كان عالمًا بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة؛ لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة، فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة.
الثاني: أن قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ لا بد له من قائل، والمذكور السابق هو الله تعالى؛ فصار التقدير: قال الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فقال ذلك الإنسان: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى، ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر.
فإن قيل: لعله تعالى بعث إليه رسولًا أو ملكًا حتى قال له هذا القول عن الله تعالى.
قلنا: ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز.
الثالث: أن إعادته حيًا وإبقاء الطعام والشراب على حالهما، وإعادة الحمار حيًا بعد ما صار رميمًا مع كونه مشاهدًا لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم، وذلك لا يليق بحال الكافر له.
الرابع: أنه تعالى قال في حق هذا الشخص: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] فكان هذا وعدًا من الله تعالى بأنه يجعله نبيًا، وأيضًا فهذا الكلام لم يدل على النبوّة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى.
стр. 2872
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شابًا كاملًا إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان وقد عاد شابًا صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس؛ لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى، ونبوّة نبي ذلك الزمان؟
والجواب من وجهين:
الأول: أن قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ إخبار عن أنه تعالى يجعله آية، وهذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله، وتكلم معه، والمجعول لا يجعل ثانيًا، فوجب حمل قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ على أمر زائد عن هذا الإحياء، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلًا.
والثاني: أن وجه التمسك أن قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يدل على التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى.
الخامس: مما روي عن ابن عباس ﵁ في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرين، ومنهم عزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزير يومًا تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدًا فعجب من ذلك وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ لا على سبيل الشك في القدرة؛ بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب ونام، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عن موته أيضًا الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء: يا عزير ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ بعد الموت؟ فقال: ﴿يَوْمًا﴾ فأبصر من الشمس بقية فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما، فنظر فإذا التين والعنب كما
стр. 2873
شاهدهما ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله، وسمع صوتًا أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحًا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور عن الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجدًّا، وقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفًا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة، وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفًا، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير بن الله، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبيًا. (وهذا من الإسرائيليات) (١).
ورد آخرون هذا القول ومنهم ابن القيم ﵀ فقال:
ويظن بعض الناس أن عزيرًا هو الذي مر على قرية وهىِ خاوية على عروشها، قال: أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، ويقول: إنه نبي، ولا دليل على هاتين المقدمتين ويجب التثبت في ذلك نفيًا وإثباتًا (٢).
والثاني: أنه رجل كافر شك في البعث، وحجة هذا القول وجوه:
الأول: أن الله حكى عنه أنه قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة، وذلك كفر.
فإن قيل: يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ.
стр. 2874
قلنا: لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه؛ إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك؛ بل كان بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورًا، وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل، فيقول: متى يقلبه الله ذهبًا، أو ياقوتًا؟ لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى؛ بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات، فكذا ها هنا.
الثاني: قالوا: إنه تعالى قال في حقه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلًا له، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلًا له قبل ذلك، فأما إن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلًا فهو ممنوع.
الثالث: أول قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت، وأنه كان خاليًا عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلًا قبل ذلك.
الرابع: أنه انتظم مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضًا؛ لأن قبله وإن كان قصة نمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم، فوجب أن يكون نبيًا من جنس إبراهيم، (وأيضًا مما يؤيد ذلك ما بين قصته وقصة إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي، فإنَّ كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر، وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جدًّا) (١).
وبعد عرض هذه الأقوال وذكر حجج كل لا نستطيع الجزم بترجيح واحد منها على
стр. 2875
الآخر، والسبب معروف ولطالما كررناه أننا لا نستطيع قول شيء بغير بينة ودليل وخاصة في الأمور الغيبية.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أن الله - تعالى ذكره - عجَّب نبيه ﷺ ممن قال - إذ رأى قرية خاوية على عروشها - "أنى يحيي هذه الله بعد موتها"، مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شيء، فلم يقنعه علمه بقدرته على ابتدائها حتى قال: أنى يحييها الله بعد موتها! ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَلِهِ البيان على اسم قائل ذلك. وجائز أن يكون ذلك عزيرًا، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه؛ إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت - من قريش، ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب - وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه نبيه محمدًا ﷺ على ما يزيل شكهم في نبوته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد ﷺ في كتابه، من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد ﷺ وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد ﷺ وقومه منهم؛ بل كان أميا وقومه أميون، فكان معلوما بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجَرِه، أن محمدًا ﷺ لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه. ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك، لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبًا يقطع العذر ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذم قِيله، فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه. (١)
قلت: ما أحسن هذا الكلام وأجمله وأقطعه لكل اعتراض وشبهة.
ثانيًا: اسم القرية، وفيها قولان:
الأول: أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر، وهو المشهور.
