يكون ذلك الشيء طوعًا له فأطاعه وانقاد له، ومعنى استجاب سُئِلَ شيئًا وطُلِبَ منه أن يُجيب إليه فأجاب.
فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين أن (يستطيع) بمعنى يطيع، وأن معنى يطيع يفعل مختارًا راضيًا غير كاره فصار حاصل معنى الجملة، هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك؟ (١)
الوجه الرابع: قيل: إن هذا من قول من كان مع الحواريين من الجهال .
قال القرطبي: جوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي ﷺ : "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" (٢)، وكما قال من قال من قوم موسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. (٣)
وأخيرًا طلب الحواريين من يسوع مائدة يأكلون منها، وقصة العشاء الرباني كما في الكتاب المقدس عند النصارى.
أولًا: طلب الحواريين من يسوع مائدة يأكلون منها:
في إنجيل يوحنا (٦/ ٣٠: ٣٢) أنهم طلبوا آية من السماء: فَقَالُوا لَهُ: "فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ ٣١ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا". ٣٢ فَقَالَ لهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ.
إنهم طلبوا مائدة من السماء؛ لأنهم قالوا: آباؤنا أكلوا المن في البرية بعد قولهم فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك.
واستدلوا على أكل آبائهم للمن بقولهم مكتوب في التوراة: أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا وهذا يدل على أن آبائهم أكلوا المن والسلوى في سيناء.
стр. 2977
والنص هو: وأمطر عليهم منا للأكل وبر السماء أعطاهم (مزمور ٧٨/ ٢٤).
فهل نزل المن من السماء وقد سماه داود ﵇ مائدة في قوله عنهم: قالوا هل يقدر الله أن يرتب مائدة في البرية (مزمور ٧٨/ ١٩).
فمعنى نزوله من السماء أنه من جهة الله لا من جهة إله آخر.
ونص إنجيل يوحنا يبين أنهم طلبوا مائدة من السماء، ذلك أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا. وقول المعترض (ولعل قصة القرآن عن نزول مائدة من السماء. . .) نشأت من عدم فهم بعض آيات الإنجيل الوارد في متى ٢٦/ ٢٠: ٢٩، ومرقس ١٤/ ١٧: ٢٥، يوحنا ١٣/ ١: ٣٠
قصة العشاء الرباني الذي رسمه المسيح تذكارًا لصلبه.
ولعل الكلام السابق الذي ذكرناه يرد على قوله هذا.
وثم أمر آخر وهو كأنه يريد أن يصرف المسلمين وغيرهم عن موضع المائدة في الأناجيل؛ لأنها كلام صدر عن المسيح في شأن نبينا محمد ﷺ (١) كما في إنجيل يوحنا.
وأخيرًا كيف ينكرون المائدة مع أنهم يحتفلون بها ولهم عيد يسمى بعيد المائدة؟ (٢)
قال ابن تيمية: الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير يزعمون أن في مثله نزلت المائدة التي ذكرها الله في القرآن حيث قال: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة. (٣)
ثانيًا: قصة العشاء الرباني . (٤)
стр. 2978
العشاء الرباني من أهم أسرار المسيحية، ولذلك دعي عندهم سر الأسرار، وسمِّي أسرار الكنيسة، ولقد أطلق النصارى على هذا السر أسماء كثيرة فهو (سر الشكر)، (العشاء الرباني) (العشاء السري)، (العشاء الإلهي)، (مائدة الرب)، (مائدة المسيح)، (والمائدة السرية)، (خبز الرب)، (وكأس الحياة الخلاصية)، إلى غير ذلك من الأسماء.
وأنسب العبارات للإشارة إلى هذا السر في كلام الإنجيليين: (عشاء الرب)، أو (العشاء الرباني)، أو (مائدة الرب)، وكسر الخبز.
بينما أنسب العبارات بالنسبة للكاثوليك (الأفخارستيا)، وعند الأرثوذكس (القربان)، أو (التناول)، أو (الشكر).
وهذا السر يعرف عند النصارى بتعريفات مختلفة، والاختلاف راجع إلى اختلافهم حول غاية العشاء الرباني.
الإنجيليون يعرفونه بأنه سر يدل على موت المسيح بإعطاء خبز وخمر، وقبولها حسبما رسم المسيح، والقابلون باستحقاق يتناولون جسده ودمه مع جميع فوائده لا تناولًا جسميًا أو جسديًا؛ بل تناولًا روحيًا بالإيمان.
أما الكاثوليك فيعرفونه بأنه سر حضور ربهم يسوع حضورًا حقيقيًا بجسده ودمه ونفسه ولاهوته تحت أعراض الخبز والخمر، والخبز في نظرهم يتحول إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه.
أما الأرثوذكس فيعرفونه بتعريف يشبه تعريف الكاثوليك، وذلك لأنهم متفقون في الغاية من العشاء الرباني.
فالإنجيليون يرون أن حضور المسيح وقت تناول العشاء الرباني حضورًا روحيًا، أما الكاثوليك والأرثوذكس فيرون أن المسيح يحضر هذا السر وقت الاحتفال به حضورًا حقيقيًا، وأن الخبز يتحول إلى جسد المسيح، والخمر يتحول إلى دمه تحولًا حقيقيًا، وذلك أمر غريب في العقل لا يستطيع أن يستسيغه أحد بيسر وسهولة؛ بل لا يستطيع أن
стр. 2979
يستسيغه قط؛ إذ كيف يتحول الخبز لحمًا، وكيف يصير لحم شخص معين معروف؟ وكيف تتحول الخمر دمًا وتصير دم شخص معين معروف؟
ذلك غريب؛ بل مستحيل التصور والقبول في العقل.
• العناصر التي تستعمل في العشاء الرباني:
الخبز والخمر هما عنصرا العشاء الرباني، وقد اختارهما المسيح في نظرهم؛ لأنهم هما مادتان بسيطتان تشيران إلى جسده ودمه.
وقد استدل المسيحيون على ذلك بما جاء في إنجيل متى: وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز بارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي". ٢٧ وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ. (متى ٢٦/ ٢٦: ٢٧).
وقد اختلفت الكنائس حول استعمال الفطير في العشاء الرباني بدلًا من الخبز، ونشأت بينها منازعة شديدة حول هذا الموضوع في القرن الحادي عشر فالكنيسة الشرقية الأرثوذكسية رفضت؛ لأنه حُسِبَ عندها من الموائد اليهودية التي ليسوا هم ملتزمين بها بعد.
