← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قال الشنقيطي: المراد بقوله: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة، وعليه فالمعنى: أنه بعد خروجه ﷺ ، كان استغفار المؤمنين سببًا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار المستعجلين للعذاب بقوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادق بخصوص المؤمنين منهم، ونظير الآية علي قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ مع أن العاقر واحد منهم بدليل قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] أي: جعل القمر في مجموعهن الصادق بخصوص السماء التي فيها القمر؛ لأنه لم يجعل في كل سماء قمرًا، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أي: من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس على الأصح إذا ليس من الجن رسل. وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادًا بعضه بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] زاعمين أن قوله ﴿مِنْهُمَا﴾ أي من مجموعهما الصادق بخصوص البحر الملح؛ لأن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان، فهو قول باطل بنص القرآن العظيم. فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرين كليهما حيث قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]. فقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ ونص صريح في إرادة العذب والملح معًا، وقوله: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللؤلؤ والمرجان، وعلى هذا القول، فالعذاب الدنيوي يدفعه الله عنهم

стр. 3047

باستغفار المؤمنين الكائنين بين أظهرهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببًا لدفع العذاب الدنيوي، فبعد خروجهم عذّب الله أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسوله ﷺ حتى فتح مكة، ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسبب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تزيل الكفار من المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم، ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوي لعدم تميزهم من المؤمنين، كما بينه بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾، ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزي، وحاصل هذا القول أن كفار مكة لما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، ثم لما هاجر النبي ﷺ بقيت طائفة من المسلمين بمكة أنزل الله قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أي شيء ثبت لهم يدفع عنهم عذاب الله، وقد خرج النبي ﷺ والمؤمنون من بين أظهرهم فالآية على هذا كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١). الوجه الثالث: أن المراد بقوله ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: المشركين . فيكون أن الله تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم، أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا في حالة استغفارهم، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: في الآخرة وقد كانوا كفارًا في الدنيا (٢).

стр. 3048

روى الطبري بسنده عن ابن عباس قال: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي ﷺ : قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك تملكه، وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، قال: فذهب النبي وبقى الاستغفار ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فهذا عذاب الآخرة قال: وذاك عذاب الدنيا (١). قال الشنقيطي: وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا، كما فسر به جماعة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: أثابه من عمله الطيب في الدنيا (٢). الوجه الرابع: أن معنى ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون . قال الشنقيطي: فيكون المعنى أي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وقد سبق في علمه أن منهم من يسلم ويستغفر الله من كفره، وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الذين سبقت لهم الشقاوة لأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا بالقتل يوم بدر (٣). وقد ذكره الطبري بإسناده عن عكرمة: قال سألوا العذاب فقال: لم يكن ليعذبهم وأنت فيهم، ولم يكن ليعذبهم وهم يدخلون في الإسلام (٤). وبإسناده أيضًا عن مجاهد قوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ قال: بين أظهرهم، وقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال يسلمون. (٥) الوجه الخامس: قيل: إن العذاب الأول غير العذاب الثاني .

стр. 3049

فقيل: إن العذاب الثاني قتل بعضهم يوم بدر، والأول استئصال الكل، فلم يقع الأول لما قد علم من إيمان بعضهم وإسلام بعض ذراريهم ووقع الثاني، أو أن العذاب الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، فيكون المعنى، وما كان الله معذب المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة. (١) الوجه السادس: قيل: إن الآية الثانية ناسخة للأولى . (٢) قال الطبري: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب المشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣). وهذا مردود. قال ابن الجوزي: وفيه بُعد؛ لأن النسخ لا يدخل على الأخبار باتفاق أهل العلم (٤). قال ابن جرير: لا وجه لقول من قال ذلك منسوخ بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لأن قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ، وإنما يكون النسخ للأمر والنهي (٥). أما عن سؤالهم كيف يجد النبي ﷺ عذرًا لقومه خاصة، وأنههم طلبوا العذاب مع أن الأنبياء قبل ذلك لم يحاولوا أن يجدوا أعذارًا للكفار من قومهم؟ . والجواب على ذلك نقول: إن في ذلك إعلام بكرامة الرسول ﷺ عند الله، حينما يرفع الله العذاب عن الأمة بسبب نبيه محمد ﷺ .

стр. 3050

قال ابن عاشور: فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ كناية عن استحقاقهم، وإعلام بكرامة رسوله ﷺ عنده؛ لأنه جعل وجوده بين ظهراني المشركين، مع استحقاقهم العقاب سببًا في تأخير العذاب عنهم، وهذه مكرمة أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ ، فجعل وجوده في مكان مانعًا من نزول العذاب على أهله، فهذه الآية إخبار عما قدره الله فيما مضى. ثم قال: وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي ﷺ ، واجتلاب ضمير خطابه بقوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ لطيفة من التكرم؛ إذ لم يقل: وما كان الله ليعذبهم وفيهم رسوله. (١) وقولهم: إن الأنبياء لم يحاولوا أن يجدوا أعذارًا للكفار من قومهم، كلام خطأ، حيث كان النبي يدعو قومه ولا ييأس معهم، وهم معرضون حتى يأمر الله بهلاكهم، والنبي ينذرهم وهم معرضون، والأمثلة على ذلك بدليل واضح من القرآن، وأيضًا من الكتاب المقدس. ها هو نبي الله نوح ﵇ دعا قومه لعبادة الله وهم يعرضون، يدعو وهم يعرضون أكثر، وهذه رحمة الأنبياء التي وصفوا بها، قال تعالى في سورة نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ

стр. 3051

لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ١ - ٢٨]. وشعيب ﵇ يدعو قومه ويسترسل معهم في الدعوة إلى الله تعالى وهم معرضون في سورة هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٨٤ - ٩٥].

