٣ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ .
نص الشبهة:
يقول: في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥] فجاء ضمير الهاء في اسمه مذكرًا، وهو عائد على (كلمة) المؤنثة.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ فذكَّر، ولم يقل اسمها فيُؤنِّث، والكلمة مؤنثة؛ لأن (الكلمة) غير مقصود بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى "فلان"، وإنما هي بمعنى البشارة. (١) أي: أن الضمير جاء مذكرًا من أجل المعنى إذ "الكلمة": عبارة عن ولد (٢). أي: لأن المسمى بها مذكرًا (٣).
الوجه الثاني: (ما يضاف من المذكر إلى المؤنث فيحمل مرة على لفظ المذكر فيذكر، ومرة على لفظ المؤنث فيؤنث).
من ذلك ما جاء في أشعار العرب من هذا الباب قول الأعشى (٤).
وتَشْرَق بالقَوْلِ الذي قَدْ أذَعْنَت ... كما شَرِقتْ صَدْرُ القَنَاةِ من الدَّمِ
فقال ابنُ سِيده: إِنما أنَّثَهُ على المعنى؛ لأنّ صَدْرَ القَنَاةِ من القَنَاةِ وهو كقَوْلهم: ذَهَبتْ بعضُ أصابِعِه؛ لأنهم يُؤنِّثُونَ الاسمَ المضافَ إلى المُؤَنَّثِ. والصُّدْرَةُ بالضَّمّ: الصَّدْرُ أو صُدْرَةُ الإِنْسَانِ: ما أَشْرَفَ من أعلَاه. أي أعْلَى صَدْرِه وعليه اقتصرَ الأَزْهَرِيّ قال: ومنه الصُّدْرَةُ التي تُلْبَسُ وهو (ثَوبٌ) , أي معروف (٥).
* * *
стр. 2907
٤ - شبهة: حول وفاة عيسى ﵇ -.
نص الشبهة:
يقول: في الآية: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾.
والسؤال: كيف توفاه الله ورفعه؟ ، وفي الآية دليل على مسألة الصلب.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان المعاني التي ذُكرت في الوفاة .
الوجه الثاني: الرد على من قال بأن الوفاة في الآية بمعنى الموت.
الوجه الثالث: بطلان قضية الصلب.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان المعاني التي ذكرت في الوفاة.
أولًا: الوفاة بمعنى: المنية، والوفاة: الموت، وتُوفي فلان، وتوفاه الله إذا قبض نفسه أو روحه، وقيل: توفي: استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا، وتوفيت المال منه واستوفيته: إذا أخذته كله، وتوفيت عدد القوم: إذا عددتهم كلهم، وأنشد أبو عبيدة كمنظور الوبري:
إن بني الأدرم ليسوا من أحد ... ولا توفاهم قريش في العدد
أي: لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم؛ ومن هذا قول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: يستوفي مدد آجالهم في الدنيا، وقيل: يستوفي تمام عددهم إلى يوم القيامة، وأما توفي النائم فهو استيفاء وقت عقله وتمييزه إلى أن نام.
قال الزجاج في قول الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ قال: هو من توفية العدد أي: يقبض أرواحكم أجمعين فلا ينقص واحد منكم؛ كما تقول: قد استوفيت من فلان وتوفيت منه مالي عليه، تأويله: أي لم يبق عليه شيء.
وأما الموافاة: فهي مأخوذة من قولك: أوفيته حقه ووفيته حقه ووافيته حقه؛ كل ذلك
стр. 2908
بمعنى أفعلت وفعلت في حروف بمعنى واحد.
قال بشر بن أبي حازم:
كأن الأتحمية قام فيها ... لحسن دلالها رشأ موافي
قال الباهلي: موافي مثل مفاجي، وأنشد:
وكأنما وافاك يوم لقيتها ... من وحش وجرة عاقد متربب (١)
ثانيًا: قول الله : ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾
قيل: إن هذا فيه تقديم وتأخير ﴿إِنِّي﴾ عطف و ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾ على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي: إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك (٢).
أي: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا؛ فيكون هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم (٣).
ثالثًا: إن الوفاة في اللغة تطلق أيضًا على النوم:
ويحتمل أن الوفاة بمعنى النوم فيكون المعنى: إني منيمك ورافعك في نومك، فيطلق التوفي على النوم مجازًا بعلاقة المشابهة؛ في نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ أي: والتي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتًا شبيهًا بالموت التام كقوله:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ فالكل إماتة في التحقيق وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال؛ ولذلك فرع بالبيان بقوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فالكلام منتظم غاية
стр. 2909
الانتظام وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام (١).
رابعًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى قابضك.
أي: قابضك من الأرض فرافعك إلي، فيقال: توفيت من فلان مالي عليه بمعنى: قبضته واستوفيته، فمعنى قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾ أي: قابضك من الأرض حيًا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك. (٢)
خامسًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى: إني متوفيك عن شهواتك وحظوط نفسك ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ وذلك لأن من لم يصر فانيًا عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله، وأيضًا فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة. (٣)
سادسًا: ويحتمل أني متوفيك أي: أجعلك كالمتوفى؛ لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن. (٤)
سابعًا: ويحتمل أن يقدر فيه حذف المضاف، والتقدير: متوفي عملك بمعنى: مستوفي عملك ورافعك إليَّ، أي: عملك إليَّ، وهو كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشره بقبول طاعته وأعماله، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه، وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه. (٥)
ثامنًا: ويحتمل أن تكون الوفاة بمعنى: استيفاء مدة الإقامة أي: مستوفي مدة إقامتك بين قومك، والتوفي كما يطلق على الإماتة كذلك يطلق على استيفاء الشيء (٦).
الوجه الثاني: الرد على من قال بأن الوفاة في الآية بمعنى الموت .
стр. 2910
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾ فهذا دليل على أنه لم يعنِ بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين، فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩]، وقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات.
الوجه الثالث: بطلان قضية الصلب .
إن كان قد تُوفي فالوفاة لا تستلزم أن تكون بالصلب والقتل، وبهذه الوجوه يسقط زعم النصارى أن هذه الآية ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وغيرها حجة علينا لإفادتها وفاته ﵇ أي: بالصلب ثم رفعه إلى السماء؛ أعني: قيامه حيًا بعد وفاته على زعمهم من أنه مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت المغرب من يوم الجمعة، ثم أنزلى ودفن في أول ساعة من ليلة السبت، وأقام في القبر إلى صبيحة الأحد ثم انبعث حيًا وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وقد استندوا في هذا الزعم إلى شهادة أناجيلهم الأربع، وشهادة تلاميذه الشفاهية في العالم ثم أتباعهم، وكذا شهادة اليهود بوقوع الصلب على المسيح ذاتيًا، ووجه سقوط زعمهم الفاسد المذكور ما بيناه في معنى الآية مما لا يبقى معه أدنى ارتياب (١).
* * *
стр. 2911
٥ - شبهة: وجاهة المسيح في الدنيا والآخرة .
نص الشبهة:
يقولون: يشهد القرآن بوجاهة المسيح في الدنيا والآخرة، فجاء في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥].
ويقولون: جاء في تفسير الجلالين: ﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والدرجات العلا ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله.
فلماذا يخص القرآن المسيح بالوجاهة في الدنيا والآخرة؟
ويقولون: جاء في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، فلماذا لم يعط الله سلطانًا لأحد من البشر بالشفاعة إلا المسيح؟ أليس لأنه ابن الله المتجسد والوسيط الوحيد بين الله والناس، وهو الذي يحيي الأموات والقلوب؛ لأنه حياة أجسادنا؟ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: معنى كلمة (وجيهًا).
الوجه الثاني: التفسير الصحيح للآية.
الوجه الثالث: شروط الشفاعة.
الوجه الرابع: الشفاعة ليست خاصة بالأنبياء فقط.
الوجه الخامس: الرسول ﷺ صاحب الشفاعة.
الوجه السادس: عيسي ﵇ ليس وحده الموصوف بهذا الوصف.
الوجه السابع: عيسى ﵇ يبرأ من الشفاعة يوم القيامة لهول ذلك اليوم.
الوجه الثامن: بعض فضائل عيسى ﵇.
стр. 2912
الوجه التاسع: ماذا قال الكتاب المقدس عن المسيح؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: معنى كلمة (وجيهًا) .
قال ابن قتيبة: الوجيه ذو الجاه، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة.
وقال ابن دريد: الوجيه المحب المقبول.
وقال الأخفش: الشريف ذو القدر والجاه.
وقيل: الكريم على من يسأله؛ لأنه لا يرده لكرم وجهه. (١)
وعلى هذا يكون المراد بقوله: ﴿وَجِيهًا﴾ ذا وَجْهٍ ومنزلة عالية عند الله، وشرفٍ وكرامة (٢).
الوجه الثاني: التفسير الصحيح للآية .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥].
والمعنى: ﴿وَجِيهًا﴾ أي: شريفًا ذا جاه وقدر. (٣)
والسبب في ذلك:
أولًا: الوجاهة في الدنيا:
١ - بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب (يعني النبوة) (٤).
٢ - بقبول دعائه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص (٥).
стр. 2913
٣ - بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها (١).
٤ - جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب (٢).
ثانيًا: الوجاهة في الآخرة.
١ - يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٣).
٢ - علو الدرجة في الجنة (٤).
ثالثًا: من المقربين.
١ - أي: عند الله قاله قتادة (٥).
والمعنى أي: يسكنه في جواره ويدنيه منه (٦).
٢ - إشارة إلى رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة (٧).
٣ - من الناس بالقبول والإجابة (٨).
الوجه الثالث: شروط الشفاعة .
إن للشفاعة شرطين لا بد وأن يتحققا؛ لأن الشفاعة عند الله تختلف عن الشفاعة عند غيره، فهو يقبل الشفاعة ممن يريد وممن يأذن له، ولا يتقبلها في كل من يشفع لهم؛ بل
стр. 2914
يقبلها فيمن يريد من عباده.
وهذان الشرطان هما:
أولًا: إذن الله للشافع بأن يشفع.
ومما يدل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله : ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].
ومن السنة حديث الشفاعة الطويل عن أنس ﵁ وقد ورد فيه: "فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها" (١).
ثانيًا: رضا الله عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد المتبعين لأوامر الله المجتنبين لنواهيه، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
يقول العلامة السعدي: وكل أحد من الملائكة فما دونهم، خاضعون لهيبته، متذللون لعظمته، وكل الشفعاء تخافه، لا يشفع أحد منهم عنده إلا بإذنه العلي الكبير، في ذاته، وأوصافه، وأفعاله، الذي له كل كمال، وكل جلال، وكل جمال، وكل حمد وثناء ومجد، يدعو إلى التقرب من هذا شأنه، وإخلاص العمل له، وينهى عن عبادة من سواه (٢).
ولا يرضي الله إلا عمن قام بتوحيده واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب، أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: "لا إله إلا الله خالصا من قلبه". فالشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا لمن أذن له الله وارتضاه شفيعًا، فيلهمه الله بأن يشفع، فيشفعه الله في من يشاء من عباده.
الوجه الرابع: الشفاعة ليست خاصة بالأنبياء فقط .
стр. 2915
يقول السفاريني: يجب أن يعتقد أن غير النبي ﷺ من سائر الرسل والأنبياء والملائكة والصحابة والشهداء والصديقين والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون، وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون؛ لثبوت الأخبار بذلك وترادف الآثار على ذلك، وهو أمر جائز غير مستحيل، فيجب تصديقه والقول بموجبه لثبوت الدليل (١).
أولًا: شفاعة الأنبياء:
ودليل هذه الشفاعة: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق أيضًا، وفيه: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون" (٢).
ثانيًا: شفاعة الملائكة ﵈:
والدليل من القرآن: قول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦] ونحوها من الآيات.
والدليل من السنة: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الطويل مرفوعا وفيه: فيقول الله : "شفعت الملائكة، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط" (٣).
ثالثًا: شفاعة المؤمنين:
ومن الأدلة على هذه الشفاعة: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق، وفيه: "حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي
стр. 2916
فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا".
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لا تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، فيقول الله : "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين" (١).
فالمؤمنون يشفعون يوم القيامة، وكلما كان المؤمن أكثر إيمانًا وتقى كان أحرى بالشفاعة لإخوانه المؤمنين، والعكس بالعكس.
ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ -قال: "إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة". (٢)
رابعًا: شفاعة الشهداء:
ومن الأدلة على هذه الشفاعة: حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال".
وجاء في آخر الحديث: "ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه". (٣)
خامسًا: شفاعة أولاد المؤمنين لآبائهم يوم القيامة:
من الأدلة على هذه الشفاعة:
ما جاء عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن
стр. 2917
رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا، عن موتانا؟ قال: نعم صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه فيأخذ بثوبه أو قال: بيده - كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال: فلا ينتهي - حتى يدخله الله وأباه الجنة" (١).
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد أيبلغوا الحنث إلا أدخله الله وإياهم بفضل رحمته الجنة، وقال: يقال: لهم ادخلوا الجنة، قال: فيقولون:
حتى يجيء أبوانا، قال: ثلاث مرات: فيقولون: مثل ذلك، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم" (٢).
الوجه الخامس: الرسول ﷺ صاحب الشفاعة .
يقول ابن تيمية: فله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها ﷺ أفضل مما لغيره؛ فإنه أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين (٣).
١ - الشفاعة العظمى:
هي الشفاعة الأولى الخاصة بالنبي محمد ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وذلك حين يتوسل الناس يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام من أجل الشفاعة عند الله؛ لإراحة الخلائق من هول وشدة ذلك اليوم العصيب بتعجيل حسابه وفصل القضاء بينهم بين يدي الله ﵎، وهو أحكم
стр. 2918
الحاكمين بقسطه وعدله حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع عند ربه لأهل الموقف.
وهذه الشفاعة أعظم الشفاعات كلها، ولهذا تسمى الشفاعة العظمى، فهي شفاعة عامة لجميع أهل الموقف، على اختلاف أديانهم.
وهذه الشفاعة أجمع عليها أهل الإسلام. وعلى هذه الشفاعة يدل قول ربنا : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
ومن الأدلة على هذه الشفاعة:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم. . . إلى أن قال: إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ . فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم". (١)
وحديثه الآخر أيضًا أنه قال ﷺ : "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود". (٢)
٢ - أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، . . .، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتوني فيقولون: - يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم
стр. 2919
يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى" (١).
٢ - الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة بعد الفراغ من حسابهم:
من الأدلة على هذه الشفاعة حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" (٢).
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي ﷺ أول الشفعاء لأهل الجنة في دخولها.
٣ - الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب:
ومن الأدلة على هذه الشفاعة:
١ - حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ" (٤).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ، كعبيه، يغلي منه دماغه" (٥).
стр. 2920
فهذه الأحاديث تبين أن سبب شفاعة الرسول ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه هو دفاعه عن الرسول ﷺ ونصرته له، وهو مات كافرًا، والله أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين ولكن شفاعة الرسول ﷺ لعمه شفاعة خاصة، حتى ورد أنه أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة.
وهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ .
وهناك شفاعات أخرى منها:
١ - الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة، الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب.
٢ - الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ممن دخلوا النار بذنوبهم أن يخرجوا منها.
٣ - شفاعته ﷺ في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
٤ - الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم بأن يدخلوا الجنة.
يقول ابن تيمية: أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة، ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضًا لعموم الخلق (١).
الوجه السادس: عيسى ﵇ ليس وحده الموصوق بهذا الوصف .
قلت: هذا لأن الله وصف موسى ﵇ بهذا الوصف كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]
فلماذا خصصوا هذا الوصف لعيسى ﵇ دون سائر الأنبياء ﵈؟ .
الوجه السابع: عيسى ﵇ يبرأ من الشفاعة يوم القيامة لهول ذلك اليوم .
стр. 2921
ومن الأدلة:
١ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك. فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. قال: فيأتون آدم ﷺ فيقولون: أنت آدم أبو الخلق. . . . . ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم. ولكن ائتوا محمدًا ﷺ ، عبدًا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول الله ﷺ : "فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي. . .". (١)
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، . . . فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول عيسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله - لم يذكر ذنبا - نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . . ." (٢).
٣ - حديث أَبِى هُرَيْرَةَ وحُذَيْفَةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَجْمَعُ الله ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ المُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الجنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. اذْهَبُوا إِلَى ابْنِى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الله. قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﷺ الَّذِى كَلَّمَهُ الله تَكْلِيمًا. فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ ، فَيَقُولُ: لَسْتُ
стр. 2922
بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ الله وَرُوحِهِ. فَيَقُولُ عِيسَى ﷺ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ. . ." (١).
الوجه الثامن: بعض فضائل عيسى ﵇ -.
لقد كرم الله عيسى ﵇ في القرآن الكريم، وفى السنة النبوية، كما لم يكرمه أي كتاب آخر، والمسلمون يحبون سيدنا عيسي ﵇ وأمه ولا يقولون فيهما إلا ما قال الله أن سيدنا عيسى ﵇ هو من الرسل الخمس أولي العزم، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام، وهذا من أساس عقيدتنا كمسلمين، كل مسلم يؤمن أن المسيح نبي مكرم، ومن المقربين، وأنه من أولي العزم، وأن المسيح نبي كريم أرسله الله .
أولًا: من القرآن:
١ - وجيها شريفًا (ذا جاه وشرف) .
كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٩].
٢ - عيسى ابن مريم ﵇ نبي ورسول من عند الله -.
كغيره من الأنبياء والمرسلين، جاء ليدعو إلى توحيد الخالق ، ويصحح انحراف اليهود عن دينهم، وبعدهم عن شريعتهم، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥]، وقوله
стр. 2923
تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)﴾ [الزخرف: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧].
٣ - الحفظ والرعاية .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥].
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.
٤ - حسن الخلق .
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٥].
ثانيًا: من السنة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان. إلا ابن مريم وأمه" ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم
стр. 2924
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (١).
٢ - عن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (٢).
٣ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ كَلا. وَالَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِالله وَكَذَّبْتُ نَفْسِى" (٣).
٤ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ في الأُولَى وَالآخِرَةِ. قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ" (٤).
الوجه التاسع: ماذا قال الكتاب المقدس عن المسيح؟ وبماذا تردون على هذه السفاهة التي في كتابكم ؟ .
١ - المسيح يشتم:
فَقَالَ لهُمُ: "امْضُوا وَقُولُوا لهِذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ. (لوقا ١٣/ ٣٢).
فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأَتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لهُمْ: "يَا أَوْلَادَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ (متى ٣/ ٧).
٢ - المسيح يكذب على إخوته:
اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ، لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ
стр. 2925
(يوحنا ٧/ ١٠: ٨).
٣ - المسيح يشجع على الرذيلة:
لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ (يوحنا ٢/ ٢٠).
كل هذه الخطايا والأفعال المشينة نسبها الكتاب المقدس ليسوع ويقولون: إنه بلا خطيئة وبلا ذنب؟ ثم يأتي النصارى ويبحثون عن خطيئة الآخرين، وتناسوا تمامًا ما هو موجود في كتابهم عن المسيح ﵇، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * * *
стр. 2926
٦ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ .
نص الشبهة:
حول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
يقولون: ألا يعني هذا الكلام أن اليهود والمسيحيين اختلفوا بين بعضهم، لكن الكتاب الموجود بين أيديهم الذي هو - البينات - هو صحيح لا لبس فيه، ولهم عذاب عظيم؛ لأنهم ابتعدوا عنه، وواجب محمد هنا أن يردهم إليه لا أن يعطيهم كتابًا آخر.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية .
الوجه الثاني: النبي ﷺ مكلف بالتبليغ بالقرآن الكريم، ولم يكلفه الله أن يرد المختلفين من أهل الكتاب إلى كتابهم؛ لأن القرآن فيه بيناتهم وزيادة:
١ - القرآن بلاغ للناس.
٢ - القرآن إنذار للأحياء جميعًا.
٣ - النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى.
٤ - نهي الله نبيه أن يتهاون في تبليغ القرآن.
٥ - كل الرسل الذين جاءوا من قبل نبينا كانوا يبينون للناس ما اختلفوا فيه من قبل، ويأتونهم بكتاب جديد.
الوجه الثالث: الإسلام جاء ناسخًا للكتب السماوية الأخرى.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
стр. 2927
قال أبو جعفر الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ يا معشر الذين آمنوا: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ من أهل الكتاب ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في دين الله وأمره ونهيه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ﴾، يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم ﴿عَذَابٌ﴾ من عند الله ﴿عَظِيمٌ﴾، يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، في دينكم تفرُّق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم ما لهم. (١)
وقال ابن كثير: ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتفرقت النَّصَارَى إِحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً". (٣)
قال صاحب عون المعبود: هَذَا مِنْ مُعْجِزَاته ﷺ ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ غَيْب وَقَعَ. قَالَ الْعَلْقَمِيّ: قَالَ شَيْخنَا أَلَّفَ الْإِمَام أَبُو مَنْصُور عَبْد الْقَاهِر بْن طَاهِر التَّمِيمِيّ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث كِتَابًا قَالَ فِيهِ: قَدْ عَلِمَ أَصْحَاب الْمُقَاوَلَات أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِالْفِرَقِ الْمَذْمُومَة الْمُخْتَلِفِينَ فِي فُرُوع الْفِقْه مِنْ أَبْوَاب الْحَلَال وَالْحْرَام، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالذَّمِّ مَنْ خَالَفَ أَهْل الْحَقّ فِي أُصُول التَّوْحِيد، وَفِي تَقْدِير الْخَيْر وَالشَّرّ وَفِي شُرُوط النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة، وَفي مُوَالَاة الصَّحَابَة وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذِهِ الْأَبْوَاب؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا قَدْ كَفَّرَ بَعْضهمْ بَعْضًا بِخِلَافِ النَّوْع الْأَوَّل فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ
قَالَ التِّرْمذِيُّ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ: المُرَادُ بِهِ شَهَادَةُ الزُّورِ "أَلا" بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ" أَيْ: أَجْنَبِيَّةٍ "إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ" بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْمَعْنَى: يَكُونُ الشَّيْطَانُ مَعَهُما يُهَيِّجُ شَهْوَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يُلْقِيَهُمَا فِي الزِّنَا "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ" أَيْ الْمُنْتظِمَةِ بِنَصبِ الْإِمَامَةِ "وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ" أَيْ: اِحْذَرُوا مُفَارَقَتَهَا مَا أَمْكَنَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: "مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ" (١).
وفي حديث حذيفة ﵁ قال: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ" (٢).
وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ليس إخبار الله عن الكتب السابقة أنها بينات يلزم منه أنها ما زالت بينات بعد تحريفكم إياها؛ بل كانت إلى أن حرفتموها وبدلتموها بأقوال من عندكم.
الوجه الثاني: كلف الله النبي محمدًا ﷺ بتبليغ القرآن الكريم ولم يكلفه أن يرد المختلفين من أهل الكتاب إلى كتابهم؛ لأن القرآن فيه بيناتهم وزيادة .
١ - يقول تعالى عن القرآن إنه بلاع للناس لإنذارهم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
٢ - ويأمر الله رسوله بتبليغ الرسالة وعدم التقصير في أدائها، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
стр. 2930
الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
٣ - ويقول سبحانه: إن ما بين يدى النبي ﷺ هو قرآن وذكر من عند الله؛ لينذر به الأحياء جميعًا: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٦٩, ٧٠].
٤ - ويزكي القرآن النبي ﷺ في أنه يبلغ القرآن بكل أمانة؛ فهو لا ينطق عن الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣].
٥ - ولو لبى النبي ﷺ طلب هؤلاء وأمثالهم حيث طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا، أو قال على الله ما لم يقله الله - وحاشاه ذلك - سيصير الأمر إلى ما تدل عليه الآيات: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٤, ٤٥]. ولا شك أن وظيفة النبي ﷺ هي تبيين الذكر للناس، وتبيين ما اختلف فيه أهل الكتاب وإنذارهم به، فما عليه ﷺ إلا البلاغ، قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩].
وقال : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ
стр. 2931
نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
٦ - ثم إن الرسل الذين جاءوا من قبل النبي محمد ﷺ كانوا يبينون للناس ما اختلفوا فيه من قبل، ويأتيهم بكتاب جديد من قبل الله ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٣, ٦٤]. وقال تعالى عمن يكفر بهذه البينات: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
فالله نزَّل على رسوله ﷺ الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشري للمسلمين، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٨٩, ٩٠].
الوجه الثالث [*]: الإسلام جاء ناسخًا للكتب السماوية الأخرى .
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: إنزالًا بالحق، ومشتملًا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقًا لخبرها.
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: مشتملًا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.
стр. 2932
وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه (١).
فإذا اختلف البشر أو تفرقوا، وجب الرجوع إلى الدين الخاتم لجميع الأديان، لا أن يُرد إلى كتبٍ حرّفها أصحابها، وابتعدوا عن منهجها! ، ولذا كان الرجوع إلى الكتاب الحق - وهو القرآن - هو الأصل.
* * *
стр. 2933
سورة النساء
وفيها:
١ - شبهة: حول قول تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.
٢ - شبهة: حول قول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾.
стр. 2934
١ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ .
نص الشبهة:
يقولون: جاء في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
لم تكتفِ الآية بنعت المسيح بالرسالة؛ بل شهدت أنه كلمة الله، ولكي لا نتوهم خلاف المقصود بلفظ (كلمة الله) أتبعها بما يزيل الشك وهو (روح منه) لنفهم أن المسيح ليس مجرد رسول عادي؛ بل ابن مرسل من أبيه إلى عالم الدنيا كأشعة الشمس المنبعثة إلى الأرض من الشمس، وما الفرق بين القول: إن المسيح نور من نور إله، حق من إله حق، والقول روح الله أو روح من الله؟ أليس أنه من ذات الله ومن جوهره؟
وهم يريدون بذلك إثبات البنوة لعيسى ﵇ وأنه جزء من الله، كذلك في قوله: (كلمة منه)
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان معنى ما أضيف إلى الله.
الوجه الثاني: أن يضاف الشيء إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر به.
الوجه الثالث: بيان معنى الكلمة في قوله: (وكلمته).
الوجه الرابع: بيان اختصاص المسيح بإطلاق الكلمة عليه.
الوجه الخامس: بيان معنى الروح في الآية (وروح منه).
الوجه السادس: الحكمة من وصفه بهذه الصفة (الروح).
الوجه السابع: بيان معنى قوله: (منه) وأن الإضافة للتشريف وليست للتبعيض.
الوجه الثامن: الحكمة من وصف عيسى بهذين الوصفين.
الوجه التاسع: الأدلة على أن عيسى عبد الله ورسوله.
الوجه العاشر: بعض الأدلة على أن الله واحد لا شريك له، وأنه لم يتخذ ولدًا.
الوجه الحادي عشر: على زعمكم - الباطل - فآدم أولى بعيسى من ذلك.
стр. 2935
الوجه الثاني عشر: في كتابكم من أطلق عليه روح الله، فلماذا خص عيسى وحده بالبنوة؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان معنى ما أضيف إلى الله .
أولًا: إن (كلمة الله) مركبة من جزئين (كلمة) و (الله) فهي مركبة من مضاف ومضاف إليه، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإما أن نقول: إن كل مضاف لله تعالى هو صفة من صفاته، أو نقول: إن كل مضاف لله ليس صفة من صفاته، وبعبارة أخرى إما أن نقول: إن كل مضاف لله مخلوق، أو إن كل مضاف لله غير مخلوق.
وإذا قلنا: إن كل مضاف لله صفة من صفاته وهو غير مخلوق؛ فإننا سنصطدم بآيات في القرآن، وكذلك بنصوص في الإنجيل يضاف فيها الشيء إلى الله، وهو ليس صفة من صفاته؛ بل هو مخلوق من مخلوقاته، كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] وكما نقول: بيت الله، وأرض الله، وغير ذلك.
وإذا عكسنا القضية وقلنا: إن كل مضاف لله مخلوق؛ فإننا كذلك سنصطدم بآيات ونصوص أخرى؛ كما نقول: علم الله، وحياة الله، وقدرة الله.
إذن لا بد من التفريق بين ما يضاف إلى الله؛ فإذا كان ما يضاف إلى الله شيئًا منفصلًا قائمًا بنفسه، كالناقة والبيت والأرض فهو مخلوق، وتكون إضافته إلى الله تعالى من باب التشريف والتكريم؛ أما إذا كان ما يضاف إلى الله شيئًا غير منفصل؛ بل هو صفة من صفاته، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ومن البديهي أن يكون هذا غير مخلوق، إذن فالصفة تابعة للموصوف ولا تقوم إلا به، فلا تستقل بنفسها بحال.
وإذا عدنا إلى الجزء الذي معنا هنا فإننا نجد أن (كلمة الله) هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فـ (الكلمة) هي صفة الله تعالى، وليست شيئًا خارجًا عن ذاته حتى يقال إن: المسيح هو الكلمة، أو يقال: إنه جوهر خالق بنفسه كما يزعم النصارى.
стр. 2936
فخلاصة هذا الوجه أن (كلمة الله) صفة من صفاته، وكلامه كذلك، وإذا كان الكلام صفة من صفاته فليس هو شيء منفصل عنه، لما تقرر آنفًا من أن الصفة لا تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من موصوف تقوم به، وأيضًا فإن (كلمة الله) ليست هي بداهة جوهر مستقل، فضلًا عن أن تتجسد في صورة المسيح، كما يزعم النصارى.
قال ابن تيمية: إن المضاف إذا كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمًا به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإن كان المضاف عينًا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقوله في عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ يمتنع أن يكون شيء من هذه الأعيان القائمة بنفسها صفة لله تعالى، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما أن تضاف إليه من جهة كونه خلقها وأبدعها فهذا شامل لجميع المخلوقات كقولهم: سماء الله وأرض الله، ومن هذا الباب فجميع المخلوقين عباد الله، وجميع المال مال الله، وجميع البيوت والنوق لله.
الوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر به .
كما خص البيت العتيق بعبادة تكون فيه لا تكون في غيره، وكما خص المساجد بأن يفعل فيها ما يحبه ويرضاه من العبادات، وأن تصان عن المباحات التي لم تشرع فيها فضلًا عن المكروهات، وكما يقال عن مال الفيء والخمس: هو مال الله ورسوله (١).
ثانيًا: إن أبى المعرضون ما سبق، وقالوا: بل المسيح هو (الكلمة) وهو الرب، وهو خالق وليس بمخلوق، إذ كيف تكون الكلمة مخلوقة؟
فالجواب: إذا سلمنا بأن المسيح هو (الكلمة) وهو الخالق، فكيف يليق بالخالق أن يُلقى؟ ! إن الخالق حقيقة لا يلقيه شيء؛ بل هو يلقي غيره، فلو كان خالقًا لمَا أُلقي، ولمَا قال
стр. 2937
الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا﴾؟
الوجه الثالث: بيان معنى الكلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ .
المعنى الأول: أنها كلمة التكوين وهى كلمة (كن).
والمعنى: أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩].
والعرب تسمى الشيء باسم الشيء إذا كان صادرًا عنه (١).
وبه قال قتادة (٢). وشَاذُّ بْنُ يَحْيَى قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى (٣).
قَالَ الْهَرَوِيُّ: سُمِّيَ كَلِمَة؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ الْكَلِمَة فَسُمِّيَ بِهَا كَمَا يُقَال لِلْمَطَرِ: رَحْمَة (٤).
فسماه الله كلمته؛ لأنه كان عن كلمته كما يقال لما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه يعني به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧، الأحزاب: ٣٧] يعني به: ما أمر الله به وهو المأمور به الذي كان عن أمر الله (٥).
فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كن) فكان عيسى ﷺ بكن، فعيسى ليس هو الكن ولكن بالكن كان، فالكن من الله قول وليس الكن مخلوقًا، وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة. وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب؟
стр. 2938
قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول الله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يقول: من أمره، وتفسير روح الله إنما معناها: أنها روح يملكها الله خلقها الله كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله (١).
المعنى الثاني: المراد بالكلمة كلمة البشارة.
يعني برسالة من الله، وخبر من عنده وهو من قول القائل: ألقى فلان إليَّ كلمة سرني بها بمعنى: أخبرني خبرًا فرحت به كما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] يعني: بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها.
فتأويل الكلام: وما كنت يا محمد عند القوم؛ إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم، إن الله يبشرك ببشرى من عنده؛ هي ولد لك اسمه المسيح عيسى ابن مريم (٢).
الوجه الرابع: بيان اختصاص المسيح بإطلاق الكلمة عليه .
يقول محمد رشيد رضا: لماذا خص المسيح بإطلاق الكلمة عليه؟ وأجيب عن ذلك:
١ - بأن الأشياء تنسب في العادة والعرف العام في البشر إلى أسبابها، ولما فقد في تكوين المسيح وعلوق أمه به ما جعله الله سببًا للعلوق، وهو تلقيح ماء الرجل لما في الرحم من البيوض التي يتكون منها الجنين، أضيف هذا التكوين إلى كلمة الله، وأطلقت الكلمة على المكون إيذانًا بذلك أو جعل كأنه نفس الكلمة مبالغة، وهذا هو الوجه المشهور.
٢ - أنه أطلق عليه لفظ الكلمة لمزيد إيضاحه لكلام الله الذي حرفه قومه اليهود حتى أخرجوه عن وجهه، وجعلوا الدين ماديًا محضًا؛ قاله الرازي. وجعله من قبيل وصف الناس للسلطان العادل بظل الله ونور الله، لما أنه سبب لظهور ظل العدل ونور الإحسان قال: فكذلك كان عيسى سببًا لظهور كلام الله بسبب كثرة بياناته له، وإزالة الشبهات
стр. 2939
والتحريفات عنه (١).
قال ابن تيمية: ثم يقال للنصارى: فلو قدر أن المسيح نفس الكلام، فالكلام ليس بخالق؛ فإن القرآن كلام الله وليس بخالق، والتوراة كلام الله وليست بخالقة، وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء خالق، فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقًا، فكيف وليس هو الكلام وإنما خلق بالكلمة وخص باسم الكلمة؟ فإنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي خلق عليه غيره؛ بل خرج عن العادة، فخلق بالكلمة من غير السنة المعروفة في البشر (٢).
الوجه الخامس: بيان معنى الروح في الآية (وَرُوحٌ مِنهُ) .
المعنى الأول: الروح بمعنى: النفخ .
معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ونفخة منه؛ لأنه حدث عن نفخة جبريل ﵇ في دِرْع مريم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه (روح من الله)؛ لأنه بأمره كان. قال: وإنما سمي النفخ ﴿رُوحًا﴾ لأنها ريح تخرج من الرُّوح، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها:
فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُها، وَهْيَ طِفْلَةٌ بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعًا وَلا شِبْرَا
وَقُلْتُ لَهُ: ارْفَعْهَا إِلَيْكَ، وَأَحْيِهَا بِرُوحِكَ، وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا
وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِس الشَّخْتِ، وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا، وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا
وَلمَّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرِّمَّ لَمْ تَدَعْ ذَوَابِلَ مِمَّا يَجْمَعُونَ ولا خُضْرَا
فَلَمَّا جَرَتْ في الْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا البَرْقِ، أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا
وقالوا: يعني بقوله: أحيها بروحك؛ أي: أحيها بنفخك (٣).
المعنى الثاني: الروح بمعنى الرحمة .
стр. 2940
معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] قالوا: ومعناه في هذا الموضع: ورحمة منه، قالوا: فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدّقه؛ لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد (١).
المعنى الثالث: الروح بمعنى مخلوقة من عند الله .
وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم، فهي روح مخلوقة من عند الله (٢).
المعنى الرابع: الروح بمعنى جبريل .
معنى: "الروح" ههنا جبريل ﵇، قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضًا إليها روح من الله، قالوا: فـ "الروح" معطوف به على ما في قوله: "ألقاها" من ذكر الله، بمعنى: أنّ إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله، ثم من جبريل ﵇ (٣).
المعنى الخامس: الروح بمعنى رسول .
عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ قال: "رَسُولٌ مِنْهُ" (٤).
الوجه السادس: الحكمة من وصفه بهذه الصفة (الروح) .
الأول: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة، قالوا: إنه روح فلما كان عيسى ﵇ متكونًا من النفخ لا من النطفة وصف بالروح (٥).
الثاني: أنه كان سببًا لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح، قال تعالى في صفة القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٦).
стр. 2941
الثالث: وقوله عن المسيح: وروح منه خص المسيح بذلك؛ لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمى روحًا منه (١).
الوجه السابع: بيان معنى قوله: (منه) وأن الإضافة للتشريف وليست للتبعيض .
أولًا: المعنى لقوله روح منه .
أي كائنة منه بتخليقه وتكوينه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] (٢).
ثانيًا: هذه الإضافة للتشريف .
قال ابن كثير: وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] (٣).
ثالثًا: (من) لابتداء الغاية وليست للتبعيض .
أما قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فلفظة (مِنْ) ليست للتبعيض ههنا؛ إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئًا متبعضًا متحملًا للاجتماع والافتراق، وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه؛ بل المراد من كلمة (مِنْ) ههنا ابتداء الغاية، وذلك لأن في حق عيسى ﵇ لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة (الله) مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى من الحلولية.
وقد ذكر أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات
стр. 2942
يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى؛ وتلى هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءًا منه علوًا كبيرًا فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة (١).
وعلى هذا يكون معنى الآية:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله وخَلقٌ من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم؛ أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه فكان عيسى بإذن الله وصارت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها، فنزلت حتى وَلجَت فرجها بمنزلة لقاح الأبِ الأمَّ، والجميع مخلوق لله ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولَّد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن فكان. والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢] وقال تعالى إخبارًا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٩] (٢).
стр. 2943
الوجه الثامن: الحكمة من وصف عيسى بهذين الوصفين .
قال ابن عاشور: فإن قلت: مما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلَّا وُصف المسيحُ في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد ﷺ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفي للضلال.
قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل أو في كلام الحواريّين وصفًا لعيسى ﵇، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما، فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل؛ أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله، وتصدير جملة القصر بأنّه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ينادي على وصف العبوديّة؛ إذ لا يُرسل الإله إلهًا مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح (١).
الوجه التاسع: الأدلة على أن عيسى عبد الله ورسوله .
أولًا من القرآن:
قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢].
قال الطبري: أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض؛ عبيدُه وإماؤه وخلقه وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا (٢).
стр. 2944
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٢٩، ٣٠].
قال الرازي: اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع:
الصفة الأولى: قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببًا للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك الكلام وإن كان موهمًا من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية.
الفائدة الثانية: أنه لما أقر بالعبودية فإن كان صادقًا في مقاله فقد حصل الغرض، وإن كان كاذبًا لم تكن القوة قوة إلهية؛ بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهًا.
الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم ﵍، ثم إن عيسى ﵇ لم ينصْ على ذلك، وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها.
الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم؛ لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة، وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جدًّا (١).
ثانيًا من السنة:
عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ
стр. 2945
وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" قَالَ الْوَلِيدُ حدثني ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ: "مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيَّهَا شَاءَ" (١).
الوجه العاشر: بعض الأدلة على أن الله واحد لا شريك له، وأنه لم يتخذ ولدًا .
أولًا: من القرآن .
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
قال ابن كثير: يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله؛ تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا.
هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨, ١١٦]. (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