стр. 2876
قال بهذا القول: وهب بن منبه (١)
والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت. (٢)
وكما هو واضح لا دليل على تعيين اسم القرية، ووقع الخلاف بين المفسرين في التعيين (وهو اختلاف لا طائل تحته؛ إذ لم يثبت فيه شيء عن معصوم؛ والمقصود العبرة بما في هذه القصة - لا تعيين الرجل، ولا القرية - ومثل هذا الذي يأتي مبهمًا، ولم يعين عن معصوم، طريقنا فيه أن نبهمه كما أبهمه الله ). (٣)
الوجه الرابع: ليس كل ما ذكر في القرآن موجود أصله في التوراة والإنجيل
عجيب حقًّا أمر هؤلاء، يدَّعون أنه ينبغي أن نرجع إلى كتبهم لكي نفهم ما في القرآن الكريم ومتى حصل ذلك؟ وفي أي قضية كان هذا؟ .
إن الله أنزل القرآن مهيمنا على الكتب السابقة له، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] فالقرآن لا يحتاج إلى شيء من كتبكم لكي تفهم معانيه وألفاظه. (٤)
الوجه الخامس: من أين أتيتم بهذه القصة من كتب اليونان ؟
ومن أين أتيتم بكتب اليونان واستخرجتم منها هذه القصة، أين مكانها؟ وما هو المصدر الذي نقلتم عنه بالضبط؟ أليس هذا من أصول البحث العلمي، عزو الأقوال إلى مصادرها؟ أم تكتفون فقط بإلقاء الكلام على عواهنه دون خطام أو زمام؟ نبئونا بعلم إن كنتم صادقين؟ (٥).
* * *
стр. 2877
١١ - شبهة: شك إبراهيم ﵇ -.
نص الشبهة:
قال المعترض: يقول تعالى في سورة البقرة ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
قالوا: مهما حاول المفسرون الاعتذار عن شك إبراهيم في قدرة الله على إحياء الموتى، فعبارة القرآن ناطقة بوقوع الشك منه في قدرة الله، وإلا لما قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، وعن أبي هريرة أن محمدًا قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي".
وكتاب الله (يقصد كتابه المقدس) يعلمنا أن إبراهيم لم يشك في قدرة الله؛ بل يُضرب بإيمانه المثل، ولذا سمي أبو المؤمنين، ولما أمره الله أن يذبح ابنه الوحيد أطاع الأمر، مع أنه كان هرما وامرأته متقدمة في السن.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: فضل إبراهيم في القرآن والسنة.
الوجه الثاني: اليقين عند إبراهيم ﵇.
الوجه الثالث: المقصود من سؤال إبراهيم ﵇ لربه.
الوجه الرابع: ماذا قال الكتاب المقدس عن إبراهيم ﵇؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل إبراهيم ﵇ في القرآن والسنة .
١ - كان قوم إبراهيم ﵇ يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط ﵇.
стр. 2878
وكان الخليل ﵇ هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال، فإن الله آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولًا، واتخذه خليلًا في كبره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ أي أهلًا لذلك.
٢ - فبدأ إبراهيم بالدعوة إلى توحيد الله ، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ١٦ - ٢٧].
٢ - ووصفه الله تعالى بأنه كان صديقًا نبيًا، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرًا من رزق أو نصر؟ فقال تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)
إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] (١).
الوجه الثاني: اليقين عند إبراهيم ﵇ -.
ولقد حقق إبراهيم ﵇ اليقين الكامل بالله تعالى وذلك من خلال الاختبارات التي نجح فيها إبراهيم ﵇ منها:
أولًا: أنه لما أمسكه قومه، وأرادوا إحراقه بالنار، ووضعوه في كفة المنجنيق مقيدًا مكتوفًا ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] (٢).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
ثانيًا: لما هاجر إلى مصر، وحصل ما حصل من أمر الجبار.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتان منهم في ذات الله قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا
стр. 2882
تكذبيني، فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ فقال: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال: ادعى الله لي ولا أضرك فدعت فأطلق فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم؟ فقالت: رد الله كيد الكافر - أو الفاجر - في نحره وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة ﵁: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (١).
ثالثًا: ولما أمره الله تعالى بالهجرة بزوجته هاجر وولدها إسماعيل، استسلم لأمر الله تعالى ووضعهما في أرض مكة ولم يكن بها إذ ذاك حياة ولا أنيس ولا ونيس.
عن ابن عباس ﵁ قال: أو لما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقًا لتعفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء. فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي
стр. 2883
تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵁: قال النبي ﷺ : "لذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا، قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله". (١)
رابعًا: ولما أمر ببناء البيت استجاب إبراهيم وولده إسماعيل لأمر الله تعالى:
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ يمينه وعن شماله، ولما قدم إبراهيم على إسماعيل قال له: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
стр. 2884
خامسًا: ولما أمر بذبح ولده إسماعيل، بعد الانتظار الطويل، وبعد أن جاءه الولد على كبر العمر، وتشوق نفسه له، أسرع إبراهيم في تنفيذ الأمر ولم يتوان لحظة واحدة.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣].
وهذا اختبار من الله لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد فقر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجًا ومخرجًا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.
