مع تضمنها سرًا عجيبًا وهو أن الألف البداية، واللام التوسط، والميم النهاية فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه، فمشتملة على تخليق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر، فتأمل ذلك في البقرة، وآل عمران، وتنزيل السجدة، وسورة الروم.
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن؛ فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي: الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.
وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة، كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف؟ فمن ذلك "ق" والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.
وإذا أردت زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة "ص" من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي أجعل الآلهة لها واحد إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم، ثم خصامه ثانيًا في شأن بنيه، وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم، فليتأمل
стр. 2767
اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير ص وسورة ق غير حرفها؟ وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم (١).
قلت: فظهر بما ذكرنا من الأوجه أن هذه الحروف لها معان تكلم فيها أهل العلم، فليست من الطلاسم ولا من الكلام الذي لا يفهم وبظهور المعنى تظهر الحكمة.
الوجه العاشر: الرد على قولهم: ماذا يفعل الذين يقطنون في أماكن نائية، وليس عندهم مفسرين للغة ؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أننا لا نسلم بوجود أماكن نائية لدرجة أنه لا يمكنها أن تتصل بأهل العلم أو تسمع منهم، وبخاصة في هذه الأيام التي صار العالم فيها كقرية صغيرة بسبب هذا التقدم العلمي ووسائل الاتصال والنشر الحديثة.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين هم في الأماكن النائية نقول لهم هل وصلكم القرآن أم لا؟
والظاهر أنه وصلهم؛ لأنهم يسألون عن التفسير، وما دام القرآن وصلهم فإننا نقول لهم: الجهة التي أوصلت إليكم القرآن والإسلام قبل ذلك توصل إليكم ما غمض عنكم من التفسير والأحكام إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث: نحن نسأل هذا المتكلم، أين هذه الأماكن النائية التي انعدمت صلتها بنا ونحن أمام الله مسئولون عن توصيل الدعوة بما تحتاجه إليهم، فما عليكم إلا أن تقولوا لنا أين هذه الأماكن؟
الوجه الرابع: وعلى التسليم بوجود أماكن بهذا الوصف؛ فإما أن يكون بلغها الإسلام أو لا، فإن لم يكن الإسلام بلغهم، ولم يعلموا عنه لا اسمًا ولا رسمًا، فكيف يسألون عن القرآن وعن فهمه؟ وأيضًا ما داموا كذلك وماتوا ولم يصلهم الإسلام؛ فإن الله تعالى قال في محكم كتابه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
стр. 2768
وإن كان الإسلام وصلهم فإما أن يكونوا دخلوا فيه أو لا، فإن لم يكونوا دخلوا في الإسلام، فإن في المحكم الواضح الدلالة من كتاب الله؛ بل في الكون وفي أنفسهم ما يدعوهم إلى الإسلام، فإن دخلوا فيه وأرادوا أن يعرفوا معنى هذه الكلمات فإن هذا باب من أبواب العلم.
لكن هل يجب عليهم ذلك؟ والجواب لا يجب؛ لأن العلم منه ما هو فرض ومنه ما هو فرض كفايه.
قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع. واختلفوا في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه، نحو: الشهادة باللسان، والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له لا شبه له، ولا مثل، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء. (١)
قلت: فثبت أن معرفة تفسير هذه الحروف ليس واجبًا متعينًا على جميع الأفراد، وإنما يقوم به البعض بمعرفته؛ لينذر قومه ويزيل عنهم الشبهة.
لكن كيف يتعلم هذا البعض معنى هذه الكلمات؟
والجواب عن ذلك في القرآن حيث قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وكيف يسأل؟
والجواب من وجوه:
١ - يرحل إلى العلماء.
٢ - أن يدعو العلماء إلى بلادهم.
٣ - المراسلة.
стр. 2769
٤ - القراءة في كتب التفسير.
الوجه الخامس: قال الله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ هذا الذي يسكن الأماكن النائية، ويحتج له على القرآن بأنه لا يفهم الحروف المقطعة.
وأقول: وهو أيضًا لا يفهم كثيرًا من الأحكام وكثيرًا من الآيات، فهل هذا عيب في الأحكام أو سائر الآيات؟ ! أم أنه يجب عليه أن يطلب العلم بوسائله المشروعة، وأيضًا فإنه يجهل كثيرًا من أمور دنياه ومن الحقائق العلمية ولا يستطيع تفسيرها ولا الوصول إليها. فهل هذا عيب على الحقائق العلمية؟ أم يقال: إن هؤلاء الناس يحتاجون إلى تعلم ودراسة ونحو ذلك. فالذي ينبغي على هؤلاء أن يطلبوا الحق ويقبلوه، وعلامة ذلك أن تكون قاعدتهم في القبول والرد لا على حسب الأهواء.
والرد على قولهم ماذا يفعل غير العرب؟
فجوابه في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ أي سهلناه للحفاظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب علم لحفظه فيعان عليه أو هيأناه للذكر؟
وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتابٌ يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن. . . فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذَّكَّروا ما فيه، أي يفتعلوا الذكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم. وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قارئ يقرؤه، أو فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه؟ (١).
فهذا تنويه بشأن القرآن، وأنه من عند الله، وأن الله يسره وسهله لتذكر الخلق بما تحتاجونه من التذكير مما هو هدي وإرشاد وهذا التيسير ينبئ بعناية الله تعالى به مثل قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالًا على مدارسته وتعريضًا
стр. 2770
للمشركين عسي أن عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعي فيه حال المشركين الشاكين في أنه من عند الله، والتيسير إيجاد اليسر في الشيء كقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أو قول كقوله ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ واليسر السهولة وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء.
وإذ كان القرآن كلامًا فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة.
وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له.
هذا وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينَه تصريحًا كقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وتعريضًا كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق. وفي الحديث: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلَّا نزلتْ عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده". (١)
قلت: فظهر بهذه الآية أن الله وعد وأخبر أن القرآن ميسر كله لكل أجناس البشر الذين يطلبون الحق ولهذا نرى في الناس من لا يحسن العربية شيًا لكن يقرأ القرآن قراءة صحيحة فسبحان من يسر القرآن للذكر.
فإن قال هذا صعب فالجواب من وجوه:
الأول: أنه تلزمه القراءة هكذا ولا يجوز له أن يترجم القرآن ترجمة حرفية ومن دخل
стр. 2771
ديننا تعلم لغة كتابنا. (١)
الثاني: أن الأجر يزداد مع المشقة وقد أخبر النبي ﷺ أن الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران. (٢)
الثالث: أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقد قال ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
قولهم كيف تفسر إلى اللغات الأخرى؟
فقد بينا في المقدمة أنه يقوم عالم من العلماء بصياغة تفسير سهل يختار فيه القول الراجح عنده ثم يترجم هذا التفسير وهذا في سائر القرآن ومنه هذه الحروف. (٣)
وعلى هذا فقد ظهر لنا وللسائل معنى هذه الكلمات عند أهل العلم والحكمة منها حتى لو لم يكن المعنى ظاهر.
