← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

١ - شبهة: حول اللباس والريش . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦] تُرى ما هو ذلك اللباس الذي يواري السوءات؟ وما هو الريش ولباس التقوى؟ فالقرآن لا يشرح لنا شيئًا عن ذلك؛ مع أنه في غاية الأهمية لستر الإنسان الذي أذله الشيطان وعراه وفضحه، ولكن القرآن جاء فيه لأصحابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فإن سفر التكوين في التوراة يقول لنا: إن آدم وحواء لم يفلحا في ستر نفسيهما وهما يخصفان عليهما من ورق الجنة، فصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما (تكوين ٢١: ٣) إذن كانت هناك ذبيحة سفك دمها وأخذ جلدها لستر آدم وحواء، لقد فداهما الله بذبح عظيم؛ لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (العبرانيين ٢٢: ٩)، وهذا رمز للمسيح المخلص الآتي الذي هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يوحنا ٣٦، ٢٩: ١)، ويقول نبي الله إشعياء في التوراة: فرحًا أفرح بالرب تبتهج نفسي يا إلهي؛ لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص كساني رداء البر. (إشعياء ١٠: ٦١). والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: سبب نزول هذه الآية. الوجه الثاني: تفسير الآية. الوجه الثالث: معنى اللباس. الوجه الرابع: معنى قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. الوجه الخامس: اللباس في الكتاب المقدس، وبطلان عقيدة الصلب والفداء. وإليك التفصيل

стр. 3012

الوجه الأول: سبب نزول هذه الآية . عن عكرمة في قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ وقال: نزلت في الحمس من قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار: الأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا يضطربون وبرًا ولا شعرًا؛ إنما يضطربون الأدم ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشًا، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا، ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزرًا؟ فإن لم يجدوا طافوا عراة، فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا. وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحله فأمر الله سبحانه بالستر فقال: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يستر عوراتكم (١). معنى قوله تعالى ﴿وَرِيشًا﴾: قال أهل اللغة: (ريش) الرِّيشُ كِسْوةُ الطائر، والجمع: أَرياش ورِياشٌ، وقُرئ: (ورِياشًا ولِباسُ التَّقْوى). والرِّيشُ والرِّياشُ: الخِصْبُ والمعاشُ والمالُ والأَثاثُ واللِّباسُ الحسَنُ الفاخرُ وفي التنزيل العزيز: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، وقد قرئ: (رِياشًا) على أَن ابن جني قال: رِياشٌ قد يكون جمعَ ريش كلِهْبٍ ولِهابٍ. وقال محمد بن سَلامٍ: سمعت سلامًا أَبا مُنْذِرٍ القارئ يقول: الرِّيشُ الزِّينةُ، والرِّياشُ كلُّ اللباس، قال: فسأَلت يونسَ فقال: لم يقل شيئًا هما سواءٌ؛ الرِّيشُ والرِّياشُ ما ظهَر من اللباس، والرِّياشُ القِشْرُ وكل ذلك من الرِّيشِ (٢).

стр. 3013

وقال الأزهري: وقال القتيبي: الرِّيش والريَاش واحد، وهما ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله تعالى به (١). وقال ابن عاشور: والرِّيش لباس الزّينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطّير لأنَّه زينته، ويقال للباس الزّينة: رِياش (٢). وقال ابن عباس ﵄: وريشًا: المال، وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (ورياشًا) قال: مالًا، ومن طريق مجاهد والسدي وعروة بن الزبير والضحاك فرقهما قال في قوله: ﴿وَرِيشًا﴾ قال: المال (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال (٤). وقال ابن جرير: والرياش في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر منها من المتاع والثياب مما يلبس، والريش إنما هو المتاع والأموال عندهم (٥). الوجه الثاني: تفسير الآية . قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦] يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ الله، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم، حتى تمكن منهم فسلبهم مِنْ ستر الله الذي أنعمَ به عليهم، حتى أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض، مع

стр. 3014

تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقَه لهم ورزقَه إياهم، واللباس: ما يلبسون من الثياب، ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم، فهذه منة يمتن الله بها على عباده، بما جعل لهم من اللباس والرياش، فاللباس المذكور ها هنا لستر العورات وهي السوآت (١). الوجه الثالث: معنى اللباس . قال ابن منظور: اللُّبْسُ بالضم مصدر قولك: لبست الثوب ألْبَس. . واللِّباسُ ما يُلْبَس وكذلك المَلْبَس، واللِّبْسُ بالكسر مثلُه. ابن سيده: لَبِسَ الثوب يَلْبَسُه لُبْسًا، وأَلْبَسَه إِياه، وأَلْبَس عليك، ثوبَك، وثوب لَبِيس إِذا كثر لُبْسُه. . وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، يعني: الدروع، وتلبس بالأمر وبالثوب، ولابست الأمرَ: خالطته، ولابست فلانًا: عرفت باطنه، وما في فلان ملبس أي: مستمتع، والتبس عليه الأمر أي: اختلط واشتبه. ولباس كل شيء: غشاؤه، ولباس الرجل امرأَتُه، وزوجُها لِباسُها، وقوله تعالى في النساء: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَي: مثل اللِّباسِ. والعرب تسَمِّي المرأَة لِباسًا وإِزارًا. . ولباس التقوى: الحياء هكذا جاء في التفسير، ويقال: الغليظ الخشن القصير (٢). وقال ابن عاشور: واللّباس اسم لما يلبَسه الإنسان أي: يستُر به جزءًا من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس، ويقال: لبس التّاج ولبس الخاتم؛ قال تعالى:

