وجاء في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] لذلك إن حدث في يوم من الأيام إكراه في الدين يكون هذا خروجًا على تعاليم الإسلام التي سجلها القرآن، غير أن هناك بعض آيات خاصة بالقتال والحرب لا تعمم على الجميع، منها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] إذ هي موجهة في حالة الحرب وموجهة إلى أعداء الله وأعداء البلد، ومع ذلك جاء في نفس الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] وأيضًا يقول القرآن ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨] إذ المسائل الخاصة بالحرب والقتال والخاصة بالأعداء الذين يخرجونكم من دياركم أو يضلونكم في دينكم شيء آخر، ولكن في غير ذلك يعيش الناس في محبة تبرونهم وتقسطون إليهم، إن الله يحب المقسطين.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠].
* * *
стр. 2837
٧ - شبهة: إدعاؤهم أن الله - تعالى - يحلل الكذب للناس .
نص الشبهة:
قالوا: إله الإسلام يحلل الكذب، وإنكار ذات الله واحتجوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]، بقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الأول: مشروعية الحلف.
الثاني: من حلف فلا يحلف إلا بالله.
الثالث: آية الإكراه.
الرابع: ماذا عن الإله عند النصارى؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: مشروعية الحلف .
الله ﵎ شرع الأيمان والقسم للناس؛ لأن بها يحصل التصديق والبر بينهم. وهو شيء جار على عادتهم، فنهاهم الله تعالى عن الحلف والقسم بغير اسمه أو صفته أو ذاته.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلا يَحْلِفْ إِلا بِالله، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (١).
стр. 2838
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلا بِآبَائِكُمْ (١).
وقد شدد النبي ﷺ في النهي عن الحلف بغير الله تعالى، فعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلا يَحْلِفُ: لا وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ". (٢) وهذا من الشرك الأصغر.
الوجه الثاني: من حلف فلا يحلف إلا بالله .
عَنْ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣).
والحلف بالله تعالى له ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الحلف بالله كاذبًا .
وهذا ما يسمى باليمين الغموس، وقد توعد النبي ﷺ من فعل ذلك، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ الله ﵁: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. (٤)
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِالله"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ"، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: "الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ". (٥)
القسم الثاني: اليمين اللغو:
وهو اليمن الذي يحلف به الإنسان دون عقد القلب، فقد عفا الله عنه، وليس هذا من باب الكذب، وإنما الكذب هو أن يحلف بما يخالف الحقيقة.
стр. 2839
مثال: كأن يقول قائل: والله سأذهب إلى مكان كذا، أو سأفعل كذا، دون عقد القلب على ذلك، فهذا لا يؤاخذه الله تعالى به. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥].
القسم الثالث: وهو اليمين المنعقدة:
وهو أن يؤكد الإنسان على أنه سيفعل كذا أو سيذهب إلى كذا وأشباهه، وهذا نوعان:
النوع الأول: أن يبر بقسمه فلا شيء عليه.
النوع الثاني: أن يحنث في قسمه، فهذا عليه الكفارة.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
هذه هي أنواع الأيمان كما جاءت في الآيتين السابقتين، ليس فيها أمر بالكذب كما يدعي المعترضون.
الوجه الثالث: آية الإكراه .
والإكراه: هو حمل الغير على فعل لا يرضاه تحت تهديد بالضرب أو إفساد أموال ونحوه. فهذا قد أباحه الله تعالى في حقه حفظا على نفس المؤمن قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فمن وقع تحت وطأة الأعداء، وأمروه بالكفر وخيروه بين ذلك وبين قتله، فله أن يقول بلسانه ما ليس في قبله حرصا على حفظ نفسه من القتل. ولا يجوز الإكراه في قتل المسلم بإجماع، وفي الزنا على قول الجمهور. فأين الكذب في هذه الآية؟ ! ! .
الوجه الرابع: ماذا عن الإله عند النصارى ؟
١ - الرب كذاب ولص: كما جاء في سفر الخروج: (١ ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ضَرْبَةً
٨ - شبهة: حول أعظم آية في القرآن الكريم .
نص الشبهة:
يقول المعترض: يعتبر المسلمون هذه الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أعظم آيات القرآن، وقد ورد في تفسير ابن كثيرٍ عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟ فصارعه فصرعه فقال: إني أراك ضئيلًا شخيتًا (نحيف الجسم) كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني فصارعه، فصرعه الإنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرأ أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خيخ (ضراط) الحمار. فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر! . (١)
ونحن نقول: إن الوحي أبعد من أن تَعْلَمَه الشياطين، فالله لا يسمح للشياطين أن يحملوا كلامه للبشر.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه وهي:
الوجه الأول: فضل آية الكرسي .
الوجه الثاني: وهل الإخبار عن التجربة يقال فيه: إن الشيطان جاء بالوحي؟
الوجه الثالث: هذا فضل لا يثبت.
الوجه الرابع: وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل آية الكرسي.
ثبت فضل هذه الآية العظيمة، وأنها حقًّا أعظم آية في كتاب الله - وكتاب الله كله عظيم - من عدة نصوص نذكر منها:
стр. 2842
١ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيِّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ: فَضَرَبَ في صدري وَقَالَ: "وَالله لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ" (١).
٢ - وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت". (٢)
٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: "وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَالله لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ". فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ". فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهَا. قُلْتُ مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ". قُلْتُ: يَا
стр. 2843
رَسُولَ الله زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي الله بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: "مَا هِيَ؟ ". قُلْتُ قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيءٍ عَلَي الْخَيْرِ. فَقَالَ النبي ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَانٌ" (١).
وهذا النص الأخير لا يقال فيه: إننا علمنا هذا الفضل بإخبار الشيطان؛ لأنه لولا إقرار النبي ﷺ بقوله: "إما إنه صدقك وهو كذوب" ما عد ذلك دليلًا يستخرج منه فضل يعمل المسلمون من أجل أن ينالوه.
الوجه الثاني: وهل الإخبار عن التجربة يقال فيه: إن الشيطان جاء بالوحي ؟
مما سبق من النصوص يلزمنا أن نُسَلِّمَ أولًا أن فضل آية الكرسي، واعتقاد أنها أعظمُ آية في القرآن العظيم ثبت من كلام أمين مَنْ في السماء ﵇ لأمين من في الأرض ﷺ ، ثم نقول ثانيًا: إن إخبار الشيطان عن هذا الفضل أمرٌ لا سبيل له أن يعلمه إلا بالتجربة.
فالصحابة معلوم حرصهم على كثرة تلاوة كتاب الله وخصوصًا الآيات التي ثبت لها فضل، وهذا معناه أن يمروا على آية الكرسي في القراءة كثيرًا، فينزل الملك بمجرد قراءتها، والشيطان يرى ذلك فيعلم، ثم هو في هذا النص يخبر. فأين العجب هنا؟ فهل كل صاحبِ علمٍ عن تجربةٍ يقال عنه: إنه يوحَى إليه، أو إنه للغيب عالمٌ! !
الوجه الثالث: هذا فضل لا يثبت .
