← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع. أن الله أقسم بحياته ﷺ -: فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر: ٧٢) والإقسام بحياة المقسم بحياته يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها، وأن حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره ﷺ . أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأوصافه ﷺ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ـ وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ﴿يَالوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. النهي عن مناداته باسمه ﷺ -: فقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (النور: ٦٣) لا يرفع صوت فوق صوته ﷺ -: إن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول -كما هو الحال بين الناس- حتى لا تحبط أعمالهم فقال الله تعالى: ﴿يأيها

стр. 317

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (الحجرات: ٢). هذه بعض بفضائل النبي ﷺ . المبحث الثالث: أخلاق النبي ﷺ -. أولًا: رسول الله رائد حياة الأخلاق: فهذه إشارات سريعة إلى أخلاق سيد المتخلقين بمكارم الأخلاق صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وإننا مهما تكلمنا ومهما كتبنا في هذا الموضوع لا نستطيع أن نوفي قدر النبي ﷺ ، فهو رائد حياة الأخلاق الكريمة، وهو الذي عَلَّم الدنيا محاسن الأخلاق، فلولاه بعد الله تخبط الناس في الجهل والغفلة والعمى، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وقد زَكَّى الله ﵎ نبيه ﷺ في كل شيء. ومن زكاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبة أن يظن أنه يأتي في يوم من الأيام ليزكيه، بل إن أي أحد وقف ليزكي رسول الله ﷺ وليصف رسول الله ﷺ وليتكلم عن قدر رسول الله ﷺ ، فإنما يرفع من قدر نفسه، ومن قدر السامعين بحديثه عن الحبيب المصطفى ﷺ . ولنعلم أنه لا يعرف أحد قدر النبي ﷺ ﷺ إلا الرب العلي ولذا: زَكَّاه ربه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (النجم: ٢). وزَكَّاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (النجم: ١٧). وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح: ١). وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ٤). وزكاه في طُهره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (الشرح: ٢). وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣). وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: ٥).

стр. 318

وزكاه في حلمه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). وزكاه في خلقه جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). ومما زادني فخرًا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن سيرت أحمد لي نبيا قال القاضي عياض: اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم ﷺ الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى. فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في جلبته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه. وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة. وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية: من الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها، وهي التي جماعها: حسن الخلق. (١) ثانيًا: بيان أصول أخلاق المصطفى وتحقق وصفه بها ﷺ -: أما أصل فروعها وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها: فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتضرع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنب الرذائل. وقد بلغ النبي ﷺ من

стр. 319

ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه. من تتبع مجارى أحواله، واطراد سيره، وطالع جوامع كلامه، وحسن شمائله وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية، وأيامها وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه ﷺ فيها قدوة، وإشاراته حجة، كالعبارة، والطب، والحساب، والفرائض، والنسب، وغير ذلك، دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم؛ بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره، وعلمه، وأقرأه، لاستيقن بالبرهان القاطع على نبوته، وبحسب عقله كانت معارفه ﷺ إلى سائر ما علمه الله تعالى، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان، وعجاب قدرته وعظيم ملكوته، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣). (١) قال القاضي عياض: (٢) وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه وأثنى الشرع على جميعها وأمر بها ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها ووصف بعضها بأنه من أجزاء النبوة وهي المسماة بحسن الخلق وهو الاعتدال في قوى النفس وأوصافها والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها، فجميعها قد كانت خلق نبينا ﷺ على الانتهاء في كمالها والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله عليه بذلك فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم: ٤). قال ﷺ : "بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ". (٣)، قال أنس ﵁: "كَان رَسُولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا". (٤)

стр. 320

وإليك الآن باقة متوجة من أخلاق النبي ﷺ أرجو أن ينفع الله بها المحبين، وأن يدحض بها الحاسدين الحاقدين. إنه حسبنا ونعم الوكيل. حلمه وعفوه واحتماله وصبره ﷺ -. حلمه وعفوه واحتماله وصبره ﷺ ، كلها معانٍ متقاربة، وهذا كله مما أدب الله به نبيه ﷺ فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩). وقال عبد الله بن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: "مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ" (١). وقال أيضًا: أَمَرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاس. (٢) وقال تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ (لقمان: ١٧). ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو ﷺ لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا. (٣) وعَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهَا قَالتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ لله بِهَا". (٤) قال ابن حجر في قوله "مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِه": أي خاصة. فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل (٥) وغيرهما ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه. (٦) (٧).

