← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قومًا من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم ثم شفع فيهم فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة؛ فأخرجوا من النار وليس لكفار شفيع يشفع فيهم (١). فهذا أمر الشفاعة قد ثبت بما تدَّعون أنه نفاها، أو تعارضت آياته في أمرها، والحق الواضح لمن له عقل أنه لا تعارض البتة في كتاب الله . الوجه الثالث: الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة، وتوجيهاتها . كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] خرج مخرجًا عامًّا في التلاوة. فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢)، وأنه قال: "ليس من نبي إلا وقد أعطى دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئًا". (٣) فقد تبين بذلك أن الله ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ إنما لمن مات على كفره غير تائب إلى الله (٤). فهذا لفظ عام لمعنى خاص، والمراد الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وإنهم يشفعون لنا عند الله فرد عليهم ذلك وأويسوا منه لكفرهم (٥).

стр. 2802

فتأويل الآية إذًا: واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس حقًّا لزمها لله - جل ثناؤه - ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع فيترك ما لزمها من حق. وقيل: إن الله خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيتشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله أن نفسًا لا تجزي عن نفسًا شيئًا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفي لكل ذي حق منها حقه (١). وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه شفاعة لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني من الكافرين كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾. (٢) إن المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشًا خرج به عن الكتاب والسنة، وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر أخبر الله أنهم إذا دخلوا النار أنهم غير خارجين منها فجعلها المكذب بالشفاعة في الموحدين، ولم يلتفت إلى أخبار رسول الله ﷺ في إثبات الشفاعة أنها إنما هي لأهل الكبائر، والقرآن يدل على هذا، فخرج بقوله السوء عن جملة ما عليه أهل الإيمان واتبع غير سبيلهم قال الله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فاعلموا يا معشر المسلمين أن أهل الكفر لما دخلوا النار، ورأوا العذاب الأليم، وأصابهم الهوان الشديد، نظروا إلى قوم من الموحدين معهم في النار فعيروهم بذلك وقالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم في الدنيا وأنتم معنا في النار! فزاد أهل التوحيد من المسلمين حزنًا وغمًا، فاطلع الله على ما نالهم من الغم بتعيير أهل الكفر لهم؛ فأذن الله في الشفاعة، فيشفع الأنبياء

стр. 2803

والملائكة والشهداء والعلماء والمؤمنون في من دخل النار من المسلمين فأخرجوا منها على حسب ما أخبرنا رسول الله ﷺ على طبقات شتى فدخلوا الجنة، فلما فقدهم أهل الكفر ودُّوا حينئذ لو كانوا مسلمين، وأيقنوا أنه ليس شافع يشفع لهم ولا صديق حميم يغني عنهم من عذابهم شيئًا، قال الله في أهل الكفر لما نضجوا بالعذاب وعلموا أن الشفاعة لغيرهم قالوا: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ٩٤: ١٠١]، وقال في سورة المدثر وقد أخبر الملائكة قال لأهل الكفر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]. هذه كلها أخلاق فقال : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ فدل على أنه لا بد من شفاعة، وأن الشفاعة لغيرهم لأهل التوحيد خاصة. وقال : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ - ٢]، وإنما الكفار لو كانوا مسلمين عندما رأوا معهم في النار قوما من الموحدين فعيروهم. وقالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنى في النار من أهل التوحيد ففقدهم أهل الكفر، فسألوا عنهم؛ فقيل: شفع فيهم الشافعون؛ لأنهم كانوا مسلمين، فعندها ودوا لو كانوا مسلمين؛ حتى تلحقهم الشفاعة (١). الوجه الرابع: الرد على منكر الشفاعة بإزالة التعارض بين الآيات التي ظاهرها التعارض، وإمكانية الجمع بينهما .

стр. 2804

إن نفي الشفاعة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ليس في الاثنين دليل لمنكري الشفاعة؛ لأن قوله: ﴿يَوْمًا﴾ أخرجه مُنَكَّرًا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانًا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيد البشر - عليه أفضل الصلاة والسلام - وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها، منه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] مع قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧]، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين: أحدهما محل للتناول، والآخر ليس محلًا له، وكذلك الشفاعة وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة (١). ويمكن حمل هذه الآيات أيضًا على ما يلي: ١ - يحتمل أن تكون هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة إنما وردت في أقوامٍ لا يجدون شفيعًا تقبل شفاعته لعجز المشفوع فيه. (٢) ٢ - يحتمل أن يكون هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة أن يكون معناها لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة وإن كان لو شفع لشفع. (٣) ٣ - يحتمل أن يكون معنى هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة، إنما معناها يرد حيث لم يأذن الله في الشفاعة للكفار، ولا بد من إذن الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ

стр. 2805

قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ٤ - يحتمل أن يكون المعنى في هذه الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة أن طاعة المطيع لتقضي عن العاصي ما كان واجبًا عليه، فلا تقضي نفس عن نفس حقًّا لازمًا لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع فيترك ما لزمها من حق (١). ٥ - أن الشفاعة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٤]، هذه الشفاعة خاصة بالله وحده، أو أن الشفاعة كلها خاصة بالله وحده، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بشرطين هما: ١ - أن يكون المشفوع له مرتضى. ٢ - وأن يكون الشفيع مأذونًا له. وهنا الشرطان مفقودان جميعًا لقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣] أي يشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون؟ أي ولو كانوا على هذه الصفة لا يملكون شيئًا قط حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم (٢). فيقول تعالى ذامًا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان لديهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر؛ بل وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به؛ بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير، قل: أي يا رسول الله لهؤلاء الزاعمين إنَّ ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي

стр. 2806

يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الله ملك السموات والأرض أي هو المتصرف في جميع ذلك ثم إليه ترجعون أي يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلًا بعمله (١). فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣, ٤٤]. فـ (أم) منقطعة وهي للاضطراب الانتقالي انتقالًا من تشنيع إشراكهم إلى إبطال معاذيرهم في شركهم، ذلك أنهم لما دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون لله شركاء تمحلوا تأويلًا لشركهم فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ كما حكى عنهم في أول هذه السورة، فلما استوفيت الحجج على إبطال الشرك أقبل هنا على إبطال تأويلهم منه ومعذرتهم. والاستفهام الذي تشعر به (أم) في جميع مواقعها هو هنا للإنكار بمعنى أن تأويلهم وعذرهم منكر كما كان المعتذر عنه منكرًا فلم يقضوا بهذه المعذرة وطرًا. وأمر الله رسوله ﷺ بأن يقول لهم مقالة تقطع بهتانهم وهي ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ فالواو في (أولو كانوا) عاطفة كلام المجيب على كلامهم، وهو من قبيل ما سمي بعطف التلقين في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] ولك أن تجعل الواو للحال كما هو المختار في نظيره وتقدم في قوله: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وصاحب الحال مقدر دل ما قبله من قوله: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ والتقدير: أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئًا؟ والظاهر أن حكم تصدير الاستفهام قبل واو الحال كحكم تصديره قبل واو العطف، وأفاد تنكير (شيئًا) في سياق النفي عموم كل ما يُمْلَكُ فيدخل في عمومه جميع أنواع الشفاعة، ولما كانت الشفاعة أمرًا معنويًا كان معنى ملكها تحصيل إجابتها والكلام تهكم إذ كيف يشفع من لا يعقل، فإنه لعدم عقله لا يتصور خطورة معنى الشفاعة عنده فضلًا عن أن تتوجه إرادته إلى الاستشفاع فاتخاذهم شفعاء من الحماقة، ولما نفي أن يكون لأصنامهم شيء

стр. 2807

من الشفاعة في عموم نفي ملك شيء من الموجودات عن الأصنام قوبل بقوله (لله الشفاعة) أي الشفاعة كلها لله، وأمر الرسول ﷺ بأن يقول ذلك لهم ليعلموا أن لا يملك الشفاعة إلا الله أي هو مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحق. وتقديم الخبر المحرر وهو "لله" على المبتدأ لإفادة الحصر، واللام للملك أي قصر ملك الشفاعة على الله تعالى لا يملك أحد الشفاعة عنده. و"جميعًا" حال من الشفاعة مفيدة للاستغراق أي لا يشذ جزئي من جزئيات حقيقة الشفاعة عن كونه ملكًا لله، وقد تأكد بلازم هذه لحال ما دل عليه الحصر من انتفاء أن يكون شيء من الشفاعة لغير الله. وجملة (له ملك السموات والأرض) لتعميم انفراد الله بالتصرف في السماوات والأرض الشامل للتصرف في مؤاخذة المخلوقات وتسيير أمورهم، فموقعها موقع التذييل المفيد لتقرير الجملة التي قبله وزيادة، والمراد الملك بالتصرف بالخلق وتصريف أحوال العالمين ومن فيها، فإذا كان ذلك الملك له فلا يستطيع أحد صرفه عن أمر أراد وقوعه إلى ضد ذلك الأمر في مدة وجود السماوات والأرض، وهذا إبطال لأن تكون لآلهتهم شفاعة لهم في أحوالهم في الدنيا، وعطف عليه (ثم إليه ترجعون) للإشارة إلى ثبات البعث، وإلى أنه لا يشفع أحد عند الله بعد الحشر إلا من أذن الله بذلك. و (ثم) للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل، ذلك لأن مضمون "إليه ترجعون" أن لله ملك الآخرة كما كان له ملك الدنيا وملك الآخرة أعظم لسعة مملوكاته وبقائها، وتقديم "إليه" على "ترجعون" للإهتمام والتقوى والرعاية الفاصلة (١). قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣, ٤٤]. فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي

стр. 2808

له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ٤٨] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه؛ بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه؛ بل شفيع بإذنه. والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور، فالشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له ويقول: اشفع في فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد، وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]، فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن

стр. 2809

المشفوع له وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الأمر كله لله وحده فليس لأحد معه من الأمر شيء وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم وأمره لهم ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا فهم مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه فإذا أشرك بهم المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظنا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع تشبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي. والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق والرب والمربوب والسيد والعبد والمالك والمملوك والغني والفقير والذي لا حاجة به إلى أحد قط والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم فإن قيام مصالحهم بهم وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس. فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم لهم ويذهبون إلى غيرهم فلا يجدون بدًا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون بقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ

стр. 2810

شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه في سيدة آي القرآن آية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]. فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس ويفعلها بعضهم مع بعض ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة المشاهدة عند الناس ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله: (فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده ويطلب رضاه ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه)، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣, ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم وإنما تحصل بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له. وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقًا ولا أمرًا ولا إذنًا، بل هو سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما

стр. 2811

يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض فيقبل شفاعة الشافع، وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران فيبقى مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد وبين الشفاعة التي تقتضي القبول فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعى في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به ولو على كره منه فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يأمر غيره أو يكرهه على الفعل إما بقوة وسلطان وإما بما يرغبه فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع ويأذن له فيها ويحبها منه ويرضى عن الشافع لم يمكن أن توجد والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه ولا لرهبته منه ولا لرغبته فيما لديه وإنما يشفع عنده مجرد امتثال لأمره وطاعة له فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى وخلقه فالرب هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره وهو في الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه وعبده فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر والمعاونة وغير ذلك كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق أو نصر أو غيره فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته تبين له حقيقة التوحيد والشرك والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. الوجه الخامس: ذكر الآيات التي تدل على أن الشفاعة بإذن الله ورضاه لمن يشاء . مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، فهذه صفة من صفات الله تعالى