الفضل الذي جاء في النص الذي استدل به المعترض ليس لدينا ما يثبته بهذه الصورة، ولولا أنه ثبت من النصوص الآتية ما أثبتناه؛ وذلك لأن النص الذي استَدَلَّ به المعترض ضعيفٌ.
وبيان ذلك فيما يلي:
١ - جاء من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود عند الدارمي (٣٣٨١) والطبراني في
стр. 2844
الكبير (٩/ ١٦٦) وغيرهم بسند رجاله ثقات، لكنه ضعيف؛ لأن عامرًا لم يسمع من ابن مسعود، فهو منقطع. نص على ذلك ابن معين وغيره. (١)
٢ - لكن تابع عامرًا زر بن حُبَيْشٍ فيما أخرجه البيهقي في الدلائل (٣٠٤٧) من طريق سعيد بن سالم عن محمد بن أبان عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود، وهي متابعة واهية؛ فيها أكثر من علة:
أ - سعيد بن سالم، قال ابن حجر: صدوق يهم. (التقريب ٢٣١٥).
ب - محمد بن أبان الجعفي؛ ضعفه أبو داود، وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي. (ميزان الاعتدال ٧١٢٨).
جـ - عاصم بن أبي النجود صدوق له أوهام (التقريب ٣٠٥٤).
د - اختُلِفَ على عاصمٍ؛ فرواه الطبراني في الكبير (٨٨٢٤) من طريق أسد بن موسى عن المسعودي، عن عاصمٍ عن شقيقٍ عن ابن مسعودٍ؛ والمسعودي صدوقٌ اختلط قبل موته (التقريب ٣٩١٩).
ورواية أسدٍ عنه غير منصوصٍ عليها؛ أهي قبل الاختلاط أم بعده؟
وعلاوة على ذلك قال ابن معين: (كان يغلط فيما يحدث عن عاصم بن بهدلة) (٢).
وقد علق الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٧٤) على هذين السندين فقال: رواهما الطبراني بإسنادين، ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعودٍ ولكنه أدركه. ورواة الطريق الأولى فيهم المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي والله أعلم.
قلت: رحمك الله هذا قد يسلم به لولا الاختلاف الذي على عاصم، وما أثبت من غلط في رواية المسعودي عن عاصم، وعاصم لا يتحمل تعدد المشايخ. والله أعلم.
لكن تابع عاصمًا عبد الملك بن عمير فيما أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ٨٨)
стр. 2845
ولكنها أوهى من أن تذكر ففيها محمد بن عبدة بن حرب.
قال البرقاني وغيره: هو من المتروكين.
وقال ابن عدي: كذاب، حدث عمن لم يرهم.
وقال الدارقطني: لا شيء، كان آفة، سمعت السبيعي يقول: انكشف أمره. (١)
ويزيد ذلك وهنًا خلافٌ ثالث رواه أبو جعفر البختري.
من طريق همام بن يحيى عن عاصم عن زرٍّ أن عمر بن الخطّاب. . . .
فخلاصة الحديث أن له طريقين:
الأول: من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع.
والثاني: مداره على عاصم، واختلف عليه بما لا يتحمله، فيبدوا أنه اضطرب فيه. والله أعلم.
ثم حتى لو ثبت سماعُه، فإن الفضل المذكور هو محض إخبار جن قد يصدق وقد يكذب، ولا إقرار فيه من النبي ﷺ كما سبق في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري يعلمنا صدقه، ولكن نقول: إنه ثبت قريبٌ من هذا لفضل فيما يلي، وانظر إلى إقرار النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحَى.
١ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه كانت له سهوةٌ فيها تمرٌ، وكانت تجيء الغول فتأخذ منه، قال: فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "اذهب فإذا رأيتها، فقل: باسم الله، أجيبي رسول الله، قال: فأخذها، فحَلَفَتْ أن لا تعود، فأرسلها، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حَلَفَتْ أن لا تعود، قال: كَذَبَتْ، وهي معاودة للكذب، قال: فأخذها مرة أخرى، فحَلَفَتْ أن لا تعود، فأَرْسَلَهَا، فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حلفت أن لا تعود، فقال: "كَذَبَتْ، وهي معاودة للكذب" فأخذها، فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي ﷺ فقالت: إني ذاكرة لك شيئًا؛ آية الكرسي، اقرأها في بيتك؛ فلا يقربك شيطان، ولا غيره، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: ما فعل أسيرك؟
стр. 2846
قال فأخبره بما قالت، قال: صَدَقَتْ، وهي كذوب" (١).
تدبر قول النبي ﷺ كذبت مرتين، ثم قوله: "صدقت" فالمعول عليه إقرار النبي ﷺ ، وليس إخبار الجن أو الشياطين.
٢ - عن أُبَيِّ بن كعب ﵁، أن أباه أخبره أنه كان لهم جرين فيه تمر، وكان مما يتعاهد فيجده ينقص فَحَرَسَهُ ذاتَ ليلةٍ، فإذا هو بدابة كهيئة الغلام المحتلم، قال: فسلم فرد ﵇، فقلت: ما أنت؛ جن أم إنس؟ قال: جن، فقلت: ناولني يدك، فإذا يد كلب، وشعر كلب، فقلت: هذا خلق الجن؟ فقال: لقد عَلِمَتْ الجن أن ما فيهم مَن هو أشدُّ مني، فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك تحب الصدقة؛ فأحببت أن أصيب من طعامك، فقلت: ما الذي يحرزنا منكم؟ قال: هذه الآية؛ آية الكرسي، قال: فتركته، وغدا أبي إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: صدق الخبيث". (٢)
الوجه الرابع: وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر .
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]، ومن إظهاره لدينه سبحانه أن يستعمل من يشاء في نشره فيستعمل البَرَّ ويثيبه، وكذا إذا شاء استعمل من هو لهذا الدين مبغض محارب ولا يعود إلا بالخسارة؛ لأن ثبوت الأجر يلزمه التوحيد والإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]، وإن الحالة التي تعجب منها المعترض هي من النوع الثاني فالشيطان يعمل جاهدًا ليصد عن دين الله، ويحادد بذلك الملك لكن هيهات، فكيده مردود في نحره؛ بل ويقع في إخبار أسرار لا يعلم أن الله قدرها لحفظ دينه وتحصين عباده، ولا عجب فالملك
стр. 2847
يصنع في ملكه ما يشاء، وإليك بعض الأمثلة غير هذا:
أ - استعمال اليهود كي يكونوا سببًا في إسلام الأنصار: قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩]
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وكان هؤلاء اليهود الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان كفروا به وكانوا من قبل يستفتحون بمحمد ﷺ ، ومعنى الاستفتاح الاستنصار يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه أي من قبل أن يبعث.
قلت: أي إن اليهود كانوا إذا اختلفوا مع المشركين من أهل المدينة قبل أن يأتيهم رسول الله ﷺ قالوا: إنه قد أطل زمان نبي جديد فسيبعث وسنقاتلكم معه قتل عاد وإرم. وقدر الله ذلك ليحفز المشركين من أهل يثرب أن يسبقوا اليهود في الإيمان بالنبي ﷺ ، فلما حج بعض المشركين من أهل يثرب ورأوا النبي ﷺ قالوا: هذا الذي كانت تعيركم به يهود لا يسبقونكم إليه فسارعوا إلى الإيمان به.