стр. 321

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، ادع عَلَى المشْرِكِينَ، قَال: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً". (١) وَعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يحكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". (٢) قال القاضي عياض: انظر مما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر ﷺ على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: "لِقَوْمِي"، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال: "فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". (٣) والحديث في بيان حلمه ﷺ كثير. فَعَنْ جَابرٍ أخبر أنهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ الله ﷺ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَافِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ يدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيفي وَأنا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدهِ صَلْتًا، فَقَال: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: الله ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (٤) وعَنْ أنس قَال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (٥)

стр. 322

والحديث عن حلمه ﵊، وصبره، وعفوه عند القدرة؛ أكثر من أن تأتي عليه وحسبك ما ذكرناه مما في الصحيح وغيره إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش وأذى الجاهلية ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظهره الله عليهم وحكمه فيهم وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم فما زاد على أن عفا وصفح، صلوات ربي وسلامه عليه. (١) جوده وكرمه وسخائه وسماحته ﷺ -: كان ﷺ لا يوازَى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يبارى بهذا وصفه كل من عرفه. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَال: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَال لَا. (٢) وعَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تراعُوا لَنْ تراعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَال: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ. (٣) قال النووي: في هذا كله بيان عظيم سخائه وغزارة جوده ﷺ . (٤) حتى قبل أن يبعث ﷺ فقد قال له ورقة بن نوفل: إِنَّك تَحْمِلُ الْكَلَّ، تكسِبُ المعْدُومَ. (٥) وفي غزوة حنين يقول ابن القيم: وكان السَّبيُ ستةَ آلاف رأس، والإبلُ أربعةً وعشرين ألفًا، والغنم أكثرَ من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أُوقية فضة، فاستأنى بهم رسول الله ﷺ أن يقدَموا عليه مسلمين بِضْعَ عشرة ليلة ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلَّفةَ قلوبُهم أوَّلَ الناسِ، فأعطى أبا سفيان بنَ حرب أربعين أُوقية، ومائةً من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فقال:

стр. 323

"أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمائةً مِنَ الإبل"، فقال: ابني معاوية؟ قال: "أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقيَّةً، وَمائَةً من الإبل"، وأعطى حكيم بن حِزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أُخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين، وذكر أصحاب المائة وأصحاب الخمسين وأعطى العباسَ بن مرداس أربعين ..... الخ. (١) شجاعته ونجدته ﷺ -: فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان ﷺ منهما بالمكان الذي لا يجهل، قد حضر المواقف الصعبة وفر الأبطال عن غير مرة وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه. (٢) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَال: قَال رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أبا عُمارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَال: لَا وَالله مَا وَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لهمْ سَهْم. جَمْعُ هَوَازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ. فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَرَسُولُ الله عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأبو سُفْيَانَ بْنُ الحْارِثِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ. فَنزلَ فَاسْتَنْصَرَ وَقَال: أَنا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبْ، ثُمَّ صَفَّهُمْ. (٣) عَنْ عِليٍّ ﵁ قَال: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ الله ﷺ فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْهُ. (٤) قَال الْبَرَاءُ بنُ عَازِب: كُنَّا وَالله إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يحاذِي بِهِ

стр. 324

يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ (١) وَعَن العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْمَ حُنينٍ فَلَزِمْتُ أنا وَأبُو سُفْيَانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ رَسُولَ الله ﷺ فلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ الله ﷺ علَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الجذَامِيُّ، فَلَمّا الْتَقَى المسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى المسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ فَطَفِقَ رَسُولُ الله ﷺ يَرْكُضُ بَغْلتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَال عَبَّاسٌ: وَأَنا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُول الله ﷺ أَكفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأبو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقَال عَبَّاسٌ: وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا فَقُلْتُ: بِأَعْلَى صَوْتي أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَال: فَوَ الله لَكَأَنَّ عَطفتهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَؤْتي عَطْفَةُ الْبقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالوا: يَا لَبّيكَ يَا لَبّيكَ، قَال: فَاقْتَتَلُوا، وَالْكُفَّارَ وَالدَّعْوَةُ فِي الْأنصَارِ يَقُوُلونَ: يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، قَال: ثُمَّ قُصِرَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى بَني الحارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالوا: يَا بَني الحارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الحارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالمتطَاوِل عَلَيْهَا إِلَى قِتَالهِمْ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، قَال: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ حصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفارِ ثُمَّ قَال: انْهرمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، قَال: فَذَهَبْتُ انظر فَإِذَا الْقِتَال عَلَى هَيْئتَهِ فِيمَا أَرَى قَال: فَوَ الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَما زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. (٢) قال النووي: قال العلماء: ركوبه ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات ولأنه أيضا يكون معتمدًا يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه. (٣) وعَنْ أَنس بنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزعَ أَهْلُ المُدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تراعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ

стр. 325

عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَال: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ. (١) قال النووي: وفيه فوائد منها بيان شجاعته ﷺ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. (٢) حيائه وعدم مواجهة الناس بالعتاب ﷺ -: وكان النبي ﷺ أشد الناس حياءً وأكثرهم عن العورات إغضاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (الأحزاب: ٥٣). (٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. (٤) ومحل وجود الحياء منه ﷺ في غير حدود الله. (٥) وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ وقَال: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا. (٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَم يَقُلْ: مَا بَال فُلَانٍ يَقُولُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: مَا بَال أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا". (٧) حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه مع أصناف الخلق ﷺ -: قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩٦). وقَال أَنسٌ ﵁: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَما قَال لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَال لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ

стр. 326

ترَكْتُهُ لِمَ تركْتَهُ؟ وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا". (١) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَال: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تبَسَّمَ فِي وَجْهِي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أثبُتُ عَلَى الْخيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَال: اللهمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا. (٢) وكان ﷺ يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجرة، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. (٣) عَنْ أَنسٍ قَال: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ الله ﷺ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ. (٤) وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة لم ير قط مادًا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام. (٥) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الحْارِثِ قَال: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . (٦) وعَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المُدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ الله

стр. 327

- ﷺ فتنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. (١) قال ابن حجر: والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد، وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله: (حَيْثُ شَاءَتْ) أي من الأمكنة. (٢) شفقته ورأفته ورحمته ﷺ -: قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (التوبة: ١٢٨). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧). عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحْاشِيةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ الله ﷺ قَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (٣) ومن شفقته على أمته ﷺ تخفيفه وتسهيله عليهم. وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله ﵊: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمّتي لَأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ" (٤) ونهيهم عن الوصال. ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته. (٥) وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنِّي لَأقومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ

стр. 328

بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". (١) وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ فَأيُّما مُؤْمِنٍ سَبَبْته فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٢) وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوُّلنَا بِالموْعِظَةِ فِي الْأيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (٣) ولما حصل له ما حصل في الطائف وكذبه قومه وسال دمه الشريف جاءه جبريل فقال: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الجبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَال: يَا مُحَمَّدُ فَقَال ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". (٤) وفائه وحسن عهده وصلة رحمه ﷺ -. وأما عن وفائه ﷺ فحدث، فهو الذي علم الدنيا الوفاء وحسن العهد. فَعَنْ أنسٍ ﷺ قال: كان النبي ﷺ إذا أُتِيَ بالشَّيء يقول: اذْهَبُوا بِه إلى فُلانَةٍ فَإنَّها كَانَت صَدِيقةَ خَدِيْجةَ. اذْهَبُوا بِه إلى فُلانَةٍ فَإنَّها كانت تُحِبُّ خَدِيجةَ. (٥) صلوات ربي وسلامه عليه حتى بعد موت خديجة ما زال وفيًا لها فيكرم خلائلها إكرامًا لها. فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ الله أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ. (٦)

стр. 329

وعنها أيضًا قالت: اسْتَأْذَنتْ هَالةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُول الله ﷺ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَال: اللهمَّ هَالةَ، قَالتْ: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا. (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: لمَّا أنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ الله ﷺ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَال: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أنقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأبلُّهَا بِبَلَالِهَا. (٢) فالشاهد من الحديث قوله: "غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأبلُّهَا بِبَلَالِهَا"ومعناه: أي سأصلها شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه (بلوا أرحامكم) أي: صلوها. (٣) وانظر إلى حاله مع الأطفال ﷺ ، فَعَنْ أَبِي قتادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ -كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُول الله ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. (٤) وفي حديث خَدِيجَةَ أَنَّهَا قَالتْ: وَالله مَا يُخْزِيكَ الله أبدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتكسِبُ المُعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. (٥) تواضعه ﷺ -: وأما عن تواضعه ﷺ فعلى علو منصبه ورفعة رتبته فكان أشد الناس تواضعا وحسبك أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا أو أن يكون نبيا عبدا فاختار أن يكون

стр. 330

عبدا نبيا. فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَقَال: لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا. (١) وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ عَلَى المنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّما أنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. (٢) والإطراء هو المدح بالباطل تقول: أطريت فلانا مدحته فأفرطت في مدحه. (٣) وكان ﷺ يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس. (٤) كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطى كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه. (٥) ففي هذه الأحاديث بيان بروزه ﷺ للناس، وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور. (٦) عَنْ أنسٍ قال جاء رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇. (٧) قال النووي: قال العلماء: إنما قال ﷺ هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم ﷺ لخلته وأبوته

стр. 331

وإلا فنبينا ﷺ أفضل. (١) وَعَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كَانَ ﷺ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَج إِلى الصَّلَاةِ. (٢) عَنْ عَمْرَةَ قَالتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ، قَالتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفلي ثَوْبَهُ، يَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ. (٣) عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المُدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ الله ﷺ فتنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. (٤) قال ابن حجر: وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله (حيث شاءت) أي: من الأمكنة. (٥) عدله وأمانته وعفته وصدق لهجته ﷺ -: فكان ﷺ آمن الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، وأصدقهم لهجة، وقد اعترف له بذلك محادوه وعداه، وكان يسمى قبل نبوته: الأمين، قال ابن اسحاق: كان يسمى الأمين بما جمع الله فيه من الأخلاق الصالحة. (٦) ولما اختلفت قريش وتحاربت عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر حكموا أولى داخل عليهم فإذا بالنبي ﷺ داخل وذلك قبل نبوته فقالوا: هذا محمد؟ هذا الأمين قد رضينا به. (٧) ونبينا ﷺ أصدق الناس، وسأل هرقل أبا سفيان فقالى: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَال؟ قال: لا. (٨) خوفه من ربه، وطاعته له وشدة عبادته ﷺ -: وأما خوفه ربه وطاعته له وشدة عبادته

