم يكونوا دخلوا في الإسلام، فإن في المحكم الواضح الدلالة من كتاب الله؛ بل في الكون وفي أنفسهم ما يدعوهم إلى الإسلام، فإن دخلوا فيه وأرادوا أن يعرفوا معنى هذه الكلمات فإن هذا باب من أبواب العلم.
لكن هل يجب عليهم ذلك؟ والجواب لا يجب؛ لأن العلم منه ما هو فرض ومنه ما هو فرض كفايه.
قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع. واختلفوا في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه، نحو: الشهادة باللسان، والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له لا شبه له، ولا مثل، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء. (١)
قلت: فثبت أن معرفة تفسير هذه الحروف ليس واجبًا متعينًا على جميع الأفراد، وإنما يقوم به البعض بمعرفته؛ لينذر قومه ويزيل عنهم الشبهة.
لكن كيف يتعلم هذا البعض معنى هذه الكلمات؟
والجواب عن ذلك في القرآن حيث قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وكيف يسأل؟
والجواب من وجوه:
١ - يرحل إلى العلماء.
٢ - أن يدعو العلماء إلى بلادهم.
٣ - المراسلة.
стр. 2769
٤ - القراءة في كتب التفسير.
الوجه الخامس: قال الله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ هذا الذي يسكن الأماكن النائية، ويحتج له على القرآن بأنه لا يفهم الحروف المقطعة.
وأقول: وهو أيضًا لا يفهم كثيرًا من الأحكام وكثيرًا من الآيات، فهل هذا عيب في الأحكام أو سائر الآيات؟ ! أم أنه يجب عليه أن يطلب العلم بوسائله المشروعة، وأيضًا فإنه يجهل كثيرًا من أمور دنياه ومن الحقائق العلمية ولا يستطيع تفسيرها ولا الوصول إليها. فهل هذا عيب على الحقائق العلمية؟ أم يقال: إن هؤلاء الناس يحتاجون إلى تعلم ودراسة ونحو ذلك. فالذي ينبغي على هؤلاء أن يطلبوا الحق ويقبلوه، وعلامة ذلك أن تكون قاعدتهم في القبول والرد لا على حسب الأهواء.
والرد على قولهم ماذا يفعل غير العرب؟
فجوابه في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ أي سهلناه للحفاظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب علم لحفظه فيعان عليه أو هيأناه للذكر؟
وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتابٌ يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن. . . فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذَّكَّروا ما فيه، أي يفتعلوا الذكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم. وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قارئ يقرؤه، أو فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه؟ (١).
فهذا تنويه بشأن القرآن، وأنه من عند الله، وأن الله يسره وسهله لتذكر الخلق بما تحتاجونه من التذكير مما هو هدي وإرشاد وهذا التيسير ينبئ بعناية الله تعالى به مثل قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالًا على مدارسته وتعريضًا
стр. 2770
للمشركين عسي أن عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعي فيه حال المشركين الشاكين في أنه من عند الله، والتيسير إيجاد اليسر في الشيء كقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أو قول كقوله ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ واليسر السهولة وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء.
وإذ كان القرآن كلامًا فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة.
وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له.
هذا وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينَه تصريحًا كقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وتعريضًا كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق. وفي الحديث: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلَّا نزلتْ عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده". (١)
قلت: فظهر بهذه الآية أن الله وعد وأخبر أن القرآن ميسر كله لكل أجناس البشر الذين يطلبون الحق ولهذا نرى في الناس من لا يحسن العربية شيًا لكن يقرأ القرآن قراءة صحيحة فسبحان من يسر القرآن للذكر.
فإن قال هذا صعب فالجواب من وجوه:
الأول: أنه تلزمه القراءة هكذا ولا يجوز له أن يترجم القرآن ترجمة حرفية ومن دخل