أما الكنيسة الغربية (الكاثوليك) فقد حكمت بمناسبة استعمال الفطير بأنه النوع الوحيد الجائز استعماله باعتبار قانون الكنيسة، غير أن استعمال خبز الخمير يجوز بمعنى أن ذلك لا يفسد السر.
ولم يزل كل منهما باعتقاده القديم إلى اليوم.
• فاعلية تناول العشاء الرباني في نظر النصارى .
اشتهر في تاريخ الكنيسة في هذه المسألة أربعة أقوال، وهي بإيجاز:
أولًا: تعليم زوينكلي، وهو أن العشاء الرباني مجرد علامة محسوسة تشير إلى موت المسيح بدون أن يكون فيه أدنى فاعلية في حد ذاته، ولا يحضر فيه المسيح على الإطلاق لا جسديًا ولا روحيًا؛ فيكون بذلك تذكارًا لموت المسيح وشهادة الإيمان المشترك.
ثانيًا: تعليم مارتن لوثر، وهو أن العشاء الرباني له فاعلية حقيقية ذاتية، وتأثير فاعلي
стр. 2980
في كل من يقبله، وهذا القول ناتج عن القول بحلول المسيح جسديًا بكيفية خارقة للعادة في الخبز والخمر.
وهذا لا يعقل ولذا يقال لهم. هل المسيح الإله هو الذي حل في الخبز والخمر أم المسيح الإنسان؟
إذا كان المسيح الإله فيلزمكم على هذا القول أن يشار إلى الخبز والخمر على أنهما قديمان حديثان؟ وهو محال، ويلزمكم أيضًا على إثبات القدم للخبز والخمر، فيكونوا قد قالوا: لا بثلاثة أقانيم بل خمسة أقانيم، أما إذا قالوا إن المسيح الإنسان هو الذي حل في الخبز والخمر؛ فهو باطل أيضًا إذ لا يمكن أن يحل جسد المسيح ودمه في الخبز والخمر في أماكن متعددة في وقت واحد.
ثالثًا: تعليم الكنيسة الكاثوليكية وتشاركها الأرثوذكسية مع اختلاف يسير، وهو أن العشاء الرباني نعمة ذاتية لا إشارة إليها وأنه واسطة فعالة في إيصال النعمة إلى قلوب المشتركين (فعلًا ومفعولًا)، وأن نوال الفائدة لا يتوقف على إيمان المشترك؛ بل إنما يقتضي عدم مقاومته لذلك السر. وهذا القول ناتج عن القول بأن الخبز والخمر يستحيلان بطريقة حقيقية إلى جسد المسيح ودمه.
فهم يعتقدون أيضًا أن العشاء الرباني بجانب أنه سر فهو أيضًا ذبيحة تقدم لله بمعنى أنه تكرار ذبيحة المسيح بتقديم جسده ودمه كفارة عن الخطيئة.
ولقد ثار أحد النصارى على هذا التعليم، فقال: إنني أتساءل كيف يتصور إنسان عاقل أن خدام الله يذبحون سيدهم؟ إن الوثنية بكل شرورها وانحرافها وما وصلت إليه من حالة مزرية ومؤسفة لم تعلم مثل هذه التعاليم. (١)
رابعًا: تعليم كلفن، يرى أن قوته وفاعليته روحيه.
• تأثر النصارى بالأديان الوضعية في العشاء الرباني
كان الوثنيون يمارسون طقوسًا كثيرة من بينها فكرة (الوليمة المقدسة) يدعون فيها بالأكل من لحوم آلهتهم والشرب من دمائهم لكي تكون فيهم. (أي في أجسادهم صفات
стр. 2981
وقوة آلهتهم) فكانت فكرة التناول منتشرة بين: الهنود، والفارسيين، واليونانيين، والرومانيين، وغيرهم، ولذلك يمكن القول أن العشاء الرباني أصله شعيرة وثنية استقته المسيحية من الأديان الوثنية الشرقية واليونانية، والتي كانت منتشرة وقت ظهور المسيحية، وهي التي كان يطلق عليها اسم الأديان السرية، وذلك بواسطة بولس وأتباعه.
وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الاسم نفسه مأخوذ من الوثنية.
يقول أرنولد توينبي: والعشاء الرباني المسيحي قد استعير اسمه من أحد الطقوس الرومانية الوثنية حين ينذر المجند نفسه للجيش الروماني. (١)
* * *
стр. 2982
سورة الأنعام
وفيها:
١ - شبهة: حول خلط الأسماء.
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾.
٣ - شبهة: حول التهرب من المعجزات.
стр. 2983
١ - شبهة: حول خلط الأسماء .
نص الشبهة:
جاء في سورة الأنعام (٨٤ - ٨٦) قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾.
والسؤال: كيف صُفت هذه الأسماء بلا نظام، ولا ترتيب، بما فيها من تقديم وتأخير يدعو للتشويش والخلط؟ فما الداعي لذكر داود وسليمان قبل أيوب ويوسف وموسى وهارون، وما الداعي لذكر زكريا ويحيى وعيسى قبل إلياس؟ وما الداعي لذكر إسماعيل بعد إسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وما الداعي لذكر اليسع ويونس قبل لوط؟ مع أن الترتيب التاريخي معروف قبل القرآن بمئات السنين، وهو: أيوب في بلاد عوص. وإبراهيم وابن أخيه لوط وابناه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وابن حفيده يوسف ومن بعدهم موسى وهارون. ومن بعدهم داود وسليمان ابنه. ومن بعدهما إلياس واليسع تلميذه. ومن بعدهما يونس. هؤلاء كلهم في العهد القديم ومن بعدهم زكريا ويحيى وعيسى في العهد الجديد.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن حرف الواو لا يوجب الترتيب.
الوجه الثاني: أنه يوجد في هذه الآية ترتيب.
الوجه الثالث: خلط الأسماء في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: حرف الواو لا يوجب الترتيب .
إن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية؛ فإن
стр. 2984
حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب البتة، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان (١).
الوجه الثاني: يوجد في هذه الآية ترتيب
يوجد في هذه الآية ترتيب، وذلك لأن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل.
فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك والسلطان والقدرة، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبًا عظيمًا.
المرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية.
المرتبة الثالثة: من كان مستجمعًا لهاتين الحالتين، وهو يوسف ﵇، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر.
المرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء ﵈ وخواصهم قوة المعجزات، وكثرة البراهين، والمهابة العظيمة، والصولة الشديدة، وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقرب العظيم، والتكريم التام وذلك كان في حق موسى وهارون.
المرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ولهذا السبب وصفهم الله تعالى بأنهم من الصالحين.
المرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم بين الخلق أتباع، وأشياع، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط.
فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء ﵈ بحسب هذا الوجه الذي شرحناه. (٢)
الوجه الثالث: خلط الأسماء في الكتاب المقدس .
نبدأ بخلط أسماء في نسب يسوع نفسه الذي يعتبرونه إلهًا أو أُقنومًا أو كليهما، والله المستعان:
стр. 2985
ونبدأ بسؤال: هل للإله نسب؟
والإجابة: نعم، يكون للإله نسب إذا كان إلهًا مزيفًا من صنع البشر مثل اللات، وهبل، وقيصر، وفرعون، كل هؤلاء لهم نسب الآلهة الباطلة ممكن أن يكون لها نسب، في حالة المسيح - كما سنرى - فإن له أكثر من نسب، والأمر واضح إذا وجدت من يكتب نسبًا لربه فاعرف مباشرة أن هذا الرب مزيف، لا يحترمه من يكتب له نسبًا؛ بل أظن أنه في داخله لا يؤمن أنه إله على الإطلاق.
وتناقضات نسب المسيح وخلط الأسماء مذكورة في كتب كثيرة سنذكر واحد منها فقط هنا:
١ - متّى يقول: يوسف بن يعقوب، ولوقا يقول: يوسف بن هالي.
لاحظ أن الشخص المذكور نسبه المتناقض هنا هو يوسف النجار رجل مريم، وهذا من أفحش الأخطاء وأشنعها، يبدأ بذكر نسب المسيح وينتهي بيوسف النجار؛ فأي تخبط أسوأ من هذا؟
ولا ندرى كيف يمكن "لابن الله" أن يكون ابن داود من ناحية زوج أمه؟ ألا يعزز هذا اتهام اليهود لأمه والعياذ بالله، عليهم جميعًا من الله ما يستحقون.
ولوقا أو بمعنى أدق كاتب إنجيل لوقا تنبه لهذا العجب فحاول تصحيحه فجاء كما يقول المثل: (يكحلها فعماها) أو زاد الطين بلة، فقال: "على ما كان يظن ابن يوسف" ولا ندري من هم الذين ظنوا ذلك إلا اليهود أعداء المسيح الذين اتهموه بأنه ابن غير شرعي ليوسف النجار، وبناء على هذا الاتهام الفاسد ينسبه لوقا إلى يوسف ويتبع كلامهم كأنه يريد أن يثبت التهمة - يعني لوقا - يقول: هذا نسب المسيح على حسب ظن الناس، وبديهي أنه لا يمكن الأخذ برواية أيٍّ من متى أو لوقا عن النسب المزعوم هذا، ولو اعتبرنا أحدهما صحيحًا لكان الآخر مخطئًا بلا شك.
التناقض: يقول البطريرك شنودة في كتاب سنوات مع أسئلة الناس (٦٣) باختصار: إن هالي هو أخو يعقوب الذي مات، وتزوج يعقوب أخوه امرأته وأنجب يوسف، ويذكر
стр. 2986
دليلًا من الكتاب المقدس على وجهة نظره هذه وأن متى أخذ النسب الطبيعي، ولوقا أخذ النسب الشرعي.
وكذلك يقول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره، ويوافق البابا تمامًا ويضيف: أن هذا النسب حسب الدم واللحم (في صفحة (٤١)، وهذا باطل فلا علاقة دم، ولحم بين يوسف والمسيح على الإطلاق، وموضوع النسب الطبيعي والنسب الصناعي تحتاج إلى فهامة، واعتقد أنها لا تنطلي على أحد.
ومنيس عبد النور يختلف معهما ويقول: إن هالي هو والد مريم (في صفحة ٢٥٦)؛ لأن الشخص الواحد يحمل اسم أبوين أحدهما بالميلاد الطبيعى والآخر بالمصاهرة، ويذكر دليلًا من العهد القديم هو أيضًا.
أما الدكتور إبراهيم سعيد في تفسير بشارة لوقا (٨٠) أوضح أن مريم حفيدة هالي طبقا لشهادة التلمود.
وفي التفسير التطبيقي (٢٠٧٥) يقول: إن نسب متى هو من يوسف الأب الرسمي ليسوع وليس الأب الحقيقي، ونسب لوقا هو من مريم، ويضيف كاتب التفسير التطبيقي: لعل لوقا نقل هنا عن لسان مريم.
وفي التفسير الحديث للكتاب المقدس لإنجيل متى بقلم ر. ت. فرانس (٧٠) يقول: "بالنسبة لما قيل من أن سلسلة نسب لوقا هي نسب مريم هو أمر غير محتمل"، ولم يوضح كيف يحل هذا التناقض.
والخلاصة: هناك من يقول: هالى أو يعقوب عم يوسف، وهناك من يقول جد مريم، وهناك من يقول والد مريم. أي أن تفسيرهم للتناقضات أصبح هو نفسه متناقض، وكل واحد من النصارى ينضح بعصارة مخه وتحليلاته الموثقة بما جاء في العهد القديم، لاحظ أن هذا تناقض واحد في خلط الأسماء في نسب يوسف النجار الذي ليس له علاقة أصلًا بالمسيح إلا في مخ متى ولوقا، ومن نصدق! البابا، أو منيس عبد النور، أو التفسير
стр. 2987
الحديث، أو إبراهيم سعيد؟ ! وما فائدة ذكر نسب يوسف النجار في كتاب مقدس؟ ولماذا لا توحي الروح القدس لمتى هذا، أو لوقا بنسب المسيح من مريم مباشرة دون لف ودوران وأخطاء وتبريرات للأخطاء تزيد الموقف تعقيدًا؟ ثم تجد أحدهم يتحدث عن خلط الأسماء ولا يستحي.
ونستمر مع خلط الأسماء:
نجد في النصوص العبرية الواحدة اختلفت الأسماء واختلطت، بل حتى لتجد في إصحاحين متتابعين خلطًا شديدًا في الأسماء، لنبدأ بعون الله:
ورد في يشوع (١: ٧) اسم "عخان" بالنون، بينما في أخبار واحد (٢: ٧) ورد هكذا "عخار" بالراء بدل النون.
ولنقارن الآن الأسماء:
في إصحاح ٨ من صموئيل الثاني وإصحاح ١٨ من أخبار الأول: - هدد عزر - هدر عزر - باطح - طبحة - بيروثاي - خون - توعي - توعو - يورام هدورام - آرام - أدوم - أخيمالك بن أبياثار - أبيمالك بن أبياثار - سرايا ثم شوشا فما رأي النصارى بهذا الخلط والتضارب؟ ؟ سرايا يتحول إلى شوشا؟ ؟
لنتابع: في أسماء الذين عادوا من السبي لو حللنا المسألة قليلا - بغض النظر عن القول بالتعارض - نلاحظ أن:
- بني حاريف في نحميا (٧: ٢٤) هم بنو يورة في عزرا (٢: ٨)
- بني سيعا في (٤٧: ٧) هم بنو بنو سيعها في عزرا (٢: ٤٢)
فلا ندري من اختلط عليه الأمر هنا، هل هو عزرا أم نحميا؟ ؟
والآن المصيبة الكبرى: ففي سفر الأخبار الأول نجد أن الإصحاح ٨ يختلف مع الإصحاح الذي يليه أي مع الإصحاح ٩، لنتابع سويًا:
٣١ - وجدور واخيو وزاكر. في الإصحاح الثامن.
стр. 2988
٣٧ - وحدور واخيو وزكريا ومقلوث. في التاسع.
نلاحظ هنا أنه قال: "حدور" بالحاء بدل "جدور" بالجيم.
ونلاحظ أنه قال: "زكريا" بدل "زاكر".
فهل يوجد من يشرح لنا لماذا هذا الاختلاف والخلط؟ ؟
٣٢ - ومقلوث ولد شماة.
٣٨ - ومقلوث ولد شمآم. هل تلاحظوا، مرة "شماة" ومرة "شمآم"؟ ؟
٣٥ - وبنو ميخا فيثون ومالك وتاريع وآحاز.
٤١ - وبنو ميخا فيثون ومالك وتحريع وآحاز.
كذلك نفس الخلط المستمر، مرة يقول: "تاريع" ومرة يقول: "تحريع. . . .
٣٦ - وآحاز ولد يهوعدّة ويهوعدة ولد علمث وعزموت وزمري. وزمري ولد موصا
٤٢ - وآحاز ولد يعرة ويعرة ولد علمث وعزموت وزمري. وزمري ولد موصا نفس المسلسل، "يهوعدة" أصبح "يعرة". لنكمل. . .
٣٧ - وموصا ولد بنعة ورافة ابنه والعاسة ابنه وآصيل ابنه
٤٣ - وموصا ولد بنعا ورفايا ابنه والعسة ابنه وآصيل ابنه.
هنا يقول مرة: "رافة" ومرة: "رفايا"، وسوف نغض النظر عن بنعة والعسة بالرغم من اختلافهم في العبرية، والذي يلفت النظر هنا أن الاختلاف هنا موجود بلغة واحدة وسفر واحد وفي إصحاحين متتاليين، أليس غريبًا هذا الخلط؟ ؟
* * *
стр. 2989
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]. فهل أوحي إليه ولم يوح إليه؟
والرد عليها من وجوه:
الوجه الأول: الآية لا يصح فيها سبب نزول .
الوجه الثاني: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الوجه الثالث: القرآن يتحدى أهل الفصاحة.
الوجه الرابع: عقوبة من يفتري على الوحي.
الوجه الخامس: نبذة عن عبد الله بن سعد بن أبي السرح.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الآية لا يصح فيها سبب نزول.
اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية على أربعة أقوال:
القول الأول: نزلت في شأن مسيلمة الكذاب والأسود العنسي (صدر الآية)، وعبد الله بن أبي السرح (ختام الآية).
وقد جاء هذا من ستة طرق لا يخلو طريق منها من ضعف:
الطريق الأول: طريق ابن عباس ﵁ (١)
الطريق الثاني: طريق شرحبيل بن سعد. (٢)
الطريق الثالث: طريق السدي. (٣)
стр. 2990
الطريق الرابع: قتادة بن دعامة. (١)
الطريق الخامس: طريق أبي خلف الأعمى. (٢)
الطريق السادس: طريق عكرمة. (٣)
هذا هو القول الأول في سبب نزول الآية، لا يصح فيه طريق إلا في طريق قتادة، وعلى صحته فهو مرسل.
القول الثاني: نزلت في المختار بن أبي عبيد. (٤)
القول الثالث: نزلت في النضر بن الحارث. (٥)
القول الرابع: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. (٦)
الوجه الثاني: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
стр. 2991
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]. ولا تمانع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتد عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قيله مفتريًا كذبًا، وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسي الكذابين ادعيا على الله كذبًا أنه بعثهما نبيين، وقال كل واحد منهما: إن الله أوحى إليه، وهو كاذب في قيله؛ فإذا كان ذلك كذلك؛ فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا وقائلًا في ذلك الزمان وفي غيره: أوحى الله إلي، وهو في قيله كاذب لم يوح الله إليه شيئًا؛ فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم، وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم، وجائز أن يكون عنى به جميع المشركين من العرب؛ إذ كان قائلو ذلك منهم فلم يغيروه؛ فعيرهم الله بذلك، وتوعدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك، ومع تركهم نكيره هم بنبيه محمد ﷺ مكذبون، ولنبوته جاحدون، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون؛ فقال لهم جل ثناؤه: ومن أظلم ممن ادعى علي النبوة كاذبًا وقال: ﴿أوحي إلي﴾ ولم يوح إليه شيء، ومع ذلك يقول: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ فينقض قوله بقوله، ويكذب بالذي تحققه، وينفي ما يثبته، وذلك إذا تدبره العاقل الأريب علم أن فاعله من عقله عديم. (١)
وقال القرطبي: ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن، فيقول: وقع في خاطري كذا أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما يقع في قلوبهم، ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكليات، ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص
стр. 2992
فلا يحتاجون لتلك النصوص، وقد جاء فيما ينقلون "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" (١) ويستدلون على هذا بالخضر وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم، وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ (٢).
الوجه الثالث: القرآن يتحدى أهل الفصاحة .
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن قال: سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزلَ الله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع العرب بسورة واحدة منه، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي يونس بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، وتحداهم به كله في الطور بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٤].
ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة. (٣)
الوجه الرابع: عقوبة من يفتري على الوحي .
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ الله فَدَفَنُوهُ،
стр. 2993
فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوهُ. فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا؛ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ. فَحَفَرُوا لَهُ، وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ. (١)
الوجه الخامس: نبذة عن عبد الله بن سعد بن أبي السرح .
عبد الله بن سعد بن أبي السرح ﵁ يكنى أبا يحيى كذا قال ابن الكلبي: في نسبه حبيب بن جذيمة بالتخفيف. وقال محمد بن حبيب: حبيب بالتشديد، وكذا قال أبو عبيدة، أسلم قبل الفتح وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة.
وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ﵁ أيام الفتح فحسن إسلامه، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك، وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين، وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم، وغزا الصواري من أرض الروم سنة أربع وثلاثين؛ فلما رجع من وفادته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى إلى عسقلان فأقام فيها حتى قتل عثمان ﵁. وقيل: بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ثم سلم عن يمينه ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره، ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية ﵄، وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية. وقيل: إنه توفي بإفريقية والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين. (٢)
* * * *
стр. 2994
٣ - شبهة: حول التهرب من المعجزات .
نص الشبهة:
في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ [يونس: ٢٠].
السؤال: يطلب الناس من النبي محمد آية حتى يؤمنوا به كغيره من الأنبياء، فيرد أن الغيب لله؛ فجوابه لا دخل له بالسؤال، والسائلون يعلمون أن الغيب لله، والغيب لا دخل له في صنع العجائب والسؤال؛ أليس هذا تهربًا منه لعدم قدرته على صنع العجائب؟ ، وللآية نظائر منها قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ [الرعد: ٢٧].
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: معنى الآية يفهمك العلة من هذا الرد عليهم.
الوجه الثاني: لماذا كان هذا الجواب الذي خالف السؤال في ظاهره؟ .
الوجه الثالث: آية الإسراء أظهرت العلة من عدم إنزال الآية التي طلبوها.
الوجه الرابع: عدم نزول الآية التي طلبوها استجابة لرسول الله ﷺ .
الوجه الخامس: الله أنزل آيات ولكنهم لم يؤمنوا.
الوجه السادس: بعض معجزات النبي ﷺ التي فاقت سائر المعجزات.
الوجه السابع: لا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون كما في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
стр. 2995
الوجه الأول: معنى الآية يفهمك العلة من هذا الرد عليهم .
قال ابن كثير: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: ويقول هؤلاء الكفرة الملحدون المكذبون المعاندون: لولا أنزل على محمد آية من ربه؛ يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهبًا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارًا، ونحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا، وإلا عاجلتهم بالعقوبة. ولهذا لما خيَّر رسول الله ﵊، بين أن يُعطى ما سألوا، فإن أجابوا وإلا عُوجلوا، وبين أن يتركهم ويُنْظرهم، اختار إنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة ﷺ ولهذا قال تعالى إرشادًا لنبيه إلى الجواب عما سألوا: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: الأمر كله لله، وهو يعلم العواقب في الأمور، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله فيَّ وفيكم. هذا مع أنهم قد شاهدوا من معجزاته ﷺ أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره، فانشق باثنتين فرقة من وراء الجبل، وفرقة من دونه. وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادًا وتثبّتًا لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادًا وتعنتًا، فتركهم فيما رابهم، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]،
стр. 2996
ولما فيهم من المكابرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر ١٤، ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]، فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوه؛ لأنه لا فائدة في جواب هؤلاء؛ لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم، لكثرة فجورهم وفسادهم؛ ولهذا قال: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. (١)
قال الزمخشري: وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات. وجعلوا نزولها كلا نزول، فكأنه لم ينزل عليه قط حتى قالوا: لولا أنزل عليه آية واحدة من ربه، وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرد، وإنهماكهم في الغي فقل ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: هو المختص بعلم الغيب المستأثر به، لا علم لي ولا لأحدٍ به. يعني: أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه، فانتظروا نزول ما اقترحتموه إني معكم من المنتظرين بما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحدكم الآيات. (٢)
وقال ابن عطية: آية من ربه، آية تضطر الناس إلى الإيمان، وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط، ولا من المعجزات اضطرارية، وإنما هي معرضة النظر ليهتدي قوم ويضل آخرون، فقل: إنما الغيب لله إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، لا يطلع على غيبه في ذلك أحد. وقوله: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ وعيد، وقد صدقه الله تعالى بنصرته محمدًا ﷺ . (٣).
وقيل: الآية التي اقترحوا أن ينزل ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
стр. 2997
تَفْجُرَ لَنَا﴾، وقيل: آية كآية موسى وعيسى كالعصا واليد البيضاء، وإحياء الموتى، طلبوا ذلك على سبيل التعنت. (١)
وقال الشوكاني: قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ ذكر سبحانه ها هنا نوعًا رابعًا من مخازيهم، وهو معطوف على قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾، وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه. قيل: والقائلون هم أهل مكة، كأنهم لم يعتدّوا بما قد نزل على رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة التي لو لم يكن منها إلا القرآن لكفي به دليلًا بينًا ومصدّقًا قاطعًا: أي: هلا أنزلت عليه آية من الآيات التي نقترحها عليه، ونطلبها منه، كإحياء الأموات، وجعل الجبال ذهبًا، ونحو ذلك؟ ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: أن نزول الآية غيب، والله هو المختص بعلمه، المستأثر به، لا علم لي ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول ما اقترحتموه من الآيات ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لنزولها، وقيل: المعنى: انتظروا قضاء الله بيني وبينكم بإظهار الحق على الباطل. (٢)
الوجه الثاني: لماذا كان هذا الجواب الذي خالف السؤال في ظاهره ؟ .
قال الفخر الرازي: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١].
في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله ﷺ آية أخرى سوى القرآن، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] ذكر جوابًا آخر وهو المذكور في هذه الآية، وتقريره من وجهين:
الوجه الأول: أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر، واللجاج،
стр. 2998
والعناد، وعدم الإنصاف، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى، فإنهم لا يؤمنون؛ بل يبقون على كفرهم وجهلهم، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين: إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة.
أما المقام الأول: فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران. فقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ المراد منه تلك الأمطار النافعة. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ المراد منه ذلك القحط الشديد. وقوله: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام.
واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة، ويطلبون الغوائل، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل.
وأما المقام الثاني: وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة من إظهار سائر الآيات، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها؛ لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية، والامتناع من المتابعة للغير، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات، فهم مع ذلك
стр. 2999
استمروا على التكذيب والجحود، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم.