стр. 332

فعلى قدر علمه بربه، ولذلك قال في حديث أبي هريرة ﵁: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كثِيرًا". (١) وفي حديث المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ. (٢) وكان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ؟ فَقَال: أفلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ! (٣) قَالتْ عَائِشَةُ: كَانَ عَمَلُه ﷺ دِيمَةً، وَأيُّكمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُطِيقُ! (٤) وَقَالتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ. (٥) وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تراهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا. (٦) قال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث راكعا بقدر قيامه ويقول في ركوعه سبحان ذي الجبروت، والملكوت والكبرياء، والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه ويقول في سجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء، والعظمة، ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. (٧) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ، رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْره أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ ﷺ . (٨)

стр. 333

وقال ﷺ في حديث الْأَغَرِّ المزنيِّ: "إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ". (١) عن عائشة ﵁ قالت: قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة. (٢) وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ! " (٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَين أَمرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَم يَكُنْ إِثمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. (٤) فمع كونه ﷺ يأخذ بالأيسر إلا أنه يحتاط دائما أن يكون إثما، فإذا كان الأيسر إثما لم يأخذ به، وهذا من أمانته ﷺ . عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ رَسولُ الله ﷺ يَبِيتُ اللَّيَالِي المُتتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً. (٥) وفي حديث عمر الطويل: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أثَّرَ الرِّمَال بِجَنْبِهِ. (٦) ولا يؤخذ من هذه الأحاديث أنه كان فقيرا ﷺ بل كان غنيا، ويكفيه ما كان يحصل عليه من غنائم الحروب، ولكنه كان لا يبقي شيئا في يده، فقد ركل الدنيا برجله فلا يريد منها إلا أن تبلغه إلى نعيم الآخرة. زهده في الدنيا ﷺ -: وأما زهده في الدنيا فحسبك من تقلله منها وإعراضه عن زهرتها وقد

стр. 334

سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي. (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : اللهمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا. (٢) قال النووي: قال أهل اللغة العربية: القوت ما يسد الرمق وفيه فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك. (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أيامٍ حَتَّى قُبِضَ. (٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَال: نَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَال: "مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَترَكهَا". (٥) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَال: أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَال لَهُ: "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّما أَنا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ". المبحث الرابع: صحابة النبي ﵃ -. لما كان الصحابة هم أول الناقلين لهذا الدين عن نبيهم وجب أن نبين منزلتهم من غير إفراط أو تفريط. أولًا: تعريف الصحابي: الصحابي هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام (٦). ذكر بعض فضائلهم: قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى

стр. 335

سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ٢٩). فأثنى عليهم ربهم وأحسن الثناء عليهم ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن ثم وعدهم المغفرة والأجر العظيم. وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم ورضاهم عنه فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠). ثم بشرهم بما أعد لهم فقال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠). وأمر رسول الله ﷺ بالعفو عنهم والاستغفار لهم فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). وأمره بمشاورتهم تطييبًا لقلوبهم وتنبيهًا لمن بعده من الحكام على المشاورة في الأحكام فقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩). وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم، وأن لا يجعل في قلوبهم غلًا للذين آمنوا فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر: ١٠). وأثنى رسول الله ﷺ عليهم وشبههم بالنجوم ونبه بذلك أمته على الاقتداء بهم في أمور دينهم كما يهتدون بالنجوم في ظلمات البر والبحر في مصالحهم. عن أَبِي مُوسَى الأشعري ﵁ قال: صَلَّيْنَا المغْرِبَ مَعَ رَسُول الله ﷺ ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ انْتَظَرْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَال: ففعلنا فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَقَال: مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا فقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قُلْنَا: نُصَلِّي مَعَكَ الْعِشَاءَ قَال: أَصَبْتُمْ أَحْسَنْتُمْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَال: وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَال: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أتى أهل السَّمَاءَ

стр. 336

مَا تُوعَدُ وَأنا أَمَنةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أنا أتى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتي فَإِذَا ذَهَبَتْ أَصْحَابِي أتى أُمَّتي مَا يُوعَدُونَ (١). ثم إنه ﷺ شهد لهم بكونهم خير أمته فقال: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي (٢). عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ الله مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا". (٣) عن أنس بن مالك أنس رسول الله ﷺ قال: "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأنصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأنصَارِ". (٤) فيجب على كل مسلم حب أصحاب النبي ﷺ لأن حبهم دين وإيمان وإحسان لأنه امتثال لأمر الله. وبغض الصحابة كفر ونفاق وطغيان. فلقد نهى النبي ﷺ عن سبهم، وأخبر أمته بأن أحدًا منهم لا يدرك محلهم ولا يبلغ درجتهم، وأن الله تعالى قد غفر لهم. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَال: قَال النبي ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ". (٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لَا يُبغِضُ الأنصَارَ رَجُلٌ يُؤْمنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ". (٦) ومن عقيدة أهل السنة والجماعة وجوب السكوت وعدم الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، وذلك بعد مقتل عثمان بن عفان، ونعتقد أن فتنة الجمل قد تمت من غير اختيار من علي بن أبي طالب، ولا من طلحة بن عبيد الله، ولا من الزبير بن العوام ﵁، وأن عائشة ﵂ خرجت للإصلاح بين المسلمين، مع العلم، بأنهم