ثم عرض ذلك على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذبحه قهرا: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. . .﴾ [الصافات: ١٠٢]، فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم فقال: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ قيل: "أسلما" أي استسلما لأمر الله وعزم على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر والمعنى: "تله للجبين" أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا
стр. 2885
يشاهده في حال ذبحه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقًا بالأرض. "وأسلما" أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت. قال السدي وغيره: أمرَّ السكين على حلقه فلم تقطع شيئًا. ويقال: جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس، والله أعلم.
فعند ذلك نودي من الله : ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلت ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان! ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار الظاهر البين.
وقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: جعلناه فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير، فأخذه إبراهيم وذبحه عوضًا عن ولده إسماعيل.
هذا هو الظاهر من القرآن؛ بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
الوجه الثالث: المقصود من سؤال إبراهيم ﵇ لربه -.
أولًا: قال الجمهور: إن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكًا في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة.
وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل ﵇. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة؟
стр. 2886
ثانيًا: والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا، وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكًا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون ﴿كَيْفَ﴾ خبرًا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، ﴿كَيْفَ﴾ نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، و ﴿كَيْفَ﴾ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة (١).
ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه، وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل: فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقال اللعين: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٤٠]، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟ ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب، والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله:
стр. 2887
﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ وطلب مشاهدة الكيفية. (١)
ثالثًا: وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ومعناه إيمانًا مطلقًا دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليه ألف التقرير، و ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ معناه ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال ﵇: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا"، الحديث، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها؛ بل هي فكر فيها عبر، فأراد الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة، وإما قول النمرود: أنا أحيي وأميت، وقال الطبري: معنى ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقينًا وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيمانًا مع إيماني. (٢)
رابعًا: وقال آخرون سأل ذلك ربه؛ لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. وعن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها، وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾؟ وذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".
وهذا مردود فأما قول ابن عباس ﵁: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت، به، ولهذا قال النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة"، وأما قول النبي ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن
стр. 2888
أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم (١).
الوجه الرابع: ماذا قال الكتاب المقدس عن إبراهيم ؟
إبراهيم يكذب:
ففي سفر التكوين (١٢/ ١٣: ١١): وَحَدَثَ لمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: "إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ. ١٢ فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. ١٣ قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ.
* * *
стр. 2889
سورة آل عمران
وفيها:
١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.
٢ - شبهة: حول كفالة زكريا لمريم.
٣ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.
٤ - شبهة: حول وفاة عيسى ﵇.
٥ - شبهة: وجاهة المسيح في الدنيا والآخرة.
٦ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾.
стр. 2890
١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ .
نص الشبهة:
قيل: إذا كان في القرآن ما يخالف ما في التوراة والإنجيل من النسخ وغيره فكيف يقال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣].
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الآية دليل على تحريف الكتاب المقدس .
الوجه الثاني: المعنى الصحيح للآية .
الوجه الثالث: من الأدلة على تحريف الكتاب المقدس.
الوجه الرابع: القرآن جاء مهيمنًا على كل الكتب السابقة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الآية دليل على تحريف الكتاب المقدس.
إن هذه الآية دليل على التحريف لا على عدم التحريف وبيان ذلك:
أن هذا المتكلم إن استدل بهذه الآية، فلا بد أن تكون أصول الكتابين متفقة حتى يكون القرآن مصدقًا للكتاب المقدس بعهديه، والواقع أن ما في القرآن مخالف في أغلبه وأكثره أصولًا وفروعًا لما في الكتاب المقدس.
إذا ثبت هذا: فإما أن يكون القرآن محرفًا وهذه الآية خطأ وهذا باطل، وقد قامت الأدلة على ضد ذلك. وإما أن يكون الكتاب المقدس قد حرف وغُير؛ لأن ما في القرآن يختلف معه وهو ما تدل عليه هذه الآية وهو المراد، والله أعلم.
الوجه الثاني: المعنى الصحيح للآية.
قول الله : ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣].
فالقرآن نزل مصدقًا لما تقدمه من الكتب وخاصة إذا كانت هذه الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه، وأنها تصير منسوخة عند نزول
стр. 2891
القرآن كانت موافقة للقرآن، فكان القرآن مصدقًا لها، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدقٌ لها؛ لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل (١).
فالقرآن مصدق لما معكم أي: موافق بالتوحيد وصفة محمد ﷺ ونعته وبعض الشرائع لما معكم من الكتاب، فأمرهم الله بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم أن في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة؛ لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد ﷺ وتصديقه واتباعه نظير الذي من ذلك في الإنجيل والتوراة، ففي تصديقهم بما أنزل على محمد تصديق منهم لما معهم في التوراة، وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما معهم من التوراة، وتقييد المنزل بكونه مصدقًا لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال، فإذا إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعًا (٢).
فاعلموا أن كل ما عورض به الحق المتيقن ليبطل به أو عورض به دون الكذب المتيقن ليصحح به؛ فإنما هو شغب وتمويه وتخييل فاسد بلا شك؛ لأن اليقين لا يمكن البتة في البينة أن يتعارضا أبدًا.