стр. 2812

توضح مقام الألوهية ومقام العبودية، فالعبيد جميعًا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية لا يتعدونه ولا يتجاوزونه، يقفون مقام العبد الخاشع الخاضع الذي لا يقدم بين يدي ربه ولا يجرؤ على الشفاعة عنده إلا بعد أن يؤذن له؛ فيخضع للإذن ويشفع في حدوده، وهم يتفاضلون فيما بينهم ويتفاضلون في ميزان الله ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد. إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية، يزيد هذا الإيحاء عمقًا صيغة الاستفهام الاستنكارية التي توحي بأن هذا أمر لا يكون، وأنه مستنكر أن يكون، فمن هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل؛ فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فزعموا لله سبحانه خليطًا يمازجه أو يشاركه بالنبوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور، أو زعموا له سبحانه أندادًا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما، أو زعموا له سبحانه من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له، في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعده، لا تخرج عن الذهن ولا تجول في الخاطر ولا تلوح بظلها في خيال، وهذه هي النصاعة التي يتميز بها التصور الإسلامي فلا تدع مجالًا لتلبيس أو وهم أو اهتزاز في الرؤية، الألوهية ألوهية، والعبودية عبودية، ولا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء، والرب رب والعبد عبد ولا مجال لمشاركة في طبيعتهما ولا التقاء. فأما صلة العبد بالرب، ورحمة الرب للعبد والقربى والود والمدد، فالإسلام يقررها ويسكبها في النفس سكبًا، ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضًا، ويدعه يعيش في ظلالها الندية الحلوة دون ما حاجة على خلط طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية، ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيه صورة واحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة (١). وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، فالأمر كله له والحكم كله

стр. 2813

عليه، وما من شفعاء يقربون إلى الله زلفى، وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة وفقًا لتدبيره وتقديره، واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح لا بمجرد التوسل بالشفعاء. وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند الله. (١) ولأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] أي حماتنا من غضبه، فبعد أن وصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نفى آلهتهم وصف الشفاعة عند الله وحماية المغضوب عليهم منه، وأكد النفي بـ (من) التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي، وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت (من) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية. وزيادة ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ احتراس لإثبات شفاعة محمد ﷺ بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الألوهية فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧]. يقول تعالى ذكره لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد - يوم يحشر الله المتقين إليه وفدًا - الشفاعةَ حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض إلا من اتخذ منهم عند الرحمن في الدنيا عهدًا بالإيمان وتصديق رسوله والإقرار بما جاء به والعمل بما أمر به. فالعهد: شهادة أن لا إله إلا الله ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجوا إلا الله (٣). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة لا تنفع الشفاعة أي عنده إلا من أذن له الرحمن ورضي له

стр. 2814

قولا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّى غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسلِ إِلَى الأَرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ الله وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقولُ لَهمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ نفسي نفسي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ الله بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ،

стр. 2815

وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نفسي نفسي اذْهَبوا إِلَى عِيسَى ﷺ ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا - نفسي نفسي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُونِّي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجدًّا لِرَبِّى ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَىَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أمتي أمتي. فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى". (١) فجملة ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ كجملة ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ في معنى التفريع على ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي لا يتكلم الناس بينهم إلا همسًا، ولا يجرؤون على الشفاعة لمن يهمهم نفعه، والمقصود من هذا أن جلال الله والخشية منه يصدان عن التوسط عنده لنفع أحد إلا بإذنه، وفيه تأييس للمشركين من أن يجدوا شفعاء لهم عند الله، واستثناء من أذن له الرحمن من عموم الشفاعة باعتبار أن الشفاعة تقتضي شافعًا؛ لأن المصدر فيه معنى الفعل فيقتضي فاعلا أي لا أن يشفع من أذن له الرحمن في أن يشفع فهو استثناء تام وليس بمفرغ، واللام في (أذن له) تعددية فعل "أذن" مثل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وتفسير هذا ما ورد في حديث الشفاعة من قول النبي ﷺ "فيقال لي: سل تعطه واشفع تشفع"، وقوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائد إلى ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو

стр. 2816

الشافع، واللام الداخلة على ذلك الضمير لام التعليل أي رضي الرحمن قول الشافع لأجل الشافع أي إكرامًا له كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]. فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشفاعة وقبولها عنوانًا على كرامة الشافع عند الله تعالى. (١) الوجه السادس: إثبات أن الشفاعة نوعان، وأن الإنسان يكون له نصيب من شفاعته سواء في الدنيا أو في الآخرة . قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾ أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر أو جلب نفع ابتغاء لوجه الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾، وهي ما كانت بخلاف الحسنة بأن كانت في أمر غير مشروع ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: نصيب من وزرها الذي ترتب على سيئة مساوٍ لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء. المقصود مع ذلك الترغيب في التوسط في الخير والترهيب من ضده، والشفاعة الوساطة في إيصال خير أو دفع شر سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا. وفي الآية فوائد: ١ - في الآية مدح الشفاعة، وذم السعاية، وهي الشفاعة السيئة وذكر الناس عند السلطان بالسوء وهي معدودة من الكبائر. ٢ - روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة، منها عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجه أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب" (٢). وفي الحديث الحض على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير

стр. 2817

في كشف كربة ومعونة ضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، ولا التمكن منه ليلج عليه أو يوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه، وإلا فقد كان ﷺ لا يحتجب، فيستحب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما، أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم أو إسقاط تعزير أو تخليص عطاء لمحتاج أو نحو ذلك. وأما الشفاعة في الحدود فحرام، فلا يستثنى منه الوجوه التي تستحب فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه، ولا سيما من وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف، وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك، فالشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق ونحو ذلك فهي حرام (١). ٣ - نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة. فمن يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر وإن لم يشفع؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل (ومن يُشَفَّعْ) ويتأيد هذا بقوله ﷺ : "اشفعوا تؤجروا". ٤ - الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغى بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز. ٥ - نكتة اختيار النصيب في الحسنة، والكفل في السيئة وذلك أن النصيب يشمل الزيادة؛ لأن جزاء الحسنات يضاعف، وأما الكفل فأصله المركب الصعب ثم استعير للمثل المساوي فلذلك اختير إلى لطفه بعباده إذا لم يضاعف السيئات كالحسنات، ويقال: إنه وإن كان معناه المثل لكنه غلب في الشر وندر في غيره (٢). فهذا أمر الله لعباده بالشفاعة في الدنيا وهم في الآخرة أشد احتياجًا لها، فهل يحرمهم