وكيف يفعل الذين يسكنون الأماكن النائية وغير العرب وكيف تفسر إلى اللغة الانجليزية أو غيرها وبهذا تثار هذه الشبهة إن شاء الله على أصحابها لأن الكلمات لها معنى وهي من القرآن السهل الميسر، غير أنه بقيت مسألة.
الوجه الحادي عشر: الرد على قولهم: هل يحتاجون إلى مفسرين وجهابذة في اللغة لكي نعرف ماذا يقصد بكلمة الم، الر، كهيعص . (٤)
فجوابه أولًا: إنهم لا يحتاجون إلى الجهابذة والخبراء في فواتح السور فحسب بل يحتاجون إليهم في فهم أكثر كلمات القرآن الكريم لأن ذلك علم من علوم القرآن بل من
стр. 2772
علوم الإسلام العظيمة وهو علم التفسير والتأويل.
وهو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية. (١)
نهضة الأفراد والأمم لا يمكن أن تكون صحيحة عن تجربة ولا سهلة متيسرة ولا رائعة مدهشة إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن ونظمه الحكيمة التي روعيت فيها جميع عناصر السعادة للنوع البشري على ما أحاط به علم خالقه الحكيم وبديهي أن العمل بهذه التعاليم لا يكون إلا بعد فهم القرآن وتدبره.
وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان لما تدل عليه ألفاظ القرآن وهو ما نسميه بعلم التفسير خصوصًا في هذه العصور الأخيرة التي فسدت فيها ملكة البيان العربي وضاعت فيها خصائص العروبة حتى من سلائل العرب أنفسهم.
فالتفسير هو مفتاح هذه الكنوز والذخائر التي احتواها هذا الكتاب المجيد النازل لإصلاح البشر وإنقاذ الناس وإعزاز العالم، وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى هذه الكنوز والذخائر مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن وتوفروا على قراءته كل يوم ألف مرة بجميع وجوهه التي نزل عليها. وهنا تلمح السر في تأخر مسلمة هذا الزمن على رغم وفرة المصاحف في أيديهم ووجود ملايين الحفاظ بين ظهرانيهم وعلى رغم كثرة عددهم واتساع بلادهم في حين أن سلفنا الصالح نجحوا بهذا القرآن نجاحًا مدهشا كان وما زال موضع إعجاب التاريخ والمؤرخين مع أن أسلافنا أولئك كانوا في قلة من العدد وضيق من الأرض وخشونة من العيش ومع أن نسخ القرآن ومصاحفه لم تكن ميسورة لهم ومع أن حفاظه لم يكونوا بهذه الكثرة الغامرة.
أجل إن السر في ذلك هو أنهم توفروا على دراسة القرآن واستخراج كنوز هداياته يستعينون على هذه الثقافة العليا بمواهبهم الفطرية وملكاتهم السليمة العربية من ناحية وبما يشرح رسول الله ﷺ ويبينه لهم بأقواله وأعماله وأخلاقه وسائر أحواله كما قال سبحانه
стр. 2773
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
ثانيًا: فإن القرآن نزل بلسان عربي في زمان أفصح العرب فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه أما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي ﷺ مثل قولهم: وأينا لم يظلم نفسه حينما نزل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ ففسره النبي ﷺ بالشرك واستدل بقوله إن الشرك لظلم عظيم (٢).
ومما تقدم يتبين أن فائدة التفسير هي التذكر والاعتبار ومعرفة هداية الله في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق وسمي علم التفسير لما فيه من الكشف والتبين (٣).
قلت: وهذا التفسير لا بد له من جهابذة يقومون به شأن سائر العلوم والتخصصات ومن ينكر هذا؟ ! .
ورد عن ابن عباس أنه قال: إن التفسير أربعة: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب بألسنتها وتفسير تفسره العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله.
قال الزركشي: وهذا تقسيم صحيح:
١ - فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم وذلك شأن اللغة والإعراب فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها ولا يلزم ذلك القارئ ثم إن كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفي فيه خبر الواحد والاثنين والاستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان مما يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم وليسلم القارئ من اللحن وإن لم يكن محيلًا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن ولا يجب على المفسر
стр. 2774
ليتوصل إلى المقصود دونه على أن جهله نقص في حق الجميع إذا تقرر ذلك فما كان من التفسير راجعًا إلى هذا القسم فسبيل المفسر التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسير شيء من الكتاب العزيز ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين.
٢ - وأما ما لا يعذر واحد بجهله وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًا لا سواه يعلم أنه مراد الله تعالى فهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله وأنه لا شريك له في إلهيته وإن لم يعلم أن لا موضوعة في اللغة للنفي وإلا للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر. فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد يدعي الجهل بمعاني الفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.
٣ - وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجرى مجرى الغيوب نحو الآي المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه:
إما نص من التنزيل، أو بيان من النبي ﷺ ، أو إجماع الأمة على تأويله فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه.
٤ - ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وهو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه فالمفسر ناقل والمؤول مستنبط وذلك استنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه.
وقال أيضًا: والحق أن علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول والنسخ وتعيين المبهم وتبيين المجمل ومنه ما لا يتوقف قوله ويكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر.
ثم قال: واعلم أن القرآن قسمان أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره وقسم لم يرد.
стр. 2775
والأول ثلاثة أنواع، إما أن يرد التفسير عن النبي ﷺ أو عن الصحابة، أو عن رءوس التابعين فالأول يبحث في عن صحة السند والثاني ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتمادهم وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة فإن أمكن الجمع فذاك وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال اللهم علمه التأويل. وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لقوله ﷺ أفرضكم محمد زيد فإن تعذر الجمع جاز للمقلد أن يأخذ بأيها شاء وأما الثالث وهم رءوس التابعين إذا لم يرفعوه إلى النبي ﷺ ولا إلى أحد من الصحابة ﵃ فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا وإلا وجب الاجتهاد.
والثاني ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين وهو قليل وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق وهذا يعتني به الراغب كثيرًا في كتاب المفردات فيذكر قيدًا زائدًا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ لأنه اقتصه من السياق. والذي يجب على المفسر البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أوائل المعادن لمن يريد أن يدرك معانيه وهو كتحصيل اللبن من أوائل المعادن في بناء ما يريد أن يبنيه. وليس ذلك في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع وغيره وهو كما قالوا إن المركب لا يعلم إلا بعد العلم بمفرداته لأن الجزء سابق على الكل في الوجود من الذهبي والخارجي فنقول النظر في التفسير هو بحسب أفراد الألفاظ وتراكيبها (١).
قلت: وبهذا يظهر أن الحاجة إلى العلماء المتخصصين في فهم القرآن أمر لا يطعن في القرآن ولا في هدايته، والله أعلم.
* * *
стр. 2776
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
١ - لما ضرب محمد ﷺ المثل بالذباب والعنكبوت وذكر النحل والنمل، قال المعارضون: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة! إننا لا نعبد إلهًا يذكر هذه الأشياء، فقال محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ فأجابهم من جنس قولهم ولم يأت بجديد.