أما إقرارنا بالتوراة والإنجيل فنعم، وأي معنى لتمويهكم بهذا ونحن لم ننكرهما قط؛ بل نُكفر من أنكرها، إنما قلنا: إن الله أنزل التوراة على موسى ﵇ حقًا، وأنزل الزبور على داود ﵇ وأنزل الإنجيل على عيسى ﵇ حقًا، وأنزل الصحف على إبراهيم وموسى ﵉ حقًا، وأنزل كتبًا لم تسم لنا على أنبياء لم يسمو لنا حقًّا نؤمن بكل ذلك؛ قال تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ [الشعراء: ١٩٦].
وقلنا ونقول: إن كفار بني إسرائيل بدلو االتوراة والزبور فزادوا ونقصوا، وأبقى الله -
стр. 2892
تعالى - بعضها حجة عليهم كما شاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣] , ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١].
وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله - تعالى - بعضها حجة عليهم كما شاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، فدرس ما بدلوا من الكتب المذكورة ورفعه الله تعالى، كما درست الصحف وكتب سائر الأنبياء جملة، فقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] نعم هذا عموم قام البرهان على أنه مخصوص، وأنه تعالى إنما أراد مصدقًا لما معكم من الحق لا يمكن غير هذا؛ لأننا بالضرورة ندري أن معهم حقًّا وباطلًا ولا يجوز تصديق الباطل البتة، فصح أنه إنما أنزله تعالى مصدقًا لما معهم من الحق.
وقد قلنا: إن الله أبقى في التوراة والإنجيل حقًّا ليكون حجة عليهم وزائدًا في خزيهم وبالله التوفيق، فبطل تعلقهم بشيء مما ذكرنا، والحمد لله رب العالمين (١).
الوجه الثالث: من الأدلة على تحريف الكتاب المقدس .
بما أنهم استدلوا من القرآن الكريم على صحة الكتاب المقدس، وأن القرآن جاء مصدقًا لهذا الكتاب، فكذلك جاء القرآن بذكر تحريف الكتاب المقدس وبالأصح الكتب السابقة، فههنا آيات من القرآن الكريم ذكر الله وبين فيها تحريف الكتب السابقة ومن هذه الآيات:
قوله : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
стр. 2893
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩].
أي: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. . . ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون؛ وذلك إخبار من الله - جل ثناؤه - عن إقدامهم على البهت، ومناجاتهم العداوة لرسوله موسى ﷺ ، وأن بقاياهم من مناجاتهم العداوة لله ولرسوله محمد ﷺ بغيًا وحسدًا على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك في عصر موسى ﵇ (١).
فهذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالاتهم لا تقتضي الطمع فيهم فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه فيضعون له معاني ما أرادها الله؛ ليوهموا الناس أنها من عند الله وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله، فكيف يرجى منهم إيمانهم لكم؟ فهذا من أبعد الأشياء، فحال المنافقين من أهل الكتاب أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ , فأظهروا لهم الإيمان قولًا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم؛ قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: تظهرون لهم الإيمان وتخبرونهم أنكم مثلهم فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟ يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق، وما هم عليه باطل فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي أفلا يكون لكم عقل فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾، فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين؛ فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم
стр. 2894
سرهم وعلنهم فيظهر لعباده ما أنتم عليه ﴿وَمِنْهُمْ﴾ ومن أهل الكتاب ﴿أُمِّيُّونَ﴾ أي: عوام ليسوا من أهل العلم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي: ليس لهم حظ من كتاب إلا التلاوة فقط، وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم، وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم. فذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
توعد تعالى المحرفين للكتاب الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق؛ وإنما فعلوا ذلك مع علمهم ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركًا يصطادون به ما في أيدي الناس فظلموهم من وجهين:
من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق؛ بل إبطال الباطل أعظم ممن يأخذها غصبًا وسرقة ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من التحريف والباطل ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ضمنها الوعيد الشديد (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨].
إن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن موضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به؛
стр. 2895
ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله. وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله (١).
الوجه الرابع: القرآن جاء مهيمنًا على كل الكتب السابقة .
كما ذكر في القرآن أنه جاء مصدقًا للكتب السابقة فكذلك ذكر في القرآن أنه جاء مهيمنًا على الكتب السابقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ. .﴾ [المائدة: ٤٨].
هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ يقول - تعالى ذكره -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد الكتاب وهو القرآن الذي أنزله عليه، ويعني بقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد مصدقًا للكتب قبله وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله أمينًا عليها حافظًا لها، وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده قد هيمن فلان عليه فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن (٢).
فاسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله. جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكماليات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. (٣)، والقرآن جاء مهيمنًا على الكتب؛ لأنه الكتاب الذي لا يصير
стр. 2896
منسوخًا البتة ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق، باقية أبدًا فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدًا. (١)
* * * *
стр. 2897
٢ - شبهة: كفالة زكريا لمريم .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
قالوا: إن زكريا هو الذي كفل مريم، ووضعها في محراب، وكان يغلق عليها سبعة أبواب، فإذا دخل عليها المحراب وجد عندها فاكهة في غير وقتها، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وقالوا: كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول زكريا: يا مريم أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، تكلمت وهي صغيرة في المهد كما فعل ولدها عيسى ﵇.