стр. 337

جميعًا من الذين بشرهم رسول ﷺ بالجنة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة التوقف عما شجر بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان في مع اعتقادنا أن الحق كان مع عاب بن أبي طالب وأصحابه، وأن معاوية كان متأولًا في قتاله لعلي بن أبي طالب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول: إن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة. ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يُغفر لهم من السيئات مالا يغفر لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المُد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا، ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتي بحسنة تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، ثم القدر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليل، نذر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، إنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها. اهـ. (١) قال الإمام الطحاوي: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. (٢)

стр. 338

قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (١) قال ابن تيمية: أن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول ﷺ قدح في الرسول علية السلام، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ليقول قائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين. وأيضًا فهؤلاء الذين نقلوا القرآن والإسلام وشرائع النبي ﷺ هم الذين نقلوا فضائل علي وغيره، فالقدح فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ فلا تثبت فضيلة لا لعلي ولا لغيره. (٢) قال الذهبي: يَعرف فضائل الصحابة ﵃ من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله، وتعليم فرائضه وسننه، ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع، ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا، فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين، لأن الطعن لا يكون إلا من اعتقاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل والازدراء بالناقل، ازدراء بالمنقول وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من الزندقة والإلحاد في عقيدته. (٣) معتقد أهل السنة والجماعة في الخلافة .

стр. 339

ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة. والدليل على إثبات الخلافة لأبي بكر ما رواه جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قال: أتتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ الله ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أن ترجع إليه، فَقَالتْ: أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ الله، إِنْ لَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَعْنِي الموْتَ، فقَال: إِنْ لَمْ تَجِدِيني فَأْتِي أبا بَكْرٍ (١). قال عبد الله بن جعفر الطيار: ولينا أبو بكر ﵁ فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا (٢). ولما لا يكون الخليفة الأولى بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وهو أول من صدق رسول الله، وأسلم وصحبه وأحسن الصحبة، وأنفق عليه ماله، وصاحبه في الغار، والمنزَّل عليه السكينة، وعاتب الله الخلق كلهم في النبي ﷺ إلا أبا بكر فإنه أخرجه من المعاتبة فقال : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (التوبة: ٤٠). الصابر معه بمكة في كل شدة ورفيقه في الهجرة ولما مرض النبي ﷺ فلم يستطع الخروج إلى الصلاة فأمر أن يتقدم أبو بكر فيصلي بالناس ولا يتقدم غيره. وقال ﷺ لعائشة وهو على فراش موته: "ادْعِي لي أبا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا فإني أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أنا أَوْلَى. وَيَأبى الله وَالمؤْمِنُونَ إِلَّا أبا بَكْرٍ". (٣) وقال ﷺ "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ بنفسه وَمَالِهِ أبو بَكْرٍ". (٤) فاجتمع المسلمون على بيعة أبي بكر الصديق وانقيادهم لإمامته لما اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما أعجبني فخشيت أن لا يبلغه أبو بكر فتكلم وأبلغ، وقال في

стр. 340

كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، قال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل أبدا منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء -يعني المهاجرين هم أوسط العرب دارا وأعزهم أحسابا- فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله ﷺ ، وأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس. (١). (٢) ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁: أي ونعتقد إثبات الخلافة لعمر بعد أبي بكر ﵄ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه واتفاق الأمة بعده عليه وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر وأكثر من أن تذكر. عن مُحَمَّدِ بْنِ الحنَفِيَّةِ قَال قُلْتُ لِأَبِي: من خير النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَال: أبو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ، قَال: ثُمَّ عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أنتَ، قَال: مَا أنا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ المسْلِمِينَ". (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: لما وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو عليٌّ فترَّحم على عمر وقال: ما خلَّفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرا ما اسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما. (٤) ونثبت الخلافة بعد عمر لعثمان ﵄. فلما قتل عمر بن الخطاب ﵁ قالوا له: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمَّى

стр. 341

عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال: أُوصي الخليفة من بعدي نذكر وصيته بالمهاجرين الأولين، ثم بالأنصار خيرًا ثم بأهل الأمصار، ثم بالأعراب ثم بأهل الذمة، ثم ذكر دفنه فلما فرغوا من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرصن على صلاح الأمة فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله علي أن لا آل عن أفضلكم، فقالا نعم. قال: فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه (١). فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد. يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلًا. قال: وأخذ بيد عثمان وقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده. فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون وهذا بعد أن شاور عبد الرحمن الناس ثلاثة أيام لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان (٢). قال ابن عمر كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بعد النبي ﷺ أحدًا بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. (٣). (٤)