٢ - كان ينبغي أن يقول بعوضة فما تحتها لا بعوضة فما فوقها، في تحتها هو الصحيح في مثل هذا الموقف، وقد حاول علماء المسلمين تفسير هذا فقالوا: أي دونها في الصغر (١).
الجواب على هذه الشبهة بعون الله تعالى من وجوه:
الوجه الأول: الآية حوت علمًا وبلاغة عظيمة .
الوجه الثاني: أين الأمانة في النقل؟
الوجه الثالث: بلسان عربي مبين.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الآية حوت علمًا وبلاغة عظيمة.
قول المعترض: إن محمدًا ﷺ لم يأت بجديد، فهذا غير صحيح؛ بل إن الآية إنما حوت علمًا وبلاغة عظيمة نذكر من ذلك:
١ - إثبات صفة الحياء لله ﷻ على الوجه الذي يليق به سبحانه، وهذا مما لا يعرف بالعقل.
٢ - بيان شيء من علل ضرب الأمثال بالشيء دق أو عظم، وهو ابتلاء، وذلك يتضح في بقية الآية من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦].
стр. 2777
٣ - كونكم تقولون: إن ما ردَّ به النبي ﷺ هو من جنس قولهم! فهذا لا يقال بسببه: إن القرآن ليس من عند الله؛ لأن من استعظم أمر الأمثال إنما سأل فأجابه القرآن، ومعلوم بداهة أن الإجابة تحوي جزءًا من السؤال الذي تجاوب عليه، ومثل هذا جاء كثيرًا في كتاب الله، فالنبي ﷺ قد طُرح عليه أكثر من عشرات الأسئلة، وقد جاءت الإجابة في الكتاب أو السنة أو كليهما معًا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ فأي جديد يريد المعترض؟ !
أن يُسأل عن أمر فتكون الإجابة عن أمر آخر، أو بلغة أخرى حتى يكون قد أتى بجديد! !
الوجه الثاني: أين الأمانة في النقل ؟
نَقْلُ المعترض عن الطبري فيه شيء من عدم الدقة والأمانة العلمية للنقل، فأصول النقل العلمية تقتضي عدم تقطيع الكلام بشكل يوهم غير ما أراده قائله، أو بشكل يعبر عن وجهة نظر لم يودها القائل، وذلك يتضح في نقل المعترض عن الطبري تفسير - فما فوقها - بما دونها في الصغر، وترك تعليق الطبري إذ قال: (وهذا - أي التفسير بما دونها في الصغر - قول خلاف تأويل أهل العلم الذين ترتضى معرفتهم بتأويل القرآن). (١)
الوجه الثالث: بلسان عربي مبين .
إن لغة العرب التي خاطبنا الله بها في كتابه وخاطبنا بها النبي ﷺ محفوظةٌ - ولله الحمد - فقول المعترض: ولقد حاول علماء المسلمين تفسير هذه الآية بما دونها في الصغر، كلام لازمه أن أي أحدٍ له أن يُدْخِلَ في لغة العرب ما يشاء، وهذا معلوم بطلانه بالضرورة عند كل من له أدنى مسكة من علم في اللغة.
إذن المرجع في فهم قوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ هي اللغة العربية وإليك بيان ذلك:
قال ابن قتيبة: من ذلك فَوْق؛ تكونُ فوق، وتكون بمعنى دون، ومنه قوله تعالى:
стр. 2778
﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾؛ أي في دُونها. (١)
قال الجاحظ: في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ يريد فما دونها، وهو كقول القائل: فلان أسفل الناس، فتقول: وفوق ذلك! تضع قولك فوق مكان قولهم: هو شر من ذلك، وقال الفراء: فما فوقها في الصغر. (٢)
قال ابن منظور: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال أبو عبيدة: فما دونها، كما تقول إذا قيل لك: فلان صغير تقول: وفَوْقَ ذلك؛ أي أصغر من ذلك، وقال الفراء: في فَوْقَها؛ أي أعظم منها يعني الذُّباب والعَنْكبوت (٣).
وحاصل القول ما قاله الآمدي: وليس لهذه اللغة عندهم إلا وجهان:
أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبر منها؛ لأن البعوضة غاية في الصغر، فيكون المعنى: أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين هذا الشيء الذي هو نهاية الصغر إلى ما هو فوقه أي: ما زاد عليه وتجاوز.
والوجه الآخر: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما فوقها في الصغر، وهذا قول أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وأبي إسحاق الزجاج والكسائي من قبلهما وأبي عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم. (٤)
قال الزمخشري: فيه - أي في قوله "فما فوقها" - معنيان:
أحدهما: في تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلًا، وهو القلّة والحقارة، نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة.
стр. 2779
والثاني: في زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت؛ لأنهما أكبر من البعوضة، كما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء - فقال: فلان بخل بالدرهم والدرهمين: هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت: فضلًا عن الدرهم والدرهمين. (١)
ولقد أحسن ابن عاشور فقال: وأصل فوق، اسم للمكان المعتلي على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازمًا للإضافة؛ لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه، فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظًا أو تقديرًا، ويستعمل مجازًا في المتجاوز غيره في صفة تجاوزًا ظاهرًا تشبيهًا بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة؛ سواء كانت من المحامد أو من المذام، يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس، وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أُعطِيَ فلان فوق حقه أي زائدًا على حقه، وهو في هذه الآية صالح للمعنيين؛ أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجمًا، ونظيره قول النبي ﷺ : "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة" (٢)، يحتمل أقل من الشوكة في الأذى مثل نَخْبة النملة كما جاءَ في حديث آخر، أو ما هو أشد من الشوكة مثل الوخز بسكين، وهذا من تصاريف لفظ فوق في الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى مثلًا موقع من بليغ الإيجاز (٣).
* * *
стр. 2780
٣ - شبهة: ادعاؤهم: اعتراض الملائكة على الله تعالى .
نص الشبهة:
يقول المعترض: قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠].
تقول هذه العبارة: إن الله استشار الملائكة قبل خلق آدم فاعترضوا عليه، وهو غير معقول؛ فإن الله غني عن ذلك، يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! "لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟ ". لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. (رومية ١١/ ٣٣ - ٣٦). فالله غني عن الاستشارة؛ لأنه عالم بكل شيء.
ويعلمنا كتاب الله أن الملائكة هم عباده المعصومون عن الخطأ والزلل، أما عبارة القرآن فتفيد أن الملائكة اقترفوا أربع معاصٍ وهي:
١ - اقترفوا الغيبة في حق من يجعله الله خليفة بأن ذكروا عيوبه.
٢ - في كلامهم العُجب وذكر محاسن النفس.
٣ - قالوا ما قالوه من نسبة الإفساد والسفك رجمًا بالظن، وإلا شاركوا الله في علم الغيب.
٤ - فيه إنكار على الله فيما يفعله وهو من أعظم المعاصي (١).