وقال محمد بن إسحاق: أصابت بني إسرائيل أزمة حتى ضعف زكريا عن حملها وكفالتها، فاقترعوا على كفالتها فوقعت القرعة على نجار يقال له يوسف، فعرفت مريم في وجهه شدة، فقالت له: يا يوسف، أحسن بالله الظن، فإنه سيرزقنا، فإذا أتاها بشيء أنماه الله وزاده، فيدخل زكريا عليها فيقول: يا مريم أنى لك هذا؟ فتقول هو من عند الله.
فنقول:
١ - من تتبع جدول نسب مريم العذراء يجد أنها من نسل داود، أي من النسل الملوكي، فقول القرآن أن زكريا كان يكفلها خطأ.
٢ - أخطأ أيضًا في قوله: إن الله كان يأتيها بفاكهة في غير أوانها من الجنة، فإن الجنة ليست محل أكل وشرب، ونعيمها لا يقوم بالملاذ المادية الجسدية، بل كل شهواتها روحية.
٣ - يخبرنا الكتاب المقدس أن القديسة مريم كانت مخطوبة ليوسف، فوجدت حبلى من الروح القدس قبل أن يجتمعا، فظهر له الله في رؤيا وأخبره أن الذي حبل به فيها هو الروح القدس، وسيدعى اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (متى: ١).
стр. 2898
٤ - كان الشرع اليهودي يحرم وجود امرأة داخل الهيكل، ولكنهم يقولون: إن مريم كانت مقيمة بالهيكل، وهذا خطأ لا يقع فيه من كان على علم بحقائق الشريعة اليهودية.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الدليل على أن زكريا هو الذي كفل مريم .
الوجه الثاني: لماذا خص زكريا ﵇ بكفالة مريم ﵍؟
الوجه الثالث: بيان ضعف ما ذكره ابن إسحاق من أن جريجًا كفل مريم.
الوجه الرابع: بعض فضائل السيدة مريم ﵍.
الوجه الخامس: الرد على قولهم: إن مريم كانت مخطوبة ليوسف النجار.
الوجه السادس: وماذا قالوا عن مريم في الكتاب المقدس؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الدليل على أن زكريا هو الذي كفل مريم.
الأول: تصريح القرآن بذلك؛ قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
الثاني: عن طريق الاستهام؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤].
قال الطبري: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ مشددة "الفاء" بمعنى: وكفَّلها الله زكريا، بمعنى: وضمها الله إليه؛ لأن زكريا أيضًا ضمها إليه بإيجاب الله له، ضمَّها إليه بالقُرْعة التي أخرجها الله له، والآية التي أظهرَها لخصومه فيها، فجعله بها أولى منهم، إذ قَرَعَ فيها من شاحَّه فيها، وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومَه في مريم إذ تنازعوا فيها أيهم تكونُ عنده، تساهموا بقِدَاحهم، فرموا بها في نهر الأردنّ. فقال بعض أهل العلم: ارْتزّ قدح زكريا، فقام ولم يجر به الماء، وجرى بقدَاح الآخرين الماء، فجعل الله ذلك لزكريا علَمًا أنه أحق المتنازعين فيها بها.
стр. 2899
وقال آخرون: بل اصّاعدَ قدح زكريا في النهر، وانحدرت قداحُ الآخرين مع جرية الماء وذهبت، فكان ذلك له علَمًا من الله في أنه أولى القوم بها.
قال أبو جعفر: وأيّ الأمرين كان من ذلك، فلا شك أن ذلك كان قضاءً من الله بها لزكريا على خصومه، بأنه أولاهم بها، وإذْ كان ذلك كذلك فإنما ضمها زكريا إلى نفسه بضمّ الله إياها إليه بقضائه له بها على خصومه عند تَشاحِّهم فيها، واختصامهم في أولاهم بها (١).
قال ابن كثير: ثم قال تعالى لرسوله ﷺ بعدما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي: نقصه عليك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبرهم عنهم معاينة عما جرى؛ بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرًا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.
قلت: وذكر أثرًا عن عكرمة، ثم قال: وقد ذكر عكرمة أيضًا، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، وغير واحد - دخل حديث بعضهم في بعض - أنهم دخلوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه فأيهم ثبت في جَرْية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا ثبت، ويقال: إنه ذهب صُعُدًا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم، وعالمهم وإمامهم ونبيهم ﷺ وعلى سائر النبيين والمرسلين. (٢)
قال قتادة: قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقَرَعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾
стр. 2900
﴿فكفَّلها زكريا﴾؛ يقول: ضمها إليه. (١)
الوجه الثاني: لماذا خص زكريا ﵇ بكفالة مريم ﵍ ؟
١ - لتنال شرف العلم.
قال ابن كثير: وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا. (٢)
٢ - لصلة القرابة (من النسب).
فهما من ذرية واحدة وهى ذرية سليمان بن داود (٣).