стр. 2818

منها وهو أرحم بعباده من الأم بولدها؟ فلا تعارض بين الأديان إطلاقًا. الوجه السابع: إثبات الشفاعة بالسنة الصحيحة . فعن حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: يا أبا محمد أسمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ "أن الله يخرج من النار قومًا بالشفاعة"؟ فقال: نعم (١). وعن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : "يخرج من النار قومٌ بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين. (٢) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ الله: مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ في نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ - أَوْ قَالَ - حَمِيَّةِ السَّيْلِ "وَقَالَ النبي ﷺ "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَنْبُتُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً" (٣). كل هذه الأحاديث في أقوامٍ يخرجون من النار فيدخلون الجنة بشفاعة النبي ﷺ وشفاعة المؤمنين، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمتي" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". (٥) وعن أنس بن مالك ﵁: أن جماعة من التابعين جاءوا يريدون سماع حديث الشفاعة منه، فتشفعوا بثابت البناني، فاستأذنا عليه فأذن له، فقال ثابت: يا أبا حمزة إخوانك من

стр. 2819

أهل البصرة جاءوا يسألونك عن حديث الشفاعة فقال: قال ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ الله، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ الله وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا. فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجدًّا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أمتي أمتي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًّا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أمتي أمتي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًّا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أمتي أمتي. فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ". فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ وَهْوَ مُتَوَارٍ في مَنْزِلِ أَبِى خَلِيفَةَ فَحَدَّثَنَا بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا: لَهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا في الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ هِيهِ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ هِيهِ، فَقُلْنَا: لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا. فَقَالَ لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهْوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَا أَدْرِي أَنَسِي أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ قَالَ: "ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًّا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ،

стр. 2820

وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله" (١). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "فَيَقُولُ الله : شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ". (٢) لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحدُّ له حدًا. وفي هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سقناها دليل واضح علي ثبوت الشفاعة للملائكة والأنبياء والمؤمنون، وأن الله يأذن بالشفاعة لمن يشاء من خلقه يوم القيامة. الوجه الثامن: أصل عقيدة النصارى مبنية على الشفاعة "الفداء والصلب ". بسؤال يوجه إلى النصارى: لماذا صُلب المسيح؟ . والجواب مختصر كي يفدي من آمن به بالدخول الجنة، وهذه مسألة بطلانها بيِّن، إذ لا صلب ولا فداء كما بينا بالأدلة في محله. (٣) * * *

стр. 2821

٦ - شبهة: تحليل الانتقام نص الشبهة: قالوا: جاء في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ونحن نرى الأثر السيئ لمبدأ الأخذ بالثأر متفشيًا بسبب هذا القول، وكم تعب رجال الشرطة من نتائجه، وبحت أصوات المعلمين في التعليم ضده؟ وهل الاعتداء على مَنْ اعتدى علاج للجريمة؟ إن العنف يولد المزيد من العنف. قال المسيح: (أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ) (متى ٥: ٤٤)، وقال أيضًا: (سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. ٣٩ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا) (متى ٥: ٣٨، ٣٩).، وقال الرسول بولس: (لَا تَنْتَقِمُوا لَأنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. ٢٠ فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ". ٢١ لَا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ) (رومية ١٢: ١٩ - ٢١)، وقال بطرس الرسول: (فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. ٢٢ "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ"، ٢٣ الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل) (بطرس ٢: ٢١ - ٢٣). الجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الوجه الثاني: نبذة عن القصاص. الوجه الثالث: دين الإسلام يحث على العفو والصفح، وينهى عن العنف وعن العدوان ولو في أخذ الحق مِنْ مَنْ بدأ بالاعتداء.

стр. 2822

الوجه الرابع: فقه التعامل مع المعتدين. الوجه الخامس: مراعاة الشريعة لاختلاف أحوال المعتدى عليهم. الوجه السادس: القصاص في الكتاب المقدس. الوجه السابع: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. وإليك التفصيل الوجه الأول: المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . إن من أساسات فهم أو دراسة أي كلام أو كتاب أن يهتم بالسياق الذي يأتي فيه الكلام حتى يفهم مراد قائله، فلا ننسب إليه شيئًا ما أراده، ولكن سبب هذا أننا فهمنا بعض كلامه بمعزل عن البعض الآخر، وإذا كنا نحرص على أن لا ننسب إلى أحد من الخلق شيئًا لم يُرده أو معنىً لم يُشر إليه، فمن باب أولى أن يقال ذلك في حق كلام رب العالمين، فالآية وردت في سياق ينبغي أن تفهم في إطاره وهو: يقول الله تعالى في الآيات السابقة لهذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ ثم قال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٤] فالآيات كما ترون جاءت في معرض الحديث عن قتال الكفار المعتدين، وبيان كيفية مواجهة اعتدائهم بدون ظلم، وبالنظر إلى الآية في هذا السياق تجد أن قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال

стр. 2823

نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم؛ لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلَّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه (١). ويبدو أن عدم فهم المراد بقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ والنظر إليه مجردًا كما أسلفت هو الذي سبب هذا الفهم الخاطئ. فكأنهم فهموا أن قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أمر من الله بالظلم، فقد يقال: إذا كانت الآيات نزلت لتبين كيف يرد على عدوان المشركين وغيرهم، فلماذا جاء فيها ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أليس الاعتداء من الظلم؟ نقول وبالله التوفيق: ولا يراد بالاعتداء هنا الظلم، وإنما سمي جزاء الظالمين عدوانًا مشاكلة كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟ فيقال: إن المعنى في ذلك على غير الوجه الذي إليه ذهبتَ، وإنما ذلك على وَجه المجازاة لما كان من المشركين من الاعتداء، يقول: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم؛ كما يقال: (إن تَعاطيتَ مني ظلما تعاطيته منك)، والثاني ليس بظلم. كما قال عمرو بن شأس الأسديّ: (٢) جَزَيْنَا ذَوِى العُدْوَانِ بِالأمْسِ قَرْضَهُمْ ... قِصَاصًا، سَواءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ. وهذا يوضح أن من أساليب كلام العرب أسلوب يقال له المشاكلة اللفظية. (٣) إذن سَمَّاه اعْتِداء؛ لأَنه مجُازاةُ اعْتِداءٍ بمثْل اسمه؛ لأَن صورة الفِعْلين واحدةٌ وإِن كان أَحدُهما طاعة والآخر معصية، والعرب تقول: ظَلَمني فلان فظلَمته؛ أَي: جازَيْتُه بظُلْمِه، لا وَجْه للظُّلْمِ أَكثرُ من هذا، والأَوَّلُ ظُلْم والثاني جزاءٌ ليس بظلم؛ وإن وافق اللفظُ اللفظَ