стр. 3052

وهكذا جميع الآيات التي تتحدث عن دعوة الأنبياء مع أقوامهم تبين أن الأنبياء كانوا رحمة للقوم، وكان النبي يسترسل معهم في الدعوة حتى يأبوا ويعرضوا إعراضًا تامًا حتى يأذن الله بهلاكهم بسبب عدم استجابتهم لأنبيائهم. الوجه السابع: ماذا عن حال الأنبياء في الكتاب المقدس ؟ أما عن الكتاب المقدس ففيه أيضًا دليل على مثل هذا، ولكن مع إيماننا الكامل الذي لا نشك فيه بتحريف هذا الكتاب، والذي فيه ما فيه من الأمور العظام التي تقدح في الأنبياء باتهامهم بشرب الخمر، وبالزنا، وبالجور، وبالفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهذا لا يليق بالأنبياء عليهم الصلوات والسلام أجمعين. ففي سفر التكوين: في صلاة إبراهيم من أجل سدوم: وَقَالَ الرَّبُّ: "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جدًّا. ٢١ أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ". ٢٢ وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ. فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: "أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ ٢٤ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلَا تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ ٢٥ حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لَا يَصْنَعُ عَدْلًا؟ " ٢٦ فَقَالَ الرَّبُّ: "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ". ٢٧ فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: "إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. ٢٨ رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟ " فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ". ٢٩ فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ". ٣٠ فَقَالَ: "لَا يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلَاثُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلَاثِينَ". ٣١ فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ". ٣٢ فَقَالَ: "لَا

стр. 3053

يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ". ٣٣ وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ. (التكوين ١٨/ ٢٦: ٣٢). وأيضًا في الكتاب المقدس لما تذمر بنو إسرائيل على موسى، وكاد الله أن يلاشيهم غير أن موسى صلى صلاة طويلة بأن لا يؤاخذ بني إسرائيل على شرهم وعنادهم (العدد ١٣، ١٤). وفيه (١٤/ ١٩): اِصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ هذَا الشَّعْبِ كَعَظَمَةِ نِعْمَتِكَ، وَكَمَا غَفَرْتَ لِهذَا الشَّعْبِ مِنْ مِصْرَ إِلَى ههُنَا". ٢٠ فَقَالَ الرَّبُّ: "قَدْ صَفَحْتُ حَسَبَ قَوْلِكَ. * * *

стр. 3054

٥ - شبهة: حول: العشرون والمائة . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ظاهر الآية أن الواحد من المسلمين يجب عليه مصابرة عشرة من الكفار، وقد جاء في الآية التي بعدها خلاف ذلك فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. . .﴾ [الأنفال: ٦٦]. والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الأول منسوخ بالثاني . الوجه الثاني: أن الثاني تخفيف للأول . وإليك التفصيل الوجه الأول: أن الأول منسوخ بالثاني. دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (١). الوجه الثاني: أن الثاني تخفيف للأول. قال أبو جعفر النحاس: وهذا شرح بيَّنَ حُسْنَ أن يكون هذا تخفيف لا نسخًا؛ لأن معنى النسخ رفع حكم المنسوخ، ولم يرفع حكم الأول؛ لأنه لم يقل فيه: لا يقاتل الرجل عشرة؛ بل إن قدر على ذلك فهو الاختيار له (٢). والراجح الوجه الأول على أن الأول منسوخ بالثاني؛ لأنه رفع حكم استقر، وهو وجوب مصابرة الواحد للعشرة بحكم آخر، وهو وجوب مصابرته للاثنين فقط، وهذا هو النسخ بعينه وفي ضمنه التخفيف كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، وهذا نسخ الأثقل بالأخف (٣). * * * *

стр. 3055

٦ - شبهة: حول آيات متعارضة بين سورتي الأنفال والتوبة في نفي وإثبات الولاية . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]، هذه الآية تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر، وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فإنها تدل على ثبوت الولاية بين المؤمنين وظاهرها العموم. والجواب على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: أن الولاية المنفية هي ولاية الميراث ، والولاية المثبتة هي ولاية النصر لا المؤازرة. الوجه الثاني: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا نصيب لكم في المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم في القتال. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن الولاية المنفية هي ولاية الميراث. والولاية المثبتة هي ولاية النصر لا المؤازرة وهذه الولاية لم تقصر بالنفي في قوله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال الطبري: فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم إذا توفى المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي في قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وكان حقًّا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم

стр. 3056

وبين النبي ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذين لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). وساق الطبري - بسنده - إلى ابن عباس فقال: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ في الميراث فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام (٢). قال الشنقيطي: فدل على أن الولاية المنفية غير ولاية النصر فظهر أن الولاية المنفية غير الولاية المثبتة فارتفع الإشكال (٣). الوجه الثاني: معنى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ . أي: لا نصيب لكم في المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم في القتال. قال ابن كثير: في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها إلا فيما حضروا فيه القتال، كما روى بريده بن الحصيب الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه في نفسه بتقوى الله وبمن

стр. 3057

معه من المسلمين خيرًا، "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله الَّذِي يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَىْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِالله وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ الله فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ الله وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَتُصِيبُ حُكْمَ الله فِيهِمْ أَمْ لَا" (١) (٢). قال الشنقيطي بعد ذكر هذا الوجه: وعليه فلا إشكال في الآية، ولا مانع من تناول الآية للوجهين، فيكون المراد بها نفي الميراث بينهم، ونفي القسم لهم في الغنائم والخُمُس، والعلم عند الله. (٣) * * *