стр. 342

فلما قتل عثمان وبايع الناس عليًّا صار إمامًا حقًّا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة. فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁ بمبايعة الصحابة. ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما ورد عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ لِعَليٍّ: "أنتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي". (١) ونعتقد أن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله الحق قال ﷺ : "عَشْرَةٌ فِي الجنَّةِ النَّبِيُّ فِي الجنَّةِ، وَأَبو بَكْرٍ فِي الجنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجنَّةِ، وَعُثْمانُ فِي الجنَّةِ، وَعِليٌّ فِي الجنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الجنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الجنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الجنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجنَّةِ، وَأَبو عُبَيْدَةَ فِي الجنَّةِ وسعيد بن زيد فِي الجنَّةِ". (٢). (٣) ونثبت خلافة معاوية ﵁. معاوية ﵁ كاتب رسول الله ﷺ على وحي الله وهو القرآن بأمر الله وصاحب رسول الله ﷺ ومن دعا له النبي ﷺ أن يقيه العذاب ودعا له أن يعلمه الله الكتاب ويمكِّن له في البلاد وأن يجعله هاديًا مهديًا. وصاهره النبي ﷺ بأن تزوج أم حبيبة أخت معاوية ﵂، فصارت أم المؤمنين، وصار هو خال المؤمنين. وهو ممن قال الله : ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (التحريم: ٨). فقد ضمن الله الكريم له أن لا يخزيه لأنه ممن آمن برسول الله ﷺ (٤). قال عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قالت: لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي ﷺ : "كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي"؟ قال: بلى، قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم، له صهر ونسب. قال: وسمعت ابن حنبل يقول: ما لهم ولمعاوية، نسأل الله العافية (٥). فمن قال إن

стр. 343

معاوية لم يكن كاتب الوحي ولا خال المؤمنين. فنقول له: هذا قول سوء رديء ويجب أن نتجنب هؤلاء القوم ولا نجالسهم ونبيِّن أمرهم للناس (١). فمن قال هل معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز فنقول: إن معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز (٢). فمعاوية ﵁ عمل بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا (٣). إن معاوية ﵁ ثبت بالتواتر أنه أمره النبي ﷺ كما أمر غيره وجاهد معه وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي ﷺ في كتابة الوحي وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته. وقد ولَّي رسولُ الله ﷺ أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي ﷺ وهو على ولايته. فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلامًا من أبيه باتفاق المسلمين وإذا كان النبي ﷺ ولي أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى ولم يكن من أهل الردة قط ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة. ولقد اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك كان ملكه ملكًا ورحمة. وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرًا من ملك غيره (٤). ونعتقد كذلك في أزواجه. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣). وابتداء الآية في نساء النبي ﷺ وتخييرهن فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لهن ما أعد الله لهن من الأجر العظيم ثم ميزهن عن نساء العالمين في العذاب والأجر، ثم أبانهن

стр. 344

منهن فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. وإنما ورد بلفظ الذكور لإدخال غيرهن معهن في ذلك ثم أضاف البيوت إليهن بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٤). وجعلهن أمهات المؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦). وحرم نكاحهن بعد وفاة نبيه ﷺ فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ (الأحزاب: ٥٣). (١). المبحث الخامس: قالوا عن النبي ﷺ -. قال ول ديورانت: لقد كان محمد من أسرة كريمة ممتازة، ولكنه لم يرث منها إلا ثروة متواضعة، فقد ترك له عبد الله خمسة من الإبل، وقطيعًا من المعز، وبيتًا، وأمه عنيت بتربيته في طفولته. ولفظ محمد مشتق من الحمد وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر قصة الحضارة، تحت عنوان محمد في مكة. يقول سنرستن الآسوجي أستاذ اللغات السامية، في كتابه "تاريخ حياة محمد": إننا لم ننصف محمدًا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا؛ فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصرًّا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ. مايكل هارت في كتابه مائة رجل في التاريخ: إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي. فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا

стр. 345

رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضًا في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها". برناردشو في كتابه "محمد" -والذي أحرقته السلطة البريطانية-: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائمًا موضع الاحترام والإجلال؛ فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدًا خلود الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا). إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمَّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولّى أمر العالم اليوم لوفق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها. الدكتور (شبرك) النمساوي: إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمته. مايكل هارت العظماء مائة أولهم محمد (الرسول الأعظم): نشر في أمريكا في الزمن الحاضر كتاب بعنوان "المائة" أو "الخالدون مائة" أو "القمم المائة" أو "أعظم مائة في التاريخ". وقد ألف هذا الكتاب الجديد من نوعه عالم الفلك والرياضيات والمؤرخ "مايكل