ولما رأى علماء المسلمين هذا الخطأ في القرآن قسموا الملائكة إلى قسمين: قسم في السماء وقسم في الأرض، وقالوا: إن الذين في الأرض هم الجن وقد أفسدوا، فإذا سلمنا بصدق قولهم فلا يصح أن الله يستشيرهم.
ولما رأوا أنه لا يجوز أن يتصف الملائكة بعلم الغيب قالوا: إن الله أخبرهم بما سيكون من بني آدم من سفك الدماء، أو أنهم رأوا أن آدم خلق من أخلاط مركبة علموا أنه يكون
стр. 2781
فيه الحقد والغضب؛ ومنهما يتولد الفساد وسفك الدماء، مع أن التوراة تخبرنا أن الله خلق آدم في البر والطهارة والقداسة منزها عن الحقد وباقي الرذائل.
لقد تضمنت هذه الشبهة عدة اعتراضات:
١ - كيف يستشير الله الملائكة في خلق آدم وهو الغني عن ذلك؟
٢ - كيف نسب القرآن للملائكة هذه الأخطاء مع أنهم معصومون؟
٣ - الغيبة لآدم ﵇.
٤ - العجب بالنفس.
٥ - وصفوا ذرية آدم بالإفساد في الأرض بمجرد الظن.
٦ - أنكروا على الله تعالى هذا الأمر.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: فضل الملائكة في القرآن والسنة .
الوجه الثاني: الرد على الاعتراض الأول.
الوجه الثالث: بيان عصمة الملائكة، والرد على الاعتراضات الأخرى.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل الملائكة في القرآن والسنة.
أولًا: الملائكة كرام بررة:
وصف الله تعالى الملائكة بأنهم كرام بررة: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٥، ١٦] أي: القرآن، بأيدي سفرة أي: الملائكة؛ لأنهم سفراء الله إلى رسله وأنبيائه، وقد وصف الله تعالى الملائكة بأنهم كرام بررة أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة.
ثانيًا: استحياء الملائكة: من أخلاق الملائكة التي أخبرنا الرسول ﷺ بها الحياء، فعن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه،
стр. 2782
فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه - قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" (١).
ثالثًا: علم الملائكة:
والملائكة عندهم علم وفير علمهم الله إياه، ولكن ليس عندهم القدرة التي أعطيت للإنسان في التعرف على الأشياء: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣١، ٣٢]، فالإنسان يتميز بالقدرة على معرفة الأشياء واكتشاف سنن الكون، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله .
رابعًا: مُنَظَّمون في كل شؤونهم:
الملائكة منظمون في عبادتهم لله تعالى، وقد حثنا الرسول ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك، فعن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة"، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقًا فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ " فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصفوف الأُول ويتراصون في الصف" (٢).
وفي يوم القيامة يأتون صفوفًا منتظمة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ويقفون صفوفًا بين يدي الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ
стр. 2783
أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
وانظر إلى دقة تنفيذهم للأوامر، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" (١).
خامسًا: طاعتهم لله تعالى: وأدلة ذلك كثيرة منها:
الأول: قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال في موضع آخر: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥، ١٦٦]، والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على العبادة.
الثاني: مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيمًا له وهو قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠].
الثالث: أنهم لا يفعلون شيئًا إلا بوحيه وأمره؛ وهو قوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٧].
فالأمر يحركهم والأمر يوقفهم، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا"، قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] الآية (٢).
سادسًا: وصف قدرتهم وذلك من وجوه:
الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي، ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السموات السبع لقوله سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم.
الثاني: أن علوَّ العرش شيء لا يحيط به الوهم؛ ويدل عليه قوله ﵎: ﴿تَعْرُجُ
стр. 2784
الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤]، ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث إن بنفخة واحدة منه يصعق مَنْ في السموات والأرض، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء.
والرابع: أن جبريل ﵇ بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة. (١)
الخامس: عظم سرعتهم: فأعظم سرعة يعرفها البشر هي سرعة الضوء، فهو ينطلق بسرعة (١٨٦) ألف ميل في الثانية الواحدة، أما سرعة الملائكة فهي فوق ذلك، وهي سرعة لا تقاس بمقياس البشر، فكان السائل يأتي إلى الرسول ﷺ فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتيه جبريل بالجواب من رب العزة ، واليوم لو وجدت المراكب التي تسير بسرعة الضوء فإنها تحتاج إلى مليار سنة ضوئية حتى تبلغ بعض الكواكب الموجودة في الآفاق. (٢)
سابعًا: وصف خوفهم ويدل عليه وجوه:
الأول: أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات البتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصٍ؛ قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
الثاني: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٣).
الوجه الثاني: الرد على الاعتراض الأول
стр. 2785
زعم المعترض أن قول الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كان على سبيل الاستشارة، وللرد عليه نقول وبالله تعالى التوفيق:
أولًا: إن أمور الغيب التي أخفاها الله تعالى عنا، والحِكم المرجوة من العبادات لا نستطيع الاطلاع عليها، أو معرفتها إلا بما عَلَّمَنا الله تعالى إياه في كتابه الكريم، أو ورد في السنة الصحيحة عن المعصوم ﷺ ، أو عن أحد الصحابة المكرمين بشرط ثبوت الإسناد عنه، ويكون هذا الوارد عن هذا الصحابي الجليل من قبيل الاستئناس وليس من قبيل الجزم به، فطالما أن هذا الأمر لم يرد لا في كتاب ولا سنة صحيحة فنحن متوقفون فيه، ونَكِلُ علمه إلى الله تعالى، ولا نتكلم فيه برأينا، ونقول: الله أعلم، ولا ينقص هذا الأمر من عظمة ديننا ولا من إيماننا بربنا ونبينا؛ بل هو على العكس تمامًا هو من أساس العبودية والتسليم لله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، على أننا ننفي تمامًا أن يكون الله تعالى قد استشار الملائكة في خلق آدم ﵇، والاستشارة دائمًا تكون لطلب رأي ليس عندك أو لزيادة الاطمئنان؛ وفي كلتا الحالتين يدل هذا على عدم العلم بالأمور، ونحن نعتقد يقينًا أن الله تعالى منزه عن هذا، كيف وهو القائل في نفس الآية: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ فنحن أشد تنزيهًا وتعظيمًا لله تعالى من غيرنا، ولله الحمد والمنة.
ثانيًا: استنبط بعض المفسرين أسبابًا لقول الله تعالى هذا الأمر للملائكة، وكلها من قبيل الاجتهاد فلا نجزم بشيء منها، ومن هذه الأقوال:
١ - ليسألوا ذلك السؤال ويُجابوا بما أُجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانةً لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم.
٢ - ليعلِّم عبادَه المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيًا عن المشاورة. (١)
٣ - أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرًا، فأحب أن يُطلع الملائكة عليه، وأن يظهر ما
стр. 2786
سبق إليه في علمه؛ رواه الضحاك عن ابن عباس. (١)
٤ - أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة؛ قاله الحسن.