стр. 3058

سورة التوبة شبهة: حول محبة الله . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. والسؤال: هل يعني هذا الكلام أن الذي يفضل البشر والأمور الزمنية على الله ويخاف فقدانها، عليه أن ينتظر فتوى من الله أو أمرًا منه، كيف يكون هذا التعليم وما هذا الإيمان المادي؟ كيف أن الله يساوم البشر هكذا على الإيمان؟ وفي الكتاب المقدس يقول: مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي. كيف أن الله يغير رأيه هكذا ويعطي تعليمًا يناقض شخصه؟ ونجد أن القرآن يعطي تعليمًا يناقض شخصه، ثم يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، من يهدي إذًا القوم المؤمنين؟ والسائل يستنكر ما ورد في الآية وغيرها من الآيات عن الله بأنه لا يهدي القوم الظالمين، وأنه سبحانه لا يهدي القوم الفاسقين، ويتعجب السائل: هل المؤمنون هم المحتاجون للهداية أم العصاة والمذنبون؟ ! ويرى أن ذلك مناقضًا لما ورد في كتابهم المقدس بأن الله لا يهدي الأبرار، إنما يتوجه بالهداية إلى العصاة. ويتلخص الرد على هذه القضية في هذه الوجوه: الوجه الأول: تصحيح الفهم. الوجه الثاني: معنى الآية.

стр. 3059

الوجه الثالث: اتفاق معنى الآية مع شرح ما ورد من تعاليم في كتابهم المقدس. الوجه الرابع: الفارق بين محبة الله عند أهل الإسلام والنصارى. الوجه الخامس: الهداية على أنواع؛ وليست هداية واحدة. الوجه السادس: الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم. الوجه السابع: كيفية تبرئة الخطاة عند النصارى، والوصول إلى الهداية عندهم. وإليك التفصيل الوجه الأول: تصحيح الفهم . السائل يفهم الآية على غير معناها، ويترتب على ذلك أن يستنبط ويتصور أمورًا منها ليست فيها، فإن الأمر ليس فيه مساومة بين الله وخلقه كما يدَّعي السائل أن الآية تقصد ذلك؛ إنما غاية الأمر أن الله يحذر ويتوعد الخلق (البشر) الذين يؤثرون الأشياء (الآباء، الأبناء، المساكن) على محبة الله ويركنون إلى الدنيا بأن تحل عليهم عقوبته . الوجه الثاني: معنى الآية . إن معنى الآية هكذا ليس فيه تعارض وبين ما ورد في كتابهم المقدس الذين يخبرون فيه أن الله يقول: (من أحب أبًا أو أمًا أو إخوةً أو حقولًا أكثر مني لا يستحقني)، فالمعنى متطابق ولا تناقض ولا تعارض، فإنه هنا ينفي الاستحقاق للمحبة والرضا للذي يُؤْثِرُ محبة شيء من الدنيا على محبة الله ، ويتضح المعنى بجلاء عندما نذكر بعض ما ورد في تفاسير أهل الإسلام لمعاني هذه الآية، ونذكر منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].

стр. 3060

يقول الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ : (قل) يا رسول الله، للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المُقام مع آبائكم، وأبنائكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وكانت (أموالٌ اقترفتموها) أي اكتسبتموها، (وتجارةٌ تخشون كسادها) بفراقكم بلدَكم، (ومساكنُ ترضونها) فسكنتموها (أحبَّ إليكم) من الهجرة إلى الله ورسوله، من دار الشرك، وأحب إليكم من الجهاد في سبيله، يعني: في نصرة دين الله الذي ارتضاه (فتربصوا) يعني: فتنظَّروا؛ أي: انتظروا (حتى يأتي الله بأمره) حتى يأتي الله بفتح مكة (والله لا يهدي القوم الفاسقين)، أي: والله لا يوفِّق للخير الخارِجين عن طاعته المنغمسين في معصيته (١). فأمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله تعالى وعلى رسوله وجهاد في سبيله؛ أي: إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم (٢). هذه آية شديدة، لا نرى أشد منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقدة الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه: هل يجد عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء، والأبناء، والإخوان، والعشائر، والمال، والمساكن، وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها لأجله؟ أم يزوي الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته فلا يدري أي طرفيه أطول، ويغويه الشيطان عن أجل حظ من حظوظ الدين فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيَّره. (٣) الوجه الثالث: اتفاق معنى الآية مع شرح ما ورد من تعاليم في كتابهم المقدس . لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ، مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا، ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا، ٣٦ وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ

стр. 3061

أَهْلُ بَيْتِهِ، ٣٧ مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي، ٣٨ وَمَنْ لَا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلَا يَسْتَحِقُّنِي (متى ١٠/ ٣٤: ٣٨). قد يفرق الالتزام المسيحي بين الأصدقاء والأحباء، ولم يكن الرب يسوع في قوله هذا يشجع عصيان الوالدين أو الصراع في البيت؛ بل بالحري أراد أن يبين أن وجوده يستلزم قرارًا، وحيث إن البعض سيتبعونه والبعض الآخر لن يتبعوه، فلا بد أن ينشب الصراع، فحالما نحمل صليبنا ونتبعه، فإن قيمنا وأخلاقياتنا وأهدافنا وغايتنا المختلفة لا بد أن تفصلنا عن الآخرين، يجب ألا تهمل عائلتك، كما يجب ألا تهمل دعوتك العليا؛ إذ يجب أن يكون لله الأولوية المطلقة في حياتك. ويدعونا المسيح إلى رسالةٍ أسمى في الحصول على الراحة والهدوء في هذه الحياة؛ فمحبة العائلة وصية من وصايا الله، ولكن هذه المحبة يمكن أن تكون لخدمة الذات، ومبررًا لعدم خدمة الله أو إنجاز عمله، لكي نحمل صليبنا ونتبع المسيح يلزم أن نطرح عنا كل الهموم والأولويات الأخرى، فعندئذٍ فقط نبدأ فقط في تحقيق التزامنا للمسيح، يجب أن نستسلم تمامًا لله في استعداد كامل لمواجهة أي شيء، ولو كان الموت والألم من أجله. (١) قلت: فإنه بقراءة شرح عبارة كتابهم المقدس يتطابق معنى الآية وتفسيرها في أنه يجب أن يكون لله الأولوية المطلقة في حياتك، فلا تؤثر محبة شيء في الدنيا على محبة الله . الوجه الرابع: الفارق بين محبة الله عند أهل الإسلام والنصارى . ولكن هناك فارق بين أهل الإسلام والنصارى في المراد من (محبة الله). فعند أهل الإسلام: محبة الله هي توجب عبوديتَه وطاعتَه وتَتَبُّعَ مرضاته واستفراغَ الجهد في التعبد له والإنابةِ إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فُرِضَ تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق. (٢)

стр. 3062

فهو سبحانه يستحق غاية الحب، والطاعة، والثناء، والمجد، والتعظيم لذاته ولما له من أوصاف الكمال، ونعوت الجلال، وحبه والرضى به وعنه، والذل له والخضوع، والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته. (١) فعبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله ﷺ . بينما (محبة الله) عند النصارى تعني: أن الذي دفع الله إلى قتل المسيح على الصليب هو محبته للعالم، وفي ذلك هم يقولون: إن موت المسيح كان إعلانًا لمحبة الله، وأن الله هو الذي أخذ الخطوة الأولى في عملية الفداء، وذلك محبته للإنسان: (لأن الله كان في محبته لنا ونحن بعدُ خطاةُ مات المسيح لأجلنا)، ثم (أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ) رومية (٨/ ٣).، ثم (الَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟ ). (رومية ٨/ ٣٢). فمحبة الله التي تظهر في ذبيحة المسيح هي الأساس الذي يبني عليه الرسول (بولس) فكره اللاهوتي كله. فانظر، هل يُعقل أن يحب الله البشر الخطاة أكثر من حبه للمسيح البار؛ فيضحي به من أجلهم؟ ! وهو لم يرتكب ذنبًا، فيُضرب ويُشتم ويُهان ويُعذب ويُصلب! ! ، وهم يقولون: إن الله فعل ذلك محبةً، فالمسألة إذن أن النصارى وإن كانوا يتفقون معنا في أن المؤمن يجب أن يؤثر محبة الله وأمره على كل شيء؛ إلا أنهم يختلفون معنا في المقصود بمحبة الله، فهم يعتقدون أن محبة الله تعني أنه مات وصُلب من أجل خطية آدم فداءً للبشر الخطاة. بينما المسلمون يعنون بمحبة الله: تعظيمه وطاعته وتنفيذ أوامره، عبودية بكمال الحب والخضوع والذل، وبالتالي فإن النصارى يرفضون أي قول يخالف معتقدهم، ويحاولون

стр. 3063

التشكيك أو التحريف لمعاني الآيات؛ وذلك لتوافق مذهبهم الباطل. الوجه الخامس: الهداية على أنواع؛ وليست هداية واحدة . ١ - هداية مشتركة بين جميع المخلوقات: بأن أعطى الله كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال. ٢ - هداية البيان والتعريف والدلالة لطريق الخير والشر: وهي التي يقدر عليها الرسل وأتباعهم، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام؛ فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا لا ينبغي الهدى معها. ٣ - هداية التوفيق والإلهام: وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، وهذه الهداية تفرد بها الله ، وهي تجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب. ٤ - الهداية إلى الجنة والنار: المراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المؤدية إليها؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤, ٥]. وسنذكر هذه الأنواع بشيء من التفصيل لتتضح الصورة - إن شاء الله -: أولًا: إن المقصود والمراد من قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وما شابهها من الآيات هو أن الله نفى عن هؤلاء القوم الظالمين والقوم الفاسقين حصول هداية التوفيق والإلهام والتأييد منه لهم، والتي تجيء بمعنى خلق الإيمان في قلوبهم، فمنعهم الله هذه الهداية لخروجهم عن طاعته ؛ ولظلمهم ولفسقهم، وإن كان لم يمنعهم الله هداية البيان والدلالة التي تقوم بها على عباده في طاعتهم لله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. والقول بأن المؤمنين غير محتاجين إلى الهداية هذا قول غير صحيح أيضًا، فإن المؤمن يسأل ربه الهداية دومًا وباستمرار؛ ولذا يتوجه بهذا الدعاء في كل صلاة لحاجته إلى ذلك ولجهله بكثير مما يصلحه، وحاجته إلى عونه سبحانه في تحصيل ما ينفعه، وأن يُثبِّته على الحق، وأن يزيده الله هدى ويلهمه رشده، وأن الله هدى هؤلاء القوم الظالمين