فانظر كيف يستعمل الله أعداءه في خدمة دينه والدعوة إليه، وهم لا يلحقهم من الخير شيء؛ لأنهم ما قصدوا ذلك إنما الله جل وعلا ينصر دينه بما شاء وكيف شاء.
ب - استعمال أبى جهل في إقامة الحجة على المشركين ونشر معجزة الإسراء، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لما كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِي بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي" فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ عَدُوُّ الله أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ" قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: "إِنَّهُ أُسْرِي بِي اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ"
стр. 2848
فَقَالَ: هَيَا يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَي، حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثَتْنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي أُسْرِي بِي اللَّيْلَةَ" قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ - زَعَمَ - قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى المسْجِدَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، - قَالَ - فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عَقِيلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ" قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَالله لَقَدْ أَصَابَ" (١).
تدبر، كيف ألقى الله على لسان أبي جهل سؤال النبي ﷺ بعد أن جاء وجلس إلى جوار النبي ﷺ دون أن يناديه أو يطلب منه فيقول: (هل من شيء؟ ) يقولها كالمستهزيء، لكن الله يجعل كيده في نحره فيستعمله في نداء القوم، هو يظن أنه ينادي للقضاء على الدِّين، والله يقدِّر ذلك لينعت النبي ﷺ بيت المقدس أمام القوم وهم يعلمون أنه ما سبق له زيارته، فتقام الحجة ويقع التصديق في القلوب، فيقترب كثير منهم للإسلام والإذعان بصدق نبوة النبي العدنان ﷺ .
* * *
стр. 2849
٩ - شبهة: معاصرة إبراهيم للنمرود، وإدعاؤهم أن النمرود كان سابقًا لإبراهيم ﵇ بـ ٣٠٠ سنة .
نص الشبهة: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
أجمع علماء الإسلام على أن الذي حاجَّ إبراهيم هو نمرود بن كنعان الجبار، والتوراة تقول: إن إبراهيم كان خليل الله، وإنه أبو المؤمنين، وإن الله اصطفاه، ولكنها لم تقل إنه أُلقي في النار، وإنه فعل المعجزات المنسوبة إليه هنا.
ولم يكن نمرود معاصرًا لإبراهيم؛ بل كان سابقًا لإبراهيم بنحو ٣٠٠ سنة، كما يقول سفر التكوين.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الأدلة الشرعية المتفق على حجيتها في الإسلام.
الوجه الثاني: نبذةٌ عن الإجماع.
الوجه الثالث: نبذةٌ عن علم الغيب واعتقاد المسلمين فيه.
الوجه الرابع: وهل سماه القرآن أو سمته السنة؟
الوجه الخامس: الأدلة التي احتج بها الخصم.
الوجه السادس: موقف دين الإسلام من الكتب السابقة وصحة الاحتجاج عليه بها.
الوجه السابع: التواريخ في التوراة تتكلم.
الوجه الثامن: وهل تمنع الثلاثمائة عامٍ من التعاصر؟
الوجه التاسع: وعلى الفرض بأن الذي حاجه اسمه نمرود، هل هناك ما يمنع وجود نمرودٍ آخر؟ .
الوجه العاشر: عن أي نسخةٍ من التوراة تتحدثون؟ وبأي التورايخ تأخذون؟ .
وإليك التفصيل
стр. 2850
الوجه الأول: الأدلة الشرعية المتفق على حجيتها في الإسلام .
لمناقشة احتجاج المعترض بقوله: أجمع علماء الإسلام، ينبغي أن نعطي نبذةً أصوليةً هامةً عن الأدلة الشرعية المتفق على حجيتها في الإسلام؛ وهي إجمالًا:
القرآن الكريم. السنة النبوية الصحيحة. الإجماع. القياس. وذلك من حيث الجملة. (١)
قال الشافعي: وجهة العلم الخبر في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس. (٢)
وهذه الأدلة لا تختلف؛ إذ يوافق بعضها بعضًا ويصدق بعضها بعضًا؛ لأن الجميع حقٌّ، والحق لا يتناقض. (٣)
وهي كذلك متلازمةٌ، لا تفترق؛ فجميع هذه الأدلة ترجع إلى الكتاب (٤)، والكتاب قد دل على حجية السنة والكتاب، والسنة دلت على حجية الإجماع، وهذه الأدلة الثلاثة دلت على حجية القياس. (٥)
قلت: وما سوى هذه الأدلة منازَعٌ فيه مختلَفٌ في حجيته غيرُ ملزم على إطلاقه.
وبهذا يتبين أن القرآن والسنة هما أصل الأدلة الأربعة المتفق عليها؛ فلا يقوم إجماعٌ، ولا قياسٌ بدون مستندٍ من الكتاب أو السنة أو من كليهما.
الوجه الثاني: نبذة عن الإجماع .
ومن الجدير أن نفصل أمر الدليل الثالث وهو من الإجماع لاحتجاج المعترض في اعتراضه به.
فنقول: الإجماع لغة: يطلق على العزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
ويطلق على الاتفاق ومنه قولهم: أجمع القوم على كذا؛ أي اتفقوا عليه.
стр. 2851
وفي الاصطلاح: هو اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور من أمة محمدٍ ﷺ بعد وفاته على أمرٍ ديني.
وقد اشتمل هذا التعريف على خمسة قيودٍ:
الأول: أن يصدر الاتفاق عن كل العلماء المجتهدين؛ فلا يصح اتفاق بعض المجتهدين، وكذلك لا يصح اتفاق غير المجتهدين كالعامة، أو من لم تكتمل فيهم شروط الاجتهاد.
أي يشترط في صحة الإجماع أن يكون قولَ جميع المجتهدين، ولا يُعْتَدُّ بقول الأكثر - الجمهور - فإذا خالفَ واحدٌ أو اثنان من المجتهدين فإن قولَ الباقين لا يُعْتَبَرُ إجماعًا.
الثاني: المراد بالمجتهدين مَن كان موجودًا منهم دون من مات، أو لم يولد بعدُ، وهذا هو المقصود بقيد (عصرٍ من العصور).
الثالث: لا بد أن يكون المُجْمِعُون من المسلمين، ولا عبرةَ بإجماع الأمم غير المسلمة.
الرابع: الإجماع إنما يكون حجةً بعد وفاة النبيِّ ﷺ ولا يقع في حياته.
الخامس: أن كون المسألةُ المجمَعُ عليها من الأمور الدينية، ويخرج بذلك الأمور الدنيوية والعقلية وغيرها (١).
وقد ذهب بعض العلماء إلى القول باشتراط انقراض العصر، ولعل هؤلاء أرادوا بهذا الاشتراط زيادة التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، وشدة التأكد من استقرار أهل المذاهب على مذاهبهم.