стр. 3015

﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، ومصدر لبس: اللُّبس بضمِّ اللَّام (١). وقال ابن عرفة: اللباس من الملابسة أي: الاختلاط والاجتماع (٢). الوجه الرابع: معنى قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . قال ابن الأنباري: لباس التقوى: هو اللباس الأول؛ وإنما أعاده إخبارًا أنَّ ستر العورة من التقوى وذلك خير، وقيل: إنما أعاده لأجل أن يخبر عنه بأنه خير؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فأخبر أن ستر العورة في الطواف هو لباس التقوى وذلك خير. وقال زيد بن علي - رحمه الله تعالى -: لباس التقوى آلات الحرب التي يتقى بها في الحروب كالدروع والمغفر ونحو ذلك. وقيل: لباس التقوى هو الصوف والخشن من الثياب التي يلبسها أهل الزهد والورع، وقيل: هو ستر العورة في الصلاة؛ قاله ابن زيد (٣). ومن حمله على معناه المجازي: فجمهور مفسري السلف على أنه اللباس المعنوي المجازي، فعن عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، وقال: هو خير مما يلبس أهل الدنيا. (٤) وقال قتادة: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمان (٥)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: يتقي الله فيواري عورته؛ ذلك: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، وعن زيد بن علي تفسيره: بالإسلام، ومنهم من قال: إنه الحياء؛ وهو قول الحسن، وعن عروة بن الزبير ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشية الله (٦).

стр. 3016

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح، وقيل: هو العفاف والتوحيد (١). وأما المختار من هذه الأقوال فقد قال ابن جرير في تفسيره: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن؛ لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا، ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره (٢). وقال الشوكاني: والمراد بلباس التقوى: لباس الورع، واتقاء معاصي الله؛ وهو الورع نفسه والخشية من الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة، وقال: وهو الأولى؛ وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال (٣). وكذا قال القرطبي في تفسيره (٤). الوجه الخامس: اللباس في الكتاب المقدس، وبطلان عقيدة الصلب والفداء . قصة آدم في الكتاب المقدس: يعتقد النصارى أن بسبب خطيئة آدم ﵇ أبي البشر في أكله من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجنة - قامت نظرية الصلب والفداء، وتعني صلب المسيح ﵇ نيابة عن الجنس البشري وفداءً له؛ إذ كان على الله بمقتضى صفة العدل أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة المشار إليها والتي ارتكبها أبوهم، لكن بمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئاتهم،

стр. 3017

ولم يكن هناك طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط المسيح ابن الله - في اعتقادهم -، وقبوله أن يظهر في شكل إنسان، وأن يعيش كما يعيش الناس، ثم يُقتل ويُصلب ظلمًا؛ وذلك ليكفر خطيئة آدم أبي البشر في ذريته، وهذا ما يعبر عنه النصارى بالخلاص، وهنا تمت المصالحة بين الله والناس. والرد على هذا الكلام يسير طبقًا للآتي: أولًا: أين كان عدل الله ورحمته إذًا منذ طرد آدم من الجنة حتى صُلب المسيح في زعمهم؟ فهل كان الله حائرًا بين العدل والرحمة آلاف السنين حتى قبل مجيء المسيح منذ ألف عام فقط حتى يُصلب للتكفير عن خطيئة آدم ﵇؟ ! ثانيًا: من عدل الله ألا ينقص أحدًا من حسناته، ولا يعاقبه إلا بذنبه، ولا يجوز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم. ثالثًا: الزعم بأن خطيئة آدم قد عمت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم عن خطاياهم إلا قتل المسيح! ! التوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء كما في كتابهم المقدس: (لَا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلَادِ، وَلَا يُقْتَلُ الأَوْلَادُ عَنِ الآبَاءِ، كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ) (التثنية ٢٤/ ١٦). إن آدم ﵇ قد ارتكب خطيئة وأخذ جزاءه، وهو الخروج من الجنة، ثم أدرك خطأه فتاب لله فقبل الله توبته واجتباه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]. والرد على عقيدة الصلب والفدا، وبطلانها من الناحية العقلية: إذا كان الله سبحانه لم يرد الانتقام من آدم ﵇ لمعصية، فمن باب أولى أن يتوب على صاحب الذنب ويعفو عنه، ولا يحمِّله لغيره من باب العدل الإلهي. النصارى تقول: إن عيسى إله! فكيف وقع على الناسوت فقط؟ وهم يقولون: إن الناسوت في اللاهوت كالماء في اللبن جوهران أصبحا جوهرًا واحدًا، فكيف يُعقل هذا؟ ! إذا كان عيسى ﵇ إلهًا قد صُلب ودُفن كما يقولون، فمن الذي أمسك السموات من

стр. 3018

السقوط؟ والأرض أن تميد؟ ومن دبر شئون الخلق في هذه اللحظات التي غاب فيها الإله؟ ! لماذا لم تذكر التوراة أمر لصوق الخطيئة ببني آدم وفيهم الأنبياء، وقد ذكرت ما هو أدنى من ذلك مع أن هذا الأمر من الأهمية بمكان؟ وكيف لا وهو قد حكم على جميع بني آدم حتى الأنبياء بتوارثهم خطيئة أبيهم آدم، حتى جاء عيسى ﵇ ليخلصهم بذلك. وأيضًا نقول: إن النص في سفر التكوين: (وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا). يدل على غفران الله لذنبهما، فالرب بنفسه صنع لهما هذه الأقمصة، فلو لم يغفر لهما لتركهما يصطادان ويعالجان الجلد ليصنعا لأنفسهما هذه الأقمصة إمعانًا في إجهادهما، وتنفيذًا لوعيده لهما أن يشقيا في الأرض. وبذلك يتضح لنا بطلان عقيدة الصلب والفداء، يحاولون أن يستدلوا على عقيدة باطلة بأن المسيح مات على الصليب فداءً لخطايا البشر بأن ذبح، ويقولون: إن أي ذبح هو إشارة لدم المسيح؛ كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾، أو غير ذلك من الآيات التي يحاولون تفسيرها بما يليق بمعتقدهم الفاسد، فلا المسيحُ صُلب، ولا الذبيحُ كان، ولا الخلاص لهم تم على الصليب كما يزعمون (١). * * *

стр. 3019

٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ . نص الشبهة: ما كان جواب قومه؟ جواب قوم لوط في سورة الأعراف مختلف عن سورة العنكبوت ففي سورة الأعراف: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢]. وفي الموضع الآخر قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩]. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: كان نبي الله لوط ﵇ ثابتًا على الإرشاد مكررًا عليهم التغيير والنهي والوعيد، فقالوا أولًا: ائتنا، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوا، ثم إن لوطًا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ فإن الله لا يحب المفسدين: حتى ينجز النصر (١). زيادة وتوضيح: لما أنكر لوط ﵇ ما كانوا يفعلونه أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي ما أجابوا بشيء إلا بهذا القول رجوعًا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد وقد تقدم في سورة النمل: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.