٣ - لصلة القرابة (من المصاهرة).
(فهو زوج أختها): عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: "ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح" (٤). وبه قال قتادة (٥)، وهو قول الجمهور (٦).
(وقيل: كان زوج خالتها) وعلى هذا كانت في حضانة خالتها، والخالة بمنزلة الأم. وقيل: إن زكريا ﵇ كان زوج خالتها.
فعلى هذا كانت في حضانة خالتها، والخالة بمنزلة الأم.
стр. 2901
عن البراء بن عازب ﵁: لما خرج النبي ﷺ من مكة في صلح الحديبيةَ تَبِعَتْهُم ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي يَا عَمِّ! يَا عَمِّ! ، فتنَاوَلَهَا عَليٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍: "دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ احْمِلِيهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عِليٌّ، وَزَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ، قَالَ عِليٌّ: أَلا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ لِخَالَتِهَا؛ وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، وَقَالَ لِعَليٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (١).
قال ابن حجر: قَوْله: (وَخَالَتُهَا تَحْتِيّ) أَيْ: زَوْجَتِي، وَقَالَ: الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، أَيْ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّهَا تَقْرُبُ مِنْهَا فِي الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى مَا يُصْلِحُ الْوَلَدَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق، وهي بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ لَا أَنَّهَا أُمٌّ حَقِيقِيَّةٌ (٢).
وعن قتادة قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم. قال: فتشاحَّ عليها أحبارُهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها. قال قتادة: وكان زكريا زوجَ أختها فكفلها، وكانت عنده وَحضَنَها (٣).
وعن ابن مسعود، وابن عباس ﵄، وناس من الصحابة: أن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤا إليهم بإنسان يجبرونه اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ وكان نبيهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها قال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تحتي أختها فأبوا، فخرجوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية (٤).
قوله: (خالتها) يعني زوجته (إيشاع) أخت حنة، لكن تقدم أنها أخت مريم، وقال ﷺ
стр. 2902
في يحيى وعيسى: "هما ابنا خالة"، وعند أبي السعود قيل في تأويل ذلك: إن الأخت كثيرًا ما تطلق على بنت الأخت الأخرى؛ فجرى الحديث على ذلك، وقيل: إن (إيشاع) أخت حنة من الأم، وأخت مريم من الأب؛ بأن نكح عمران أم حنة فولدت (إيشاع)، ثم نكح حنة، ثم نكح ربيبته فولدت مريم بناء على حِل نكاح الربائب عندهم (١).
وقال الشيخ مصطفي العدوي: هذا القول في حال ثبوته يمكن توجيهه بأن يقال: إن خالة الأم يطلق عليها خالة أيضًا، وعلى ذلك يكون يحيى ومريم ابني خالة، ومن ثم يكون يحيى وعيسى ابني خالة؛ لكون يحيى ابن خالة أمه مريم، والله تعالى أعلم (٢).
وقال أبو حيان الأندلسي: والذي عليه الناس أن زكريا إنما كفلها بالاستهام، ولم يدل القرآن على أن غير زكريا كفلها، وكان زكريا أولى بكفالتها؛ لأنه من أقربائها من جهة أبيها، ولأن خالتها أو أختها تحته، على اختلاف القولين، ولأنه كان نبيًا، فهو أولى بها لعصمته (٣).
الرد على اعتراضهم أنه وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف والعكس، وأن هذا من الجنة.
أولًا: لم يصح في ذلك شيء مرفوع إلى النبي ﷺ .
ثانيًا: الصحيح ما جاء عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجد عندها ثمرة في غير زمانها (٤).
ثالثًا: لم يصح في تحديد نوع الثمرة شيء.
رابعًا: لم يصح أنها كانت من ثمار الجنة، وأما ما جاء عن ابن عباس في ذلك فلا يصح (٥).
خامسًا: على قول جمهور المفسرين أنه كان عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فما المانع من ذلك؟ فقد اصطفاها الله وكرمها الله ببعض
стр. 2903
الكرامات وهذه منها.
الوجه الثالث: بيان ضعف ما ذكره ابن إسحاق من أن جريجًا كفل مريم .
قال محمد بن إسحاق: كفلها بعد هلاك أمها فضمها إلى خالتها أم يحيى، حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنَذْر أمها الذي نذرت فيها، فجعلت تنبت وتزيد. قال: ثم أصابت بني إسرائيل أزْمة وهي على ذلك من حالها، حتى ضعف زكريا عن حملها، فخرج على بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل، أتعلمون؛ والله لقد ضعفتُ عن حَمل ابنة عمران، فقالوا: ونحن لقد جُهِدنا وأصابنا من هذه السنة ما أصابكم، فتدافعوها بينهم، وهم لا يرون لهم من حملها بُدًا، حتى تقارعوا بالأقلام، فخرج السّهم بحملها على رجل من بني إسرائيل نجار يقال لهُ جريج، قال: فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فكانت تقول له: يا جريج، أحسن بالله الظن؛ فإن الله سيرزقنا فجعل جريج يرزق بمكانها، فيأتيها كلّ يوم من كسبه بما يُصلحها، فإذا أدخله عليها وهي في الكنيسة، أنماه الله وكثَّره، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلًا من الرزق، وليس بقدر ما يأتيها به جُريج، فيقول: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
الوجه الرابع: بعض فضائل السيدة مريم ﵍ .