الوجه الثاني في تقرير هذا الجواب: أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة؛ إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، والله أعلم. (١)
الوجه الثالث: آية الإسراء أظهرت العلة من عدم إنزال الآية التي طلبوها .
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩].
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذبة سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما أتاهم ما سألوا منه كذبوا رسلهم، فلم يصدقوا مع مجيء الآيات فعوجلوا، فلم نرسل إلى قومك بالآيات؛ لأنَّا لو أرسلنا بها إليها فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (٢)
قال ابن كثير: قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك؛ فإنه سهل علينا، يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ
стр. 3000
الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] قال تعالى عن ثمود حين سألوا آيةً ناقةً تخرج من صخرة عينوها فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه، فلما ظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروها فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]؛ أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي كفروا بها، ومنعوها شربها، وقتلوها فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون. ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات فقال عمر: أحدثتم والله، لئن عادت لأفعلن ولأفعلن، وكذا قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره، ثم قال - يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". (١)(٢)
الوجه الرابع: عدم نزول الآية التي طلبوها استجابة لرسول الله ﷺ -.
الله ﵎ أنزل آيات كثيرات ومع ذلك كذبوا واستكبروا كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ [الأنعام: ٤] , ومع ذلك طلبوا آيات كالتي نزلت على الأنبياء السابقين، وذلك كما في الحديث عن ابن عباس رضي الله
стр. 3001
عنهما قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أُهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا، بل أستأني بهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ (١).
الوجه الخامس: الله أنزل آيات ولكنهم لم يؤمنوا .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه أي بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] يعني القرآن الذي أنزله عليه الله وهو أمي لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١].
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلَّا أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢)، وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها ﷺ وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه.
стр. 3002
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ أي لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه كما قال ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون: ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٧] كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ الآية وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ (١)
الوجه السادس: بعض معجزات النبي ﷺ التي فاقت سائر المعجزات .
١ - معجزة القرآن:
أعطى الله كل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه، فلما كان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، بعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العزيز الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار.
وأما عيسى ﵇ فبعثه الله في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد؟ وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك نبينا بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء، فأتاهم بكتاب من عند الله ، فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده، فتحداهم
стр. 3003
ودعاهم أن يعارضوه ويأتوا بمثله، وليستعينوا بمن شاءوا؛ فعجزوا عن ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] وكما قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤].
ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في (سورة هود): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾.
ثم تنازل إلى سورة فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]، وكذلك في سورة البقرة وهى مدنية أعاد التحدي بسورة منه، وأخبر تعالى أنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا لا في الحال ولا في المآل فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤]. وهكذا وقع، فإنه من لدن رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدًا؛ فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟ .
وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه الإعجاز: ذلك أن القرآن الكريم معجز في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني باستقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد لا يختلف، ولا يتفاوت ولا تختلف خصائصه، معجز في بنائه الفكري وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كل توجيهاته وتشريعاته تتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشرية دون أن تصطدم بالفطرة الإنسانية، معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها.
стр. 3004
٢ - انشقاق القمر:
قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ١, ٢]. أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه. (١)
وعن أنس بن مالك ﵁ "أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ" (٢).
وفي رواية عبد الله بن مسعود ﵁ "قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة قال: فقالوا: انتظروا ما تأتيكم به السفار فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال: فجاء السفار فقالوا: ذاك.
وسيأتي تفصيل هذه المعجزة في إثبات المعجزات للنبي الأكرم ﷺ .
٣ - الإسراء والمعراج.
٤ - نبع الماء من بين أصابعه ﷺ
٥ - تكثير الطعام ببركته ودعاءه.
٦ - كلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته
٧ - حنين الجزع لفراق النبي ﷺ .
٨ - تسليم الحجر على النبي ﷺ .
٩ - إخبار الشاة له ﷺ بأنها مسمومة.
١٠ - إبراءه للمرضى ﷺ .
١١ - إجابة دعائه ﷺ .
١٢ - إخباره ﷺ بالأحداث التي لم تقع وقد وقعت.
стр. 3005
وغيرها كثير من المعجزات التي أجراها الكريم ﷻ إذ الفضل منه وإليه - على يدي النبي المعصوم ﷺ ولكن من استكبر وعاند طلب أكثر من ذلك، ماذا طلب؟ إنه طلب العذاب، طلب أن ينزل الله عليه آية من السماء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ولكن الله استجاب لنبيه ﷺ وكما في الحديث "أَنَّ رَسولَ الله ﷺ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ ﷺ : "سَأَلْتُ رَبِّى ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ ومنعني وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّى أَنْ لَا يُهْلِكَ أمتي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا" (١).
وقد ذكر الحق العلة من عدم إجابته لسؤال هؤلاء القوم فقال: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقد سبق بيان ذلك، ولكننا نثبت أن الله ﵎ أجرى معجزات كثيرة على يد نبيه ﷺ وسيأتي تفصيل ذلك في بابه فلتراجع فإنها مهمة.
الوجه السابع: لا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون كما في الكتاب المقدس . (٢)
فكما تبين من فهم الآيات السابقة نفي المعجزة المقترحة، ولا يلزم من هذا النفي، نفي المعجزات مطلقًا، ولا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون؛ بل هم لا يظهرون إذا طلب المنكرون عنادًا أو امتحانًا أو استهزاء، وأورد لهذا الأمر شواهد من
العهد الجديد:
стр. 3006
(الأول) في الباب الثامن من إنجيل مرقص (١٢: ١١): هكذا: فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَابْتَدَأُوا يحاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يُجَرِّبُوهُ. ١٢ فَتَنَهَّدَ بِرُوحِهِ وَقَالَ: "لِمَاذَا يَطْلُبُ هذَا الْجِيلُ آيَةً؟ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً! .
فالفريسيون طلبوا معجزة من عيسى ﵇ على سبيل الامتحان، فما أظهر معجزة، ولا أحال في ذلك الوقت إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل، ولا وعد بإظهارها فيما بعد أيضًا؛ بل قوله لن يعطى هذا الجيل آية، يدل على أن المعجزة لا تصدر عنه فيما بعد هذا البتة؛ لأن لفظ الجيل يشمل الجميع الذين كانوا في زمانه.
(الثاني) في الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا (١١: ٨): وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَي آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. ٩ وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. ١٠ وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ، ١١ فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لَامِعًا، وَرَدَّهُ إِلَى بِيلَاطُسَ.