стр. 3064

والفاسقين هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا؛ فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه. فاعلم أن أنواع الهداية أربعة: أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهداية الجماد المسخر لما خلق له؛ فله هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها، وكذلك كل عضو له هداية تليق به؛ فَهَدَى الرِجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له، وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه، ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو فتبارك الله رب العالمين، ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر، وأول وهلة، وأحسن طريق، وأشدها اختصارًا، وأبعدها من كل شبهة؛ فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدًى، ولم يتركها معطلة؛ بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها، كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهمَلًا، وسدًى معطَّلًا، لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته؟ ! هل يتركه معطَّلًا، لا يأمره، ولا ينهاه، ولا يثيبه، ولا يعاقبه؟ وهل هذا إلا منافٍ لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله؟ ! ولهذا أَنْكَرَ ذلك على مَنْ زَعَمَه، ونَزَّهَ نفسه عنه، وبَيَّنَ أنه يستحيل نسبةُ ذلك إليه، وأنه يتعالى عنه، فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى

стр. 3065

اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥, ١١٦]، فنزه نفسه عن هذا الحسبان، فدل على أنه مستقر بطلانُه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل، وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك. ومن فَهِمَ هذا فَهِمَ سرَّ اقتران قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وكيف جاء ذلك في مَعْرِضِ جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأَنَّ مَنْ لم يهمل أمرَ كلِّ دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه؛ بل جعلها أُمَمًا، وهداها إلى غاياتها ومصالحها، وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم؟ فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها. النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنَجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. أي: بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وفي قول النبي ﷺ : "من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" (١)، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ

стр. 3066

لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس: ٩]، وقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣] (١). والأمر الذي يحتاج إلى التفصيل (النوع الثاني، والثالث). يقول القرطبي في تفسيره: الهدى هديان: هدى دلالة؛ وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق فقال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، فالهدى على هذا يجيء بمعنى: خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥]. مرتبة البيان العام: وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه بحيث يصير مشهودًا للقلب كشهود العين للمرئيات، وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [التوبة: ١١٥]، فهذا

стр. 3067

الإضلال عقوبة منه لهم حين بين لهم فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا به فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه أحدًا قط إلا بعد هذا البيان. وإذا عَرفْت هذا عَرفْت سرَّ القدر، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب، وعلمت حكمة الله في إضلاله مَنْ يضله من عباده، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. فالأول كفر عناد، والثاني كفر طبع، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾، فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له، فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه موضع عظيم. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، فهذا هدى بعد البيان والدلالة وهو شرط لا موجب، فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء وهو هدى التوفيق والإلهام. وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرئية؛ وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله، وأسمائه، وصفاته، وكماله، وصدق ما أخبرت به رسلُه عنه؛ ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكير في آياته المشهودة، ويحضهم على التفكر في هذه وهذه، وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم، وبعد ذلك يضلُّ الله مَنْ يشاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾، فالرسل تبين والله هو الذي يضل مَنْ يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته. البيان الخاص: وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة؛ وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب، فلا تتخلف عنه الهداية البتة؛ قال تعالى في هذه

стр. 3068

المرتبة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فالبيان الأول شرط وهذا موجب؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣]. وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ؛ فإن ذلك حاصل لهم وبه قامت الحجة عليهم، لكن ذاك إسماع الآذان وهذا إسماع القلوب، فإن الكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الآذان والقلب وتعلق بهما؛ فسماع لفظه حظ الأذن وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب، فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن؛ قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢، ٣]، وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه أو تمكنه منها، وأما مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه؛ بل يخرج السامع قائلًا للحاضر معه: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]، والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن؛ ومرتبة الإفهام أعم فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه؛ ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلقاته وإشاراته، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب، ويترتب على هذا السماع سماع القبول فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة (١).

стр. 3069

الوجه السادس: الهدى والضلال ومراتبهما، والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله، فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال. وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم، وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن، فأما مراتب الهدى فأربع: إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مراتبه. المرتبة الثانية: الهدى بمعنى: البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة. المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى، وإرادته يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. المرتبة الرابعة: الهداية إلى طريق الجنة والنار يوم القيامة. المرتبة الأولى: الهداية العامة: قال : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، فذكر سبحانه أربعة أمور عامة: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، وجعل التسوية من تمام الخلق، والهداية من تمام التقدير؛ قال عطاء: خلق فسوى: أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يُخلُّ بالتناسب والاعتدال، وهذه الهداية العامة هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب ﵎ وأسمائه وصفاته وتوحيده، قال تعالى إخبارًا عن فرعون أنه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)

стр. 3070

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩, ٥٠]، قال مجاهد: أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم، ولا البهائم خلق الإنسان، وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى؛ قال عطية ومقاتل: أعطى كل شيء صورته، وقال الحسن: أعطى كل شيء صلاحه، والمعنى: أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته، ومطعمه، ومشربه، ومنكحه، وتقلبه، وتصرفه؛ هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين، فيكون نظير قوله: (قدر فهدي)، فالله سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به، ثم هداه لما خلق له، ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره، فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته (١). المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين: وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرط فيه أو جزء سبب، وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب؛ بل قد يتخلف عنه المقتضى؛ إما لعدم كمال السبب، أو لوجود مانع؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى، فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها، فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أي: جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها، وقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا

стр. 3071

يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ [آل عمران: ٨٦] وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونفى عنه ملك الهداية الموجبة؛ وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة، فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلًا، وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلًا، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها؛ فإنها هداية تخص المكلفين، وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ [الزمر: ٥٦, ٥٧]. وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك: ٨, ٩]. فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟ قيل: حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم، وأراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا، ولم يَحُلْ بينهم وبين تلك الأسباب، ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته، فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل بينهم وبينه، نعم قطع عنهم توفيقه ولم يُرِدْ من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه، فما حال بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا

стр. 3072

يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه، فتأمل هذا الموضع، وأعرف قدره والله المستعان. المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل . وهذه المرتبة أخص من التي قبلها، وهذه المرتبة تستلزم أمرين: أحدهما فعل للرب تعالى وهو الهدى، والثاني فعل العبد وهو الاهتداء؛ وهو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]. وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه، ولا إلى أحد غير الله، وأن الله سبحانه إذا أضل عبدًا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال اهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم؛ بل الهدى كله منه، ولولا هدايتُه لهم لما اهتدوا وقال تعالى:

стр. 3073

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧]. (١) يتضح مما سبق: أن المقصود بالهداية في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وما شابههما من الآيات المقصود منها هداية التوفيق والإلهام والتأييد. الهدى هنا يجيء بمعنى: خلق الإيمان في القلب، وهذا لايكون إلا لله وحده، وقد استحق هؤلاء القومُ الظالمون والفاسقون ذلك لخروجهم عن طاعة الله . قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قولان: الأول: فتح مكة، الثاني: العقاب (٢). وقال الحسن: بعقوبة آجلة أو عاجلة، أي: بقضائه، وهذا تهديد وتخويف (٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلمين ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا (٤). ولما كان من آثر حب شيء من ذلك على حبه تعالى، كان مارقًا من دينه راجعًا إلى دين من آثره، وكان التقدير: فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا تهتدون إلى دفعها بنوع حيلة؛ لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية، ومعلوم أن من كان كذلك فهو مطبوع في الفسق، عطف عليه قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ أي: الجامع لصفات الكمال، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ أي: لا يخلق الهداية في قلوب ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى صار

стр. 3074

الفسق - وهو الخروج مما حقه المكث فيه والتقيد به وهو هنا الطاعة - خلقًا من أخلاقهم ولازمًا من لوازمهم؛ بل يَكِلُهم إلى نفوسهم فيخسروا الدنيا والآخرة (١). قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ونحوها من الآيات، ومعلوم أنه لم ينفِ هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة؛ فإنه حجته على عباده، وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها: هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب؛ فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة، وهذا التأويل من أبطل الباطل؛ فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته قسمين: قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعباد فقط، في القسم المقدور للغير: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال في غير المقدور للغير: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، ومعلوم قطعًا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تُنفى عنه، وكذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان؛ فإن هذا يُهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان؛ قال ابن مسعود: ﵁ "علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا لله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٢). وعند أبي داود عن عبد الله بن الحارث قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية، فحمد الله وأثنى عليه، وعنده جاثليق يترجم له ما يقول، فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، فنفض جبينه كالمنكر لما يقول، قال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، يزعم أن الله لا يضل أحدًا، قال عمر: كذبت أي عدو الله؛ بل

стр. 3075

الله خلقك وقد أضلك ثم يدخلك النار، أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك، إن الله خلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون، فقال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه، قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر (١). حاجة المؤمن للهداية: قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦] أمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس، وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولما كان العبد في كل حال مفتقرًا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها وأمور هُدِيَ إلى أصلها دون تفصيلها أو هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدىً، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خالٍ عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية، وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلة (٢). ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾؛ قال ابن كثير: أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها وألهمهم رشدهم (٣). ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فالهداية هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان

стр. 3076

والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق، وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه وتزيينه في القلب وجعله مؤثرًا له راضيًا به راغبًا فيه، وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام (١). فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة؛ لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه (٢). الوجه السابع: كيفية تبرئة الخطاة عند النصارى، والوصول إلى الهداية عندهم . النصارى يرون أن سبيل الحصول على الخلاص من الخطية هو الإيمان بالمسيح مخلصًا، وأنه مات على الصليب فداءً للبشر من خطية آدم، وهم يشرحون طريقة الخلاص كالآتي: التبرير (٣): هو إعلان البر: أي إعلان لا ذنب لمن اعتُبر مذنبًا. . وهو قبول الإنسان لنعمة بها يمنحه الله مغفرة ذنوبه ومصالحته معه، وتدل اللفظة على أن الإنسان المذنب يتقبل برَّ الله فيصبح بارًا بفعل شاءته نعمة الله، فيحصل على دينونة لصالحه، مع أن هذا ليس أمرًا عاديًا، ولا يمكن للإنسان أن يتوقعه.

стр. 3077

مراحل التبرير: بما أن الخطيئة (أكل آدم من الشجرة) التي هي تمرد على مشيئة الله تسود العالم - قرر الله أن يحرر الإنسان من العبودية ومن لعنة الخطيئة؛ هذا هو السبب (في نظر المسيحي) الذي لأجله أرسل الله ابنه الذي يتم فداء الإنسان من يد الشر (موت المسيح على الصليب فداءً لخطايا البشر كما يزعمون). هذا يسمى سر الفداء، فالله بالمسيح يظهر في نعمته بره الذي يتلاقى مع حبه، به يعطي الله حقًّا بره للإنسان. يليق بالإنسان أن يتقبل في ذاته نعمة الفداء، والطريقة التي بها يدرك نداءه وخلاصه هي التبرير بحصر المعنى، وهكذا يكون للمؤمن البَرِّ الذي يقدم له، بما أنه يؤمن فهو يدخل في مخطط الله ويعلن اتفاقه مع الله من أجل تحقيق خلاصه. وتحصل حركة أخيرة في الإنسان الذي تأكد الآن من خلاصه؛ فالذي يعرف أنه تبرر بالمسيح يحس بنفسه مدفوعًا ليعبر بدوره عن امتنانه وحبه بأعمال تبرهن على أنه ارتبط بمشروع الله؛ هذا ما يسمى التقديس. والتقديس يعني: أن المؤمن انفتح على قداسة الحياة، بهذه الطريقة يكتمل عمل خلاص الله، ونحن عارفون أن هذه الحركات الثلاث تتداخل من وجهة الله فتكوِّن وحدةً واحدةً. فالله (يفتدي) لكي (يبرر)، ويبرر لكي يقدِّس، فهدفه واحد، وهو يفعل في الإنسان بحيث يخلصه. * * *

стр. 3078

سورة يونس وفيها: ١ - شبهة: حول نجاة فرعون من الغرق. ٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾.