٥ - أنه لما خلق النار خافت الملائكة، فقالوا: ربنا، لمن خلقت هذه؟ قال: لمن عصاني، فخافوا وجود المعصية منهم، وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم، فقال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]؛ قاله ابن زيد. (٢)
٦ - أنه أراد إظهار عجزهم عن الإحاطة بعلمه، فأخبرهم حتى قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون.
٧ - أنه أراد تعظيم آدم بذكره بالخلافة قبل وجوده؛ ليكونوا معظمين له إن أوجده.
٨ - أنه أراد إعلامهم بأنه خلقه ليسكنه الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في السماء (٣).
وكما سبق لا نستطيع الجزم بواحد منها خشية القول على الله تعالى بلا علم، فهذا مما حرَّمه الله تعالى علينا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
الوجه الثالث: بيان عصمة الملائكة، والرد على الاعتراضات الأخري .
كيف نَسَبَ الله تعالى للملائكة هذه الأخطاء الشنيعة مع أنهم معصومون؟
والجواب: الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب، والأدلة على ذلك من عدة أوجه:
الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار، فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] فقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ يتناول جميع
стр. 2787
فعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه، فإن قيل: ما الدليل على أن قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ يفيد العموم؟ قلنا: لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل.
والثاني: قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧] فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي.
والثالث: أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن.
الرابع: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه. (١)
وعلى هذا الأصل نجيب على الاعتراضات واحدًا واحدًا.
وأولها: الغيبة لآدم ﵇، نقول وبالله تعالى التوفيق:
١ - إن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره، فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم؛ لأن ذلك ليس محل الإشكال (٢).
٢ - ولأن ذلك العالم ليس عالم تكليف، ولأنه لا غيبة في مَشُورة ونحوها كالخِطبة والتجريح؛ لتوقف المصلحة على ذكر ما في المستشارِ في شأنه من النقائص، ورجحان تلك المصلحة على مفسدة ذكر أحدٍ بما يَكْره، ولأن الموصوف بذلك غيرُ معين إذ الحكم على النوع، فانتفى جميع ما يترتب على الغيبة من المفاسد في واقعة الحال فلذلك لم يحجم عنها الملائكة (٣).
стр. 2788
الثاني: العُجْب بالنفس والمدح لها، ونقول:
١ - أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقًا لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وأيضًا فيحتمل أن يكون قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وليس المراد مدح النفس؛ بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب، فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة، فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية؛ بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل (١).
وأيضًا فيه إعلان بالتنزيه للخالق عن أن يخفي عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم، وبراءةٌ من شائبة الاعتراض، والله تعالى وإن كان يعلم براءَتهم من ذلك إلا أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير (٢).
٢ - أو يكون الغرض من قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ تفويض الأمر إلى الله تعالى واتهامَ عِلمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسَدُّ منه رأيًا وأرجح عقلًا فيشير ثم يفوض، كما قال أهل مشورة بِلْقِيس إذ قالت: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣١ - ٣٣]، وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحث معه ثم يصرح بأنه مَبْلغ علمه، وأن القول الفصل للأستاذ. (٣)
ثالثًا: أنكروا على الله تعالى هذا الأمر، ونقول:
١ - نحن نجزم يقينًا بأن سؤال الملائكة هذا لم يكن اعتراضًا على أمر الله تعالى ولا إنكارًا له، كيف وهم المعصومون من ذلك؟ : ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول؛ أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن
стр. 2789
لهم فيه، وها هنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا؛ قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؛ أي: نصلي لك كما سيأتي؛ أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم (١).
ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه، وأحبائه، ورسله، وأنبيائه، من يتقرب إليه بأنواع التقرب، ويبذل نفسه في محبته ومرضاته، يسبح بحمده أناء الليل وأطراف النهار، ويذكره قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء، والعافية والبلاء، والشدة والرخاء، فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة، ولا بلاء، ولا فقر، ولا مرض، ويعبده مع معارضة الشهوة، وغلبات الهوى، وتعاضد الطباع لأحكامها، ومعاداة بني جنسه وغيرهم له، فلا يصده ذلك عن عبادته، وشكره، وذكره، والتقرب إليه، فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل.
٢ - وأيضًا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر، فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها، فلا بد من إخراجه وإبرازه لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به.
стр. 2790
٣ - وأيضًا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارًا وأصنافًا، وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلًا، جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم، وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم، أعني: العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعًا واختيارًا لا كرهًا واضطرارًا، ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدًا رسولًا أو ملكًا نبيًا، فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدًا رسولًا، وذكره سبحانه بأتمَّ العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله؛ كمقام الدعوة، والتحدي، والإسراء، وإنزال القرآن: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له، ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله؛ وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أُخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية، وأسبابها، وشروطها، وموجباتها، فكان إخراجهم من الجنة تنكيلًا لهم وإتمامًا لنعمته عليهم؛ مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى، فإنه يحب إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ومغفرة الزلات، وتكفير السيئات، ودفع البليات، وإعزاز من يستحق العز، وإذلال من يستحق الذل، ونصر المظلوم، وجبر الكسير، ورفع بعض خلقه على بعض وجعلهم درجات؛ ليعرف قدر فضله وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها، فالوقوف على الشيء لا بد منه، وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة، كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل (١).
ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، فلما رأوا
стр. 2791
أن خلق هذا الخليقة منافٍ للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهله. (١)
رابعًا: وصفوا ذرية آدم بهذا الوصف المذموم بمجرد الظن والتخمين، ونقول:
هذا الاعتراض كان من المفترض أن يكون هكذا: كيف علمت الملائكة أن آدم سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟
والجواب عن هذا السؤال من الصعب الجزم بإجابة معينة له؛ لأنه لم يرد نص صحيح يبين كيف علمت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض أو يسفك الدماء؟ فالسؤال موجه أيضًا للملائكة أنفسهم كتعقيب على ردهم، وكما سبق لا نستطيع الخوض في مثل هذه الأمور طالما أنه لم يرد النص على ذلك (٢).
وقد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالًا، ونحن نذكر أقوالهم في ذلك:
القول الأول: أنه بتوقيف من الله تعالى، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فهناك إضمار في الكلام تقديره أنه قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا ما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا، فقالوا ما قالوا.
وروي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة الكرام في خبر طويل (٣).
стр. 2792
وأعلَّه الطبري أيضًا بمعناه فقال: (وهذا إذا تدبّره ذو الفهم، علم أن أوَّله يفسد آخرَه، وأن آخره يُبطل معنى أوله؛ وذلك أن الله - جل ثناؤه - إن كان أخبر الملائكة أن ذرِّية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء، فقالت الملائكة لربها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء بمثل الذي أخبرها عنهم ربُّها. . .) وقال بهذا القول أيضًا قتادة (١).
القول الثاني: أن الملائكة علمت ذلك من الجن؛ لأنهم كانوا أسبق من الإنس فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء .
روي هذا القول عن ابن عباس (٢).
قال الطبري: وإنما تركنا القول بهذا في تأويل ذلك, لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يَقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة، والخبر عما مضى وما قد سلف لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو (٣).
وقال صاحب المنار: وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص. (٤)
القول الثالث: وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النورراني لهيئة تكوينه الجسدية، والعقلية، والنطقية؛ إما بوصف الله لهم هذا الخليفة؛ أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال إلى العصيان، فإن العقل يشتمل على شاهية، وغاضبة، وعاقلة، ومن مجموعها ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة، ثم إن القدرة التي في الجوارح
стр. 2793
تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله، ثم إن النطق يستطيع إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل؛ فيكون من أحوال ذلك فساد كبير، ومن أحواله أيضًا صلاح عظيم. وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من صالح وسيء، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كافٍ في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منها في الخارج؛ لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة، وإذا كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات، وفي توجه نورانية النفوس إلى المعلومات، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات النفس جِبِلِّيَّة واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة، في ظنك بالنفوس الملكية البحتة؟ (١).
وثمَّ أقوالٌ أُخَرُ لا نُعَرِّجُ عليها لظهور ضعفها وتهافتها، فها أنت ترى اختلاف المفسرين في كيفية علم الملائكة بهذا الأمر، وحُقَّ لهم الاختلاف؛ والسبب الواضح هو أننا متعبَّدون بالدليل فطالما أنه لم يرد في قرآن ولا سنة، وسكت عنه نبينا ﷺ فإننا نسكت عنه، ونقول كما قالت الملائكة لربها: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ويسعنا السكوت كما وسع من سبقنا.
* * *
стр. 2794
٤ - شبهة: حول سجود الملائكة لآدم .
نص الشبهة:
في سورة البقرة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٤]، وجاء في سورة الأعراف (١١)، والحجر (٢٨)، وغيرها ما في هذا المعنى.
قال المعترض: في أول الأمر علم الله آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة، فعجزوا عن التسمية، واعترفوا بالعجز؛ فكيف يمتحن الله الملائكة فيما لا يعرفونه، ويعطي الإجابات لآدم ليعلم ما لا يعلمون؟ وكيف أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم؟ وحاشا لله القدوس أن يأمر بالسجود لغير ذاته العلية! قال الله في الخروج (٣٤: ١٤): فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ.
الجواب عن هذه الشبهة من عدة وجوه:
الوجه الأول: دلالة صيغ الأمر في لغة العرب التي نزل بها القرآن .
الوجه الثاني: السجود بين شرعنا وشرع من سبقنا.
الوجه الثالث: حكمة بالغة.
الوجه الرابع: السجود في الكتاب المقدس!
وإليك التفصيل
الوجه الأول: دلالة صيغ الأمر في لغة العرب التي نزل بها القرآن.
اعلم أن علماء البلاغة ينصُّون على قاعدة وهي: كلُّ من صِيَغِ الأمْرِ وصيغةِ النهي قد تخرج عن دلالَتَيْهِما بقرائنِ حاليّة أو قوليّة إلى معانٍ كثيرة، منها ما يلي:
(الدعاء - الالتماس - الإِرشاد - التمنّي - الترجّي - التيئيس - التخيير - التسوية -
стр. 2795
التعجيز - التهكّم والإِهانة - الإِباحة - التوبيخ والتأنيب والتقريع - الندب - التهديد - الامتنان - الاحتقار والتقليل من أمر الشيء - الإِنذار - الإِكرام - التكوين - التكذيب - المشورة - الاعتبار - التعجّب أو التعجيب) إلى غير ذلك من معان (١).
وبهذا نفهم أن أمر الله للملائكة الإخبار عن أسماء المسميات ليس من باب التكليف بما لا يطاق، وإنما هو من باب تجلية مصالح أعظم من مجرد الإخبار بمسميات الأشياء نذكر من هذه المصالح:
١ - تبكيتًا للملائكة ﵈ (والتبكيت يعني الغلبة بالحجة والإلزام بالسكوت للعجز عن الجواب) وإظهارًا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءَهم من أمرِ الخلافةِ حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ﴾، فإن أدنى مراتب استحقاق الخلافة هو الوقوف على أسماء من في الأرض، فمن لم يقدر على معرفة مراتب الأشياء وأسماءها لا يستحق أن يكون خليفة عليها وكأنه أراد أن يقول لهم: إذا عجزتم عن معرفة هذه الأشياء مع مشاهدتكم لها فأنتم عن معرفة الأمور المغيبة عنكم أعجز (٢).
مع الإقرار التام بأنهم ما قالوا هذا الكلام الذي بُكِّتُوا من أجله إلا لرغبتهم في الوصول إلى كل سبيل يزدادون به إلى الله تقربا فهم كما أخبر الله عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
٢ - تبيين لفضل آدم وأنه ليس كما ظنوا به فلما كان قولهم ﵇، فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض، أراد الله تعالى، أن يبين لهم من فضل آدم، ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه (٣).
٣ - الجمع لهم بين الأسلوب العلمي والعملي في التعليم حيث أجابهم أولًا بقوله: ﴿إِنِّي
стр. 2796
أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم أراهم ذلك عمليًا أن رفع آدم عليهم بعلم علمه له وحجبه عنهم، فالذي جعلهم يظنون أنهم أحق من الخليفة بالخلافة هو امتلاكهم لصفاتٍ اللهُ حباهم بها، وهو الذي يملك رفعهم على أحد أو رفع أحد عليهم؛ لذلك لما تلقنوا الدرس زادوا إقرارا وتنزيهًا لله بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
الوجه الثاني: السجود بين شرعنا وشع من سبقنا .
كان السجود فيما سبق من الشرائع يُقصد به أمران:
١) العبودية: وهذه لا تكون إلا لله جل وعلا.
٢) الاحترام والتقدير والتعظيم: وهذه تجوز في حق البشر.
فنسخ جواز كونها للاحترام والتقدير والتعظيم للبشر في شرعتنا؛ لأنها الشرعة الخاتمة، وتستلزم من سد الذرائع ما لا تستلزمه الشرائع السابقة، وبقيت العبودية هي المقصود الوحيد للسجود.
وهذا يتضح من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قدم معاذ اليمن، أو قال: الشام، فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأى (أي فكر) في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يُعظم، فلما قدم قال يا رسول الله: رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم. فقال: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدي المرأة حق الله عليها كله حتى تؤدي حق زوجها عليها كله حتى لو سألها نفسها وهي على ظهر قتب لأعطته إياها) وفي حديث قيس بن سعد نهاهم عن السجود لغير الله وقال: (لا تفعلوا). (١)
الوجه الثالث: حكمة بالغة .
ما أعظمَ حكمةَ الله! إذ أمر الملائكة الكرام بالسجود تكريما لآدم ﵇؛ لعلم الله سبحانه أن أمره هذا سيترتب عليه من المصالح ما فيه نفع لبني آدم أجمع إلى قيام الساعة نذكر منها:
стр. 2797
١ - لما أنبأ آدمُ الملائكةَ بالأسماء وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم ربهم بالسجود له؛ اعترافًا بفضل آدم وأداءً لحقه من الاحترام، واعتذارًا عما ظنوا من تفضيل أنفسهم عليه (١).