١ - الاصطفاء والطهارة .
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
٢ - الحفظ والرعاية .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ
стр. 2904
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٧].
عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).
٣ - وصفها بالصدق .
قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
٤ - وصفها بالكمال والخيرية .
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". (٢)
وعن عِليٍّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ" (٣).
الوجه الخامس: الرد على قولهم: إن مريم كانت مخطوبة ليوسف النجار .
قال الآلوسي: وزعم بعض النصارى - قاتلهم الله تعالى - أنها بعد أن ولدت عيسى تزوجت بيوسف النجار وولدت منه ثلاثة أبناء، والمعتمد عليه عندهم أنها كانت في حال الصغر خطيبة يوسف النجار وعقد عليها ولم يقربها، ولما رأى حملها بعيسى ﵇ هم
стр. 2905
بتخليتها فرأى في المنام ملكًا أوقفه على حقيقة الحال، فلما ولدت بقيت عنده مع عيسى ﵇ فجعل يربيه ويتعهده مع أولاد له من زوجة غيرها، فأما هي فلم يكن يقربها أصلًا، والمسلمون لا يسلمون أنها كانت معقودًا عليها ليوسف، ويسلمون أنها كانت خطيبته، وأنه تعهدها وتعهد عيسى ﵇، ويقولون: كان ذلك لقرابته منها.
قال القرطبي: وذكر أيضًا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار، كان يخدم معها في المسجد وطوَّل في ذلك.
قال الكلبي: قيل ليوسف - وكانت سميت له أنها حملت من الزنى - فالآن يقتلها الملك، فهرب بها، فهم في الطريق بقتلها فأتاه جبريل ﵇ وقال له: إنه من روح القدس، قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف.
الوجه السادس: وماذا قالوا عن مريم في الكتاب المقدس ؟
مريم نبية ومع ذلك تضرب بالدف:
(الخروج ٥/ ٢٠): أَخَذَتْ مَرْيَمُ النَّبِيَّةُ أُخْتُ هَارُونَ الدُّفَّ بِيَدِهَا، وَخَرَجَتْ جَمِيعُ النِّسَاءِ وَرَاءَهَا بِدُفُوفٍ وَرَقْصٍ.
أقول: أنا أعتقد أن اليهود حينما سخروا من مريم ﵍ أم المسيح فقالوا لها: يا أخت هارون، أعتقد أنهم كانوا يهزءون بها ويشبهونها بمريم التي هي أخت هارون فعلًا، والتي أخطأت فجزاها الله بمرض البرص، والقرآن حينما يتحدث عن قول اليهود لها: يا أخت هارون؛ كانوا يشبهونها بأخت هارون وموسى التي أخطأت، ويشبهون خطيتها بخطية مريم التي أبوها عمران وأمها يوكابد (التي هي عمة أبوها) أخت موسى ﵇ وهارون ﵇، وهذا ظني، والله تعالى أعلى وأعلم.
* * *
стр. 2906
٣ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ .
نص الشبهة:
يقول: في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥] فجاء ضمير الهاء في اسمه مذكرًا، وهو عائد على (كلمة) المؤنثة.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ فذكَّر، ولم يقل اسمها فيُؤنِّث، والكلمة مؤنثة؛ لأن (الكلمة) غير مقصود بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى "فلان"، وإنما هي بمعنى البشارة. (١) أي: أن الضمير جاء مذكرًا من أجل المعنى إذ "الكلمة": عبارة عن ولد (٢). أي: لأن المسمى بها مذكرًا (٣).
الوجه الثاني: (ما يضاف من المذكر إلى المؤنث فيحمل مرة على لفظ المذكر فيذكر، ومرة على لفظ المؤنث فيؤنث).
من ذلك ما جاء في أشعار العرب من هذا الباب قول الأعشى (٤).
وتَشْرَق بالقَوْلِ الذي قَدْ أذَعْنَت ... كما شَرِقتْ صَدْرُ القَنَاةِ من الدَّمِ
فقال ابنُ سِيده: إِنما أنَّثَهُ على المعنى؛ لأنّ صَدْرَ القَنَاةِ من القَنَاةِ وهو كقَوْلهم: ذَهَبتْ بعضُ أصابِعِه؛ لأنهم يُؤنِّثُونَ الاسمَ المضافَ إلى المُؤَنَّثِ. والصُّدْرَةُ بالضَّمّ: الصَّدْرُ أو صُدْرَةُ الإِنْسَانِ: ما أَشْرَفَ من أعلَاه. أي أعْلَى صَدْرِه وعليه اقتصرَ الأَزْهَرِيّ قال: ومنه الصُّدْرَةُ التي تُلْبَسُ وهو (ثَوبٌ) , أي معروف (٥).
* * *
стр. 2907
٤ - شبهة: حول وفاة عيسى ﵇ -.