وعلى كل حالٍ فلا بد في هذه المسألة من تحرير قضيةٍ مهمةٍ:
ألا وهي التثبت في نقل الاتفاق والتأكد من حصول الإجماع؛ وذلك بمعرفة أقوال المجمعين والاطلاع على أحوالهم للعلم باستقرارهم على مذاهبهم (٢).
قلت: أما في حالة نقل الاتفاق دون التأكد من موافقة جميع المجتهدين فالإجماع المنقول لا يكون صحيحًا، ثم إن هناك شرطًا أساسيَّا كما أسلفنا، وهو أن يستند الإجماع إلى دليلٍ شرعيٍّ ولا يمكن إجماع الأمة عن هوًى أو قولٍ على الله بغير علم.
стр. 2852
قاعدةٌ مهمةٌ: لا يوجد مسألةٌ يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نصٌّ، ويقال أيضًا: لا يوجد قط مسألةٌ مُجْمَعٌ عليها إلا وفيها بيانٌ من الرسول ﷺ (١).
وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألةٍ لا نص فيها فهذا لا يقع (٢).
الوجه الثالث: نبذة عن علم الغيب واعتقاد المسلمين فيه .
قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]، قال العلماء - رحمة الله عليهم -: لما تَمَدَّحَ سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم (٣).
فمن الثوابت في عقيدة المسلمين أن علم الغيب خاصٌّ بالله تعالى، ووراء طور البشر:
فالاطلاع على الغيب يختص بالله تعالى، فهو يملكه ويتصرف فيه كما يشاء، وهي صفته الدائمة، ولم يجعل لولي أو نبي، أو جني أو ملك، أو شيخ أو شهيد، أو إمام، أو سليل إمام، ولا لعفريت ولا لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا، إن الله قد يطلع من يشاء على ما يشاء متى يشاء، لا يجاوز علمه ما أراد الله إطلاعه عليه مثقال ذرة، وكان ذلك خاضعًا لإرادة الله تعالى، لا لهواهم. (٤)
وهذا ليس مقررًا في عقيدة المسلمين فقط؛ بل في كل رسالة ونبوة؛ لأن الله استأثر بعلم الغيب، لذلك لما سأل فرعون موسى عن شيء من الغيبيات رد علمها إلى من لا يعلمها في الأصل إلا هو سبحانه، قال تعالى حاكيًا قول فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] ثم حكى إجابة موسى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] وكذا في أمر الاختلاف في عدد أصحاب الكهف يقول الله جل وعلا:
стр. 2853
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢].
وقال عن المدة التي لبثوها في الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٥، ٢٦].
لذا لا يُستفتى في الغيب إلا من يعلمه؛ وهو الله أو من علمه الله وهم أنبياء الله ورسله صلى الله عليهم وسلم؛ وذلك عن طريق الوحي إليهم بذلك؛ لذا أطلع رب العالمين نبيه ﷺ على بعض أخبار الأمم السابقة، فقال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وقال تعالى بعد أن قص على النبي ﷺ نبأ مريم بنت عمران: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤] أي أنه لا سبيل لك أن تعلم نبأهم؛ لأنك لم تشهد هذا الأمر فهو لك غيبٌ لا قِبَلَ لك أن تعلمه بدون تعليم الله إياك. وكذا قال تعالى بعد أن قص على النبي ﷺ نبأ نوح وقومه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩]. وكرر ذلك بعد أن قص عليه قصة يوسف ﵇. ومما سبق نخلص بالنتيجة الآتية:
١ - أن الله استأثر بعلم الغيب سواء ما كان شهادةً لقومٍ، ثم صار غيبًا لآخرين كأخبار السابقين، أو ما هو غيبٌ للجميع وهو خبر كل ما يُسْتَقْبَلُ.
٢ - أن الله تعالى يطلع خلقه على ما يشاء من الغيب كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 2854
٣ - أن سبيل إطلاع الله لخلقه على الغيب هو الوحي، والوحي لا يكون إلا لمن اصطفاهم الله للنبوة والرسالة.
٤ - إذن لا سبيل لعلم الغيب في أمتنا إلا بنصٍّ من كتاب الله أو من سنة نبيه محمد ﷺ ؛ لأنه لا يوحى إليه في هذه الأمة إلا هو، والغيب لا يكون إلا بالوحي كما أسلفنا.
٥ - كل من نقل شيئًا من خبر الغيب سواء مما سبق وقوعه، أو مما يستقبل دون مستند من كتاب أو سنة فقوله لا يجزم به ولا يحتج به؛ لأنه لن يعدوا إلى أن يكون عن أحد طريقين وهما:
أ - ما نقل عن بني إسرائيل أو ما نقل عن المؤرخين وهذا ليس بحجة قطعًا كما أسلفنا.
ب - ما يكون تخرُّصًا وادعاءً، وهذا رجمٌ بالغيب كما أخبر الله حينما حكى مثل ذلك عن من اختلفوا في عدة أصحاب الكهف.
تنبيهٌ هامٌّ:
من المعلوم أن القرآن والسنة نُقِلُوا إلينا عن طريق أصحاب محمد ﷺ إذن فهم عاينوا التنزيل إخبارًا وإنشاءً، ولهذا كان إخبارهم عن الأمور التي لا مجال للاجتهاد فيها على قول أكثر العلماء له حكم الرفع أي أن النبي ﷺ أخبرهم به وإن لم يصرحوا هم بذلك.
فما له حكم الرفع في من تفسير الصحابي هو ما صح عنه من أسباب النزول وألحقوا بـ (تفسير الصحابي) الذي له حكم الرفع ما لا يدخله الاجتهاد، مثل: أن يخبر عن أمر ماضٍ، أو أن يخبر عن مغيبٍ آتٍ، أو عن أمرٍ مستقبلٍ - يعني - عن المغيبات، أو أن يخبر عن أي شيءٍ لا يدخله الاجتهاد، فيفسر الآية بشيءٍ لا يدخله الاجتهاد، واشترطوا لهذا ألا يكون معروفًا بالأخذ عن بني إسرائيل، أو عن الإسرائيليات، فإن بعض الصحابة ﵃ تجوزوا وإن لم يكن هذا كثيرًا، فمتى كثر هذا؟ وفي عهد من؟ في عهد التابعين، بعض الصحابة تجوز التحديث عن بني إسرائيل؛ أخذًا من قوله ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" أو يعني بعض الصحابة مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص، عُرِفَ عنه أنه أخذ
стр. 2855
عن بعض أهل الكتاب. فمثل هذا التفسير، وكذلك قول الصحابي عمومًا، إذا لم يدخل في الاجتهاد، يقولون: إن له حكم الرفع. (١)
ومثالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ - الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ - ما لا مجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تعلُّقٌ ببيانِ لُغةٍ أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بَدْءِ الخَلْقِ وأَخْبارِ الأنبياءِ - عليهم الصلاة والسلام - أَو الآتيةِ كالملاحمِ والفِتَنِ وأَحوالِ يومِ القيامةِ (٢).
إذن المعتبر قولهم فرادى أو إجماعًا ويحتج به في الأمور الغيبية هم الصحابة للسبب السالف ذكره بالقيد السالف ذكره أيضًا، وهو أن لا يكون معروفًا بالأخذ عن بني إسرائيل، أما من دونهم فلا يعتبر قولهم في الغيبيات وإن أجمعوا لسببين:
أ - أن صلتهم بمصدر الغيب منقطعة.