стр. 3020

وتقدم في سورة الأعراف: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطًا كان ثابتًا على الإرشاد ومكررًا للنهي لهم والوعيد عليهم، فقالوا له أولًا: ائتنا بعذاب الله كما في الآية، فلما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوهم كما في سورة الأعراف والنمل، وقيل: إنهم قالوا أولًا: أخرجوهم من قريتكم ثم قالوا ثانيًا: ائتنا بعذاب الله (١). (فائدة): في آية العنكبوت اختلف فيها الجواب عن سورة الأعراف وهي: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، ومتى كان الكلام مفهومًا كان صحيحًا فصيحًا وإن أشكل على جامدي النحاة إعرابه. فإن قيل: إن في حكاية الجوابين تعارضًا في المعنى محكيًا بصيغة النفي والإثبات فيهما فكيف وقع هذا في كتاب الله تعالى وما الذي يدفع هذا التعارض؟ قلنا: إنه لا تعارض ولا تنافي بين الجوابين لحملها على الوقوع في وقتين، ولا شك أنه كان ينهاهم كثيرًا فكان يسمع في كل وقت كلامًا ممن حضر منهم، وقد قلنا: إن قصص القرآن لم يقصد بها سرد حوادث التاريخ؛ بل العبرة والموعظة فيما يذكر في كل سورة من القصة الواحدة من المعاني والمواعظ ما لا يذكر في الأخرى، ومجموعها هو كل ما أراد الله تعالى أن يعظ به هذه الأمة. فمن المعهود أن الرسل ﵈ وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْوُعَّاظِ الذين ينهون الضالين والمجرمين عن المنكر - يُكَرِّرُونَ لهم الوعظ بمعان متقاربة. وقد حكى الله تعالى من قول رسوله لوط ﵇ لقومه في سورة العنكبوت ما لم يحكه في سورتي الأعراف والنمل فزاد على إتيانهم الرجال قطع السبيل، وإتيانهم المنكر في النادي الحافل والمجلس الحاشد، فكأنهم ضاقوا به ذرعًا واستعجلوا العذاب الذي أنذرهم إذا أصروا على عصيانه. والأظهر أن هذا كان بعد أمرهم بإخراجه وأن

стр. 3021

التوعد بالإخراج كان قبل الأمر به والله أعلم (١). نكتة بلاغية: حصر الله جوابه في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾؛ لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، والمعنى: فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جوابًا، وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله ﷺ مستلزمًا للعذاب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ جعل نطقهم بالسبب نطقًا بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالًا، ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا وفي سورة النمل: حصر الجواب في هذا، أي: فما كان جوابهم هذا القول إلا هذا، ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أتوه بأبلغ من هذا تكذيبًا واستهزاء فقالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٢). * * * *

стр. 3022

٣ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ من القائل؟ فرعون أم الملأ؟ قال الله تعالى في سورة (الأعراف: ١٠٩): ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾، وقال الله في سورة (الشعراء: ٣٤): ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ والرد عليه من وجوه الوجه الأول: لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم، فذكر الله تعالى قوله ثَمَّ، وقولهم ههنا (١). الوجه الثاني: أن فرعون قاله ابتداء فتلقته منه الملأ فقالوه لأعقابهم، أو قالوه للناس على طريق التبليغ كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة ثم تبلغه الخاصة للعامة. نكتة بلاغية: في سورة الشعراء أسند الله هذا الكلام إلى فرعون؛ لأن السياق كله لتخصيصه بالخطاب لما تقدم، ونظرًا إلى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. لأن خضوعه هو خضوع من دونه، فدلالته على ذلك أظهر، ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه إظهارًا للطواعية كما مضي في الأعراف (٢). * * *

стр. 3023

٤ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ . نص الشبهة: جاء في سورة (الأعراف) قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ومعروف أن موسى كتب الشريعة على اللوحين كتب الوصايا العشر فقط وليس كل شيء. والجواب من وجوه: الوجه الأول: هذه المعرفة المدعاة ليست بلازمة فقد ثبت تحريف كتابكم فلا حجة فيه على ما عندنا عن ابن عباس قال: أعطى الله موسى ﵇ التوراة في سبعة ألواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء، وموعظة التوراة مكتوبة من يديه فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقى سبعًا. (١) الوجه الثاني: إنما سماها الله تعالى ألواحًا على مذهب العرب في إيقاع الجمع على التثنية (٢). الوجه الثالث: جاءت الواح على صيغ الجمع؛ لأنهما كانا مكتوبين على كلا وجهيهما، كما يقتضيه الإصحاح الثاني والثلاثون من سفر الخروج فكانا بمنزلة أربعة ألواح (٣). فَانْصَرَفَ مُوسَى وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ: لَوْحَانِ مَكْتُوبَانِ عَلَى جَانِبَيْهِمَا. مِنْ هُنَا وَمنْ هُنَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ. (سفر الخروج ٣٢/ ١٥). الوجه الرابع: اعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. * * * *

стр. 3024

سورة الأنفال وفيها: ١ - شبهة: حول الطمأنينة، ووجل القلوب. ٢ - شبهة: حول متى يُستجاب للرسول ﷺ ؟ ٣ - شبهة: حول هل الإنسان يحمل وزر الآخرين؟ ٤ - شبهة: حول نفي العذاب وإثباته. ٥ - شبهة: حول العشرون والمائة. ٦ - شبهة: حول آيات متعارضة بين سورتي الأنفال والتوبة في نفي وإثبات الولاية.