стр. 346

هارت"، لقد قام بالبحث في التاريخ عن الرجال الذين كان لهم أعظم تأثير على البشر وقد ذكر لنا في هذا الكتاب أكثر مائة رجل تأثيرًا على البشرية منهم آزوس، أرسطو، بوذا، كونفوشيوس، هتلر، أفلاطون، ذرادشت. وهو لا يعطينا علامات محددة عن المائة من ناحية تأثيرهم على الناس ولكنه يقوم بتقييم درجة هذا التأثير ويصفهم بترتيب تفوقهم في هذا التأثير من رقم واحد وحتى رقم مائة، وهو يوضح لنا أسبابه في ترتيب مرشحيه. ونحن غير مطالبين بالموافقة على كلامه ولكننا لا يسعنا إلا أن نعجب بأمانة هذا الرجل ودقته في البحث. وأكثر شيء يدعو للدهشة في تصنيفه المنتقى أنه وضع نبينا الكريم الرسول محمد ﷺ كرقم واحد أول المائة العظماء، وهو بذلك يؤكد -بدون علم أو قصد- شهادة الله تعالى في آخر تنزيل له للعالم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١). ايقلين كوبولد: ١ - " ... هذه هي مدينة الرسول ﷺ تعيد إلى نفسي ذكرى جهوده في سبيل لا إله إلا الله، وتلقي في روعي صبره على المكاره واحتماله للأذى في سبيل الوحدانية الإلهية". ٢ - كان العرب قبل محمد ﷺ أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد ﷺ بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالًا وآجالًا. ٣ - لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر الرسول ﷺ روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولًا ورجاءً وخوفًا وأملًا، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم .. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية. ٤ - لقد استطاع النبي ﷺ القيام بالمعجزات والعجائب، لمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية، لقد وفّق إلى خلق

стр. 347

العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور. ٥ - مع أن محمدًا ﷺ كان سيد الجزيرة العربية، فإنه لم يفكر في الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيًا بأنه رسول الله ﷺ ، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكتر الأحايين قليلًا لا يكاد يكفيه. جوتة الأديب الألماني: إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه "محمد"، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي "محمد" .. وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح "محمد" الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد. دُرَاني (١): ١ - أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل في نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد ﷺ ، لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام، فهو القدوة الطيبة التي أرسلها الله رحمة لنا وحبًا بنا حتى نقتفي أثره. (٢) ٢ - .. وأخيرًا أخذت أدرس حياة النبي ﷺ محمد فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة -التي لم تنجب رجلًا عظيمًا

стр. 348

واحدًا يستحق الذكر منذ عدة قرون- أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفًا من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد. (١) ٣ - .. تحمل ﷺ ثلاثة عشر عامًا كاملةً من المتاعب -في مكة- دون انقطاع، وثمانية سنوات -في المدينة- دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدًا، رابط الجأش، صلبًا في أهدافه وموقفه. عرضت عليه أمته أن تنصبه ملكًا عليها وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراءات كلها فاختار بدلًا من ذلك أن يعاني من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدًا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء؟ لابدّ أن يفكر المرء في ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه. (٢) ٤ - هل بوسع المرء أن يتصور مثالًا للتضحية بالنفس وحب الغير والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال حيث نجد رجلًا يقضي على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم ويبذل أقصى جهده في سبيل ذلك، يقومون برميه بالحجارة والإساءة إليه ونفيه وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى في منفاه، وأنه رغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعي لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة السعي لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أي مدخول غير مخلص أن يبدي هذا الثبات والتصميم على مبدئه والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التي يمكن تصورها وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده؟ . (٣)

стр. 349

إن هذا الإيمان وهذا السعي الحثيث وهذا التصميم والعزم الذي قاد به محمد ﷺ حركته حتى النصر النهائي، إنما هو برهان بليغ على صدقه المطلق في دعوته؛ إذ لو كانت في نفسه أدنى لمسة من شك أو اضطراب لما استطاع أبدًا أن يصمد أمام العاصفة التي استمرّ أوارها أكثر من عشرين عامًا كاملة. هل بعد هذا من برهان على صدق كامل في الهدف واستقامة في الخلق وسموّ في النفس كل هذه العوامل تؤدي لا محالة إلى الاستنتاج الذي لا مفر منه وهو أن هذا الرجل هو رسول الله ﷺ حقًّا. هذا هو نبينا محمد ﷺ إذ كان آية في صفاته النادرة ونموذجًا كاملًا للفضيلة والخير، ورمزًا للصدق والإخلاص. إن حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته، كل أولئك براهين فريدة على نبوته، فأي إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقًّا رسول من عند الله، وأن القرآن الذي جاء به للناس هو كتاب الله حقًّا. وكل مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة لابدّ أن يصل إلى هذا الحكم". (١) غاندي: يقول "مهاتما غاندي" في حديث لجريدة "ينج إنديا": "أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر، لقد أصبحت مقتنعًا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته؛ بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول، مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسِفًا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة. غوستاف لوبون: ١ - جمع محمد ﷺ قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى. ومما لا ريب فيه أن محمدًا ﷺ أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل

стр. 350

الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا .. ". (١) ٢ - إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد ﷺ من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا ﷺ مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله. (٢) ٣ - استطاع محمد ﷺ أن يبدع مثلًا عاليًا قويًّا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد ﷺ على الخصوص ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى. (٣) ٤ - لا شيء أصوب من جمع محمد ﷺ لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة ما استطعنا أن نقدر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم في قرن واحد بعد أن كانوا قبائل من أشباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمد ﷺ . (٤) نظمي لوقا (٥): ١ - ما كان محمد ﷺ كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل، وهمة البطل، فكان حقًّا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل. (٦) ٢ - لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية، وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين

стр. 351

الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (الكهف: ١١٠)، وفي تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسه ﷺ إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها. (١) ٣ - رجل فرد هو لسان السماء، فوقه الله لا سواه، ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين، ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر؛ بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول- ﷺ بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد؛ لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله". ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلًا: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا. (٢) ٤ - ماذا بقي من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلًا قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعًا أو شبه متوقع لذلك الداعي إلى الله في عاصمة الأوثان والأزلام .. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو

стр. 352

استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها. وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس في الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه. وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض أي قولة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذا المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة في الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى .. وما ضلّ وما غوى .. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين. (١) ٥ - أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من "أبي القاسم" ﷺ الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟ ". (٢) ٦ - كان محمد ﷺ يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهي قوة له تحسب في مزاياه، وليست ضعفًا يعد في نقائصه. لم يكن ﷺ معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به. (٣) * * *

стр. 353

شبهات العقيدة وفيها: ١ - بطلان ألوهية المسيح. ٢ - شبهة: ثناء القرآن والسنة على التوراة والإنجيل. ٣ - الصلب والفداء. ٤ - إثبات التحريف في الكتاب المقدس. ٥ - شبهات في صفات الذات ٦ - شبهات صفات الفعل ٧ - شبهات في حق الله ٨ - شبهات عن القبر ٩ - شبهات عن الجنة ١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن المسلم يخلد في النار. ١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف ١٢ - إثبات نبوة النبي ﷺ -

стр. 354

١ - بطلان ألوهية المسيح نص الشبهة: ضل النصارى حينما وقعوا في عبادة المسيح ﵇؛ حيث زعموا أنه ابن الله، وهو أحد الأقانيم الثلاثة التي يعتقدون بها؛ ولذا كان لزامًا علينا أن نفند هذا المعتقد ونبين بطلانه؛ لنصل بإذن الله إلى الحق، وهو أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد، لا شريك معه ولا ولد -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا- وأن المسيح هو رسول الله، نبي من أنبيائه، عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم. الجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: مقدمة وتشتمل على فصلين. الأول: بيان عام للتوحيد عند المسلمين. الثاني: حول شرح معنى ألوهية المسيح، وكيف تم انتزاع هذه العقيدة من نصوص العهدين، ومدى اتفاق النصارى على هذه العقيدة. الوجه الثاني: الأدلة من القرآن على بطلان ألوهية المسيح. الوجه الثالث: الأدلة من السنة على بطلان ألوهية المسيح. الوجه الرابع: الأدلة من العهد القديم والأناجيل الأربعة على بطلان ألوهية المسيح. الوجه الخامس: الأدلة من رسائل بولس على بطلان ألوهية المسيح. الوجه الخامس: بطلان أدلة النصارى على ألوهية المسيح. الوجه السابع: استدلال النصارى بآيات من القرآن على ألوهية المسيح، والرد عليها. وإليك التفصيل الوجه الأول: مقدمة. وتشمل على الآتي: الفصل الأول: بيان عالم للتوحيد عند السلمين، وأهميته أولا: تعريف التوحيد: التوحيد هو: إفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية، وكمال الأسماء والصفات. وهو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها، وأساس الأعمال. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ الله عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟ . قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال:

стр. 355

"فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" فَقُلْمتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَال: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". (١) والنصوص الدالة على وحدانية الله في القرآن الكريم كثيرة جدًّا، بل إن القرآن كله ناطق بتوحيد الله حق التوحيد وهذه جملة من الآيات الدالة على هذا الأصل: ١ - يقول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (الإخلاص)، فهذه السورة الكريمة نص في أن الله واحد أحد، وأنه لم يلد ولم يولد فليس له ابن لا عيسى ﵇ ولا غيره، ولا يشاركه في وحدانيته أحد. ٢ - يقول تعالى: ﴿وَقَال اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: ٥١)، وهنا نهى الله عن اتخاذ إلهين وأبان - سبحانه على الحصر إنما هو إله واحد لا إله غيره. ٣ - يقول تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩). ٤ - قال : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢). ٥ - ويقول : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٤٢). ٦ - ويقول : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١). هذه الآيات غيض من فيض، ذلك أن القرآن الكريم مليء بأدلة وحدانية الله وتوحيده حق التوحيد كما هو معلوم.
следующие страницы →