٢ - إظهارًا لما في نفس إبليس من سوء الطوية وإضمار الشر.
ثم إنه لا ينبغي أبدًا أن يساء الظن بالله، وأنه لم يسد على الخلق أبواب الشبهات، ولم يبين لهم الحق في مثل هذه الآيات، والحق في ذلك أن الله أعلم بالخلق من أنفسهم لما أخبر أولًا عن جعل الخليفة قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ فناسب ذكر الربوبية من خلقه ورضيه ليجعله في الأرض خليفة وهنا في قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والمقام مقام إيراد أمر يناسب العظمة فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ فأضاف القول لنون العظمة؛ ليرسخ في أذهان السامعين الفرق بين عظمة الخالق وعظمة المخلوق، وليبين لهم أنه وإن كان في السجود لآدم تعظيم له فهذا لا يعدوا إلا أن يتناسب مع كونه تعظيم لمخلوق لا يداني أبدًا تعظيم الله جل وعلا، فلما أمر سبحانه بالسجود تكريمًا وتعظيمًا لغيره أشار إلى كبريائه وعظمته وغناه عن الشرك، ولأن القول هنا تضمن أمرا بفعل فيه غضاضة على المأمور وهو السجود لآدم فناسب إظهار عظمة الآمر، وأنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه فهذا ليس بسجود عبادة؛ بل هو سجود تكريم واحترام وتعظيم. ولقد فهم الملائكة ذلك بل إنما حمل إبليس على عصيان الأمر والاستكبار أن فهم أن هذا السجود علته التكريم؛ فقال مخاطبًا ربه بعد أن طُرد من رحمته ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
الوجه الرابع: السجود في الكتاب المقدس !
سجود إخوة يوسف له: (التكوين ٤٢/ ٦): وَكَانَ يُوسُفُ هُوَ الْمُسَلَّطَ عَلَى الأَرْضِ، وَهُوَ الْبَائِعَ لِكُلِّ شَعْبِ الأَرْضِ. فَأَتَى إِخْوَةُ يُوسُفَ وَسَجَدُوا لَهُ بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ.
(التكوين ٤٣/ ٢٦): فَلَمَّا جَاءَ يُوسُفُ إِلَى الْبَيْتِ أَحْضَرُوا إِلَيْهِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي فِي أَيَادِيهِمْ إِلَى
стр. 2798
الْبَيْتِ، وَسَجَدُوا لَهُ إِلَى الأَرْضِ.
سجود سليمان لأمه بثشبع:
الملوك الأول (٢/ ١٩): فَدَخَلَتْ بَثْشَبَعُ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ لِتُكَلِّمَهُ عَنْ أَدُونِيَّا. فَقَامَ الْمَلِكُ لِلِقَائِهَا وَسَجَدَ لهَا وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ.
لوط يسجد لملكين؛ بل إن الأمر هنا قد يفوق سجود التكريم لوصفه نفسه بقوله لهما عبدكما:
(التكوين ١٩/ ١): فَجَاءَ الْمَلَاكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً، وَكَانَ لُوطٌ جَالِسًا فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لاسْتِقْبَالِهمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ. وَقَالَ: "يَا سَيِّدَيَّ، مِيلَا إِلَى بَيْتِ عَبْدِكُمَا وَبِيتَا وَاغْسِلَا أَرْجُلَكُمَا، ثُمَّ تُبَكِّرَانِ وَتَذْهَبَانِ فِي طَرِيقِكُمَا.
إبراهيم يسجد للشعب: (التكوين ٢٣/ ٧): فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ.
يوسف وغيره يسجدون لعيسو:
١ - (التكوين ٣٣/ ١ - ٧): وَرَفَعَ يَعْقُوبُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا عِيسُو مُقْبِلٌ وَمَعَهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل، فَقَسَمَ الأَوْلَادَ عَلَى لَيْئَةَ وَعَلَى رَاحِيلَ وَعَلَى الجارِيَتَيْنِ. ٢ وَوَضَعَ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَوْلَادَهُمَا أَوَّلًا، وَلَيْئَةَ وَأَوْلَادَهَا وَرَاءَهُمْ، وَرَاحِيلَ وَيُوسُفَ أَخِيرًا. ٣ وَأَمَّا هُوَ فَاجْتَازَ قُدَّامَهُمْ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ. ٤ فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا. ٥ ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ النِّسَاءَ وَالأَوْلَادَ وَقَالَ: "مَا هؤُلَاءِ مِنْكَ؟ " فَقَالَ: "الأَوْلَادُ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله بِهِمْ عَلَى عَبْدِكَ". ٦ فَاقْتَرَبَتِ الْجَارِيَتَانِ هُمَا وَأَوْلَادُهُمَا وَسَجَدَتَا. ٧ ثُمَّ اقْتَرَبَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا وَأَوْلَادُهَا وَسَجَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ يُوسُفُ وَرَاحِيلُ وَسَجَدَا.
وأخيرًا: أقول على المعترض أن ينظر في هذه النصوص من التوراة والإنجيل، فإن كان يقول: إن السجود لا يكون إلا عبادة لله؛ فهذا يلزمه أن لوطًا ويوسف وإخوته ويعقوب وسليمان وغيرهم ممن ذكروا عبدوا غير الله. وإن كان يقر أن هناك سجود تكريم واحترام وتعظيم؛ فلا ينبغي أن يتطاول على الكتاب الذي أنزل على الرسول الخاتم ﷺ ، والذي هو ناسخ لجميع الشراخ السابقة ومنها شريعته؛ لأن القرآن هو الكتاب الوحيد المحفوظ من قبل رب العالمين! !
* * *
стр. 2799
٥ - شبهة: حول نفي الشفاعة .
نص الشبهة:
قالوا: إن آيات القرآن الكريم تنفي الشفاعة مطلقًا، أو تجعلها بإذن الله أو تخصها بالله، فما هذا التعارض في ذكر أمر الشفاعة؟
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ذكر معنى الشفاعة عند أهل اللغة.
الوجه الثاني: ثبوت الشفاعة بالقرآن الكريم.
الوجه الثالث: ذكر الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة، وتوجيهاتها.
الوجه الرابع: الرد على المستدل بإنكار الشفاعة بالجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض.
الوجه الخامس: ذكر الآيات التي تدل على أن الشفاعة بإذن الله ورضاه، لمن يشاء.
الوجه السادس: إثبات أن الشفاعة نوعان، وأن الإنسان يكون له نصيب من شفاعته سواء في الدنيا أو في الآخرة.
الوجه السابع: إثبات الشفاعة بالسنة الصحيحة.
الوجه الثامن: أصل عقيدة النصارى مبنية على الشفاعة "الفداء والصلب".
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان معنى الشفاعة عند أهل اللغة .