فعيسى ﵇ أظهر معجزة في ذلك الوقت، وقد كان هيردوس يترجى أن يرى منه آية، والأغلب أنه لو رأى لألزم اليهود على اشتكائهم ولما احتقر مع عسكره ولما استهزأ.
(الثالث) في الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا (٦٥: ٦٣): ٦٣ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا ضَابِطِينَ يَسُوعَ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَهُمْ يَجْلِدُونَهُ، ٦٤ وَغَطَّوْهُ وَكَانُوا يَضرِبُونَ وَجْهَهُ وَيَسْأَلُونَهُ قَائِلِينَ: "تَنَبَّأْ! مَنْ هُوَ الَّذِي ضَرَبَكَ؟ " ٦٥ وَأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةً كَانُوا يَقُولُونَ عَلَيْهِ مُجَدِّفِينَ.
ولما كان سؤالهم استهزاء وتوهينًا، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الرابع) في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ ٤٠ قَائِلِينَ: "يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ! ". ٤١ وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: ٤٢ "خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا!
стр. 3007
إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! ٤٣ قَدِ اتَّكَلَ عَلَى الله، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ الله! ". ٤٤ وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ.
فما خلص نفسه عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما نزل عن الصليب وإن عيره المجتازون، ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ، واللصان. ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ كانوا يقولون: إنه إن نزل عن الصليب نؤمن به، فكان عليه لدفع العار، ولإلزام الحجة أن ينزل مرة عن الصليب ثم يصعد .. ولكنهم لما كان مقصودهم العناد، والاستهزاء، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الخامس) في الباب الثاني عشر من إنجيل متى (٤٠: ٣٨): حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً". ٣٩ فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. ٤٠ لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَال.
فطلب الكتبة والفريسيون معجزة، في أظهرها عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما أحالهم إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل هذا السؤال؛ بل سبهم وأطلق عليهم لفظ الفاسق والشرير، ووعد بالمعجزة التي لم تصدر عنه؛ لأن قوله كما كان يونان في بطن الحوت الخ، غلط بلا شبهة كما علمت في الفصل الثالث من الباب الأول، وإن قطعنا النظر عن كونه غلطًا، فمطلق قيامه لم ير الكتبة، والفريسيون بأعينهم، ولو قام عيسى ﵇ من الأموات، كان عليه أن يظهر نفسه على هؤلاء المنكرين الطالبين آية ليصير حجة عليهم، ووفاء بالوعد. وهو ما أظهر نفسه عليهم، ولا على اليهود الآخرين، ولو مرة واحدة، ولذلك لا يعتقدون هذا القيام؛ بل هم يقولون من ذاك العهد إلى هذا الحين، إن تلاميذه سرقوا جثته من القبر ليلًا.
(السادس) في الباب الرابع من إنجيل متى (٧: ٣): فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا". ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ
стр. 3008
وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله". ٥ ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، ٦ وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلَ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلُكَ". ٧ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لَا تُجَرِّب الرَّبَّ إِلَهَكَ.
فطلب إبليس على سبيل الامتحان من عيسى ﵇ معجزتين، فما أجاب بواحدة منهما، واعترف في المرة الثانية أنه لا يليق بالمربوب أن يجرب ربه، بل مقتضى العبودية مراعاة الأدب وعدم التجربة.
(السابع) في الباب السادس من إنجيل يوحنا (٣١: ٢٩): ٢٩ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "هذَا هُوَ عَمَلُ الله: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ". ٣٠ فَقَالُوا لَهُ: "فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ ٣١ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا.
فاليهود طلبوا معجزة فما أظهرها عيسى ﵇، ولا أحال إلى معجزة فعلها قبل هذا السؤال؛ بل تكلم بكلام مجمل، لم يفهمه أكثر السامعين؛ بل ارتد كثير من تلاميذه بسببه. كما هو مصرح به في الآية السادسة والستين من الباب المذكور، وهي في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ومن هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه). وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣٥: (ومن ثم ارتد كثير من تلاميذه على أعقابهم ولم يماشوه بعد ذلك أبدًا).
(الثامن) في الباب الأول من الرسالة إلى أهل قورنيثوس (٢٣: ٢٢): فإن اليهود يسألون معجزة، واليونانيون يطلبون حكمة، ونحن نكرز بالمسيح المصلوب وذلك معثرة لليهود وحماقة لليونانيين.
فاليهود كما كانوا يطلبون المعجزة من المسيح ﵇ كانوا يطلبونها من الحواريين أيضًا، وأقر مقدسهم بولس بأنهم يطلبون المعجزة ونحن نكرز بالمسيح المصلوب.
стр. 3009
فظهر من هذه العبارات المنقولة أن عيسى ﵇ والحواريين ما أظهروا معجزة بين أيدي الطالبين في الأوقات التي طلبوا المعجزات فيها، ولا أحالوا المنكرين إلى معجزة فعلوها قبل هذه الأوقات، فلو استدل أحد بالآيات المذكورة على أن عيسى ﵇ والحواريين ما كان لهم قدرة على إظهار أمر خارق للعادات، وإلا لصدر عنهم في الأوقات المذكورة وأحالوا المنكرين إلى أمر خارق صدر عنهم قبل هذه الأوقات. فلما لم يظهر منهم أحد الأمرين ثبت أنهم ما كان لهم قدرة على إظهاره، يكون هذا الاستدلال عند القديسين محمولًا على الاعتساف ويكون قوله خلاف الإنصاف، فكذا قول القسيسين عندنا بالتمسك ببعض الآيات القرآنية التي عرفت حالها خلاف الإنصاف وعين الاعتساف، كيف لا؟ والمعجزات المحمدية مصرح بها في القرآن والأحاديث الصحيحة. كما سبق بيان ذلك.
* * *
стр. 3010
سورة الأعراف
وفيها:
١ - شبهة: حول اللباس والريش.
٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.
٣ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
٤ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾.
стр. 3011
١ - شبهة: حول اللباس والريش .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦] تُرى ما هو ذلك اللباس الذي يواري السوءات؟ وما هو الريش ولباس التقوى؟ فالقرآن لا يشرح لنا شيئًا عن ذلك؛ مع أنه في غاية الأهمية لستر الإنسان الذي أذله الشيطان وعراه وفضحه، ولكن القرآن جاء فيه لأصحابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فإن سفر التكوين في التوراة يقول لنا: إن آدم وحواء لم يفلحا في ستر نفسيهما وهما يخصفان عليهما من ورق الجنة، فصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما (تكوين ٢١: ٣) إذن كانت هناك ذبيحة سفك دمها وأخذ جلدها لستر آدم وحواء، لقد فداهما الله بذبح عظيم؛ لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (العبرانيين ٢٢: ٩)، وهذا رمز للمسيح المخلص الآتي الذي هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يوحنا ٣٦، ٢٩: ١)، ويقول نبي الله إشعياء في التوراة: فرحًا أفرح بالرب تبتهج نفسي يا إلهي؛ لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص كساني رداء البر. (إشعياء ١٠: ٦١).