стр. 3025

١ - شبهة: حول الطمأنينة، ووجل القلوب . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وهذه الآية لها نظائر منها قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، تدل على أن وجل القلوب عند سماع ذكر الله من علامات المؤمنين، وقد جاءت في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك، وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، فالمنافاة بين الطمأنينة ووجل القلوب ظاهرة. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: معنى الوجل الذي في الآية . الوجه الثاني: جمع الله بين المعنيين في آية واحدة ليتضح المراد. الوجه الثالث: قد يحمل الوجل عند ذكر وعيده، ويحمل الاطمئنان عند ذكر وعده. الوجه الرابع: أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى. الوجه الخامس: أن المراد: أن علمهم يكون القرآن معجزًا يوجب حصول الطمأنينة لهم. الوجه السادس: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى الوجل الذي في الآية. قال القرطبي: "الوجل": الخوف (١).

стр. 3026

قال الشيخ محمد رشيد رضا: قال الراغب: "الوجل" استشعار الخوف يعني ما يجعل القلب يشعر به بالفعل وعبر غيره عنه بالفزع والخوف. (١) قال القنوجي: "وجلتا" أي فزعت وخضعت وخافت ورقت قلوبهم لذكر الله استعظامًا له وتهيبٌ من جلاله، والوجل: الخوف والفزع ويقال بإثبات الواو في المضارع، والمراد أن حصول الخوف من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله (٢). الوجه الثاني: جمع الله بين المعنيين في آية واحدة ليتضح المراد فقال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه: أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات - القينات - أي المغنيات. . . الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًّا وبكيا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]؛ أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليه فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.

стр. 3027

الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون بما ليس فيهم؛ بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك. (١) قال القرطبي: وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ أي تسكن من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله، فهذه حالة العارفين بالله الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطَّغَام. (٢) الوجه الثالث: قد يحمل الوجل عند ذكر وعيده، ويحمل الاطمئنان عند ذكر وعده قال الشيخ محمد رشيد رضا: فيقابل بين هذه الآية - أي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وما في معناها وبين قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]، فيظن أن بينهما تعارضًا، فيحاول التقصي منه بحمل هذا على ذكر الوعد والآخر على ذكر الوعيد، ولا تعارض في الحقيقة ولا تنافي ففي كل من الوعد والوعيد وصفات الكمال، وذكر آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق اطمئنان للقلوب بالإيمان بالله تعالى والثقة بما عنده. (٣) قال صاحب فتح البيان: فإن قيل قال هنا: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾، فكيف الجمع بينهما؟ قلت: الاطمئنان بذكره بصفات الجمال، والوجل إنما هو بذكر وعيده. (٤)

стр. 3028

قال الرازي: إنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي، فهناك وصفهم بالوجل، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب، والطمأنينة بذكر الثواب، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات. (١) الوجه الرابع: أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى . (٢) فكلما ذكر المؤمن ربه كلما اطمئن قلبه وانشرح صدره إلى الحق، ومعرفة التوحيد، ومعرفة شرائع الله جل وعلا، وهذه حاله تنتابه، وإذا ذكر ربه أيضًا وجل وخاف أن يقع في المعصية، أو يبعد عن الرشاد والهدى، وقد أشارت آيات كثيرة إلى مثل هذا، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. قال القاضي عبد الجبار وجوابنا: أن الطمأنينة المذكورة ها هنا المراد بها المعرفة وسكون النفس إلى المجازاة مع الوجل والخوف من المعاصي، فالكلام متفق عليه؛ لأن المؤمن ساكن النفس إلى معرفة الله تعالى، وإلى المجازات على الطاعات، ومع ذلك خائف مما يخشاه من التقصير ووجل القلب، فظن في مثل ذلك أنه مختلف إذ قد نادى على نفسه بقلة المعرفة، ولذا قال تعالى بعده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]. (٣) الوجه الخامس: أن المراد: أن علمهم بكون القرآن معجزًا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد ﷺ نبيًا حقًّا من عند الله، أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. (٤)

стр. 3029

الوجه السادس: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده وأن محمد ﷺ صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب، أم لا؟ وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا؟ . (١) * * *

стр. 3030

٢ - شبهة: حول متى يستجاب للرسول ﷺ -؟ نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤] وهذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول ﷺ التي هي طاعته - لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا ونظيرها: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، وقد جاء في آيات أخرى ما يدل على وجوب اتباع مطلقًا من غير قيد كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾. والجواب على ذلك كما يلي: الوجه الأول: معنى الآية تدل على عموميتها . الوجه الثاني: أن آيات الإطلاق مبينة أنه ﷺ لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة. الوجه الثالث: حديث أبي سعيد بن المعلي وغيره يدلُّ على أن الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين. الوجه الرابع: لا يمكن حمل الحياة ها هنا على نفس الحياة لأمور. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى الآية تدل على عموميتها. بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة لمعنى قوله تعالى: ﴿﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال الطبري: وأولى هذه الأقوال في الصواب قول من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم لما يحييكم من الحق، وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلًا

стр. 3031

فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب، أما في الدنيا فيقال الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها (١). قال البخاري: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أي أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم (٢). الوجه الثاني: أن آيات الإطلاق مبينة أنه ﷺ لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة . فالشرط المذكور في قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ متوفر في دعاء النبي ﷺ لمكان عصمته كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، والحاصل أن آية: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي الله، وأن الآيات الأخر بينت أن النبي ﷺ لا يدعوا أبدًا إلا إلى ذلك، صلوات الله وسلامه عليه (٣). الوجه الثالث: حديث أبي سعيد بن المعلي وغيره يدلُّ على أن الحكم عالم وغير مخصوص بشرط معين . (٤) قال ابن عاشور: فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو إليه الرسل سواء دعا حقيقة بطلب القدوم أم طلب عملًا من الأعمال، فلذلك لم يكن قيد لما يحييكم مقصودًا لتقييد الدعوة ببعض الأحوال؛ بل هو قيد كاشف، فان الرسول ﷺ لا يدعوهم إلا وفي حضورهم لديه حياة لهم، ويكشف عن هذا المعنى في قيد: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ما رواه أهل الصحيح عن أبي سعيد بن المعلي قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: "ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 3032

آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الحديث. (١)، فوقفه على قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ يدل على أن: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قيد كاشف. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا أُبَيُّ". وَهُوَ يُصَلِّى، فَالْتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ! مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: "أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَوْحَى الله إِلَىَّ أَنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ". قَالَ: بَلَى وَلَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ الله. قَالَ: "تُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا". قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ". (٢) ثم ذكر ابن عاشور أمثلة أخرى في مثل هذا ثم قال: فتكون عدة قضايا متماثلة، ولا شك أن القصد منها التنبيه على هذه الخصوصية لدعاء الرسول ﷺ (٣). الوجه الرابع: لا يمكن حمل الحياة ها هنا على نفس الحياة وذلك لأمور؛ منها: أن إحياء الحي محال؛ فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا الله إليه ورغب فيه، فهو مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عامًا في جميع الأوامر، وذلك يقيد المطلوب. (٤) * * *

стр. 3033

٣ - شبهة: هل الإنسان يحمل وزر الآخرين ؟ نص الشبهة: كيف يتفق قول الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وحديث "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة. . .". (١) مع آية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وآية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأصل أنه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . الوجه الثاني: استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الوجه الثالث: العقاب أو الفتنة التي تنزل على الكل أو العامة طهرة للمؤمنين، نقمة للفاسقين. الوجه الرابع: أن ذلك على سبيل التحذير حتى لا يكون جزاء من خالف العقوبة. الوجه الخامس: أن الله إذا أنزل العقوبة على من أذنب ومن لم يذنب بعث كل واحد على نيته. الوجه السادس: قد تنزل العقوبة على العوام؛ لأنهم سبب في نشر المعاصي والفتن. الوجه السابع: الفتنة سببها الإنسان فيضر المفسد الصالح، وهي في ذلك ابتلاء للطائع والعامي. الوجه الثامن: إن الله تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأصل أنه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال ابن كثير: أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجنى جان إلا على نفسه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (٢).

стр. 3034

قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض (١). قال الطبري: ولا تأثم نفس آثمة بإثم أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها وعليه تعاقب دون إثم أخرى غيرها. (٢) قال البيضاوي: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ جواب عن قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. (٣) قال ابن عاشور: فمعنى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لا تحمل حاملة، أي لا تحمل نفسٌ حين تحمل حمل أي نفس أخرى غيرها، فالمعنى: لا تغني نفس عن نفس شيئًا تحمله عنها أي: كل نفس تزر وزر نفسها، فيفيد أن وزر كل أحد عليه، وأنه لا يحمل غيره عنه شيئًا من وزره الذي وزره، وأنه لا يتبعه أحد من وزر غيره من قريب أو صديق، ولا تتبع نفس بإثم غيرها، فهي إن حملت لا تحمل حمل غيرها، وهذا إتمام لمعنى المشاركة (٤). الوجه الثاني: استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . (٥) قال الكرخي: واستشكل هذا - أي قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ بقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأجيب: بأن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فالواجب على كل من رآه أن يغيره إذا كان قادرًا على ذلك، فإذا سكت فكلهم عصاه هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله بحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة، وعلامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن بهذه الحالة فهو راض

стр. 3035

بالمنكر فنقمة العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار (١). وقال ابن العربي: فقد أخبرنا ربنا أن كل نفس بما كسبت رهينة، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بذنب أحد، وإنما تتعلق كل عقوبة بصاحب الذنب بيد أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عنه فكلهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه به، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم الذنب بالعقوبة ولم يتعد موضعه، وهذا نفيس لمن تأمله. (٢) وقد بينت سنة النبي ﷺ هذا الأمر، وهو أن المنكر إذا ظهر ولم ينكره الناس أنزل الله العقاب من عنده. عن زينب بنت جحش أنها سألت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون! قال: "نعم إذا كثر الخبث". (٣) وقد أوضح النبي ﷺ ذلك بالمثال كما في حديث النعمان بن البشير قال ﷺ : "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ الله وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ. فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا" (٤). قال ابن حجر: وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف. (٥) وعن أبي بكر ﵁ أنه قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإني سمعت رسول الله يقول: إن الناس إذا

стр. 3036

رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه (١). قال النووي: وأما قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فليس مخالفًا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصيركم غيركم، مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وإذا كان كذلك مما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعله لم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه. وقد وضح النبي ﷺ هذا الأمر في حديث آخر فقال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (٢). ولذا ذم الله بني إسرائيل ولعنهم بسبب أنهم كانوا لا يتناهون عن المنكر قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داوود نبيه ﵇ على لسان عيسى ابن مريم بسبب عصيانهم واعتدائهم على خلقه. ثم قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. . . .﴾ أي كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليُحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوا، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. (٣)

стр. 3037

قال الشيخ محمد رشيد رضا: وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ذَلِكَ الْعِصْيَانَ وَسَبَبَ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى تَعَدِّي حُدُودِ الله وَإِصْرَارَهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أَيْ كَانُوا لَا يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ مُنْكَرٍ مَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، مَهْمَا اشْتَدَّ قُبْحُهَا وَعَظُمَ ضَرَرُهَا، وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرَ حِفَاظُ الدِّينِ وَسِيَاجُ الْآدَابِ وَالْفَضَائِلِ، فَإِذَا تُرِكَ تجَرَّأَ الْفُسَّاقُ عَلَى إِظْهَارِ فِسْقِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، وَمَتَى صَارَ الدَّهْمَاءُ يَرَوْنَ الْمُنْكَرَاتِ بِأَعْيُنِهِمْ، وَيَسْمَعُونَهَا بِآذَانِهِمْ، تَزُولُ وَحْشَتُهَا وَقُبْحُهَا مِنْ أنفُسِهِمْ، ثُمَّ يَتَجَرَّأُ الْكَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى اقْتِرَافِهَا. فَالْإِخْبَارُ بِهَذَا الشَّأْنِ مِنْ شُئُونِهِمْ إِخْبَارٌ بِفُشُوِّ الْمُنْكَرَاتِ فِيهِمْ، وَانْتِشَارِ مَفَاسِدِهَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَعْلُولِ، وَلَوْلَا اسْتِمْرَارُ وُقُوعِ الْمُنْكَرَاتِ لمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ التَّنَاهِي شَأْنًا مِنْ شُئُونِ الْقَوْمِ، وَدَأْبًا مِنْ دُءُوبِهِمْ. (١) الوجه الثالث: العقاب أو الفتنة التي تنزل على الكل أو العامة طهرة للمؤمنين نقمة للفاسقين . (٢) وفي ذلك وردت أحاديث عامة عن النبي ﷺ منها قوله: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (٣) ولذلك قال النبي ﷺ لما سألته زينب بنت جحش: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم "إذا كثر الخبث". (٤) قال النووي: معنى الحديث: إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون. (٥) وفي الحديث "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها. . ." (٦).

стр. 3038

وقال ابن حجر: قال المهلب وغيره: في هذا الحديث تعذيب العامة بذنب الخاصة، وفيه نظر؛ لأن التعذيب المذكور إذا وقع في الدنيا على من لا يستحقه فإنه يكفر من ذنوب من وقع به أو يرفع من درجته. (١) الوجه الرابع: أن ذلك على سبيل التحذير حتى لا يكون جزاء من خالف العقوبة . قال الشيخ محمد رشيد رضا: أمرهم باتقاء نوع من أنواع الفتنة الاجتماعية التي تكون تبعة عقوبتها مشتركة بين المصطلي بناره فعلًا، وبين المؤاخذ به لتقصيره في درئه وإقراره على فعله فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ أي: واتقوا وقوع الفتن القومية والملية العامة التي من شأنها أن تقع بين الأمم في التنازع على مصالحها العامة من الملك والسيادة أو التفرق في الدين والشريعة والانقسام إلى الأحزاب الدينية: كالمذاهب، والسياسة: كالحكم، فإن العقاب على ذنوب الأمم أثر لازم لها في الدنيا قبل الآخرة. (٢) الوجه الخامس: أن الله إذا أنزل العقوبة على من أذنب ومن لم يذنب بعث كل واحد على نيته . ففي حديث عائشة: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ". قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيْهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ.؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". (٣) قال ابن حجر: أي: يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، قال المهلب في هذا الحديث: إن من كثر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم (٤). الوجه السادس: قد تنزل العقوبة على العوام؛ لأنهم سبب في نشر المعاصي والفتن . (٥)

стр. 3039

قال القرطبي: فمن كان إمامًا في الضلالة ودعا إليها، وأُتبع عليها، فإنه محمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء. (١) ثم قال: يحملون وزر من أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء، وفي الخبر عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" (٢). ومن للجنس لا للتبعيض، فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من اتبعهم وقوله: ﴿بغير علم﴾ أي يضلوا من الخلق جهلًا منهم بما يلزمهم من الآثام؛ إذ لو علموا لما أضلوا (٣). الوجه السابع: الفتنة سببها الإنسان فيضر المفسد الصالح، وهي في ذلك ابتلاء للطائع والعاصي . والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها مقتل عمر ﵁، ومقتل عثمان ﵁ في الفتنة، ومقتل علي ﵁ بسبب الفتن، ومقتل كثير من الأخيار بسبب الفتنة وإليك تفصيل ذلك: أ - قُتل عمر ﵁، وكان معروفًا بالعدل أمير المؤمنين الخليفة الراشد وله من الفضائل الكثيرة (٤)، ومع ذلك نزلت الفتنة؛ فكانت سببًا في مقتله على يد أبي لؤلؤة المجوسي، فكانت هذه الفتنة شهادة لعمر ﵁، ووبالًا على هذا الكافر الذي مات على كفره، وإليك قصة مقتله التي فيها دروس كثيرة تبين فضل وورع وعدل عمر ﵁: عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِي لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ. قَالَ: انْظُرَا أَنْ

стр. 3040

تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، قَالَ: قَالَا: لَا؛ فَقَالَ عُمَرُ لَئِنْ سَلَّمَنِي الله لأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِى أَبَدًا. قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ. قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أَوِ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، في الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ. حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ. . . . . الحديث" (١). ب - وعثمان ﵁ الذي له من الفضائل الكثيرة، ومن الخير الوافر الكبير، ولما كان يوم مقتله بعد ما حاصره السبئيون، وأراد الصحابة أن يدافعوا عن أميرهم عثمان بن عفان، فأبى إخمادًا للفتنة، وتضحية بنفسه، فقد قال: عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة الا يقاتل، فاستسلم الصحابة لكلام أميرهم وطاعة خليفتهم، فدخل عليه من أرادوا قتله؛ فقام عليه الأفاكون الآثمون وقتلوه، فسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فكان بعد ذلك أن بعث الله على قتلة عثمان من قتلهم جميعًا، ولعل الآية تشير إلى هذا الانتقام (٢). فسبحان الله العلي القدير الذي أمر بالصبر عند البلاء وعند الفتنة، فنادى أهل الإيمان قائلًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك فقال عن حال المؤمن: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خير له. . ." (٣).

стр. 3041

قال ابن القيم: الصبر في البلاء يكون بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بعد أيادي المنن، وبذكر سوالف النعم، ثم قال: وأجمع عقلاء الأمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإن قدر التعب تكون الراحة". (١) أما عن المفسد الذي يكون سببًا في هذه الفتنة، فسينال جزاءه - قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. الوجه الثامن: إن الله تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء، إما لأنه يَحْسُن منه تعالى ذلك بحكم المالكية: (٢) قال رب العالمين في كتابه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. قال الطبري: يعني بذلك: يا الله، يا مالك الملك، يا من له ملك الدنيا والآخرة خالصًا دون غيره، تعز من تشاء بإعطائه الملك والسلطان وبسط القدرة له، وتذل من تشاء بسلبك ملكه وتسليط عدو عليه، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ وأي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأميين من العرب إلهًا، وربًا يعبدونه من دونك، كالمسيح والأنداد التي اتخذها الأُمِّيون ربًا (٣). قال الفخر الرازي: أما قوله ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، فقال الجبائي في تفسيره: إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة، ولا يذل أحدًا من أوليائه، وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم؛ لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة؛ إما بالثواب

стр. 3042

وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة؛ فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنها لما كانا يستعقبان نفعًا عظيمًا لا جرم لا يقال فيهما: إنهما تعذيب. قال: وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز سمى الله تعالى لِين المؤمنين ذُلًّا بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. (١) * * * *

стр. 3043

٤ - شبهة: حول نفي العذاب وإثباته . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٣، ٣٤]. والسؤال: • كيف يصح أن ينفي العذاب أولًا، ثم يثبته آخرًا؟ • كيف يجد النبي ﷺ عذرًا لقومه خاصة، وأنهم طلبوا العذاب مع أن الأنبياء قبل ذلك لم يحاولوا أن يجدوا أعذارًا للكفار من قومهم؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الآية فيها أن الله أمَّنهم من العذاب في أحد الحالين . الوجه الثاني: أن المراد بقوله ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة. الوجه الثالث: أن المراد بقوله ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: المشركين. الوجه الرابع: أن معنى ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون. الوجه الخامس: قيل: إن العذاب الأول غير العذاب الثاني. الوجه السادس: قيل: إن الآية الثانية ناسخة للأولى. الوجه السابع: ماذا عن حال الأنبياء في الكتاب المقدس؟ وإليك التفصيل الوجه الأول: الآية فيها أن الله أمَّنهم من العذاب في أحد الحالين. فالنبي ﷺ خرج مهاجرًا، واستغفارهم معدوم لإصرارهم على الكفر، فاستحقوا الوعيد الآخر، أو أنه تعالى نفى ذلك - أي العذاب - بشرطٍ وأثبته مع فقد الشرط (١).

стр. 3044

قال الطبري: معنى ذلك: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وما كان الله معذب المشركين وهم يستغفرون، أي: لو استغفروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفرون، فقال جل ثناؤه: إذ لم يكونوا يستغفرون ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ونقل ذلك بسنده عن قتادة، والسدي وابن زيد فقال عن قتادة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ قال: إن القوم لم يكونوا يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا، وكان بعض أهل العلم يقول: هما أمانان أنزلهما الله فأما أحدهما فمضي نبي الله، وأما الآخر فأبقاه الله رحمة بين أظهركم، الاستغفار والتوبة (١). فالعذاب لا يتنزل بهم في حالة استغفارهم لو استغفروا، ولا في حالة وجود نبيهم فيهم، لكنه خرج من بين أظهرهم، ولم يستغفروا لكفرهم، ومعلوم أن الحال قيد لعاملها، وصْف لصاحبها، فالاستغفار مثلًا قيد في نفي العذاب، لكنهم لم يأتوا بالقيد، فتقرير المعنى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ لو استغفروا، وبعد انتفاء الأمرين عذبهم بالقتل والأسر يوم بدر (٢). وقد رجح هذا الوجه ابن جرير الطبري في تفسيره فقال: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: تأويله، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وبين أظهرهم مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم؛ لأني لا أهلك قرية وفيها نبيها، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم، وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك؛ بل هم مصرون عليه فهم للعذاب مستحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إليَّ - يراد بذلك لا أحسن إليك، ولكن أحسن إليك؛ لأنك لا تسيء إلي وكذلك ذلك، ثم قيل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بمعنى: وما شأنهم وما

стр. 3045

يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم، فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام. وإنما قلنا هذا القول أولى بالأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن القوم - أعني مشركي مكة - كانوا استعجلوا العذاب فقالوا: اللهم إن كان ما جاء به محمد هو الحق، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله لنبيه: ما كنت لأعذبهم وأنت فيهم، وما كنت لأعذبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذبهم بعد إخراجك منهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام، فأعلمه جل ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بين أظهرهم، ولا وجه لإبعادهم العذاب في الآخرة، وهم مستعجلوه في العاجل، ولا شك أنهم في الآخرة إلى العذاب صائرون؛ بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر الدليل الواضح على أن القول في ذلك ما قلنا (١). قال ابن الجوزي: المعنى: لو استغفروا لما عذبهم الله، ولكنهم لم يستغفروا فاستحقوا العذاب، وهذا كما تقول العرب: ما كنت لأهينك وأنت تكرمني؛ يريدون ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذا لست تكرمني، فإنك مستحق لإهانتي (٢). الوجه الثاني: أن المراد بقوله ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة . فلما هاجر النبي ﷺ وخرج المؤمنون الذين كانوا يستغفرون وبسببهم دفع العذاب، استحق الكفار العذاب بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال ابن الجوزي: وما كان الله معذبهم يعني المشركين وهم - يعني المؤمنين الذين بينهم - يستغفرون، قال ابن الأنباري: وصفوا بصفة بعضهم؛ لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص كما يقال قتل أهل المسجد رجلًا، وأخذ أهل البصرة فلانًا، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد (٣).

стр. 3046

قال الشنقيطي: المراد بقوله: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة، وعليه فالمعنى: أنه بعد خروجه ﷺ ، كان استغفار المؤمنين سببًا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار المستعجلين للعذاب بقوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادق بخصوص المؤمنين منهم، ونظير الآية علي قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ مع أن العاقر واحد منهم بدليل قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] أي: جعل القمر في مجموعهن الصادق بخصوص السماء التي فيها القمر؛ لأنه لم يجعل في كل سماء قمرًا، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أي: من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس على الأصح إذا ليس من الجن رسل. وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادًا بعضه بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] زاعمين أن قوله ﴿مِنْهُمَا﴾ أي من مجموعهما الصادق بخصوص البحر الملح؛ لأن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان، فهو قول باطل بنص القرآن العظيم. فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرين كليهما حيث قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]. فقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ ونص صريح في إرادة العذب والملح معًا، وقوله: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللؤلؤ والمرجان، وعلى هذا القول، فالعذاب الدنيوي يدفعه الله عنهم

стр. 3047

باستغفار المؤمنين الكائنين بين أظهرهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببًا لدفع العذاب الدنيوي، فبعد خروجهم عذّب الله أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسوله ﷺ حتى فتح مكة، ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسبب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تزيل الكفار من المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم، ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوي لعدم تميزهم من المؤمنين، كما بينه بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾، ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزي، وحاصل هذا القول أن كفار مكة لما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، ثم لما هاجر النبي ﷺ بقيت طائفة من المسلمين بمكة أنزل الله قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أي شيء ثبت لهم يدفع عنهم عذاب الله، وقد خرج النبي ﷺ والمؤمنون من بين أظهرهم فالآية على هذا كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١). الوجه الثالث: أن المراد بقوله ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: المشركين . فيكون أن الله تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم، أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا في حالة استغفارهم، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: في الآخرة وقد كانوا كفارًا في الدنيا (٢).

стр. 3048

روى الطبري بسنده عن ابن عباس قال: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي ﷺ : قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك تملكه، وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، قال: فذهب النبي وبقى الاستغفار ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فهذا عذاب الآخرة قال: وذاك عذاب الدنيا (١). قال الشنقيطي: وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا، كما فسر به جماعة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: أثابه من عمله الطيب في الدنيا (٢). الوجه الرابع: أن معنى ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون . قال الشنقيطي: فيكون المعنى أي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وقد سبق في علمه أن منهم من يسلم ويستغفر الله من كفره، وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الذين سبقت لهم الشقاوة لأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا بالقتل يوم بدر (٣). وقد ذكره الطبري بإسناده عن عكرمة: قال سألوا العذاب فقال: لم يكن ليعذبهم وأنت فيهم، ولم يكن ليعذبهم وهم يدخلون في الإسلام (٤). وبإسناده أيضًا عن مجاهد قوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ قال: بين أظهرهم، وقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال يسلمون. (٥) الوجه الخامس: قيل: إن العذاب الأول غير العذاب الثاني .

стр. 3049

فقيل: إن العذاب الثاني قتل بعضهم يوم بدر، والأول استئصال الكل، فلم يقع الأول لما قد علم من إيمان بعضهم وإسلام بعض ذراريهم ووقع الثاني، أو أن العذاب الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، فيكون المعنى، وما كان الله معذب المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة. (١) الوجه السادس: قيل: إن الآية الثانية ناسخة للأولى . (٢) قال الطبري: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب المشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣). وهذا مردود. قال ابن الجوزي: وفيه بُعد؛ لأن النسخ لا يدخل على الأخبار باتفاق أهل العلم (٤). قال ابن جرير: لا وجه لقول من قال ذلك منسوخ بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لأن قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ، وإنما يكون النسخ للأمر والنهي (٥). أما عن سؤالهم كيف يجد النبي ﷺ عذرًا لقومه خاصة، وأنههم طلبوا العذاب مع أن الأنبياء قبل ذلك لم يحاولوا أن يجدوا أعذارًا للكفار من قومهم؟ . والجواب على ذلك نقول: إن في ذلك إعلام بكرامة الرسول ﷺ عند الله، حينما يرفع الله العذاب عن الأمة بسبب نبيه محمد ﷺ .

стр. 3050

قال ابن عاشور: فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ كناية عن استحقاقهم، وإعلام بكرامة رسوله ﷺ عنده؛ لأنه جعل وجوده بين ظهراني المشركين، مع استحقاقهم العقاب سببًا في تأخير العذاب عنهم، وهذه مكرمة أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ ، فجعل وجوده في مكان مانعًا من نزول العذاب على أهله، فهذه الآية إخبار عما قدره الله فيما مضى. ثم قال: وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي ﷺ ، واجتلاب ضمير خطابه بقوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ لطيفة من التكرم؛ إذ لم يقل: وما كان الله ليعذبهم وفيهم رسوله. (١) وقولهم: إن الأنبياء لم يحاولوا أن يجدوا أعذارًا للكفار من قومهم، كلام خطأ، حيث كان النبي يدعو قومه ولا ييأس معهم، وهم معرضون حتى يأمر الله بهلاكهم، والنبي ينذرهم وهم معرضون، والأمثلة على ذلك بدليل واضح من القرآن، وأيضًا من الكتاب المقدس. ها هو نبي الله نوح ﵇ دعا قومه لعبادة الله وهم يعرضون، يدعو وهم يعرضون أكثر، وهذه رحمة الأنبياء التي وصفوا بها، قال تعالى في سورة نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ
следующие страницы →