قال الفارسي: استشفعه: طلب منه الشفاعة أي قال له: كن لي شافعًا.
وفي التنزيل قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
والشفاعة بمعنى الدعاء أيضًا. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره. (١)
فالشفاعة: السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر سواء؛ كانت الوساطة بطلب
стр. 2800
من المنتفع بها، أم كانت بمجرد سعي المتوسط. (١)
الوجه الثاني: ثبوت الشفاعة بالقرآن الكريم .
قال الله تعالى وقد أخبر أن الملائكة قالت لأهل الكفر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]. وقال الله في أهل الكفر لما علموا أن الشفاعة لغيرهم: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ٩٤ - ١٠١].
قال جابر بن عبد الله ﵁: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على رسول الله ﷺ ، ولقد شهدت تأويله من رسول الله ﷺ ، وإن الشفاعة في كتاب الله لمن عقل، قلنا وأين الشفاعة؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾. (٢)
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٤]، والمعنى أنه تعالى مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا أن يكون المشفوع مرتضى والشفيع مأذونًا له وكلاهما مفقودان ههنا.
واستُدِلَّ بهذه الآية على وجود الشفاعة في الجملة يوم القيامة؛ لأن الملك أو الاختصاص الذي هو مفاد اللام هنا يقتضي الوجود فالاستدلال بها على نفي الشفاعة مطلقًا في غاية الضعف (٣).
стр. 2801
فقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قومًا من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم ثم شفع فيهم فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة؛ فأخرجوا من النار وليس لكفار شفيع يشفع فيهم (١).
فهذا أمر الشفاعة قد ثبت بما تدَّعون أنه نفاها، أو تعارضت آياته في أمرها، والحق الواضح لمن له عقل أنه لا تعارض البتة في كتاب الله .
الوجه الثالث: الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة، وتوجيهاتها .
كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] خرج مخرجًا عامًّا في التلاوة.
فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢)، وأنه قال: "ليس من نبي إلا وقد أعطى دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئًا". (٣)
فقد تبين بذلك أن الله ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ إنما لمن مات على كفره غير تائب إلى الله (٤).
فهذا لفظ عام لمعنى خاص، والمراد الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وإنهم يشفعون لنا عند الله فرد عليهم ذلك وأويسوا منه لكفرهم (٥).
стр. 2802
فتأويل الآية إذًا: واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس حقًّا لزمها لله - جل ثناؤه - ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع فيترك ما لزمها من حق.
وقيل: إن الله خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيتشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله أن نفسًا لا تجزي عن نفسًا شيئًا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفي لكل ذي حق منها حقه (١).
وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه شفاعة لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني من الكافرين كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾. (٢)
إن المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشًا خرج به عن الكتاب والسنة، وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر أخبر الله أنهم إذا دخلوا النار أنهم غير خارجين منها فجعلها المكذب بالشفاعة في الموحدين، ولم يلتفت إلى أخبار رسول الله ﷺ في إثبات الشفاعة أنها إنما هي لأهل الكبائر، والقرآن يدل على هذا، فخرج بقوله السوء عن جملة ما عليه أهل الإيمان واتبع غير سبيلهم قال الله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فاعلموا يا معشر المسلمين أن أهل الكفر لما دخلوا النار، ورأوا العذاب الأليم، وأصابهم الهوان الشديد، نظروا إلى قوم من الموحدين معهم في النار فعيروهم بذلك وقالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم في الدنيا وأنتم معنا في النار! فزاد أهل التوحيد من المسلمين حزنًا وغمًا، فاطلع الله على ما نالهم من الغم بتعيير أهل الكفر لهم؛ فأذن الله في الشفاعة، فيشفع الأنبياء
стр. 2803
والملائكة والشهداء والعلماء والمؤمنون في من دخل النار من المسلمين فأخرجوا منها على حسب ما أخبرنا رسول الله ﷺ على طبقات شتى فدخلوا الجنة، فلما فقدهم أهل الكفر ودُّوا حينئذ لو كانوا مسلمين، وأيقنوا أنه ليس شافع يشفع لهم ولا صديق حميم يغني عنهم من عذابهم شيئًا، قال الله في أهل الكفر لما نضجوا بالعذاب وعلموا أن الشفاعة لغيرهم قالوا: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ٩٤: ١٠١]، وقال في سورة المدثر وقد أخبر الملائكة قال لأهل الكفر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]. هذه كلها أخلاق فقال : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ فدل على أنه لا بد من شفاعة، وأن الشفاعة لغيرهم لأهل التوحيد خاصة. وقال : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ - ٢]، وإنما الكفار لو كانوا مسلمين عندما رأوا معهم في النار قوما من الموحدين فعيروهم.
وقالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنى في النار من أهل التوحيد ففقدهم أهل الكفر، فسألوا عنهم؛ فقيل: شفع فيهم الشافعون؛ لأنهم كانوا مسلمين، فعندها ودوا لو كانوا مسلمين؛ حتى تلحقهم الشفاعة (١).
الوجه الرابع: الرد على منكر الشفاعة بإزالة التعارض بين الآيات التي ظاهرها التعارض، وإمكانية الجمع بينهما .
стр. 2804
إن نفي الشفاعة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ليس في الاثنين دليل لمنكري الشفاعة؛ لأن قوله: ﴿يَوْمًا﴾ أخرجه مُنَكَّرًا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانًا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيد البشر - عليه أفضل الصلاة والسلام - وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها، منه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] مع قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧]، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين: أحدهما محل للتناول، والآخر ليس محلًا له، وكذلك الشفاعة وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة (١).
ويمكن حمل هذه الآيات أيضًا على ما يلي:
١ - يحتمل أن تكون هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة إنما وردت في أقوامٍ لا يجدون شفيعًا تقبل شفاعته لعجز المشفوع فيه. (٢)
٢ - يحتمل أن يكون هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة أن يكون معناها لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة وإن كان لو شفع لشفع. (٣)
٣ - يحتمل أن يكون معنى هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة، إنما معناها يرد حيث لم يأذن الله في الشفاعة للكفار، ولا بد من إذن الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
стр. 2805
قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
٤ - يحتمل أن يكون المعنى في هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة أن طاعة المطيع لتقضي عن العاصي ما كان واجبًا عليه، فلا تقضي نفس عن نفس حقًّا لازمًا لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع فيترك ما لزمها من حق (١).
٥ - أن الشفاعة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٤]، هذه الشفاعة خاصة بالله وحده، أو أن الشفاعة كلها خاصة بالله وحده، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بشرطين هما:
١ - أن يكون المشفوع له مرتضى.
٢ - وأن يكون الشفيع مأذونًا له.
وهنا الشرطان مفقودان جميعًا لقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣] أي يشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون؟ أي ولو كانوا على هذه الصفة لا يملكون شيئًا قط حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم (٢).
فيقول تعالى ذامًا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان لديهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر؛ بل وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به؛ بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير، قل: أي يا رسول الله لهؤلاء الزاعمين إنَّ ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي