الثالث: وقوله عن المسيح: وروح منه خص المسيح بذلك؛ لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمى روحًا منه (١).
الوجه السابع: بيان معنى قوله: (منه) وأن الإضافة للتشريف وليست للتبعيض .
أولًا: المعنى لقوله روح منه .
أي كائنة منه بتخليقه وتكوينه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] (٢).
ثانيًا: هذه الإضافة للتشريف .
قال ابن كثير: وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] (٣).
ثالثًا: (من) لابتداء الغاية وليست للتبعيض .
أما قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فلفظة (مِنْ) ليست للتبعيض ههنا؛ إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئًا متبعضًا متحملًا للاجتماع والافتراق، وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه؛ بل المراد من كلمة (مِنْ) ههنا ابتداء الغاية، وذلك لأن في حق عيسى ﵇ لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة (الله) مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى من الحلولية.
وقد ذكر أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات
стр. 2942
يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى؛ وتلى هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءًا منه علوًا كبيرًا فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة (١).
وعلى هذا يكون معنى الآية:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله وخَلقٌ من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم؛ أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه فكان عيسى بإذن الله وصارت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها، فنزلت حتى وَلجَت فرجها بمنزلة لقاح الأبِ الأمَّ، والجميع مخلوق لله ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولَّد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن فكان. والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢] وقال تعالى إخبارًا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٩] (٢).
стр. 2943
الوجه الثامن: الحكمة من وصف عيسى بهذين الوصفين .
قال ابن عاشور: فإن قلت: مما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلَّا وُصف المسيحُ في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد ﷺ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفي للضلال.
قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل أو في كلام الحواريّين وصفًا لعيسى ﵇، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما، فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل؛ أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله، وتصدير جملة القصر بأنّه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ينادي على وصف العبوديّة؛ إذ لا يُرسل الإله إلهًا مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح (١).
الوجه التاسع: الأدلة على أن عيسى عبد الله ورسوله .
أولًا من القرآن:
قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢].
قال الطبري: أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض؛ عبيدُه وإماؤه وخلقه وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا (٢).
стр. 2944
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٢٩، ٣٠].
قال الرازي: اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع:
الصفة الأولى: قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببًا للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك الكلام وإن كان موهمًا من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية.
الفائدة الثانية: أنه لما أقر بالعبودية فإن كان صادقًا في مقاله فقد حصل الغرض، وإن كان كاذبًا لم تكن القوة قوة إلهية؛ بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهًا.
الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم ﵍، ثم إن عيسى ﵇ لم ينصْ على ذلك، وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها.
الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم؛ لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة، وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جدًّا (١).
ثانيًا من السنة:
عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ
стр. 2945
وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" قَالَ الْوَلِيدُ حدثني ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ: "مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيَّهَا شَاءَ" (١).
الوجه العاشر: بعض الأدلة على أن الله واحد لا شريك له، وأنه لم يتخذ ولدًا .
أولًا: من القرآن .
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
قال ابن كثير: يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله؛ تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا.
هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨, ١١٦]. (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ
стр. 2946
وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء: ١٧١].
قال الشيخ محمد رشيد رضا: قوله تعالى ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركب ولا متحد بشيء من المخلوقات ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد كما تقولون في المسيح أنه ابنه، وأنه هو عينه؛ فإنه ﵎ ليس له جنس فيكون له منه زوج يقترن بها فتلد له ابنًا، والنكتة في اختيار لفظ الولد في الرد عليهم على لفظ الابن الذي يعبرون به هي بيان أنهم إذا كانوا يريدون الابن الحقيقي الذي يفهم من هذا اللفظ فلا بد أن يكون ولدًا؛ أي: مولود من تلقيح أبيه لأمه، وهذا محال على الله تعالى، وإن أرادوا أنه ابن مجازًا لا حقيقة كما أطلق في كتب العهد العتيق والعهد الجديد على إسرائيل وداود وعلى صانعي السلام وغيرهم من الأخيار، فلا يكون له دخل في الألوهية، ولا يعد من باب الخصوصية.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليس له ولد خاص مولود منه، يصح أن يسمى ابنه حقيقة؛ بل له كل ما في السموات والأرض - المسيح من جملتها - خلق كل ذلك خلقًا، وكل ذي عقل منها وإدراك يفتخر بأن يكون له عبدًا، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ لا فرق في هذا بين الملائكة المقربين والنبيين الصالحين، كما صرحت به الآية التالية لهذه، ولا بين من خلقه ابتداءً من غير أب ولا أم كالملائكة وآدم، ومن خلق من أصل واحد كحواء وعيسى، ومن خلق من الزوجين الذكر والأنثى كلهم بالنسبة إليه - تعالى - سواء، عبيد له من خلقه محتاجون دائمًا إلى فضله، وهو يتصرف فيهم كما يشاء.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: به الكفاية لمن عرفه، وعرف سننه في خلقه إذا وكلوا إليه
стр. 2947
أمورهم، ولم يحاولوا الخروج عن سننه وشرائعه بسوء اختيارهم (١).
قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
قال ابن كثير: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على
стр. 2948
رؤوس الأشهاد.
ثانيًا: من السنة .
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ أَنَّ نَاسًا في زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ قَالُوا: "يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَة؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ". . . . وهو حديث الرؤية وفيه قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ؛ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ؛ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ". . ." (١).
الوجه الحادي عشر: على زعمكم - الباطل - فآدم أولى بعيسى من ذلك .
ما دمتم تقرِّون أنه ليس ثمة أحد يحمل صفات الألوهية أو البنوة لله تعالى إلا المسيح ﵇ وتستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فحينئذ يلزمكم أن تقولوا: إن آدم ﵇ أحق بالبنوة من عيسى؛ حيث قال الله في آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ولا شك أن القول بهذا حجة عليكم لا لكم، فإذا كان قوله سبحانه: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ في حق آدم معناه الروح المخلوقة، وأن هذه الروح ليست صفة لله فهي كذلك في حق عيسى؛ إذ اللفظ واحد؛ بل إن الإعجاز في خلق آدم بلا أب ولا أم أعظم من الإعجاز في خلق عيسى بأم بلا أب، وحسب قولكم يكون آدم حينئذ أحق بالبنوة والألوهية من عيسى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وبعد ما تقدم نقول: إن القرآن الكريم في هذا الموضع وفي غيره يقرر بشرية
стр. 2949
المسيح ﵇، وأنه عبد الله ورسوله، وأنه ليس له من صفة الألوهية شيء، وقد قال تعالى في نفس الآية التي معنا: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فهو ابن مريم، وليس ابن الله، وهو رسول الله، وليس هو الله.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
فهل بعد هذا الاستدلال العقلي والبيان القرآني ييقى متمسك بشبهات أوهى من بيت العنكبوت؟ (١).
الوجه الثاني عشر: في كتابكم من أطلق عليه روح الله، فلماذا خص عيسى وحده بالبنوة ؟
قال الآلوسي: وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى ﵇ بنسبة الروح إليه إذ لغيره ﵇ مشاركة له في ذلك، ففي "إنجيل لوقا" قال يسوع لتلاميذه: إنَّ أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه، وفي "إنجيل متى": إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه، وفي "التوراة": قال الله تعالى لموسى ﵇: اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم، وفيها في حق يوسف ﵇: يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى حالٌّ فيه، وفيها أيضًا: إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك (٢).
وهذه بعض الأمثلة:
стр. 2950
فَخَلَّصَهُمْ، عُثْنِيئِيلَ بْنَ قَنَازَ أَخَا كَالِبَ الأَصْغَرَ. ١٠ فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ (سفر القضاة ٣/ ١٠: ٩).
وَلَبِسَ رُوحُ الرَّبِّ جِدْعُونَ (سفر القضاة ٦٣/ ٣٤).
فَكَانَ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى يَفْتَاحَ (سفر القضاة ٦٣/ ٣٤).
فَحَلَّ رُوحُ الله عَلَى شَاوُلَ (صموئيل الأول ١١/ ٦).
وَكَانَ رُوحُ الله عَلَى عَزَرْيَا بْنِ عُودِيدَ (أخبار الأيام الثاني ١٥/ ١).
فكل من أطلق عليه روح الله أو الرب يصبح إلهًا أو ابنًا على زعمكم، إذن فالإله والأبناء كثيرون! .
* * *
стр. 2951
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ .
نص الشبهة:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩] كيف يصح ذلك والكثير منهم مات على كفره؟ !
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إيمان أهل الكتاب بعيسى ﵇ بعد نزوله وقبل موته .
الوجه الثاني: إيمان الكتابي قبل موت الكتابي نفسه.
الوجه الثالث: إيمان الكتابي بمحمد ﷺ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: إيمان أهل الكتاب بعيسى ﵇ بعد نزوله وقبل موته.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
لما أنجز الكلام إلى أمر عيسى ﵇ على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود، وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله ﵇ فخاب قصدهم، ورد عليهم بغيهم، وحصل له بذلك أعلى المناصب، وأولى المراتب، قال محققًا لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم، مثبتًا أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه التصديق بمحمد ﷺ ، مؤكدًا له أشد التأكيد لما عندهم من الإنكار له (وإنَّ) أي: والحال أنه ما (من أهل الكتاب) أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان إلا وعزتي ليؤمنن بعيسى ﵇ (قبل موته) أي موت عيسى ﵇ إي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان، يؤيد الله دين الإسلام حتى يدخل فيه جميع أهل الملل إشارة إلى أن موسى ﵇ إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زمنًا طويلًا، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى وهو عيسى ﵇ هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته، وتمهيد أمره، والذب عن
стр. 2952
دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة، وأتباع مستكثرة، أمر قضاه الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو اقصروا، فيكون المعنى إذن والله أعلم:
أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى ﵇ على شك إلا وهو يوقن بعيسى ﵇ قبل موته بعد نزوله من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند زوال الشبهة، والله أعلم.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" وفي رواية: "وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين" وفي رواية: "حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام" فيهلك الله في أمانه الملل كلها إلا الإسلام، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ﵇ ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات -, ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعوه إلى المال فلا يقبله أحد" وفي رواية: "يفيض المال حتى لا يقبله أحدا" (١)، ولمسلم عنه ﵁: "كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ " وفي رواية: "فأمَّكم منكم".
قال الوليد بن مسلم أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ . (٢)
ولمسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ الله هَذِهِ الأُمَّةَ" (٣).
الوجه الثاني: إيمان الكتابي قبل موت الكتابي نفسه .
стр. 2953
قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ والمعنى: ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه قبل موته، أي: قبل موت الكتابي نفسه، وذلك؛ لأن من نزل به الموت من أهل الكتاب لا يموت حتى يتجلى له ما كان جاهلًا فيؤمن عند ذلك بعيسى ﵇، فما من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى ﵇، وأنه عبد الله وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه في حضرة الموت وحالة النزع، وتلك الحالة لا حكم لما يفعل أو يقال فيها، فلا يصح فيها إسلام، ولا كفر، ولا وصية، ولا بيع، ولا عتق، ولا غير ذلك من الأقوال؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤, ٨٥]، وكذلك لما أدرك فرعون الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقال تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١]، فما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف.
فعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شي منها - يعني هذه الآية - وقال: إني أُوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع من ذلك؟ فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه، وقالوا: يا عدو الله، أتاك موسى نبيًا فكذبت به؟ فيقول: آمنت أنه عبد نبي، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه الله أو ابن الله؟ فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.
стр. 2954
وعن ابن عباس قال: هي في قراءة أُبي: (قبل موتهم) فليس يهودي يموت أبدًا حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خرَّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهوي، فقيل: أرأيت إن ضربت عنق أحد منهم؟ قال: يتلجلج به لسانه، وقال أيضًا: كل صاحب كتاب ليؤمنن به - بعيسى - قبل موت صاحب الكتاب، لو ضربت عنقه لم تخرج حتى يؤمن بعيسى، وقال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم وإن ضرب بالسيف يتكلم به، وإن هو يتكلم به وهو يهوي، وقال: لو أن يهوديًا وقع من فوق البيت لم يمت حتى يؤمن بعيسى ﵇ وقال: ليس من يهودي ولا نصراني يموت حتى يؤمن بعيسى ابن مريم، فقال له رجل من أصحابه: كيف والرجل يغرق أو يحترق أو يسقط عليه الجدار أو يأكله السبع؟ فقال: لا تخرج روحه من جسده حتى يقذف فيه الإيمان بعيسى (١).
وفائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم الوعيد، ويكون علمهم بأن لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة وأن ذلك لا ينفعهم بعثًا لهم وتنبيهًا على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزامًا للحجة لهم (٢).
الوجه الثالث: إيمان الكتابي بمحمد ﷺ -.
قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ يحتمل أن يكون المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي.
قال عكرمة: لا يموت النصراني واليهودي حتى يؤمن بمحمد ﷺ .
فمن فسر هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع،
стр. 2955
وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك كما قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤, ٨٥] ولا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أن يصير بذلك مسلمًا. . . الأثر - إلى قول ابن عباس -: ولو تردى من شاهق، أو ضُرب بسيف، أو افترسه سبع؛ فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى، فالإيمان به في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمنا، والله أعلم (١).
* * * *
стр. 2956
سورة المائدة
وفيها:
١ - شبهة: حول الأسباب التي منعت قوم موسى ﵇ من دخول الأرض المقدسة.
٢ - شبهة: حول قصة ابني آدم ﵇.
٣ - شبهة: حول طلب الحواريين نزول المائدة. وبعدها نبذة عن العشاء الرباني.
стр. 2957
١ - شبهة: حول الأسباب التي منعت قوم موسى ﵇ من دخول الأرض المقدسة .
نص الشبهة:
أن القرآن ذكر أن قوم موسى رفضوا دخول الأرض المقدسة لأسباب وهي:
أن فيها قومًا جبارين.
وأنهم طلبوا من موسى أن يخرج أهلها أولًا حتى يدخلوها.
وكذلك أنهم قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.
مع أن التوراة لم تذكر شيئًا من ذلك، وكل ما هنالك في هذه القصة وفي هذه الاعتراضات: أنهم تذمروا على موسى وقالوا ليتنا متنا في مصر أو في القفر. . . إلخ كما في سفر العدد (١٣، ١٤).
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالكتاب المقدس على القرآن لأمور.
الوجه الثاني: القرآن كلام الله، وذكره للقصة يكفي ثبوتها .
الوجه الثالث: الكتاب المقدس يذكر دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة بالشروط التي ذكرها القرآن فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالكتاب المقدس على القرآن لأمور منها:
١ - ثبوت تحريف التوراة والإنجيل بالدليل القاطع.
٢ - عدم إيماننا بما هو موجود الآن من هذه الكتب المحرفة، وهذه مسألة مفصلة في محلها فلتراجع (١).
ولو سلمنا بعدم التحريف؛ فالقرآن الكريم أتى بزيادة لم تأت بها التوراة فوجب قبولها.
الوجه الثاني: القرآن كلام الله، وذكره للقصة يكفي ثبوتها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ
стр. 2958
أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦].
قال أبو جعفر الطبري: وفي قوله : ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ وهذا خبر من الله عن جواب قوم موسى ﵇ إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قومًا جبارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوة لنا بهم، وسموهم ﴿جَبَّارِينَ﴾ لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم - فيما ذكر لنا - قد قهروا سائر الأمم غيرهم.
فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، يعنون: من الأرض المقدسة الجبارين الذين فيها جبنًا منهم وجزعًا من قتالهم، وقالوا له: إنْ يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها؛ لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يَدَ. ثم قال في قوله: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾، وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى لموسى إذ رُغِّبوا في جهاد عدوهم، ووعدوا نصر الله إياهم إن هم ناهضوهم، ودخلوا عليهم باب مدينتهم أنهم قالوا: إنا لن ندخلها أبدًا، يعنون إنا لن ندخل مدينتهم أبدًا والهاء والألف من قوله له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ من ذكر المدينة، ويعنون بقولهم: ﴿أَبَدًا﴾ أيام حياتنا،
стр. 2959
﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾ يعنون: ما كان الجبارون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم، وأمروا بدخولها، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم؛ ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم، وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا؛ ولكن معناه اذهب أنت يا موسى وليعنك الله ربك وذلك أن الله لا يجوز عليه الذهاب (١).
قال ابن كثير: وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم؛ مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعَدَدِهِمْ، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود (٢).
وإنا لنفخر بما كان عليه صحابة نبينا من طاعتهم لله ورسوله، وعدم إعراضهم عن الجهاد والقتال عمومًا، ويوم استشارهم النبي ﷺ في بدر خصوصًا.
قال ابن كثير: وما أحسن ما أجاب به الصحابة، ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ حين
стр. 2960
استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب (١)، فتكلم أبو بكر، ﵁، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله ﷺ يقول: "أشيروا عليَّ أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ ﵁ كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله ﷺ بِقول سعد، ونَشَّطه ذلك (٢).
وقد قال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا، لأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النبي ﷺ وَهْوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَخَلْفَكَ. فَرَأَيْتُ النبي ﷺ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ. يَعْنِي قَوْلَهُ (٣).
الوجه الثالث: الكتاب المقدس يذكر دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة بالشروط التي ذكرها القرآن، فاعتبروا يا أولي الأبصار !
واقرأ كاملًا - إن أردت - سفر العدد إصحاح ١٣، ١٤ وفيه (١٣/ ٣١ - ٣٣): وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ فَقَالُوا: "لَا نَقْدِرْ أَنْ نَصْعَدَ إِلَى الشَّعْبِ، لأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنَّا". ٣٢ فَأَشَاعُوا مَذَمَّةَ الأَرْضِ الَّتِي تَجَسَّسُوهَا، فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ: "الأَرْضُ الَّتِي مَرَرْنَا فِيهَا لِنَتَجَسَّسَهَا هِيَ أَرْضٌ تَأْكُلُ سُكَّانَهَا، وَجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي رَأَيْنَا فِيهَا أُنَاسٌ طِوَالُ الْقَامَةِ. ٣٣ وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ الْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاق مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَالْجَرَادِ، وَهكَذَا كُنَّا فِي
٢ - شبهة: حول قصة ابني آدم ﵇ -.
نص الشبهة:
١ - القرآن ذكر أن الغراب علَّم القاتل كيف دفن أخاه، والتوراة لم تذكر ذلك، وذلك من خرافات اليهود القديمة، وهل يعقل أن القاتل كان يجهل مثل هذا الأمر مدة حياته ولم ير طيرًا أو حيوانًا يوارى في التراب فيفعل مثله؟
٢ - زعموا أن القرآن ذكر اسم ابني آدم ﵇ وهما قابيل وهابيل والتوراة ذكرت قابين وهو الأصل، على أن القرآن يراعي السجع؛ والسجع مقدم عنده على الحقائق.
٣ - زعموا أن القرآن مقتبس من التوراة، فالقصة ثابتة قي التوراة اقتبسها القرآن وأضاف عليها؛ إذن القرآن لم يأت بجديد.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالتوراة والإنجيل على القرآن لأمور.
الوجه الثاني: القرآن ذكر قصة الغراب واضحة وصريحة فلا حجة للمنكر .
الوجه الثالث: القرآن لم يذكر اسمي ابني آدم ﵇.
الوجه الرابع: أمر حدث لأول مرة وهو القتل فترتب عليه احتياجه لدفنه، وما كان يعلم ذلك قط فأرسل الله الغراب يُعلم القاتل ما يفعل بالمقتول.
الوجه الخامس: الحكمة من بعث الله الغراب واختصاصه عن الطير.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالتوراة والإنجيل على القرآن لأمور كما تقدم .
الوجه الثاني: القرآن ذكر قصة الغراب واضحة وصريحة فلا حجة للمنكر.
والقصة كلها كما في سورة المائدة قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
стр. 2963
قال الطبري: فأثار الله للقاتل؛ إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول: ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: يحفر في الأرض فيثير ترابها: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ يقول: ليريه كيف يواري جيفة أخيه، وقد يحتمل أن يكون عني بالسوأة الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، بذلك جاء تأويل أهل التأويل، وفي ذلك محذوف ترك ذكره استغناءً بدلالة ما ذكر منه وهو: فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميت فواراه فيها، فقال القاتل أخاه حينئذ: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر الميت: ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ فواراه حينئذ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ما فرط منه من معصية الله - عز ذكره - في قتله أخاه (١).
الوجه الثالث: القرآن لم يذكر اسمي ابني آدم ﵇ -
قالوا: إن اسم قابيل هو قابين كما هو في التوراة، وإنما قال القرآن قابيل لمراعاة السجع.
والجواب: إنما هذا الكلام يدل على جهل القائل فهو ما استطاع أن يفرق بين القرآن وكلام أهل التفسير على القرآن. فالقرآن لم يذكر اسمي ابني آدم ﵇ وكذلك السنة الصحيحة، فلم يرد خبر صحيح بتسمية ابني آدم ﵇.
وقدَ قَالَ النبي ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ (٢).
وإنما هذه التسمية أشيعت بين أهل التاريخ والسير والتفسير. (٣)
ونحن نسأل لم يثبت عندنا في القرآن ولا في السنة اسمي ابني آدم، وعندكم في نسخة لكتابكم يوجد "قايين" بياءين" وفي أخرى "قابين" بياء واحدة فأيها أصح؟
стр. 2964
الوجه الرابع: أمر حدث لأول مرة وهو القتل فترتب عليه احتياجه لدفنه، وما كان يعلم ذلك قط فأرسل الله الغراب يُعلم القاتل ما يفعل بالمقتول .
زعموا وقالوا: وهل يعقل أن القاتل كان يجهل مثل هذا الأمر (أي الدفن) مدة حياته ولم ير طيرًا أو حيوانًا يوارى في التراب فيفعل مثله؟
والجواب كما يلى:
إن كان من ناحية الشرع فالآية أوضحت ذلك وهو أنه لم يدر ماذا يفعل بأخيه فبعث الله الغراب فعلمه.
قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]، أما من ناحية العقل فهذا ليس ببعيد؛ إذ هي أول حالة قتل ولا يدري ماذا يفعل فيها. وقياس الإنسان على الحيوان في مسألة الدفن قبل أن يعلم - إن سلمنا جدلًا أن الحيوان أو الطير يدفن - قياس بعيد، كيف يقاس إنسان على حيوان؟
فهو لو كان يعلم أن الطير أو الحيوان يدفن؛ لكان ذلك أيضًا بعيدًا عليه.
نقول ذلك في حالة إن كان الطير أو الحيوان يدفن، وأيضًا يجاب عن كلامهم أنه في الغالب أن الحيوان والطيور إن ماتت لا تدفن فكيف لا وهي في بداية الحياة؟
فكثير من الأماكن إذا مات عندهم طير أو حيوان تركوه وما دفنوه، تركوه للسباع فيأكلوه.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: لما كان هذا القتل أول قتل وقع من بني آدم ﵇، ولما كان هذا النوع من الخلق "أي الإنسان" موكولًا إلى كسبه واختياره في عامة أعماله؛ لم يعرف القاتل كيف يواري جثة أخيه المقتول التي يسوءه أن يراها بارزة - فالسوءة ما يسوء ظهوره، ورؤية جسد الميت ولا سيما المقتول يسوء كل من ينظر إليه ويوحشه - وأما سائر أنواع الحيوان فتلهم عمل لا تحتاج إليه إلهاما في الأكثر، وقلما يتعلم بعضها من بعض شيئًا. وقد علمنا الله - تعالى - أن القاتل الأول تعلم دفن أخيه من الغراب.
стр. 2965
ويدلنا على أن الإنسان في نشأته الأولى كان في منتهى السذاجة، وأنه لاستعداده الذي يفضل به سائر أنواع الحيوان كان يستفيد من كل شيء علمًا واختبارًا ويرتقي بالتدرج.
ذلك أن الله تعالى بعث غرابًا إلى المكان الذي هو فيه فبحث في الأرض أي حفر برجليه فيها يفتش عن شيء، والمعهود أن الطير تفعل ذلك لطلب الطعام، والمتبادر من العبارة أن الغراب أطال البحث في الأرض؛ لأنه قال ﴿يَبْحَثُ﴾ ولم يقل بحث؛ لأن المضارع يفيد الاستمرار، فلما أطال البحث أحدث حفرة في الأرض فلما رأى القاتل الحفرة - وهو متحير في أمر مواراة سوءة أخيه - زالت الحيرة واهتدى إلى ما يطلب؛ وهو دفن أخيه في حفرة من الأرض، هذا هو المتبادر من الآية.
وقال أبو مسلم: إن من عادة الغراب دفن الأشياء، فجاء غراب فدفن شيئًا فتعلم من ذلك وهذا قريب أيضًا، ولكن جمهور المفسرين قالوا: إن الله بعث غرابين لا واحدًا، وأنهما اقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر بمنقاره ورجليه حفرة ألقاه فيها. (١)
الوجه الخامس: الحكمة من بعث الله الغراب واختصاصه عن الطير .
قال أبو الهيثم: يقال: إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدر منقاره. والحكمة في أن الله بعث إلى قابيل لما قتل أخاه هابيل غرابًا ولم يبعث له غيره من الطير، ولا من الوحش أن القتل كان مستغربًا جدًّا، إذ لم يكن معهودًا قبل ذلك فناسب بعث الغراب. (٢)
وأخيرًا: أما عن زعمهم أن القصة مقتبسة من التوراة فيجاب عليها بهذه المقارنة بين نص القرآن ونص التوراة في قصة ابني؛ آدم لتجد الفارق بينهما، وأن القرآن له صياغته الإعجازية: (٣)
أولًا: نص القرآن: قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
الفروق بين المصدرين: اتفق المصدران حول نقطتين اثنتين لا ثالث لهما، واختلفا فيما عداهما. اتفقا في مسألة القربان، وفي قتل أحد الأخوين للآخر. أما فيما عدا هاتين النقطتين فإن ما ورد في القرآن يختلف تمامًا عما ورد في التوراة، وذلك على النحو الآتي:
القرآن ... التوراة
لا يسميهما ويكتفي ببنوتهما لآدم كما اكتفى بذكر القربانين ولم يحددهما ... تسمى أحد الأخوين بقابين وهو "القاتل" والثاني "هابيل" كما تصف القربانين وتحدد نوعيهما.
لا يذكر حوارًا حدث بين القاتل وبين الله، ولا يذكر أن القاتل طرده الله من وجهه إلى أرض بعيدة، إذ ليس على الله بعيد. ... تروى حوارًا بين قابين والرب بعد قتله أخاه، وتعلن غضب الرب على قابين وطرده من وجه الرب إلى أرض بعيدة.
يذكر الحديث الذي دار بين ابني آدم، ويفصل القول عما صدر من القتيل قبل قتله وتهديده لأخيه بأنه سيكون من أصحاب النار إذا قتله ظلمًا. ... التوراة تخلو من أي حوار بين الأخوين.
يذكر مسألة الغراب، الذي بعثه الله لِيُرى القاتل كيف يتصرف في جثة أخيه، ويوارى عورته. ... لا مقابل في التوراة لهذه الرواية ولمْ تُبَيِّنْ مصير جثة القتيل؟ !
يصرح بندم "القاتل" بعد دفنه أخاه وإدراكه فداحة جريمته. ... تنسب الندم إلى "قابين" القاتل لما هدده الله بحرمانه من خيرات الأرض، ولا تجعله يشعر بشناعة ذنبه.
يجعل من هذه القصة هدفًا تربويًا ويبنى شريعة القصاص العادل عليها، ... لا هدف لذكر القصة في التوراة إلا مجرد التاريخ، فهي معلومات ذهنية خالية
стр. 2968
ويلوم بني إسرائيل على إفسادهم في الأرض بعد مجيء رسل الله إليهم. ... من روح التربية والتوجيه، أضف إلى هذه ما تحتوى عليه التوراة من سوء مخاطبة "قابين" الرب، فترى في العبارة التي فوق الخط: "أحارس أنا لأخي" فيها فظاظة، لو صدرت من إنسان لأبيه لعد عاقًّا جافًّا فظًّا غليظًّا فكيف تصدر من "مربوب" إلى "ربه" وخالقه .. ؟ !
ولكن هكذا تنهج التوراة، فلا هي تعرف قدر الرب ولا من تنقل عنه حوارًا مع الرب، ولا غرابة في هذا، فالتوراة تذكر أن موسى أمر ربه بأن يرجع عن غضبه على بنى إسرائيل؛ بل تهديده إياه - سبحانه - بالاستقالة من النبوة إذا هو لم يستجب لأمره.
وأيضًا هذه بعض الأسئلة:
١ - بمقابلة أكثر من نسخة تجد اختلافًا في الألفاظ والكلمات، فبعد هذا الاختلاف يكون كتابًا مقدسًا؟ ! ؟ ! ! !
مثلًا في أول الكلمات - عرف آدم حواء امرأته فجعلت له - وفي أخرى - وعاشر آدم حواء زوجته فجعلت.
٢ - نسخة اسم ابن آدم القاتل قايين "بياءين" وفي أخرى بياء واحدة "قابين" فأيها أصح؟ !
والواقع أن ما قصَّهُ علينا القرآن - وهو الحق - من أمر ابني آدم مختلف تمامًا عما ورد في التوراة في هذا الشأن.
فكيف يقال: إن القرآن اقتبس هذه الأحداث من التوراة وصاغها في قالب البلاغة العربية؟ !
إن الاختلاف ليس في الصياغة؛ بل هو اختلاف أصيل كما قد رأيت من جدول
стр. 2969
الفروق المتقدم.
والحاكم هنا هو العقل، فإذا قيل: إن هذه القصة مقتبسة من التوراة، قال العقل:
* فمن أين أتى القرآن بكلام الشقيق الذي قُتِلَ مع أخيه، وهو غير موجود في نص التوراة التي يُدَّعى أنها مصدر القرآن؟ !
* ومن أين أتى القرآن بقصة الغراب الذي جاء ليُري القاتل كيف يواري سوءة أخيه وهى غير واردة في التوراة المُدَّعى أصالتها للقرآن؟ !
* ولماذا أهمل القرآن الحوار الذي تورده التوراة بين "الرب" وقابين القاتل، وهذا الحوار هو هيكل القصة كلها في التوراة؟ !
* * *
стр. 2970
٣ - شبهة: حول طلب الحواريين نزول المائدة .
نص الشبهة:
١ - طلب الحواريين نزول مائدة من السماء مذكور في القرآن وليس في الكتاب المقدس ما ينص على ذلك.
٢ - المائدة التي في القرآن هي القرابين التي تقدم في كل قداس.
٣ - هل كان الحواريون يشكون في قدرة الله في إنزال مائدة من السماء؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالكتاب المقدس على القرآن.
الوجه الثاني: قصة طلب الحواريين من عيسى ﵇ أن ينزل عليهم ربهم مائدة من السماء ثابتة بالقرآن الكريم.
الوجه الثالث: هل نزلت المائدة على عيسى ﵇ والحواريين؟
الوجه الرابع: المائدة ليست القرابين التي يقدمونها في كل قداس كما يزعمون.
الوجه الخامس: هل كان الحواريون يشكون في قدرة الله على إنزال مائدة السماء؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا يجوز الاحتجاج بالكتاب المقدس على القرآن؛ فالكتاب المقدس محرف وهذا ما نؤمن به ولا نشك في ذلك .
فقد قالوا: إن الكتاب المقدس لم يذكر المائدة، والقرآن قد ذكرها، ونحن نقول: الأصل هو الكتاب الذي لم يحرف؛ هذه واحدة، والثانية: أنه لا يجوز الاحتجاج بالكتاب المقدس الموجود الآن؛ لأننا لا نؤمن به لتحريفه.
ومع ذلك فسنبين المواضع التي ذكرها الكتاب المقدس في ذكر المائدة لنبين وجودها، وهذا لا يكون استدلالًا؛ وإنما هو رد على كلامهم. (١)
стр. 2971
الوجه الثاني: قصة طلب الحواريين من عيسى ﵇ أن ينزل عليهم ربهم مائدة من السماء ثابتة بالقرآن الكريم .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥].
قال ابن كثير: هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: "سورة المائدة". وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى ﵇ لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة (١).
الوجه الثالث: هل نزلت المائدة على عيسى ﵇ والحواريين ؟
اختلف أهل العلم في نزول المائدة من عدمه، والجمهور على أنها نزلت لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، والله سبحانه لا يخلف الميعاد.
قال ابن جرير: بعدما ذكر اختلاف أهل التأويل في "المائدة"، هل أنزلت عليهم، أم لا؟ ، فإن الله لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف، وقد قال - تعالى ذكره - مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﵇ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، وغير جائز أن يقول - تعالى ذكره -: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه - تعالى ذكره - خبر، ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ
стр. 2972
الْعَالَمِينَ﴾، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا - تعالى ذكره - بذلك (١).
قال ابن كثير بعدما ذكر الخلاف: ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأنه - تعالى - أخبر بنزولها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. (٢)
قال القرطبي: واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور - وهو الحق - نزولها لقوله - تعالى -: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. (٣)
الوجه الرابع: المائدة ليست القرابين التي يقدمونها في كل قداس كما يزعمون .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قالوا: ثم مدح قرابيننا، وتوعدنا إن أهملنا ما معنا، وكفرنا بما أنزل إلينا أن يعذبنا عذابًا أليمًا لم يعذبه أحدًا من العالمين بقوله ذلك في سورة (المائدة: ١١٢ - ١١٥)، فالمائدة هي القربان المقدس الذي يتقرب به في كل قداس.
والجواب أن يقال: هذا كذب ظاهر على القرآن في هذا الموضع كما كذبتم عليه في غير هذا الموضع؛ فإنه ليس في الآيات ذكر قرابينكم البتة، وإنما فيه ذكر المائدة التي أنزلها الله تعالى في عهد المسيح ﵇. وقولهم المائدة هي القربان الذي يتقرب به في كل قداس هو:
أولًا: قول لا دليل عليه.
وثانيًا: هو قول معلوم الفساد بالاضطرار من دين المسلمين الذين نقلوا هذا القرآن عن محمد لفظه ومعناه، فإنهم متفقون على أن المائدة مائدة أنزلها الله من السماء على عهد المسيح
стр. 2973
- ﵇، وقصتها مشهورة في عامة الكتب تعرفها العامة والخاصة، ولم يقل أحد إنها قرابين النصارى، وليس في لفظ الآية ما يدل على ذلك؛ بل يدل على خلاف ذلك؛ فإن الآية تبين أن المائدة منزلة من السماء، وقرابينهم هي عندهم في الأرض لم تنزل من السماء فهذه هي الآيات: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
الوجه الخامس: هل كان الحواريون يشكون في قدرة الله على إنزال مائدة السماء ؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: معنى السؤال:
أن هذا السؤال ليس شكًا؛ وإنما كان طلبًا أيُجَابُ أم لا، وهو طلب للطمأنينة.
قال القرطبي: وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري - سبحانه -؟ ، لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله - تعالى - لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢).
стр. 2974
الوجه الثاني: قرأ الكسائي "هَلْ تسْتَطِيع رَبُّكَ" بالتاء فيكون المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ فينفي الشك .
قال الطبري: واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ﴿هل تَسْتَطِيعُ﴾ بالتاء ﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب.
قلت: وهي قراءة الكسائي؛ وهي صحيحة متواترة من القراءات العشر الصحيحة.
بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ وهل تستطيع أن تدعو ربك، أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك. إنما قالوا لعيسى ﵇: هل تستطيع أنت ذلك؟ . (١)
قال ابن أبي مريم: ﴿هل تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ بالتاء والنصب من ربك، قرأها الكسائي وحده، ووجه ذلك أن المراد هل تستطيع سؤال ربك؟ فحذف المضاف، ومعنى سؤالهم عن استطاعته مسألة الله أنه محمول على الاحتجاج منهم على عيسى ﵇ أي أنك مستطيع فما يمنعك؟ كما تقول لصاحبك هل تستطيع أن تذهب عني فإني مشغول. أي اذهب فإنك غير عاجز عن ذلك، فكذلك قولهم هل تستطيع سؤال ربك؟ أي: إنك مستطيع فاسأل. (٢)
الوجه الثالث: قيل إن سؤالهم كان في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله فيكون المعنى هل يقدر ربك ؟
قال القرطبي: وقيل المعنى: هل يقدر ربك؟ وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله ، ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي لا تشكوا في قدرة الله - تعالى -.
قلت - أي القرطبي -: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، وقال
стр. 2975
النبي ﷺ : "لكل نبي حواري وحواريِّ الزبير" (١)، ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى، وما يجب له وما يجوز، وما يستحيل عليه، وأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفى ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله - تعالى -؟ . (٢)
قيل: إن الاستطاعة بمعنى الإطاعة، والمعنى: هل يطيعك ويجيب دعاءك ربك إذا سألته ذلك؟ . (٣)
قال الشيخ محمد رشيد رضا: إن الاستطاعة هنا بمعنى الطاعة، والمعنى: هل يطيعك ويجيب دعاءك ربك إذا سألته ذلك؟ وربما ظن الأكثرون أن هذا الوجه الأخير تكلف بعيد وليس كذلك؛ فالاستطاعة استفعال من الطوع وهو ضد الكره. قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١].
وفي لسان العرب: الطوع نقيض الكره. طاعه ويطوعه وطاوعه والاسم الطواعة والطواعين.
ثم قال: ويقال: طعت له وأنا أطيع طاعة ولتفعلنه طوعًا أو كرهًا، وطائعًا أو كارهًا وجاء فلان طائعًا غير مكره.
قال ابن سيده: طاع يطاع وأطاع لان وانقاد وأطاعه إطاعة وانطاع له كذلك، فيفهم من هذا أن إطاعة الأمر فعله عن اختيار ورضا، ولذلك عبر به عن امتثال أوامر الدين؛ لأنها لا تكون دينًا إلا إذا كانت عن إذعان ووازع نفسي، والذي أفهمه أن الاستفعال في هذه كالاستفعال في مادة الإجابة فإذا كان (استجاب له) بمعنى أجاب دعاءه أو سؤاله فمعنى استطاعه أطاعه أي: انقاد له وصار في طوعه أو طوعًا له.
والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيها وهو الطلب، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف فأصل استطاع الشيء: طلب وحاول أن
стр. 2976
يكون ذلك الشيء طوعًا له فأطاعه وانقاد له، ومعنى استجاب سُئِلَ شيئًا وطُلِبَ منه أن يُجيب إليه فأجاب.
فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين أن (يستطيع) بمعنى يطيع، وأن معنى يطيع يفعل مختارًا راضيًا غير كاره فصار حاصل معنى الجملة، هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك؟ (١)
الوجه الرابع: قيل: إن هذا من قول من كان مع الحواريين من الجهال .
قال القرطبي: جوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي ﷺ : "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" (٢)، وكما قال من قال من قوم موسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. (٣)
وأخيرًا طلب الحواريين من يسوع مائدة يأكلون منها، وقصة العشاء الرباني كما في الكتاب المقدس عند النصارى.
أولًا: طلب الحواريين من يسوع مائدة يأكلون منها:
في إنجيل يوحنا (٦/ ٣٠: ٣٢) أنهم طلبوا آية من السماء: فَقَالُوا لَهُ: "فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ ٣١ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا". ٣٢ فَقَالَ لهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ.
إنهم طلبوا مائدة من السماء؛ لأنهم قالوا: آباؤنا أكلوا المن في البرية بعد قولهم فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك.
واستدلوا على أكل آبائهم للمن بقولهم مكتوب في التوراة: أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا وهذا يدل على أن آبائهم أكلوا المن والسلوى في سيناء.
стр. 2977
والنص هو: وأمطر عليهم منا للأكل وبر السماء أعطاهم (مزمور ٧٨/ ٢٤).
فهل نزل المن من السماء وقد سماه داود ﵇ مائدة في قوله عنهم: قالوا هل يقدر الله أن يرتب مائدة في البرية (مزمور ٧٨/ ١٩).
فمعنى نزوله من السماء أنه من جهة الله لا من جهة إله آخر.
ونص إنجيل يوحنا يبين أنهم طلبوا مائدة من السماء، ذلك أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا. وقول المعترض (ولعل قصة القرآن عن نزول مائدة من السماء. . .) نشأت من عدم فهم بعض آيات الإنجيل الوارد في متى ٢٦/ ٢٠: ٢٩، ومرقس ١٤/ ١٧: ٢٥، يوحنا ١٣/ ١: ٣٠
قصة العشاء الرباني الذي رسمه المسيح تذكارًا لصلبه.
ولعل الكلام السابق الذي ذكرناه يرد على قوله هذا.
وثم أمر آخر وهو كأنه يريد أن يصرف المسلمين وغيرهم عن موضع المائدة في الأناجيل؛ لأنها كلام صدر عن المسيح في شأن نبينا محمد ﷺ (١) كما في إنجيل يوحنا.
وأخيرًا كيف ينكرون المائدة مع أنهم يحتفلون بها ولهم عيد يسمى بعيد المائدة؟ (٢)
قال ابن تيمية: الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير يزعمون أن في مثله نزلت المائدة التي ذكرها الله في القرآن حيث قال: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة. (٣)
ثانيًا: قصة العشاء الرباني . (٤)
стр. 2978
العشاء الرباني من أهم أسرار المسيحية، ولذلك دعي عندهم سر الأسرار، وسمِّي أسرار الكنيسة، ولقد أطلق النصارى على هذا السر أسماء كثيرة فهو (سر الشكر)، (العشاء الرباني) (العشاء السري)، (العشاء الإلهي)، (مائدة الرب)، (مائدة المسيح)، (والمائدة السرية)، (خبز الرب)، (وكأس الحياة الخلاصية)، إلى غير ذلك من الأسماء.
وأنسب العبارات للإشارة إلى هذا السر في كلام الإنجيليين: (عشاء الرب)، أو (العشاء الرباني)، أو (مائدة الرب)، وكسر الخبز.
بينما أنسب العبارات بالنسبة للكاثوليك (الأفخارستيا)، وعند الأرثوذكس (القربان)، أو (التناول)، أو (الشكر).
وهذا السر يعرف عند النصارى بتعريفات مختلفة، والاختلاف راجع إلى اختلافهم حول غاية العشاء الرباني.
الإنجيليون يعرفونه بأنه سر يدل على موت المسيح بإعطاء خبز وخمر، وقبولها حسبما رسم المسيح، والقابلون باستحقاق يتناولون جسده ودمه مع جميع فوائده لا تناولًا جسميًا أو جسديًا؛ بل تناولًا روحيًا بالإيمان.
أما الكاثوليك فيعرفونه بأنه سر حضور ربهم يسوع حضورًا حقيقيًا بجسده ودمه ونفسه ولاهوته تحت أعراض الخبز والخمر، والخبز في نظرهم يتحول إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه.
أما الأرثوذكس فيعرفونه بتعريف يشبه تعريف الكاثوليك، وذلك لأنهم متفقون في الغاية من العشاء الرباني.
فالإنجيليون يرون أن حضور المسيح وقت تناول العشاء الرباني حضورًا روحيًا، أما الكاثوليك والأرثوذكس فيرون أن المسيح يحضر هذا السر وقت الاحتفال به حضورًا حقيقيًا، وأن الخبز يتحول إلى جسد المسيح، والخمر يتحول إلى دمه تحولًا حقيقيًا، وذلك أمر غريب في العقل لا يستطيع أن يستسيغه أحد بيسر وسهولة؛ بل لا يستطيع أن
стр. 2979
يستسيغه قط؛ إذ كيف يتحول الخبز لحمًا، وكيف يصير لحم شخص معين معروف؟ وكيف تتحول الخمر دمًا وتصير دم شخص معين معروف؟
ذلك غريب؛ بل مستحيل التصور والقبول في العقل.
• العناصر التي تستعمل في العشاء الرباني:
الخبز والخمر هما عنصرا العشاء الرباني، وقد اختارهما المسيح في نظرهم؛ لأنهم هما مادتان بسيطتان تشيران إلى جسده ودمه.
وقد استدل المسيحيون على ذلك بما جاء في إنجيل متى: وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز بارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي". ٢٧ وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ. (متى ٢٦/ ٢٦: ٢٧).
وقد اختلفت الكنائس حول استعمال الفطير في العشاء الرباني بدلًا من الخبز، ونشأت بينها منازعة شديدة حول هذا الموضوع في القرن الحادي عشر فالكنيسة الشرقية الأرثوذكسية رفضت؛ لأنه حُسِبَ عندها من الموائد اليهودية التي ليسوا هم ملتزمين بها بعد.
أما الكنيسة الغربية (الكاثوليك) فقد حكمت بمناسبة استعمال الفطير بأنه النوع الوحيد الجائز استعماله باعتبار قانون الكنيسة، غير أن استعمال خبز الخمير يجوز بمعنى أن ذلك لا يفسد السر.
ولم يزل كل منهما باعتقاده القديم إلى اليوم.
• فاعلية تناول العشاء الرباني في نظر النصارى .
اشتهر في تاريخ الكنيسة في هذه المسألة أربعة أقوال، وهي بإيجاز:
أولًا: تعليم زوينكلي، وهو أن العشاء الرباني مجرد علامة محسوسة تشير إلى موت المسيح بدون أن يكون فيه أدنى فاعلية في حد ذاته، ولا يحضر فيه المسيح على الإطلاق لا جسديًا ولا روحيًا؛ فيكون بذلك تذكارًا لموت المسيح وشهادة الإيمان المشترك.
ثانيًا: تعليم مارتن لوثر، وهو أن العشاء الرباني له فاعلية حقيقية ذاتية، وتأثير فاعلي
стр. 2980
في كل من يقبله، وهذا القول ناتج عن القول بحلول المسيح جسديًا بكيفية خارقة للعادة في الخبز والخمر.
وهذا لا يعقل ولذا يقال لهم. هل المسيح الإله هو الذي حل في الخبز والخمر أم المسيح الإنسان؟
إذا كان المسيح الإله فيلزمكم على هذا القول أن يشار إلى الخبز والخمر على أنهما قديمان حديثان؟ وهو محال، ويلزمكم أيضًا على إثبات القدم للخبز والخمر، فيكونوا قد قالوا: لا بثلاثة أقانيم بل خمسة أقانيم، أما إذا قالوا إن المسيح الإنسان هو الذي حل في الخبز والخمر؛ فهو باطل أيضًا إذ لا يمكن أن يحل جسد المسيح ودمه في الخبز والخمر في أماكن متعددة في وقت واحد.
ثالثًا: تعليم الكنيسة الكاثوليكية وتشاركها الأرثوذكسية مع اختلاف يسير، وهو أن العشاء الرباني نعمة ذاتية لا إشارة إليها وأنه واسطة فعالة في إيصال النعمة إلى قلوب المشتركين (فعلًا ومفعولًا)، وأن نوال الفائدة لا يتوقف على إيمان المشترك؛ بل إنما يقتضي عدم مقاومته لذلك السر. وهذا القول ناتج عن القول بأن الخبز والخمر يستحيلان بطريقة حقيقية إلى جسد المسيح ودمه.
فهم يعتقدون أيضًا أن العشاء الرباني بجانب أنه سر فهو أيضًا ذبيحة تقدم لله بمعنى أنه تكرار ذبيحة المسيح بتقديم جسده ودمه كفارة عن الخطيئة.
ولقد ثار أحد النصارى على هذا التعليم، فقال: إنني أتساءل كيف يتصور إنسان عاقل أن خدام الله يذبحون سيدهم؟ إن الوثنية بكل شرورها وانحرافها وما وصلت إليه من حالة مزرية ومؤسفة لم تعلم مثل هذه التعاليم. (١)
رابعًا: تعليم كلفن، يرى أن قوته وفاعليته روحيه.
• تأثر النصارى بالأديان الوضعية في العشاء الرباني
كان الوثنيون يمارسون طقوسًا كثيرة من بينها فكرة (الوليمة المقدسة) يدعون فيها بالأكل من لحوم آلهتهم والشرب من دمائهم لكي تكون فيهم. (أي في أجسادهم صفات