نص الشبهة:
يقول: في الآية: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾.
والسؤال: كيف توفاه الله ورفعه؟ ، وفي الآية دليل على مسألة الصلب.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان المعاني التي ذُكرت في الوفاة .
الوجه الثاني: الرد على من قال بأن الوفاة في الآية بمعنى الموت.
الوجه الثالث: بطلان قضية الصلب.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان المعاني التي ذكرت في الوفاة.
أولًا: الوفاة بمعنى: المنية، والوفاة: الموت، وتُوفي فلان، وتوفاه الله إذا قبض نفسه أو روحه، وقيل: توفي: استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا، وتوفيت المال منه واستوفيته: إذا أخذته كله، وتوفيت عدد القوم: إذا عددتهم كلهم، وأنشد أبو عبيدة كمنظور الوبري:
إن بني الأدرم ليسوا من أحد ... ولا توفاهم قريش في العدد
أي: لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم؛ ومن هذا قول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: يستوفي مدد آجالهم في الدنيا، وقيل: يستوفي تمام عددهم إلى يوم القيامة، وأما توفي النائم فهو استيفاء وقت عقله وتمييزه إلى أن نام.
قال الزجاج في قول الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ قال: هو من توفية العدد أي: يقبض أرواحكم أجمعين فلا ينقص واحد منكم؛ كما تقول: قد استوفيت من فلان وتوفيت منه مالي عليه، تأويله: أي لم يبق عليه شيء.
وأما الموافاة: فهي مأخوذة من قولك: أوفيته حقه ووفيته حقه ووافيته حقه؛ كل ذلك
стр. 2908
بمعنى أفعلت وفعلت في حروف بمعنى واحد.
قال بشر بن أبي حازم:
كأن الأتحمية قام فيها ... لحسن دلالها رشأ موافي
قال الباهلي: موافي مثل مفاجي، وأنشد:
وكأنما وافاك يوم لقيتها ... من وحش وجرة عاقد متربب (١)
ثانيًا: قول الله : ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾
قيل: إن هذا فيه تقديم وتأخير ﴿إِنِّي﴾ عطف و ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾ على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي: إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك (٢).
أي: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا؛ فيكون هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم (٣).
ثالثًا: إن الوفاة في اللغة تطلق أيضًا على النوم:
ويحتمل أن الوفاة بمعنى النوم فيكون المعنى: إني منيمك ورافعك في نومك، فيطلق التوفي على النوم مجازًا بعلاقة المشابهة؛ في نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ أي: والتي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتًا شبيهًا بالموت التام كقوله:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ فالكل إماتة في التحقيق وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال؛ ولذلك فرع بالبيان بقوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فالكلام منتظم غاية
стр. 2909
الانتظام وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام (١).
رابعًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى قابضك.
أي: قابضك من الأرض فرافعك إلي، فيقال: توفيت من فلان مالي عليه بمعنى: قبضته واستوفيته، فمعنى قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾ أي: قابضك من الأرض حيًا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك. (٢)
خامسًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى: إني متوفيك عن شهواتك وحظوط نفسك ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ وذلك لأن من لم يصر فانيًا عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله، وأيضًا فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة. (٣)
سادسًا: ويحتمل أني متوفيك أي: أجعلك كالمتوفى؛ لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن. (٤)
سابعًا: ويحتمل أن يقدر فيه حذف المضاف، والتقدير: متوفي عملك بمعنى: مستوفي عملك ورافعك إليَّ، أي: عملك إليَّ، وهو كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشره بقبول طاعته وأعماله، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه، وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه. (٥)
ثامنًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى: استيفاء مدة الإقامة أي: مستوفي مدة إقامتك بين قومك، والتوفي كما يطلق على الإماتة كذلك يطلق على استيفاء الشيء (٦).
الوجه الثاني: الرد على من قال بأن الوفاة في الآية بمعنى الموت .
стр. 2910
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾ فهذا دليل على أنه لم يعنِ بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين، فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩]، وقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات.
الوجه الثالث: بطلان قضية الصلب .
إن كان قد تُوفي فالوفاة لا تستلزم أن تكون بالصلب والقتل، وبهذه الوجوه يسقط زعم النصارى أن هذه الآية ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وغيرها حجة علينا لإفادتها وفاته ﵇ أي: بالصلب ثم رفعه إلى السماء؛ أعني: قيامه حيًا بعد وفاته على زعمهم من أنه مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت المغرب من يوم الجمعة، ثم أنزلى ودفن في أول ساعة من ليلة السبت، وأقام في القبر إلى صبيحة الأحد ثم انبعث حيًا وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وقد استندوا في هذا الزعم إلى شهادة أناجيلهم الأربع، وشهادة تلاميذه الشفاهية في العالم ثم أتباعهم، وكذا شهادة اليهود بوقوع الصلب على المسيح ذاتيًا، ووجه سقوط زعمهم الفاسد المذكور ما بيناه في معنى الآية مما لا يبقى معه أدنى ارتياب (١).
* * *