ب - أنه كثر فيهم الأخذ عن بني إسرائيل.
إذن فبحث الإجماع سيكون في الطبقة التي يعتد بقولهم وإخبارهم عن الغيبيات مما لم يرفع تصريحًا. فنقول مستعينين بالله:
الوجه الرابع: وهل سماه القرآن أو سمته السنة ؟
كما أسلفنا أن الأدلة المعتبرة لا بد أن تقوم على نصٍّ من القرآن أو السنة أو من كليهما معًا، والقرآن الكريم لم يسم الملك الذي حاج إبراهيم في ربه ولا سمته السنة؛ لأن قصد القرآن من القَصص هو مضمون المحاجّة، والعبرة منها. واسم الملك لا يقدم ولا يؤخر في المضمون والعِبرة. أما تسمية هذا الملك - الذي حاجّه إبراهيم - بـ (النّمروذ) والاختلاف في نطق اسمه، ومدة ملكه، فجميعها قصص تاريخي، أورده المفسرون. فهو غير مُلْزِمٍ للقرآن الكريم. ومن ثَمَّ لا يصح أن يورد ذلك كشبهة تثار ضد القرآن. فليس لدينا في
стр. 2856
التاريخ الموثق والمحقق ما يثبت أو ينفي أن اسم الملك الذي حاجّ إبراهيم الخليل في ربه هو (النّمروذ)، وإنما هو قصص تاريخي يحتاج إلى تحقيق.
الوجه الخامس: مناقشة الأدلة التي احتجوا بها .
مما سبق لا يسوغ لنا أن نبحث عن هذا الإجماع إلا في عصر الصحابة؛ لأنهم هم الذين يُعْتَدُّ بكلامهم في الغيبيات بالقيد السالف ذكره؛ إذ إنهم أورع من أن يتكلموا في ذلك إلا بتوقيفٍ أو إباحة ذكر قصص عن بني إسرائيل.
أقول: قد نُقِلَ عن بعض الصحابة القول بأن الذي حاج إبراهيم في ربه هو النمروذ بن كنعان، وبيان ذلك كالآتي:
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (الْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتُليَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ فَأَتَمَّهُنَّ: فِرَاقُ قَوْمِهِ فِي الله حِينَ أُمِرَ بِفِرَاقِهِمْ، وَمُحَاجَّتُهُ نَمْرُودَ فِي الله حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الأَمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلافُهُمْ، وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيُحَرِّقُوهُ فِي الله عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَالْهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطَنِهِ وَبِلادِهِ فِي الله حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ، وَمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَمَالُهُ وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ حِينَ أَمَرَهُ بَذَبْحِهِ، فَلَمَّا مَضَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الله كُلِّهِ وَأَخْلَصَهُ الْبَلاءَ، قَالَ الله لَهُ: أَسْلِمْ، قَالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلافِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ).
قلت: وإسناده ضعيف وفيه أكثر من عله كما هو مبين في الحاشية (١).
стр. 2857
وهناك رواية أخرى عنه:
عن ابن عباس قال لما هرب إبراهيم من كوثي، وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني، فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل: عبراني حيث عبر الفرات، وبعث نمروذ في أثره، وقال لا تدعوا أحدًا يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقوا إبراهيم فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته.
وهذا سند أيضًا لا يصح به نقل عن ابن عباس مسلسل بالعلل كما هو مبين (١).
٢ - عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يقول: (الَّذِي حَاجَّ إِبْرَهِيمَ فِي رَبِّهِ: نُمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ).
وهذا لا يثبت عن علي بن أبي طالب ﵁؛ وعلته أن فيه رجلًا من بني أسدٍ وهو مجهولٌ فالإسناد ضعيفٌ. (١)
وبهذا يتضح أنه لم يصح عن واحدٍ من الصحابة القول بأن (نمرود) هو الذي حاج إبراهيم في ربه فضلًا عن أن يجتمعوا على هذا القول.
إذن فنقل الإجماع عن الصحابة في هذا الأمر لا يصح.
الوجه السادس: موقف دين الإسلام فيما نقل عن الكتب السابقة .
عند النظر إلى هذا الاعتراض نجد أن هناك سؤالًا يطرح نفسه: ما موقف الإسلام من الكتب السابقة (التوراة والإنجيل) وكيف يتعامل معها؟ وهل يصح اعتبارها مصدرًا للتشريع، أو سبيلًا للمعرفة - لا سيما فيما يتعلق بأخبار آخر الزمان وأوله -؟
فنقول - وبالله التوفيق -: إن شرعنا لم يغفل هذه القضية ولم يغض الطرف عنها، فالتوراة والإنجيل في نظر الشرع كتبٌ سماوية طرأ عليها التحريف والتبديل؛ لأن الله لم يتكفل بحفظها، ولكن مع تحريفها فقد بقي فيها بعض الحق - كثيرًا أو قليلًا - وهي بذلك لم تفقد قدسيتها بالكامل، لذلك فقد كان موقف الشرع متوازنًا مع هذا الواقع.
فبعد أن صحح الشرع النظرة إلى هذه الكتب، وبَيَّنَ أنها كتبٌ فيها الحق والباطل، جاء بميزان الله الذي لا يحيد عن العدل، فجعل ما في تلك الكتب على قسمين:
стр. 2860
الأول: الأحكام، وهذه لا يعني مخالفتُها لما عندنا بطلانَها، فقد يكون الاختلاف ناتجا عن كونها منسوخة في شرعنا، ثابتة في شرع من قبلنا، إلا أن ينص القرآن على نفي ذلك الحكم من كتاب سابق كالتوراة مثلًا، فيكون وجوده في التوراة ناتجا عن عملية تحريف متعمد.
الثاني: الأخبار والقصص، وهذه لما كان النسخ لا يجري فيها، فقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما جاء موافقا لشرعنا، فهذه يحكم بصدقها، لشهادة شرعنا لها بذلك، كالبشارات المتعلقة ببعثة سيدنا محمد ﷺ ، في الكتابين التوراة والإنجيل.
القسم الثاني: ما جاء مخالفا لشرعنا، فهذه يحكم ببطلانها، كزعمهم أن نبي آخر الزمان سيكون من نسل داود ﵇ يريدون بذلك الطعن في نبي الإسلام ﷺ . وكالأخبار التي يوردونها عن الله كقولهم: إن الله تعب بعد أن خلق السموات فارتاح في يوم السبت، وكطعنهم في الأنبياء ﵈ بإيرادهم قِصصًا تنتقص من قدرهم، أو تطعن في عصمتهم. أو في أخبارٍ عن السابقين مخالفةٍ لما جاء في شرعنا الحنيف.
القسم الثالث: ما لم يشهد لها شرعنا لا بالموافقة ولا بالمخالفة، فهذه يُتوقف فيها، فلا نصدقها خشية أن تكون مما أدخلته يدُ التحريف، ولا نكذبها خشية أن تكون من وحي الله وعلى هذا القسم يُنَزَّلُ قولُ النبيِّ ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (١)
إذن نستخلص قاعدةً هامةً وهي من أهم أصول الاحتجاج والمناظرة: لا تناقش فرعًا مرتبطًا بأصل والفرع لا يوافقك فيه.