стр. 2824

مثل قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ السيئة الأُولى سيئة، والثانية مُجازاة وإن سميت سيئة، ومثل ذلك في كلام العرب كثير. . . الخ. (١) الوجه الثاني: نبذة عن القصاص . إن القصاص يبين حكمة الشارع سبحانه في نشر الأمن والتآلف بين أفراد المجتمع الإِسلامي وهاك شيء من البيان: ١ - المقصود به: أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، فإن قَتله قُتل، وإن قطع منه عضوًا أو جرحه فُعل به مثل ذلك إن أمكن ما لم يؤدِ إلى وفاة الجاني، والنظر في ذلك يرجع إلى أهل الاختصاص. ٢ - الحكمة منه بالنظر في العقوبات الإِسلامية عامة والقصاص على وجه الخصوص نجد أنها تتسم بسمتين متكاملتين: الأولى: صرامة هذه العقوبات وشدتها، وذلك للردع عن الجريمة ومحاصرتها بصرامة، وهذا لحفظ الأمن العام وتقليل معدل الإجرام نظرًا لصرامة العقوبة، فالقاتل الذي يعلم أنه سيقتل، والسارق الذي يعلم أنه ستقطع يده، والمعتدي على العرض والأسرة الذي يعلم أنه سيرجم أو يجلد مائة سوط؛ سيفكر في نتائج الجريمة قبل الإقدام عليها، بينما إذا علم أنه سيحبس فقط لأشهر أو سنوات قد لا يبالي بالعقوبة؛ وبالتالي لا يقلع عن الجرم. الثانية: التشديد في وسائل إثبات هذه الجرائم، وبالتالي التقليل من فرص تنفيذ هذه العقوبات، وحماية المتهمين بها، وفي هذا السياق يأتي مبدأ درء الجرائم بالشبهات وتفسير أي شبهة في صالح المتهم، وفتح باب التوبة واعتبارها مسقطة للحد في بعض الحدود (كالحرابة)، وجواز العفو كما في القصاص؛ بل الندب إليه والحث عليه. ويأتي التكامل بين هذين العنصرين من حيث إنه يجمع بين محاصرة الإجرام، وحماية المجتمع منه، وصيانته حق الفرد المتهم، وعدم أخذه بالظن والتهمة وكفله أفضل

стр. 2825

الضمانات لعدالة الحكم عليه وإنقاذه من العقوبة ما أمكن، وبذلك يمتنع الناس - أو معظمهم على الأقل - عن هذه الجرائم لصرامة العقوبة، ولا تنفذ هذه العقوبات عمليًا إلا في النادر، وبذلك يتحقق الأمن العام، وتصان حرمات الأفراد على حد سواء. ٣ - أهم قواعده: ١) أن القصاص لا يُستحق إلا في القتل العمد أو الجرح العمد، أما الخطأ فلا يستحق فيه القصاص؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ٢) أن جرائم الاعتداء على الأشخاص قد جعل الإسلام لإرادة المجني عليه أو أوليائه دورًا أساسيًا في منع وقوع العقاب على الجاني؛ حيث قرر جواز العفو وأنه من حق المجني عليه؛ بل ندبه إلى ذلك وأجزل له الثواب في الآخرة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فله أن يعفو عنه إلى الدية أو مطلقًا من غير عوض دنيوي؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ٣) إن توقيع العقاب وتنفيذه تتولاه السلطة العامة، ولا يتولاه أولياء الدم، وعلى هذا فرجال الشرطة لا يتعبهم أمر القصاص - ليس كما قال المعترض - لأنهم من السلطة العامة؛ لأن ما نص الإِسلام عليه هو أن توقيع القصاص تتولاه السلطة العامة ولا يتولاه أولياء الدم ولا المُتعدَى عليهم. ٤) وهنا قد يرد استشكال: قد يقول قائل: كيف تقولون إن الإسلام دين الرحمة وفيه شريعة القصاص، أهذا من الرحمة؟ نقول مستعينين بالله: الرحمة ليست حنانًا لا عقل معه، وليست شفقةً تتنكر للعدل والنظام، كلا؛ بل إنها خُلُق يرعى الحقوق كلَّها، قد تأخذ الرحمةُ صورةَ الحزم حين يُؤْخَذُ الصغيرُ إلى المدرسة من أجل التربية وطلب العلم، فيُلزم بذلك إلزامًا، ويُكَفُّ عن اللعب كفًا، ولو تركوه وما أراد لم يحسنوا صنعًا، ولم يبنوا مجدًّا.

стр. 2826

والطبيب يمزِّق اللحم، ويهشم العظم، ويبتر العضو؛ وما فعل ذلك إلا رحمة بالمريض ولعلاجه، ناهيكم بإقامة الحدود، والأخذ على أيدي السفهاء، وأَطْرِهِمْ على الحق أطرًا، فهي الرحمة في مآلاتها، والحياة في كمالاتها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]. والشفقة على المجرمين تخفي أشدَّ أنواع القسوة على الجماعة، إنها تشجّع الشواذ على الإجرام، والشفقة على المجرمين سمَّاها القرآن الكريم رأفة، ولم يسمها رحمة، فقال في عقاب الزناة والزواني: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. إن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس، لا ترتبط بتحقيق عدل، ولا بمسلك إنصاف، ولكنها شدةٌ وانحراف في دائرة مجردة وهوى مضلِّ. والحق أن الإسلام قد جاء بالرحمة العامة، لا يُستثنى منها إنسان ولا دابة ولا طير، بيد أن هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطر ومَثار رُهب؛ فيكون من رعاية مصلحة الجماعة كلها أن يُحبس شره ويُكف ضرره؛ بل إن الشدة معه رحمةٌ به وبغيره. الوجه الثالث: دين الإسلام يحث على العفو والصفح، وينهى عن العنف وعن العدوان ولو في أخذ الحق ممن بدأ بالاعتداء . وهذا كثير في شرعة الإسلام قرآنًا وسنة نذكر من ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]، يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : ادفع، يا محمد، بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم ويلقاك من قِبلهم. عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب للناس أحد عشرة كلمة حِكَمٌ كلها، قال: ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه (١).