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: سبب نزول هذه الآية.
الوجه الثاني: تفسير الآية.
الوجه الثالث: معنى اللباس.
الوجه الرابع: معنى قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
الوجه الخامس: اللباس في الكتاب المقدس، وبطلان عقيدة الصلب والفداء.
وإليك التفصيل
стр. 3012
الوجه الأول: سبب نزول هذه الآية .
عن عكرمة في قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ وقال: نزلت في الحمس من قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار: الأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا يضطربون وبرًا ولا شعرًا؛ إنما يضطربون الأدم ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشًا، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا، ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزرًا؟ فإن لم يجدوا طافوا عراة، فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا.
وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحله
فأمر الله سبحانه بالستر فقال: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يستر عوراتكم (١).
معنى قوله تعالى ﴿وَرِيشًا﴾:
قال أهل اللغة: (ريش) الرِّيشُ كِسْوةُ الطائر، والجمع: أَرياش ورِياشٌ، وقُرئ: (ورِياشًا ولِباسُ التَّقْوى).
والرِّيشُ والرِّياشُ: الخِصْبُ والمعاشُ والمالُ والأَثاثُ واللِّباسُ الحسَنُ الفاخرُ وفي التنزيل العزيز: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، وقد قرئ: (رِياشًا) على أَن ابن جني قال: رِياشٌ قد يكون جمعَ ريش كلِهْبٍ ولِهابٍ.
وقال محمد بن سَلامٍ: سمعت سلامًا أَبا مُنْذِرٍ القارئ يقول: الرِّيشُ الزِّينةُ، والرِّياشُ كلُّ اللباس، قال: فسأَلت يونسَ فقال: لم يقل شيئًا هما سواءٌ؛ الرِّيشُ والرِّياشُ ما ظهَر من اللباس، والرِّياشُ القِشْرُ وكل ذلك من الرِّيشِ (٢).
стр. 3013
وقال الأزهري: وقال القتيبي: الرِّيش والريَاش واحد، وهما ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله تعالى به (١).
وقال ابن عاشور: والرِّيش لباس الزّينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطّير لأنَّه زينته، ويقال للباس الزّينة: رِياش (٢).
وقال ابن عباس ﵄: وريشًا: المال، وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (ورياشًا) قال: مالًا، ومن طريق مجاهد والسدي وعروة بن الزبير والضحاك فرقهما قال في قوله: ﴿وَرِيشًا﴾ قال: المال (٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال (٤).
وقال ابن جرير: والرياش في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر منها من المتاع والثياب مما يلبس، والريش إنما هو المتاع والأموال عندهم (٥).
الوجه الثاني: تفسير الآية .
قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]
يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ الله، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم، حتى تمكن منهم فسلبهم مِنْ ستر الله الذي أنعمَ به عليهم، حتى أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض، مع
стр. 3014
تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقَه لهم ورزقَه إياهم، واللباس: ما يلبسون من الثياب، ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم، فهذه منة يمتن الله بها على عباده، بما جعل لهم من اللباس والرياش، فاللباس المذكور ها هنا لستر العورات وهي السوآت (١).
الوجه الثالث: معنى اللباس .
قال ابن منظور: اللُّبْسُ بالضم مصدر قولك: لبست الثوب ألْبَس. . واللِّباسُ ما يُلْبَس وكذلك المَلْبَس، واللِّبْسُ بالكسر مثلُه. ابن سيده: لَبِسَ الثوب يَلْبَسُه لُبْسًا، وأَلْبَسَه إِياه، وأَلْبَس عليك، ثوبَك، وثوب لَبِيس إِذا كثر لُبْسُه. .
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، يعني: الدروع، وتلبس بالأمر وبالثوب، ولابست الأمرَ: خالطته، ولابست فلانًا: عرفت باطنه، وما في فلان ملبس أي: مستمتع، والتبس عليه الأمر أي: اختلط واشتبه.
ولباس كل شيء: غشاؤه، ولباس الرجل امرأَتُه، وزوجُها لِباسُها، وقوله تعالى في النساء: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَي: مثل اللِّباسِ.
والعرب تسَمِّي المرأَة لِباسًا وإِزارًا. . ولباس التقوى: الحياء هكذا جاء في التفسير، ويقال: الغليظ الخشن القصير (٢).
وقال ابن عاشور: واللّباس اسم لما يلبَسه الإنسان أي: يستُر به جزءًا من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس، ويقال: لبس التّاج ولبس الخاتم؛ قال تعالى:
стр. 3015
﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، ومصدر لبس: اللُّبس بضمِّ اللَّام (١).
وقال ابن عرفة: اللباس من الملابسة أي: الاختلاط والاجتماع (٢).
الوجه الرابع: معنى قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .
قال ابن الأنباري: لباس التقوى: هو اللباس الأول؛ وإنما أعاده إخبارًا أنَّ ستر العورة من التقوى وذلك خير، وقيل: إنما أعاده لأجل أن يخبر عنه بأنه خير؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فأخبر أن ستر العورة في الطواف هو لباس التقوى وذلك خير.
وقال زيد بن علي - رحمه الله تعالى -: لباس التقوى آلات الحرب التي يتقى بها في الحروب كالدروع والمغفر ونحو ذلك. وقيل: لباس التقوى هو الصوف والخشن من الثياب التي يلبسها أهل الزهد والورع، وقيل: هو ستر العورة في الصلاة؛ قاله ابن زيد (٣).
ومن حمله على معناه المجازي: فجمهور مفسري السلف على أنه اللباس المعنوي المجازي، فعن عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، وقال: هو خير مما يلبس أهل الدنيا. (٤) وقال قتادة: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمان (٥)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: يتقي الله فيواري عورته؛ ذلك: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، وعن زيد بن علي تفسيره: بالإسلام، ومنهم من قال: إنه الحياء؛ وهو قول الحسن، وعن عروة بن الزبير ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشية الله (٦).