الوجه السابع: التواريخ في التوراة تتكلم .
نقول: إن حجة المعترض أن إبراهيم ونمرود لم يتعاصرا بدليل أن النمرود جاء قبل
стр. 2861
إبراهيم بـ ٣٠٠ سنة لا يصح، والتورايخ في التوراة تقول ذلك وإليك البيان:
بدراسة أجدادهما منذ خلق آدم لتبين الفرق بينهما يتضح الآتي:
أولًا: ينص سفر التكوين على أن نمرود وإبراهيم يشتركان في جدهما نوح؛ لأن نمرود هو ابن كوش بن حام بن نوح (تكوين ١٠/ ٦ - ٨).
وإبراهيم هو ابن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام بن نوح (لوقا ٣/ ٣٤ - ٣٦).
وقد يقول قائلٌ: إن بُعْدَ المسافة بين إبراهيم ونوح وقربَها بين نمرود ونوح تُعَبِّرُ عن بعد المسافة الزمنية بين إبراهيم ونمرود.
ولكن سفر التكوين الذي أخذ منه ذلك يقول غير هذا وإليك البيان:
الاسم ... سن الوالد عند ميلاده ... الزمن من خلق آدم ... الموضع من سفر التكوين
آدم ... خلق ولم يولد ... ٠ ... ٥/ ١
شيث ... ١٣٠ ... ١٣٠ ... ٥/ ٣
أنوش ... ١٠٥ ... ٢٣٥ ... ٥/ ٦
قينان ... ٩٠ ... ٣٢٥ ... ٥/ ٩
مهللئيل ... ٧٠ ... ٣٩٥ ... ٥/ ١٢
يارد ... ٦٥ ... ٤٦٠ ... ٥/ ١٥
أخنوخ ... ١٦٢ ... ٦٢٢ ... ٥/ ١٨
متوشالح ... ٦٥ ... ٦٨٧ ... ٥/ ٢١
لامك ... ١٨٧ ... ٨٧٤ ... ٥/ ٢٥
نوح ... ١٨٢ ... ١٠٥٦ ... ٥/ ٢٨
سام وحام ويافث ... ٥٠٠ ... ١٥٥٦ ... ٥/ ٣٢
ملحوظة هامة: جاء في سفر التكوين (٧/ ٦) ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الأرض، وهنا يحدث تفرع النسل فنمرود من ذرية حام وإبراهيم من ذرية سام
стр. 2862
أولًا: نمرود
الاسم ... سن الوالد عند ميلاده ... الزمن من خلق آدم ... الموضع من سفر التكوين
كوش ... حوالي مئة أو أكثر ... ١٦٥٦ ... ١٠/ ١
نمرود
ثانيًا: إبراهيم
أرفكشاد ... ١٠٠ ... ١٦٥٨ ... ١١/ ١٠
شالح ... ٣٥ ... ١٦٩٣ ... ١١/ ١٢
عابر ... ٣٠ ... ١٧٢٣ ... ١١/ ١٤
فالج ... ٣٤ ... ١٧٥٧ ... ١١/ ١٦
رعو ... ٣٠ ... ١٧٨٧ ... ١١/ ١٨
سروج ... ٣٢ ... ١٨١٩ ... ١١/ ٢٠
ناحور ... ٣٠ ... ١٨٤٩ ... ١١/ ٢٢
تارح ... ٢٩ ... ١٨٧٨ ... ١١/ ٢٤
إبراهيم ... ٧٠ ... ١٩٤٨ ... ١١/ ٢٦
والجدول السابق يوضح أن الفارق بين مولد إبراهيم ومولد كوش - أبو نمرود - (١٩٤٨ - ١٦٦٦) = ٢٨٢ سنة.
ومما تبين أن أقل أعمار أباء كوش هو ٣٦٥ (تك ٥/ ٢٣) وتصل إلى ٩٦٩ (تك ٥/ ٢٧) فلا يبعد أبدا أن يكون إبراهيم أدرك أبا نمرود فكيف ننفي معاصرة إبراهيم لابن كوش (النمرود)؟
стр. 2863
ثم إن القول أن النمرود كان سابقًا لإبراهيم بـ ٣٠٠ سنة يعطينا معلومةً جديدةً وهو أن الابن قد يولد قبل أبيه!
الوجه الثامن: وهل تمنع الثلاثمائة عالم من التعاصر .
وعلى القول بأن نمرود كان سابقًا لإبراهيم بـ ٣٠٠ سنة فهذا يعكر عليه بما يلي:
١ - أنه ليس هناك ما يمنع أن يُعَمَّرَ النمرودُ أكثرَ من ٣٠٠ سنة وخصوصًا أنها لم تنص على موت النمرود قبل مجيء إبراهيم ﵇.
٢ - أن الأعمار الكبيرة ليست غريبة في التوراة؛ ففي سفر التكوين يوضح الإصحاح الخامس كله أن الأعمار من لدن آدم إلى نوحٍ ﵇ تتراوح بين ٧٧٧ سنة (عمر لامك) (تك ٥/ ٣١) إلى ٩٦٩ سنة (عمر أبي لامك يدعى متوشالح) (٥/ ٢٧).
فالذي جعل آدم يعاصر لامك لأنه كما يوضح الجدول من أنه ولد بعد خلق آدم بـ ٨٧٤ سنة وآدم مات وعمره ٩٣٠ سنة وهذا يقال أيضًا في أحفاده مما يجعلنا نقول: لا مانع أبدًا من تعاصر نمرود، بل وأبوه مع إبراهيم ﵇.
إذن فتعمير النمرود مثل آبائه ليس بدعًا من القول.
الوجه التاسع: وعلى الفرض بأن الذي حاجه اسمه نمرود، هل هناك ما يمنع وجود نمرودٍ آخر ؟
إن التسمي بأسماء العظماء والمشاهير من الصالحين أو الجبابرة ليس بجديدٍ، بل ذلك سمة كل عصرٍ وحينٍ، فما الذي منع من وجود ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ يتسمى بنمرود؟
وخصوصًا وأنه صاحب سابقة في المجد الملكي بدأ تكوين أول مملكة في العالم من نسل حام (التكوين ٩: ٢٥ - ٢٧).
والذي يؤيد ذلك أن ما ورد في كتب التفاسير من أن الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود لم يقل أحدٌ: إنه بن كوش بن حام.