стр. 2827

وقال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. (١) ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه، يقول: فاعفوا، أنتم أيضًا أيها الناس عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول، وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره (٢). فقوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩] أي: عمن ساءكم في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، فتسمحوا عنه، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه. (٣) ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] كان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فقال: والله لا أنفق عليه أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه فقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. (٤) تدبر رحمة رب العالمين؛ يأمر أبا بكر بالصفح عن من وقع في عرض ابنته، فأي عفو وأي رحمة أوسع من التي جاءت في شرع العفو الرحيم سبحانه؟ ! ٤ - وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] وهذا أمر من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هَمُّوا أن يبسطوا

стр. 2828

أيديهم إليه من اليهود، يقول الله - جل وعز - له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا بما هَمُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه، ما لم يَنْصِبُوا - أي اليهود - حربًا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمَة منهم. (١) قلت: وهذا ليس صفحًا عاديًّا؛ فإن اليهود من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وللذين آمنوا، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]. فإذا أمرت بالصفح عن من أساء إليك فهذا عين الخير، لكن إن أمرت به تجاه عدوك فهذا ذروة سنامه. وقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. والوقوف مع بقية المواطن التي حثت على ذلك طويل جدًّا لكننا نشير إشارات تغني بإذن الله عن طول عبارات يضيق المقام بها. وفي السنة المطهرة أيضًا من ذلك كثير: فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ - أي الموت -، قَالَ: ﴿وَعَلَيْكُمْ﴾، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ الله وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَهْلًا، يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَو الْفُحْشَ"، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ ! قَالَ: "أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي". (٢) وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ الله عِزًّا". (٣)

стр. 2829

بل تعالوا نتدبر حال النبي ﷺ وكيف كان العفو له سجية: يُؤذَى أشد الإيذاء من قومه فيُضرب، ويُعذب، ويُلقى على ظهره سلا الجزور، ويُسام أصحابه سوء العذاب، ويُحاصر هو وأهله في شِعب أبي طالب بلا طعام، ولا شراب لمدة ثلاث سنوات، ثم يكون من حاله ما جاء في الحديث الآتي: عن عائشة ﵂ قَالَتْ لِلنَّبِي ﷺ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١). أما عن إيذاءه وضربه ﷺ في يوم أحد الذي سألت عنه عائشة فكان حاله كالآتي: عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: كأنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يَحْكِى نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (٢). وعنه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذةً شديدةً، ورجع نبي الله ﷺ في نحو الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت به حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء (٣). فأيُّ عنف ينسب إلى شريعةٍ هذه نصوصها وهذا خلق نبيها ﷺ ! !

стр. 2830

الوجه الرابع: فقه التعامل مع المعتدين . من الخطأ أن يعامل الناس كلهم بأسلوب واحد؛ لأن أصناف الناس متباينة، فهناك مَنْ إذا عفوت عنه دفعه الحياء إلى عدم معاودة اعتدائه، ومن الناس من إذا عفوت عنه زاده العفو بغيًا واعتداءً؛ فمثل هذا لا يكون العفو في حقه مندوبًا؛ بل الانتصار منه أصلح له. وبيان ذلك كالآتي: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]، فالله حمد كل منتصر بحق ممن بغى عليه، فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحق وعقوبته بما هو له أهل تقويمًا له، وفي ذلك أعظم المدح (١). فمراعاة أصناف الناس وما يُصْلِحُ حالهم يحتاج إلى فقه، مَن الذي ينتفع بالعفو؟ ومن الذي ينتفع بالعقوبة؟ فالعبد يُقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة، فَمِنَ الناس من إن عفوتَ عنه تمادى وظن هذا ضعفًا. وبيانًا لفقه المسألة نقول: إن التعامل مع من اعتدى يرجع إلى حالتين: إحداهما: أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. الثانية: أن تكون الفلتة أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. (٢) الوجه الخامس: مراعاة الشريعة لاختلاف أحوال المعتدى عليهم .

стр. 2831

وكما جاءت الشريعة لتصلح حال المعتدين، إما بالزجر أو بالعفو، ولتقضي على الجريمة في المجتمع الإسلامي؛ جاءت أيضًا مراعية لأحوال الناس في الإيمان؛ فهم يتفاوتون، فقد يُعتدى على مؤمن قوي الإيمان، قوي النفس، عظيم الصبر، وقد يُعتدى على مؤمن ضعيف الإيمان، ضعيف الصبر، سريع الغضب. ورب العالمين هو الذي خلق الخلق جميعًا، وهو الذي يعلم أحوالهم؛ لذلك قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] فجاءت الشريعة تناسب أحوال المؤمنين كلها. لذلك جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٧]، وصنف ينتصرون من ظالمهم، ثم بين حدَّ الانتصار بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي. (١) وعلى هذا فقد وضح رب العالمين مراتب العقوبة فحرَّم منها، وأحل، وندب، قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٣]. ذكر الله تعالى في هذه الآي مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم. فأباح مرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.