стр. 3079

١ - شبهة: حول نجاة فرعون من الغرق . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]، ذكرت آية أن فرعون غرق، وفي الأخرى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] أي: أنه لم يغرق، ثم إن التوراة لم تذكر خبرًا عن غرق فرعون، وقد أيدت التواريخ أن فرعون موسى لم يغرق؛ لأنه لم يخرج مع جيشه. والجواب من وجوه: الجواب الأول: معنى ننجيك ببدنك. الوجه الثاني: الجمع بين الآيتين. الوجه الثالث: تأييد العلم الحديث ما أخبر به القرآن عن غرق فرعون. الوجه الرابع: تناقض في التوراة حول غرق فرعون. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] إن المعترض على الآية الكريمة فهم منها أن الآية تخاطب فرعون بأنك اليوم ستنجو ببدنك من الغرق؛ بمعنى: أنك لن تموت غريقًا مع جنودك - هكذا ظن -، في حين أن الآية الأخرى تثبت له الغرق مع جنوده، ولو دقق النظر في هذه الآية لما استشكل فهمها عليه، وقد ذكر المفسرون عدة معاني لهذه الآية الكريمة منها: (١) يقول تعالى ذكره لفرعون: اليوم نجعلك على نَجْوةٍ من الأرض ﴿بِبَدَنِكَ﴾ ينظر إليك هالكًا من كذَّب بهلاكك، والنجوة: الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض (١). (٢) ويجوز أن يكون المعني: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق (٢).

стр. 3080

(٣) ويجوز أن يكون المعنى على سبيل التهكم، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ كأنه قيل له: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال: نعتقك ولكن بعد الموت، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت (١). ولعل في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: في تنصيص الآية على كلمة ﴿بِبَدَنِكَ﴾ ما يشير إلى أنه قد مات بعد أن أغرقه الله؛ لأنه لا تكون النجاة بغير البدن، فإذا نجا الإنسان فلا حاجة إلى القول (نجا ببدنه)، فلما نص تعالى على كلمة ﴿بِبَدَنِكَ﴾ علم أنه نجا البدن بغير روح، إذا كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًا (٢). الوجه الثاني: الجمع بين الآيتين . وبعد أن عرضنا للمعاني المتنوعة للآية الأولى - وهي معانٍ متوافقة وليست متعارضة - يمكن الآن الجمع بين الآيتين: فالأولى التي في سورة القصص: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ تبين الغرق للجميع لفرعون وجنوده؛ وهو كذلك، وتؤيده الآية الثانية أن فرعون غرق مع الغارقين إلا أنه تميز عنهم بأنه نجا ببدنه بعد أن فارقته الروح، ولكن الآخرين لم يعثر لهم على أثر، وسبب نجاة بدن فرعون ذكرته الآية الكريمة: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ فكان في نجاة فرعون ببدنه ووجود بدنه إلى عصرنا هذا أكبر آية على قدرة الله تعالى وإهلاكه للظالمين، وفيه آية لمن اتعظ واعتبر. وعن ابن عباس ﵁ قال: فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلف في المدائن من قوم

стр. 3081

فرعون: ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحي إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا، فلفظه عريانًا أصلع أخيبس قصيرًا، فهو قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (١). الوجه الثالث: تأييد العلم الحديث ما أخبر به القرآن عن غرق فرعون . وها أنا أنقل هذه القصة بنصها عن أشهر الجراحين الفرنسيين (موريس بوكاي) رئيس قسم الجراحة في جامعة باريس، اعتنق الإسلام عام (١٩٨٢ م)، وكان من مهارته في الجراحة قصة عجيبة قلبت حياته وغيرت كيانه وهي: (اشتهر عن فرنسا أنها من أكثر الدول اهتمامًا بالآثار والتراث، وعندما تسلم الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل (فرانسوا ميتران) زمام الحكم في البلاد عام (١٩٨١ م) طلبت فرنسا من (مصر) في نهاية الثمانينات استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة، فتم نقل جثمان أشهر طاغوت عرفته مصر، وهناك وعلى أرض المطار اصطف الرئيس الفرنسي منحنيًا هو ووزراؤه وكبار المسؤولين في البلد عند سلم الطائرة ليستقبلوا فرعون مصر، وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء واكتشاف أسرارها، وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية هو البروفيسور (موريس بوكاي)، وكان البروفيسور (موريس بوكاي) يحاول أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني، وفي ساعة متأخرة من الليل ظهرت نتائج تحليله النهائي، لقد كانت بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقًا، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورًا، ثم أسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه، لكن ثمة أمرًا غريبًا ما زال يحيره؛ وهو كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها

стр. 3082

استخرجت من البحر؟ ! كان (موريس بوكاي) يُعد تقريرًا نهائيًا عما كان يعتقده اكتشافًا جديدًا في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، حتى همس أحدهم في أذنه قائلًا: لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء، ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر واستغربه، فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة، فقال له أحدهم: إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروي قصة عن غرقه وعن سلامة جثته بعد الغرق، فازداد ذهولًا وأخذ يتساءل: كيف يكون هذا؟ وهذه المومياء لم تكتشف أصلًا إلا في عام (١٨٩٨) ميلادية أي: قبل مائتي عامٍ تقريبًا، بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟ ! وكيف يستقيم في العقل هذا والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئًا عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط؟ جلس (موريس بوكاي) ليلته محدقًا بجثمان فرعون يفكر بإمعان عما همس به صاحبه له من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجثة بعد الغرق، بينما كتابهم المقدس (إنجيل متى ولوقا) يتحدث عن غرق فرعون أثناء مطاردته لسيدنا موسى ﵇ دون أن يتعرض لمصير جثمانه البتة. . . وأخذ يقول في نفسه: هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون مصر الذي كان يطارد موسى؟ ! وهل يعقل أن يعرف محمدُهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه؟ ! لم يستطعْ (موريس) أن ينام، وطلب أن يأتوا له بالتوراة فأخذ يقرأ في سفر الخروج من التوراة قوله: (فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلَا وَاحِدٌ) (الخروج: ١٤/ ٢٨)، وبقي (موريس بوكاي) حائرًا، حتى الإنجيل لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة بعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمه أعادت فرنسا لمصر المومياء بتابوت زجاجي فاخر يليق بمقام فرعون،

стр. 3083

ولكن (موريس) لم يهنأ له قرار، ولم يهدأ له بال منذ أن هزَّه الخبر الذي يتناقله المسلمون عن سلامة هذه الجثة. فحزم أمتعته وقرر أن يسافر إلى المملكة السعودية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين، وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكتشفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق. . . فقام أحدهم وفتح له المصحف وأخذ يقرأ له قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]. لقد كان وقع الآية عليه شديدًا، ورجت له نفسه رجةً جعلته يقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته: (لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن). رجع (موريس بوكاي) إلى فرنسا بغير الوجه الذي ذهب به، وهناك مكث عشر سنوات ليس لديه شغل يشغله سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العلمية والمكتشفة حديثًا مع القرآن الكريم، والبحث عن تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن ليخرج بعدها بنتيجة قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. كان من ثمرة هذه السنوات التي قضاها الفرنسي موريس أن خرج بتأليف كتاب عن القرآن الكريم هزَّ الدول الغربية قاطبة، ورج علماءها رجًا، لقد كان عنوان الكتاب: (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم. . . دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة). . . فماذا فعل هذا الكتاب؟ من أول طبعة له نفد من جميع المكتبات (١). الوجه الرابع: تناقض في التوراة حول غرق فرعون . فقد ورد في التوراة أن فرعون لم يغرق، وأنه موجود فيها ما يدل على غرقه، وهذا هو التناقض الذي نسبه إلى القرآن، ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين، وما يجيب به في التوفيق يكون إجابةً لنا.

стр. 3084

ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج (١٤/ ٢٨): (فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلَا وَاحِدٌ) وفي الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر: (تُغَطِّيهِمُ اللُّجَجُ. قَدْ هَبَطُوا فِي الأَعْمَاقِ كَحَجَرٍ). وفي التوراة ما نصه: (ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون، إذ لا دلالة عليا في هذا النبأ، ولا من قول المرنم) (مزمور ٥٣: ٧٨، ١١: ١٠٦)، وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه، ومعنى قوله: إن قول المرنم لا يدل على غرقه هو أن داود ﵇ في المزمور ٧٨ والمزمور ١٠٦ قال كلامًا عن فرعون لا يدل صراحةً على غرقه؛ ونص (٣: ٧٨) هو: (أما أعدائهم فغمرهم البحر)، ونص (١١: ١٠٦) هو: (وَغَطَّتِ الْمِيَاهُ مُضَايِقِيهِمْ. وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَبْقَ.). هذا عن عدم غرق فرعون، أما عن غرقه ففي المزمور (١٥: ١٣٦): (ودفع فرعون قوته في بحر يوسف، لأبه إلى الأبد رحمته)، وفي ترجمة أخرى: (أغرق فرعون وجيشه في البحر الأحمر إلى الأبد رحمته)، ومفسروا الزبور - وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون - كتبوا عن فرعون: (فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم، فما تم له ما أراد، بل اندحر شر اندحار). فنحن نطالب المعترض أن يجيب أولًا عن هذا التناقض الموجود في كتابه الذي يؤمن به ثم يعترض على القرآن. * * * *

стр. 3085

٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ . نص الشبهة: قال تعالى في سورة (يونس: ٩٤): ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾. والسؤال: هذا حال كل مسلم عندما يرى الاختلافات بين القرآن والكتاب المقدس ويتساءل أين الحقيقة؟ عليه حسب هذه الوصية أن يسأل الذين يقرءون الكتاب أي: أهل الكتاب؟ وهذه وصية لا تطاع عند المسلمين، وكررها أيضًا في (الأنبياء: ٧): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ ثم إذا كان الله يتكلم إلى نبي الإسلام، لماذا يعطيه كلامًا فيه شك؟ وإذا سأل أهل الكتاب وقالوا له الحقيقة المغايرة لما كتب في القرآن ماذا يفعل؟ ! والرد من وجوه: الوجه الأول: ليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا السؤال أصلًا؛ فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط، بل ولا على إمكانه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾. (١) وقد يتعلق الحكم بشرط ممتنع لبيان حكمه، وذلك كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون مع انتفاء الشرك عنهم؛ بل مع امتناعه لأنهم قد ماتوا، ولأن الأنبياء معصومون من الشرك، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ
следующие страницы →