بل قيل: إنه نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وقيل: إنه نمرود بن فالخ بن
стр. 2864
عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. (١)
الوجه العاشر: عن أي نسخةٍ من التوراة تتحدثون، وبأي التواريخ تأخذون ؟
من المعلوم أن للتوراة ثلاث نسخٍ: العبرانية، واليونانية، والسامرية. فبأي نسخةٍ منها تتعبدون؟ وعلى أيها في تواريخكم تعتمدون؟
إذا قارنا بين النسخ الثلاث فيما اتفقت في ذكره من أخبارٍ وقِصص نجد بينها اختلافًا كبيرًا، وسنضرب المثال فيما يتعلق بهذا الاعتراض - وهو أمر التواريخ - وللاستزادة يراجع الجزء المتعلق بتحريف الكتاب المقدس. بعقد مقارنةٍ يسيرةٍ بين ما ورد في النسخ الثلاث في أعمار من ذُكِرُوا حين وُلِدَ لهم أولُ مولودٍ تتبين اختلافات واضحة، فمن ذلك:
الاسم ... النسخة العبرانية ... النسخة السامرية ... النسخة اليونانية
آدم ... ١٣٠ ... ١٣٠ ... ٢٣٠
شيث ... ١٠٥ ... ١٠٥ ... ٢٠٥
آنوش ... ٩٠ ... ٩٠ ... ١٩٠
قينان ... ٧٠ ... ٧٠ ... ١٧٠
يارد ... ١٦٢ ... ٦٢ ... ٢٦٢
متوشالح ... ١٨٧ ... ٦٧ ... ١٨٧
لامك ... ١٨٢ ... ٥٣ ... ١٨٨
стр. 2865
الزمان من خلق آدم إلى الطوفان ... ١٦٥٦ ... ١٣٠٧ ... ٢٢٦٢
فهذه أمثلةٌ تدل على التحريف والتناقض وعدم إمكانية الجمع أبدًا، فكيف يُحتَجُّ بكتابٍ هذا حالُه على الكتاب الذي قال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
ولا حرج أن نزيد ببعض الأمثلة التي تعكس الصورة مجسمةً بأبعادها كلِّها. نذكر من ذلك مثالين وهما:
١ - اختلاف المدة من الطوفان إلى ولادة إبراهيم ﵇: في العبرية ٢٩٢ سنة. في اليونانية ١٠٧٢ سنة. في السامرية ٩٤٢ سنة.
٢ - اختلاف المدة من خلق آدم إلى ميلاد عيسى ﵇: في العبرية ٤٠٠٤ سنة. في اليونانية ٥٨٧٢ سنة. في السامرية ٤٧٠٠ سنة.
وخلاصة هذا البحث أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتحاكم إلى التاريخ القديم، ولا التوراة، ولا الإنجيل؛ إذ ثبت - أي القرآن - أنه الثقة الحجة، وأنه هو الذي يهيمن على ما سواه، وأن قَصصه هو الحق الذي لا شك فيه.
* * * *
стр. 2866
١٠ - شبهة: الرجل الذي مات مائة سنة .
نص الشبهة:
قال المعترض: قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة: ٢٥٩]
وقد اختلف علماء الإسلام في الذي مر، فروي عن مجاهد أنه كان كافرًا شك في البعث، وهذا قول ضعيف، لقوله: كم لبثت؟ والله لا يخاطب الكافر، ولقوله: آية للناس، وهذا لا يقال في الكافر وإنما يقال في الأنبياء.
وقال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير بن شرخيا، وإنه لما رجع إلى منزله كان شابا وكان أولاده شيوخًا، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة، ولما قال لهم: أنا عزير كذبوه، فقرأ التوراة من الحفظ، ولم يحفظها أحد قبله فعرفوه بذلك، وقالوا هو ابن الله، وأمره الله أن ينظر إلى حماره كيف تفرقت عظامه، أو قال له: انظر إليه سالما كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف، كما حفظنا الطعام والشراب من التغيير.
وقال وهب بن منبه: هو إرميا بن حلقيا من سبط هارون.
واختلفوا في القرية: فقيل هي بيت المقدس، وقيل هي دير سابر أباد في فارس، وقيل: سلما باد قرية من نواحي جرجان، وقيل: هي دير هرقل بين البصرة وعسكر مكرم.
ونقول: لو كان لهذه القصة أصل في كتب الوحي الإلهي لذكر اسم الشخص، ووفر على المفسرين الظن والتخمين.
ومن تأمل في التوراة والإنجيل، لا يجد فيها شيئًا من ذلك، ولكن نجد لها أصلا في كتب اليونان القديمة، وهي حكاية أبيمنيدس الكاهن والشاعر اليوناني، وأدرجه البعض
стр. 2867
في سلك علماء اليونان السبعة عوضًا عن برياندر، ولد في كريت في القرن السابع قبل المسيح، فروى قومه وهم وثنيون أنه نام نحو ٥٧ سنة في مغارة، وفي أثنائها نزل عليه الوحي، فلما استيقظ (أو لما بعث كما قال القرآن) انذهل من تغير أحوال وطنه، وقيل: إنه عاش نحو ١٩٩ سنة، وفي سنة ٥٦٩ ق م سافر إلى أثينا بدوة من سكانها الذين تضايقوا من الحرب والطاعون، فأخبرهم أئمة ديانتهم أن سبب ذلك هو أنهم قتلوا أنصار سولون في هيكل آلهتهم، والواجب أن يكفروا عن ذنبهم، فاستدعوا أبيمنيدس المشهور بالحكمة والصلاح ليستعطف الآلهة، فأتى وقدم الذبائح وأجرى الرسوم الدينية، فوقف الطاعون، ثم عاون سولون على تنقيح نظامات أثينا، ولما عزم على العودة إلى وطنه لم يرض أن يقبل الهدايا، ولم يطلب سوى غصن شجرة زيتون.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أهداف القصة في القرآن الكريم .
الوجه الثاني: أسباب إبهام الأسماء في القرآن الكريم.
الوجه الثالث: أقوال علماء الإسلام في اسم القرية واسم المار وترجيح الصحيح.
الوجه الرابع: ليس كل ما ذكر في القرآن أصله في التوراة والإنجيل.
الوجه الخامس: من أين أتيتم بهذه القصة من كتب اليونان؟
وإليد التفصيل
الوجه الأول: أهداف القصة في القرآن الكريم.
نقول: إن للقصة في القرآن الكريم أهدافًا ومقاصد أعلى مما يتخيله هؤلاء، وبالتالي يتعرض القرآن في القصة لأشياء خاصة ويخفي أشياء أخرى، وفيما يلي نحاول أن نؤصل هذا الأصل قبل الإجابة على الاعتراضات المذكورة، فنقول وبالله تعالى التوفيق.
أولًا: قَصص القرآن ثلاثة أقسام:
١ - قسم عن الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين.
٢ - وقسم عن أفراد وطوائف، جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة
стр. 2868
مريم، ولقمان، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود وغير ذلك.
٣ - وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي ﷺ ، كقصة غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وبني قريظة، وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك.
ثانيًا: وللقصص في القرآن حكم وفوائد عظيمة: منها:
١ - بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]
٢ - بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١]
٣ - بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾ [القمر: ٣٤، ٣٥]
٤ - تسلية النبي ﷺ عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ [فاطر: ٢٥] ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ [فاطر: ٢٦]
٥ - ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين، وانتصار من أمروا بالجهاد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨] وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]
٦ - تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم، لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠].
стр. 2869
٧ - إثبات رسالة النبي ﷺ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله ، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩] وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] (١).