стр. 2832

وندب إلى مرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، يجزيه أجرًا عظيمًا وثوابًا كثيرًا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه؛ ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته؛ فإنَّه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جَعْلِ أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. وحرم مرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته؛ فالزيادة ظلم. (١) قال ابن كثير: قوله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. فَشَرَعَ العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، ولهذا قال ههنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا يضيع ذلك عند الله كما صح ذلك في الحديث "وما زاد الله تعالى عبدًا بعفو إلا عزًّا" وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة. (٢) الوجه السادس: القصاص في الكتاب المقدس . في سفر (اللاويين ٣٥/ ٢١: ١٦): إِنْ ضَرَبَهُ بِأَدَاةِ حَدِيدٍ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ. ١٧ وَإِنْ ضَرَبَهُ بِحَجَرِ يَدٍ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ. ١٨ أَوْ ضَرَبَهُ بِأَدَاةِ يَدٍ مِنْ خَشَبٍ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ. ١٩ وَلِيُّ الدَّمِ يَقْتُلُ الْقَاتِلَ. حِينَ

стр. 2833

يُصَادِفُهُ يَقْتُلُهُ. ٢٠ وَإِنْ دَفَعَهُ بِبُغْضَةٍ أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ شَيْئًا بِتَعَمُّدٍ فَمَاتَ، ٢١ أَوْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ بِعَدَاوَةٍ فَمَاتَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الضَّارِبُ لأَنَّهُ قَاتِلٌ. وَلِيُّ الدَّمِ يَقْتُلُ الْقَاتِلَ حِينَ يُصَادِفُهُ. الوجه السابع: وشهد شاهد من النصارى على مثله . وهذه كلمة قالها القس شنودة الثالث - كتاب التسامح في الحضارة الإِسلامية - ص: (٢٥ - ٣١) حول سماحة الإسلام ألقاها في القاهرة في المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في الفترة من ٨ - ١١ ربيع الأول سنة ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٨ إبريل - ١ مايو ٢٠٠٤ م، وكان موضوع المؤتمر: (التسامح في الحضارة الإسلامية): الأستاذ الدكتور/ عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء. الإمام الأكبر الدكتور/ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر. باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا، نظرة الإسلام إلى السلام: يكفي أن السلام هو اسم من أسماء الله، وقد ورد في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وورد في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وفي سورة النساء: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] أول مرحلة من السلام كانت في تاريخ الإسلام هي العهود والمواثيق الشهيرة، لعل في مقدمتها الميثاق الذي أُعطي لنصارى نجران، والميثاق الذي أعطي لقبيلة تغلب، ووصية الخليفة أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد، والوصية التي قدمها الخليفة عمر بن الخطاب قبل موته، والميثاق الذي أعطاه خالد بن الوليد لأهل دمشق، والميثاق الذي أعطاه عمرو بن العاص لأقباط مصر. وفي هذه الواثيق أمَّن المسيحيين على كنائسهم، وصوامعهم، ورهبانيتهم، وأملاكهم، وأرواحهم. ونذكر هنا في مصر أنه عندما أتى عمرو بن العاص إلى مصر كان البابا القبطي بنيامين منفيًا ثلاثة عشر عامًا بعيدًا عن كرسيه، فأمَّنه عمرو بن العاص وأعاده إلى كرسيه وأسلمهُ كنائسه التي أخذها منه الروم، وعاش معه في سلام.

стр. 2834

ونذكر أيضًا بعض نواحي محبة وتعاون؛ فمثلًا في الدول الإخشيدية كان محمد بن طغج الإخشيدي يحتفل مع الأقباط بعيد الغطاس في جزيرة في النيل، وقد أوقدوا حوله ألف قنديل. وفي الدولة الطولونية نعرف أن جامع أحمد بن طولون بناه سعيد بن كاتب الفرغاني؛ وهو مهندس مسيحي، طلب منه أحمد بن طولون أن يبني مسجده بغير عمدٍ تمنع النظر. وفي الدولة الفاطمية كانت العلاقة طيبة جدًّا بين المسيحيين والمسلمين حتى إن يعقوب بن كلس اليهودي كان الوزير الوحيد في عهد المعز، وعيسى بن نسطورس النصراني كان كذلك في عهد العزيز بن المعز، ما يدل على أن غير المسلمين وصلوا إلى درجات كبيرة في الدولة. نرى أيضًا من سماحة الإسلام: ما قيل من كلمات طيبة عن أهل الكتاب في آيات القرآن، ففي سورة آل عمران: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣, ١١٤]، ولا شك أن هذه الكلمات كان لها تأثير في المجتمع الإسلامي، وفي العلاقة الطيبة بين المسيحيين والمسلمين وفي سورة الأنبياء: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وفي سورة المائدة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]، وفي الحديث عن السيد المسيح في سورة الحديد: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧]. ومن التسامح الإسلامي أيضًا الأحاديث التي وردت عن أهل الذمة، فقد قيل (في المأثورات الإسلامية): "من آذى ذميًا فليس منا، العهد لهم ولأبنائهم عهد أبدي لا يُنقض، يتولاه ولي الأمر ويرعاه" لا ننسى العلاقة الطيبة التي قدم لها مثالًا الخليفة عمر بن الخطاب عندما دُعي للصلاة في كنيسة القدس فاعتذر عن ذلك، وقال: (لئلا يأتي المسلمون من بعدي،

стр. 2835

ويأخذوها منكم، ويقولون: هنا سجد عمر)، وصلى بعد رمية حجر من الكنيسة، وأنشئ في ذلك المكان جامع عمر، إنها روح طيبة عاش بها الإسلام مع غير المسلمين، ولعل من النقاط البارزة في القرآن مبدأ هام هو أنه لا إكراه في الدين، فقد ورد في سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٩٩, ١٠٠]. ولذلك عندما جمع هذا المبدأ - مبدأ لا إكراه في الدين - المبدأ الذي يقول: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ كما في [المائدة: ٩٩]، وأيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي سورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وفي سورة النحل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾ [النحل: ٨٢]، لذلك كان من المبادئ الإسلامية القرآنية المعروفة بعدم الإكراه في الدين، وما على الرسول إلا البلاغ، وأيضًا ما ورد في سورة الغاشية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١, ٢٢]، حتى بالنسبة للكافرين ورد في سورة الكافرون: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦] ولهذا كان من مبادئ التسامح تلك الآية التي تقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] من أجل هذا كانت المجادلة في أمور الدين تكون بالتي هي أحسن، وهذا مبدأ من مبادئ التسامح كما في سورة العنكبوت: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ. .﴾ [العنكبوت: ٤٦]

стр. 2836

وجاء في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] لذلك إن حدث في يوم من الأيام إكراه في الدين يكون هذا خروجًا على تعاليم الإسلام التي سجلها القرآن، غير أن هناك بعض آيات خاصة بالقتال والحرب لا تعمم على الجميع، منها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] إذ هي موجهة في حالة الحرب وموجهة إلى أعداء الله وأعداء البلد، ومع ذلك جاء في نفس الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] وأيضًا يقول القرآن ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨] إذ المسائل الخاصة بالحرب والقتال والخاصة بالأعداء الذين يخرجونكم من دياركم أو يضلونكم في دينكم شيء آخر، ولكن في غير ذلك يعيش الناس في محبة تبرونهم وتقسطون إليهم، إن الله يحب المقسطين. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠]. * * *

стр. 2837

٧ - شبهة: إدعاؤهم أن الله - تعالى - يحلل الكذب للناس . نص الشبهة: قالوا: إله الإسلام يحلل الكذب، وإنكار ذات الله واحتجوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]، بقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. والجواب عن ذلك من وجوه: الأول: مشروعية الحلف. الثاني: من حلف فلا يحلف إلا بالله. الثالث: آية الإكراه. الرابع: ماذا عن الإله عند النصارى؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: مشروعية الحلف . الله ﵎ شرع الأيمان والقسم للناس؛ لأن بها يحصل التصديق والبر بينهم. وهو شيء جار على عادتهم، فنهاهم الله تعالى عن الحلف والقسم بغير اسمه أو صفته أو ذاته. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلا يَحْلِفْ إِلا بِالله، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (١).

стр. 2838

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلا بِآبَائِكُمْ (١). وقد شدد النبي ﷺ في النهي عن الحلف بغير الله تعالى، فعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلا يَحْلِفُ: لا وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ". (٢) وهذا من الشرك الأصغر. الوجه الثاني: من حلف فلا يحلف إلا بالله . عَنْ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣). والحلف بالله تعالى له ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحلف بالله كاذبًا . وهذا ما يسمى باليمين الغموس، وقد توعد النبي ﷺ من فعل ذلك، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ الله ﵁: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. (٤) وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِالله"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ"، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: "الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ". (٥) القسم الثاني: اليمين اللغو: وهو اليمن الذي يحلف به الإنسان دون عقد القلب، فقد عفا الله عنه، وليس هذا من باب الكذب، وإنما الكذب هو أن يحلف بما يخالف الحقيقة.

стр. 2839

مثال: كأن يقول قائل: والله سأذهب إلى مكان كذا، أو سأفعل كذا، دون عقد القلب على ذلك، فهذا لا يؤاخذه الله تعالى به. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]. القسم الثالث: وهو اليمين المنعقدة: وهو أن يؤكد الإنسان على أنه سيفعل كذا أو سيذهب إلى كذا وأشباهه، وهذا نوعان: النوع الأول: أن يبر بقسمه فلا شيء عليه. النوع الثاني: أن يحنث في قسمه، فهذا عليه الكفارة. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. هذه هي أنواع الأيمان كما جاءت في الآيتين السابقتين، ليس فيها أمر بالكذب كما يدعي المعترضون. الوجه الثالث: آية الإكراه . والإكراه: هو حمل الغير على فعل لا يرضاه تحت تهديد بالضرب أو إفساد أموال ونحوه. فهذا قد أباحه الله تعالى في حقه حفظا على نفس المؤمن قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فمن وقع تحت وطأة الأعداء، وأمروه بالكفر وخيروه بين ذلك وبين قتله، فله أن يقول بلسانه ما ليس في قبله حرصا على حفظ نفسه من القتل. ولا يجوز الإكراه في قتل المسلم بإجماع، وفي الزنا على قول الجمهور. فأين الكذب في هذه الآية؟ ! ! . الوجه الرابع: ماذا عن الإله عند النصارى ؟ ١ - الرب كذاب ولص: كما جاء في سفر الخروج: (١ ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ضَرْبَةً

стр. 2840

وَاحِدَةً أَيْضًا أَجْلِبُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَى مِصْرَ. . . ٢ تَكَلَّمْ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ أَنْ يَطْلُبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَكُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ صَاحِبَتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ) (سفر الخروج ١١: ١ - ٢). فقد أمر بالكذب لسرقة المصريين. ٢ - الشيطان أصدق من الرب: (وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا ١٧ وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ) (سفر التكوين ٢/ ١٦ - ١٧). أما الشيطان المتمثل في صورة الحية فقال: (فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: لَنْ تَمُوتَا! بَلِ الله عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَالله عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ) (سفر التكوين ٣/ ٤). وبالفعل لم يميتهما الله؛ بل عاقبهما بأن أنزلهما إلى الأرض للعمل والشقاء (سفر التكوين ٣/ ١٦ - ١٩) وكذلك لم يمتهما الرب؛ بل مات آدم عن عمر يناهز ٩٣٠ سنة. ٣ - الرب يأمر بالسرقة: (وَأُعْطِي نِعْمَةً لِهَذَا الشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لَا تَمْضُونَ فَارِغِينَ. بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتَسْلِبُونَ الْمِصْرِيِّينَ) (سفر الخروج ٣: ٢١ - ٢٢). وكذلك أيضًا (وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى، طَلَبُوا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عيون الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ، فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ) (سفر التكوين ١٢: ٣٥ - ٣٦). ٤ - الرب يُغوى: (وَقَالَ: فَاسْمَعْ إِذًا كَلَامَ الرَّبِّ: قَدْ رَأَيْتُ الرَّبَّ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَكُلُّ جُنْدِ السَّمَاءِ وُقُوفٌ لَدَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ الرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَالَ هَذَا هَكَذَا وَقَالَ ذَاكَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ الرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ: أَنَا أُغْوِيهِ، وَسَأَلَهُ الرَّبُّ: بِمَاذَا؟ فَقَالَ: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ، فَاخْرُجْ وَافْعَلْ هَكَذَا) (الملوك الأول ٢٢: ١٩ - ٢٢). * * *
следующие страницы →