الوجه الثاني: أسباب الإبهام في القرآن الكريم .
والإبهام معناه: الإخفاء، فقد يخفي القرآن الكريم أسماء أشخاص أو أماكن، لا لغفلة أو نسيان، وإنما لسبب من الأسباب الآتية:
أولًا: الاستغناء ببيانه في موضع آخر كقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، فإنه مبين في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
الثاني: أن يتعين لاشتهاره كقوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولم يقل: حواء؛ لأنه ليس له غيرها.
الثالث: قصد الستر عليه؛ ليكون أبلغ في استعطافه نحو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] الآية. هو الأخنس بن شريق وقد أسلم بعد وحسن إسلامه.
الرابع: ألا يكون في تعيينه كبير فائدة نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
الخامس: التنبيه على العموم وأنه غير خاص بخلاف ما لو عُيِّن نحو: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ [النساء: ١٠٠].
стр. 2870
السادس: تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم نحو: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] والمراد الصديق في الكل.
السابع: تحقيره بالوصف الناقص نحو: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
واعلم أن علم المبهمات مرجعه النقل المحض لا مجال للرأي فيه.
فمن خلال هذا الأصل نتبين لماذا لم يسم القرآن الكريم اسم القرية أو الرجل الذي مر عليها؟ ، وستأتي أقوال العلماء في ذلك. (١)
الوجه الثالث: أقوال علماء الإسلام في اسم المار واسم القرية وترجيح الصحيح .
اختلف علماء الإسلام في اسم المار على القرية، واسم القرية أيضًا وهذا شيء بدهي أن يقع بينهم الاختلاف في مثل هذا الشيء لعدم ورود النص القاطع عن المعصوم ﷺ في تعيينه، وإليك هذه الأقوال مشفوعة بحجج كل قول ومن قال به ثم الترجيح، والله المستعان.
أولًا: اسم المار وفيه قولان:
الأول: أنه مؤمن واختلفوا في تعيينه على قولين:
الأول: أنه عزير.
وقال بهذا القول علي بن أبي طالب ﵁. (٢)
والثاني: أنه أرمياء.
وقال بهذا القول وهب بن منبه. (٣)
وحجة من قال: إنه كان مؤمنًا وكان نبيًا وجوه:
الأول: أن قوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يدل على أنه كان عالمًا بالله، وعلى أنه
стр. 2871
كان عالمًا بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة؛ لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة، فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة.
الثاني: أن قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ لا بد له من قائل، والمذكور السابق هو الله تعالى؛ فصار التقدير: قال الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فقال ذلك الإنسان: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى، ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر.
فإن قيل: لعله تعالى بعث إليه رسولًا أو ملكًا حتى قال له هذا القول عن الله تعالى.
قلنا: ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز.
الثالث: أن إعادته حيًا وإبقاء الطعام والشراب على حالهما، وإعادة الحمار حيًا بعد ما صار رميمًا مع كونه مشاهدًا لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم، وذلك لا يليق بحال الكافر له.
الرابع: أنه تعالى قال في حق هذا الشخص: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] فكان هذا وعدًا من الله تعالى بأنه يجعله نبيًا، وأيضًا فهذا الكلام لم يدل على النبوّة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى.
стр. 2872
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شابًا كاملًا إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان وقد عاد شابًا صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس؛ لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى، ونبوّة نبي ذلك الزمان؟
والجواب من وجهين:
الأول: أن قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ إخبار عن أنه تعالى يجعله آية، وهذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله، وتكلم معه، والمجعول لا يجعل ثانيًا، فوجب حمل قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ على أمر زائد عن هذا الإحياء، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلًا.
والثاني: أن وجه التمسك أن قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يدل على التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى.
الخامس: مما روي عن ابن عباس ﵁ في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرين، ومنهم عزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزير يومًا تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدًا فعجب من ذلك وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ لا على سبيل الشك في القدرة؛ بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب ونام، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عن موته أيضًا الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء: يا عزير ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ بعد الموت؟ فقال: ﴿يَوْمًا﴾ فأبصر من الشمس بقية فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما، فنظر فإذا التين والعنب كما
стр. 2873
شاهدهما ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله، وسمع صوتًا أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحًا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور عن الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجدًّا، وقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفًا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة، وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفًا، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير بن الله، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبيًا. (وهذا من الإسرائيليات) (١).
ورد آخرون هذا القول ومنهم ابن القيم ﵀ فقال:
ويظن بعض الناس أن عزيرًا هو الذي مر على قرية وهىِ خاوية على عروشها، قال: أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، ويقول: إنه نبي، ولا دليل على هاتين المقدمتين ويجب التثبت في ذلك نفيًا وإثباتًا (٢).
والثاني: أنه رجل كافر شك في البعث، وحجة هذا القول وجوه:
الأول: أن الله حكى عنه أنه قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة، وذلك كفر.
فإن قيل: يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ.
стр. 2874
قلنا: لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه؛ إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك؛ بل كان بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورًا، وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل، فيقول: متى يقلبه الله ذهبًا، أو ياقوتًا؟ لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى؛ بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات، فكذا ها هنا.
الثاني: قالوا: إنه تعالى قال في حقه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلًا له، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلًا له قبل ذلك، فأما إن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلًا فهو ممنوع.
الثالث: أول قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت، وأنه كان خاليًا عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلًا قبل ذلك.
الرابع: أنه انتظم مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضًا؛ لأن قبله وإن كان قصة نمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم، فوجب أن يكون نبيًا من جنس إبراهيم، (وأيضًا مما يؤيد ذلك ما بين قصته وقصة إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي، فإنَّ كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر، وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جدًّا) (١).
وبعد عرض هذه الأقوال وذكر حجج كل لا نستطيع الجزم بترجيح واحد منها على
стр. 2875
الآخر، والسبب معروف ولطالما كررناه أننا لا نستطيع قول شيء بغير بينة ودليل وخاصة في الأمور الغيبية.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أن الله - تعالى ذكره - عجَّب نبيه ﷺ ممن قال - إذ رأى قرية خاوية على عروشها - "أنى يحيي هذه الله بعد موتها"، مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شيء، فلم يقنعه علمه بقدرته على ابتدائها حتى قال: أنى يحييها الله بعد موتها! ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَلِهِ البيان على اسم قائل ذلك. وجائز أن يكون ذلك عزيرًا، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه؛ إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت - من قريش، ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب - وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه نبيه محمدًا ﷺ على ما يزيل شكهم في نبوته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد ﷺ في كتابه، من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد ﷺ وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد ﷺ وقومه منهم؛ بل كان أميا وقومه أميون، فكان معلوما بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجَرِه، أن محمدًا ﷺ لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه. ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك، لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبًا يقطع العذر ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذم قِيله، فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه. (١)
قلت: ما أحسن هذا الكلام وأجمله وأقطعه لكل اعتراض وشبهة.
ثانيًا: اسم القرية، وفيها قولان:
الأول: أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر، وهو المشهور.